بوخارين ونظرية الإمبريالية
تتماشى أحداث حرب الخليج مع الرؤية التقليدية العامة للإمبريالية: غزو دولة صغيرة بواسطة دولة أخرى كبيرة لنهب ثرواتها المادية. ولكن لا تحوى كل الحروب مكاسب مثل بترول الكويت، فأي مكسب كانت ستخرج به أمريكا من فيتنام؟ وأي مكسب جناه الناتو من قصفة ليوغسلافيا؟ من أجل تحليل هذه الحروب نحتاج إلى إطار موحد…. إلى نظرية. ويستحق نيقولاي بوخارين التقدير على تقديمه لتلك النظرية في كتابه “الإمبريالية والاقتصاد العالمي”.
انتمى بوخارين إلى صفوف الحركة الاشتراكية الثورية الروسية، ويعد من أهم معاوني لينين في بناء الحرب البلشفي. كان لكتيب بوخارين عن الإمبريالية ضرورة ملحة في فترة صدوره عام1915، إذ انهمك العمال الأوروبيون في ذبح بعضهم البعض باندلاع الحرب العالمية الأولى، وتدفقت حمامات الدم في كل مكان، وانهارت الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية بتأييدها لحكوماتها “الوطنية”. وفي أرجاء العالم وقفت حفنة ضئيلة من الاشتراكيين ضد الحرب مثل تروتسكي ولينين في روسيا، دييز في أمريكا، لوكسمبورج وليبكنخت في ألمانيا. تجمع هؤلاء لمحاولة لم شتات الحركة العمالية وإعادة بنائها أمميًا. وكان عليهم- من أجل تنظيم دعايتهم وتحريضهم- أن يجددوا ويطوروا النظرية الماركسية لشرح كيف تقود الرأسمالية نفسها للبربرية.
ماركس يقدم الأساس النظري:
يحلل الماركسيون المظاهر الأساسية والاتجاهات في المجتمع- بما في ذلك السياسة والصراع الاجتماعي والدبلوماسية والحرب- كنتيجة لتطور الإنتاج المادي. ببساطة يجب على البشر في كل المجتمع اتباع طريقة محددة للعمل الجماعي من أجل العيش، وتفرز طرق العمل الجماعي المختلفة أشكال متعددة من المؤسسات وصور متباينة من العائلة والملكية والصراع والقمع.
الرأسمالية بطبيعتها الداخلية متناقضة ومثيرة للصراع لأن علاقة الإنتاج الأساسية هي الاستغلال الاقتصادي للطبقة العاملة بواسطة البرجوازية. ويخلق هذا التناقض الكامن في قلب عملية الإنتاج نظم للقمع مهمتها الحفاظ على هذه العلاقات الاجتماعية. ويقع معظم أعباء تلك المهمة على كاهل الدولة التي تقوم على إدارة أدوات القمع – الشرطة، السجون، القوانين، نظم الملكية. ولهذا السبب على وجه التحديد يستنتج الماركسيون أن الدولة – التي نشأت بظهور المجتمعات الطبقة الأولى – لا تمثل المجتمع كله، بل هي سلاح بيد الطبقة المستغلة. والتناقض بين العمال والرأسماليون ليس الصراع الوحيد بداخل النظام الرأسمالي، فهناك صراع عنيف آخر بين الرأسماليون أنفسهم بسبب تنافسهم على تحقيق الأرباح.
وتنتج المنافسة ميلاً للتوسع مما جعل الرأسمالية النظام الاقتصادي الوحيد على مدار التاريخ الذي نجح في اكتساح العالم كله. فمن أجل توسيع تجارتهم خارج نطاق حدودهم المحلية لجأت البرجوازية لخدمات الدولة القمعية – في هيئة الجيوش والأساطيل البحرية لتدمير مقاومة الشعوب الأخرى للاستعمار ولقطع الطريق على الدول الرأسمالية الأخرى التي تحاول الحصول على نصيبها من غنائم المستعمرات.
وحتى هذا الحد لا تعتبر فكرة “الإمبراطورية الرأسمالية” غريبة عن ماركس، فهو الذي أتى بهذا المصطلح. وفي البيان الشيوعي يكتب: “تكتسح البرجوازية، مدفوعة بحاجتها لأسواق جديدة، الأرض بأسرها… ولم تعد الصناعات الجديدة تستخدم مواد خام محلية بل مواد خام تستخرج من أبعد المناطق.
لم تصل أفكار ماركس إلى تكوين نظرية كاملة عن الإمبريالية، ولكن يرجع هذا إلى أنه لم يعش ليرى اكتساح الرأسمالية للعالم. ومع ذلك قدم ماركس الأدوات التحليلية لتلك النظرية بشرحه للميل العنيف والمستمر لدى الرأسمالية للتوسع.
بوخارين يكتب مع بداية قرن الحروب والثورات:
تعد إضافة بوخارين الرئيسية للنظرية هي توضيح كيف أدى تطور الإنتاج لاحقًا – في القرن العشرين – إلى نتائج لم يرها ماركس؛ أهمها العسكرة الشديدة – إبان وقت السلم للدول الرأسمالية المتقدمة؛ والضغوط التي تدفع هذه الدول لاستخدام قواها العسكرية ضد بعضها البعض. بدأ بوخارين بالنظر لبعض الخصائص والاتجاهات الاقتصادية التي لاحظها ماركس في الماضي – تلك الاتجاهات التي أصبحت بحلول 1915 واضحة للغاية: نمو حجم الوحدات الرأسمالية، وتضاؤل عددها في كل قطاع إنتاج.
خلق نمو واندماج رأس المال تأثيرين متناقضين. الأول هو اتخاذ رأس المال طابعًا قوميًا. فينمو الشركات وابتلاعها للشركات الأخرى الأكثر ضعفًا، نشأ تركز ضخم لرأس المال ليحتكر – أو شبه يحتكر – قطاعات إنتاج كاملة على المستوى القومي. وأدارت الدولة مباشرة بعض الاحتكارات، والباقي أداره رأسماليون بمشاركة الدولة متمتعين بامتيازات مثل الحماية الجمركية؛ وطلب الدولة للبضائع؛ وطلب الدولة للبضائع؛ وتحديدها لأسعار مربحة. وفي تلك العملية تختفي فوضى المنافسة في قطاعات إنتاج بأكملها وتستبدل بالتنظيم الشديد. فيقول بوخارين: “تدخل جميع أجزاء هذا التنظيم – اتحادات منتجين (كارتل). بنوك. الشركات المملوكة للدولة – في عملية نمو جماعي… يخلق تكوين اتحادات المنتجين (الكارتل) مجموعة ذات مصالح في أوساط بنوك التمويل… تصبح شركات الدولة أكثر اعتمادًا على المجموعات “الصناعية – المالية” والعكس صحيح. وتشجع مناطق التركز (أو بمعنى آخر النمو) وعملية التنظيم إحداهما الأخرى خالقة اتجاه قوي لتحويل الاقتصاد القومي بأكمله إلى شركة واحدة ضخمة ومركبة تحت سيطرة ملوك المال والدولة الرأسمالية…”. وبتقليل حدة المنافسة داخل حدود الدولة القومية يدفع نمو وحدات رأس المال إلى تنافس شرس على مستوى عالمي بين الدول الرأسمالية على الأسواق المواد الخام الرخيصة.
اخترق رأس المال حدود الدولة القومية ومشط الأرض بحثًا عن منافذ للاستثمار المربح. وخلال الفترة (1876 – 1914) نجحت القوى العظمى في استعمار ما يقرب من ضعف مساحة أوروبا نفسها.
ببداية القرن كان معظم العالم قد قسم على الدول الاستعمارية وظهر للوجود سوق عالمي مميز. وتضاءلت بشدة المناطق التي يمكن التوسع فيها واستعمارها، فاشتعلت منافسة محمومة بين القوى العظمى على تلك المناطق، وبدأ طلب الدول على السلاح يزداد يواكبه زيادة تدخل الدولة في الاقتصاد، وتحول القوى العظمى إلى “رأسماليات دول احتكارية”.
ولخص بوخارين اتخاذ المنافسة شكل سباق التسلح بين الدول: “يؤدي تطور الرأسمالية العالمية… إلى عولمة الحياة الاقتصادية (في حين) أن نفس عملية التطور الاقتصادي تكثف الميل لاتخاذ المصالح الرأسمالية طابع قومي “ليشكل ذلك مجموعات قومية محدودة مسلحة حتى أسنانها ومستعدة للهجوم على بعضها البعض في أي لحظة، ثم يتحول كبت فوضى المنافسة داخل البلدان عن طريق الاحتكار إلى انفجار بين الدول على شكل حرب.
الطبيعة الحقيقية للإمبريالية:
يقدم هذا العرض السريع لنظرية بوخارين إطارًا لشرح أهم خصائص الإمبريالية اليوم. أولاً بالرغم من تأكيد بوخارين على أهمية المستعمرات في زمانه، فإن نظريته توضح أن الإمبريالية لا تعني المستعمرات فقط. أتى الدافع للنزاع حول المستعمرات من المنافسة الاقتصادية، وقد استمرت هذه المنافسة منذ حصول المستعمرات على استقلالها، بل وسعت بعض المستعمرات السابقة (الهند، باكستان، إيران، العراق، إلخ) إلى خلق محيط للسيطرة على الدول المجاورة، وشكلت قوى إمبريالية مصغرة إقليمية. ففي الأصل تعني الإمبريالية تقسيم الربح العالمي – أو ما يصفه ماركس بـ”فائض القيمة”.
ولهذا السبب – يكتب بوخارين – الإمبريالية لا تعني الحروب فقط. تأتي الحروب كذروة للصراع المستمر على السيطرة الاقتصادية بين الطبقات الحاكمة القومية. وفي وقت السلم يواكب الحرب الاقتصادية بين كتل رأس المال القومية أسلحة سياسية ودبلوماسية. وتأتي أيضًا التحرشات العسكرية في هذا السياق. تعيد الحروب ترتيب التصنيف الاقتصادي للطبقات الحاكمة في العالم، وبالتالي تعيد توزيع أسهم فائض القيمة العالمي.
وعلى ضوء ذلك يمكننا أيضًا فهم لماذا أحيانًا لا تكون الحروب الإمبريالية سعيًا وراء الاستيلاء على ثروات مادية. إنها تحارب من أجل “الحق” المستقبلي في الحصول على الثروة والاعتراف بالمكانة المثلى في التصنيف العالمي للطبقات الحاكمة. في يوغسلافيا – مثلاً – حارب الناتو لإثبات هيمنته السياسية في أوروبا وليبث الرهبة في قلوب منافسي العرب الاقتصاديين (الصين، اليابان، إلخ).
ويصبح الدافع الإمبريالي أكثر وضوحًا إذا نظرنا للوراء بضعة أشهر… إلى بداية الاندماج النقدي لأوروبا الغربية. يأتي إنشاء العملة الموحدة (اليورو) – بالإضافة – إلى خطوات أخرى تدفع في طريق الاندماج النقدي – كخطوات رئيسية تجتاز إقامة السوق المشتركة في 1957، الحركة باتجاه الاتحاد محاولة للتغلب على الحوائط المتبادلة التي تحمي كتل رأس المال الوطني بدون الدخول في كارثة الاستيلاء بالقوة على أراضي الجيران. لقد اختارت ألمانيا خيار الاستيلاء القسري مرتين هذا القرن لنفس الأسباب التنافسية، والآن تحاول ألمانيا طريقة جديدة، وتتبعها في ذلك بريطانيا وفرنسا والدول الأخرى.
ولكن محاولات الوحدة الاقتصادية السلمية تحفها أخطار حروب البلقان التي هددت بتمزيق الناتو ذلك الحلف الذي يضم العديد من بلدان أوروبا. ففي حالة انتشار الحرب كانت دل الحلف ستنقسم إلى تأييد جوانب مختلفة من المتنازعين. وهذا ما بدأ في الظهور أثناء الحرب الأهلية الأولى في بداية التسعينيات عندما أيدت ألمانيا كرواتيا؛ وأيدت بريطانيا مسلمي البوسنة. يترتب على ذلك أن التدخل العسكري لإنهاء صراع البلقان مصيري لمستقبل الاتحاد الاقتصادي الأوروبي. والحرب للولايات المتحدة مهمة للحفاظ على تأثيرها السياسي في محيطها الأوروبي في وقت تبدأ أوروبا فيه بالبروز كقوة تحاول الاستقلال عن أمريكا.
تراث بوخارين:
يستحق بوخارين التقدير لوضعه التنافس الاقتصادي والعسكري العالميين في إطار نظري موحد. وقد أثر ذلك على لينين الذي شرع في كتابة “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية” بعد كتابته لمقدمة كتيب بوخارين. أظهرت عبقرية بوخارين نفسها في قدرته على التوصل لاستنتاجات عميقة بالاعتماد على ملاحظات قليلة. تلك الاستنتاجات التي مازالت صالحة لدراسة الإمبريالية في يومنا هذا. فعلى سبيل المثال شرح بوخارين الميل نحو اندماج رأس المال والدولة في وقت لم تحدث فيه العملية بصورة كاملة، ولكنها لاحقًا ظهرت بصورة شبه كاملة في ألمانيا النازية واليابان أثناء الحرب العالمية الثانية، وظهرت بصورة كاملة تمامًا في روسيا الستالينية، واستمرت عملية نمو الاحتكارات وتدخل الدولة في الاقتصاد طوال فترة الحرب الباردة وحتى يومنا هذا.
في وسط ظلام الحرب العالمية نادى بوخارين بالاشتراكية للقضاء على مذابح ومجاعات الرأسمالية. لقد خلقت الرأسمالية إمكانيات غير مسبوقة للعمل الجماعي والوفرة التي يمكن استخدامها لإسعاد البشر أجمعين. ولكن الاقتصاد العالمي – الذي خلق تلك الإمكانية الرائعة – مبنيًا على الاستغلال والصراعات القومية التي تدمر أي أمل للسلام العالمي ومشاركة الثروات. الرأسمالية لا تستطيع تحقيق ذلك، ولكن العمال يستطيعون… باتحادهم أمميًا للإطاحة بأغلال السوق.





