بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

هل هناك بديل لفوضى السوق؟

“هذا المقال للاشتراكية الثورية سام أشمان يتحدث عن جنون الرأسمالية وعن بديلها الاشتراكي. ترسم أشمان صورة للاشتراكية الحقيقية حيث حاجة البشر هي أساس كل قرار اقتصادي، وحيث ديمقراطية المصنع هي الوجه الآخر لديمقراطية المجتمع بأسره. ولكن ما ينبغي أن نذكر قارئنا هنا به هو أن الوصول للاشتراكية يقتضي معركة شرسة ضد سلطة ودولة رأس المال – يقتضي ثورة عمالية من أسفل تخلق سلطة من نوع جديد هي سلطة المجالس العمالية. وإذا كان مقال أشمان لا يتحدث عن الثورة، فهذا لأنه يركز كل مجهوده ليفضح مدى التناقض بين عالمين: عالم الرأسمالية بقبحه ووحشيته، وعالم الاشتراكية المبني بنضال الجماهير لمصلحة جموع الجماهير”.

يبدو اليوم كما لو كل الناس أصبحوا يعتقدون أن النظام الرأسمالي العالمي مجنون، وذلك في ظل التقلبات الهائلة التي تشهدها أسواق الأسهم وأسعار العملات. فها هو جورج سوروس – المضارب في البورصات والأسواق الذي يمتلك مليارات عديدة – يكرر كل أسبوعين توقعه حول الانهيار الوشيك للرأسمالية.

الاشتراكيون لديهم بديل لهذا الجنون: نظام يرتكز على التخطيط الديمقراطي من أجل تلبية الحاجات الإنسانية. سيعني هذا النظام تخطيط الإنتاج ككل، بدلاً من تركه في يد الشركات الخاصة. المدافعين عن الرأسمالية يقولون أن هذا لا يمكن أبدًا أن ينجح. ولكن في الواقع فإن الطبقة الحاكمة نفسها تتحدث الآن عن نوع من التخطيط العالمي بهدف درء الكوارث، إلا أنه لا يمكنها تحقيق أي نوع من الخطة العقلانية، وذلك لأن هذه الطبقة تقاتل بعضها بعضًا (سعيًا وراء الأرباح).

صحيفة “الفاينانشيال تايمز” تعد أساسًا بمثابة نشرة داخلية لمناقشة الشئون الكبرى للرأسمالية في العالم. هذه الصحيفة تدعو للتدخل الحكومي. ولنأخذ مثال صندوق الولايات المتحدة للوقاية من الخسائر المسمى بـ “إدارة رأس المال طويلة الأجل”، والذي يقوم بدور الإنقاذ العالمي (للمؤسسات الرأسمالية). فقد أنفق مصرفيو العالم 2 بليون جنيه إسترليني من هذا الصندوق لإيقاف انهيار شركة روزرويس. دفع بنك باركليز 250 مليون جنيه إسترليني في هذه العملية، ومن المحتمل أن يخسر كل قرش دفعه. أما الـ “يو. بي. إس”، أكبر بنك في أوروبا، فقد شطب فورًا كديون معدومة الملايين من الجنيهات الإسترلينية التي ساهم بها.

نحن نقول: إذا كان في مقدورهم توفير مئات الملايين لإنقاذ أصحاب المصارف، فلماذا ليس في مقدورهم توفير الأموال اللازمة للحفاظ على وظائف العمال؟ في اليابان تعتزم الحكومة تأميم أحد البنوك الكبرى لأن الجميع يخشون أنه إذا انهار هذا البنك فسوف ينهار النظام البنكي بأكمله كما لو كان صف من قطع الدومينو. فلماذا لا يستطيعون تأميم الشركات المهددة بالإغلاق؟

تعد حرية حركة رأس المال واحدة من المبادئ الرئيسية التي يعتنقها المدافعين عن حرية السوق. ولكن الآن – فجأة – بدأ بعض كبار رجال الأعمال في العالم يقولون أنه من الضروري التحكم في رأس المال لإيقاف التدفق الهائل للأموال خارج دول شرق آسيا وأمريكا اللاتينية، والذي يهدد بحدوث كارثة.

هذه المقادير المحدودة من التخطيط تقترح كلها من أجل سبب واحد فقط: الدفاع عن الأرباح. يريد الرأسماليون التدخل الحكومي فقط من أجل الدفاع عن مصالحهم. غير أن النظام الرأسمالي لا يلجأ لبعض التخطيط في فترات الطوارئ فحسب. فبعض جوانب هذا النظام تكون دائمًا مخططة. نجد أن رؤساء الشركات الكبرى والمتعددة الجنسية يجلسون ليخططوا قراراتهم الاستثمارية لأعوام، إن لم يكن عقود، قادمة. وإذا أرادت واحدة من الشركات أن تبيع منتجاتها في منطقة جديدة من العالم، فعليها أن تبني أو تشتري مصانع ومكاتب، وعليها أن تتأكد من وجود وسائل مواصلات لنقل المنتجات إلى المناطق المحيطة. هذه أشياء لا يمكن إعدادها بين ليلة وضحاها. وإنما يجب أن تقدر الشركة الطلب المتوقع على منتجاتها والأماكن التي يمكن أن تمثل مصدر للطلب على هذه المنتجات.

إن شركات السوبر ماركت تفعل ذلك طول الوقت. فهي تقدر حجم الخضروات والخبز ومسحوق الغسيل الذي تحتاج لشرائه، وتخطط مسبقًا لافتتاح فروع جديدة، وتنظم شبكات المنتجين لإمدادها بالسلع، وتعد عقود طويلة الأجل مع المزارعين. بعض حسابات هذه الشركات تكون غاية في الدقة، وبعضها الآخر يثبت خطؤه الفادح، وعلى هذا الأساس تعدل الحسابات مجددًا.

ولكن المشكلة الأساسية في هذا النوع من التخطيط هي أنه موظف كلية لهدف تحقيق الربح، لا لهدف تلبية الحاجات الإنسانية، وهي أيضًا أنه تخطيط في إطار نظام أساسه هو المنافسة. ومن ثم فإن “فورد” تخطط لزيادة نصيبها من السوق على حساب “جنرال موتورز” أو “دايملر – بنز”، بينما تريد “نايك” أن تزيد مبيعاتها عن مبيعات “أديداس”. تضيع هذه الشركات ثروات هائلة في الإنفاق على التسويق والإعلان بهدف ضرب المنافسين.

تكرر كل واحدة من الشركات المتنافسة “البحوث والتطوير” الذي تجريه الشركات الأخرى، بدلاً من التعاون والمشاركة في نتائج البحوث. أيضًا، تهرع هذه الشركات إلى تلك المناطق في العالم التي تعتقد أنها ستحقق فيها الربح. وبالرغم من كل الحديث عن عولمة الاقتصاد الدولي، إلا أننا نجد أن 75 % من الاستثمارات الأجنبية في العالم تذهب إلى الولايات المتحدة وغرب أوروبا واليابان – أي إلى حيث يوجد الربح – بينما تتلقى الدول العشرة الكبار من مجموعة الدول النامية 16.5 % من الاستثمارات. أما بقية العالم – الملايين من الفقراء والجوعى في أفريقيا وآسيا – فيتلقى 8.5 % فقط.

ولأن جميع الشركات تذهب وراء الربح، فإن السوق يصاب بحالة من التشبع، وتنخفض بالتالي أسعار السلع. ثم تبدأ الشركات في الشكوى من “الطاقة الزائدة”، وتقوم بإغلاق مصانعها وتضع أموالها في أماكن أخرى. وهكذا يتحول الرواج إلى كساد وإفلاس، وتتحطم حياة الملايين من البشر، وتهدر الموارد. كيف يمكننا إيقاف هذا الجنون؟ يجب علينا أولاً تحدي أولويات هذا النظام سياسيًا.

هم يقولون أن أقلية عليها أن تعمل لساعات طويلة جدًا في حين أن الملايين في طول العالم وعرضه عاطلين. أما نحن فندافع عن ساعات عمل أقل – دون تخفيض في الأجور – وذلك من أجل خلق وظائف أكثر لأولئك الذين يحتاجونها. وسوف يؤدي هذا إلى تقليص أرباح أصحاب الأعمال. ولكن هذا لا يهم. فلماذا يفرض على العمال دائمًا أن يدفعوا الثمن؟

يقول توني بلير (رئيس وزراء بريطانيا) أنه لا يوجد بديل للسوق؛ ولكن نحن نطالب أن تتدخل الحكومة لإيقاف إغلاق المصانع وذلك عن طريق تأميمها. ولقد قامت الحكومة بإجراء شبيهة في الماضي بالفعل: مثلاً في حالتي بريتيش ليلاند، ورولز رويس. وفي بداية السبعينات، عندما كانت شركة أبر كلايد لصناعة السفن في إسكتلنده مهددة بالإغلاق، قام العاملون باحتلال الشركة ورفضوا الرحيل إلى أن تدخلت الحكومة. وقد حظي احتلال المصنع بدعم عمالي واسع، وأصبح بمثابة شعاع الأمل لكل عامل يواجه خطر الفصل لزيادته عن الحاجة. وفي النهاية حصل عمال أبر كلايد على تنازلات كبيرة من الإدارة والحكومة.

بنفس الطريقة، يمكننا اليوم إجبار بلير (وغيره من الحكام) على الرضوخ. نحن نقول أن المصانع المهددة بالإغلاق ينبغي أن تؤمم، ثم تباع سلعها بأسعار رخيصة حتى يستطيع من يحتاجون إليها شرائها – أو توظف الماكينات ومهارات العمال في صنع سلع أخرى يحتاجها الناس. ولا ينبغي أن يحصل أصحاب المصانع على تعويضات مقابل هذا. فلماذا نغدق عليهم بينما يواجه الآخرين كلهم المصاعب والبطالة؟

إذا قام العمال باحتلال مصانعهم، فإن ذلك سوف يصيب أصحب الأعمال بالهلع. وستحاول الطبقة الرأسمالية نقل ثرواتها خارج البلاد في محاولة للحفاظ عليها (هذا بالطبع بالرغم من أنه ليس في مقدورها أن تفك المصانع والمكاتب وتشحنها للخارج ببساطة). ولذلك فسوف يكون على العمال أن يطالبوا بقواعد تمنع حركة الأموال والودائع، وأن يصروا على حق الفيتو حول حركة أموال الصناديق الاستثمارية. ونظرًا لأن الرأسماليين يكذبون بصدد هذه المسائل (التي تخص أموالهم)، فسوف يكون على العمال أن يضغطوا على الحكومة لتأميم البنوك والمؤسسات المالية الكبرى، مع الإصرار على حق العمال القاعديين في مجال البنوك في الإشراف على حركة الأموال إلى داخل وخارج البلاد. وسيؤدي ذلك إلى إثارة عداء هائل من جانب الطبقة الحاكمة. وهنا سوف يكون على العمال أن ينزلوا إلى الشوارع وأن ينظموا الإضرابات – سوف يكون عليهم الوقوف في وجه أصحاب الأعمال والدولة دفاعًا عن هذه الإجراءات.

في غمار هذه العملية سوف يخلق العمال أشكال جديدة تمتلك إمكانية إدارة المجتمع على أسس مختلفة تمامًا. وقتها سوف يكون ممكنًا استخدام “اللجان العمالية” – التي تولد بداية لتلبي ضرورات الصراع المباشر – في تخطيط الإنتاج على نطاق أوسع بكثير. في كل موقع للعمل سوف يقوم البشر العاديين بالإشراف على الإنتاج وبالتحكم في طريقة توظيف الموارد. لن يعني ذلك هدم كل التراكم السابق والبدء من الصفر، ولن يعني أيضًا التخلي عن كل الأشكال الجزئية للتخطيط التي نمت في ظل الرأسمالية. ولكن الذي سيحدث هو أن الإدارة لن يكون بمقدورها أن تأخذ قرارات بمعزل عن العمال، بدون رقابة عمالية تحدد ما إن كانت هذه القرارات مبررة أم لا.

سوف يكون أساس كل قرار هو تلبية الحاجات الإنسانية، وليس تحقيق الربح لعدد قليل من الأفراد. “اللجان العمالية” سوف تكون خاضعة لحق الإقالة الفورية إذا لم ترض نسبة كافية من العمال عن أدائها. وبمرور الوقت سوف تكون لدى هذه اللجان صورة عن الحاجات المطلوبة وعن الأماكن التي تلزمها هذه الحاجات. وسوف تكون هناك حاجة للتنسيق على المستوى الإقليمي، والقومي، والدولي. وسوف تلتقي الوفود العمالية لتحديد الأولويات.

مجتمع كالذي نتحدث عنه لن يكون “القادة” فيه كالقادة الذي نراهم اليوم – لن يكون القادة من أصول طبقية مختلفة، ولن يكونوا مختلفين عن البشر العاديين، ولن تكون لهم مصالح منفصلة تخصهم. سوف يكونون عمال عاديين مثلنا يحاولون تحقيق ما في وسعهم لمصلحة الجميع. لن يكون هذا المجتمع مثل الاتحاد السوفيتي قبل انهياره. فلم يكن الاتحاد السوفيتي منظمًا لتلبية الحاجات الإنسانية. بل كان يدار بالشكل الذي تمليه البيروقراطية التي كانت في منافسة عسكرية مع الغرب، والتي كانت ترغب في الحفاظ على مواقعها المتميزة في المجتمع.

إن كل هذا لا يعد حلمًا. فهذا النوع من “اللجان العمالية” ولد تقريبًا في كل الثورات الاجتماعية الكبرى خلال المائة عام الماضية. إن الاشتراكية الحقيقية سوف تقلب أولويات السوق العالمي الحالية. الحاجة سوف تأتي قبل الربح. مصالح الأغلبية سوف تكون أهم من مصالح الأقلية الثرية. وعالم العمل سوف يتحول: فسوف يختفي المدير المزعج، والملاحظ المكروه، وسوف يحل محلهم التعاون والسيطرة العمالية.

إن عالمًا كهذا يمكن أن يبنى على أساس إزاحة الطبقة الحاكمة الحالية. وعلى أساس السيطرة على الثروات الهائلة المتوفرة لمصلحة العمال والكادحين. وقتئذ سوف ترتكب بالطبع أخطاء، وسوف تكون هناك خلافات عديدة حول الأولويات وترتيبها. ولكنه سوف يكون عالم أكثر رقيًا بكثير من الجنون الذي نعيشه اليوم.