بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

هل تكفي أقليةٌ مخلصة لتغيير المجتمع؟

إن الاتكال على القدر أو على العمل الإرادي لا يوفر الوسيلة الفعّالة لتحول المجتمع الرأسمالي. لذا نحن بصدد الحديث عن فكرتان متعارضتان، والغريب، أن كلاهما يُنسب إلى الماركسية. الأولى هي القدرية، الإيمان بفكرة أن التاريخ يأخذ مسارًا حتميًا، بغض النظر عما يفعله الناس. والثانية هي مسألة الإرادة، فكرة أن مجرد قوة الإرادة تكفي لتحقيق أي شيء.

في الحالة الأولى يسود الاعتقاد بأن الاشتراكية هي أمر حتمي لا مفر منه، وبالتالي فإن التطورات التي تحدث في ظل النظام الرأسمالي ستؤدي تلقائيًا إلى سقوطه وانتصار الاشتراكية. أما في الحالة الثانية، فيؤمن بعض الأناركيين وغيرهم من النشطاء بأن الأفعال الصغيرة الصادرة عن مجموعات قليلة العدد بإمكانها أن تشعل ثورة ضخمة، فيما يسمى أحيانًا بـ “دعاية الفعل”.

في الواقع، إن فكرة “القدريّة” أي الإيمان المطلق بالقضاء والقدر، تعد نظرة مادية شديدة الفجاجة. نظرًا لأنها تنكر أي قوة أو سلطة للأفكار البشرية. فمن وجهة النظر القدريّة، ما البشر إلا ألعوبة في يد التاريخ. بينما تُعد “الإرادوية” فكرة مثالية بحتة من حيث أنها تنسب جميع الإمكانات لأفكار الإنسان. والحقيقة أن الماركسية ترفض هذين النهجين على حدٍّ سواء.

إن القدرية تساوي الآن الإيمان بالحجج التي ساقها الفيزيائي إسحق نيوتن في القرن السابع عشر، والذي اعتقد أن معرفة السبب والنتيجة وراء كل فعل ورد فعل في الكون، أمر كافي لتوقع المستقبل بدقة تامة. ووفقًا لهذا المنهج، ليس هناك اعتبار لأفعال الأفراد أو لأقوالهم، لأن هناك ظروفًا ليست من اختيارهم ترغمهم على التحرك قدمًا في مسار محدد سلفًا. وبطبيعة الحال، لو كان هذا صحيحًا، ربما ما كنت لأتكبد عناء كتابه هذا!

أما المؤمنون بفكرة الإرادوية، فيقولون عكس ذلك. وفقًا لهم فإن كل شخص، أيًّا كان، طالما لديه طموحًا أوحلمًا ما، فإن هذا الحلم يمكن تحقيقه بغض النظر عن الظروف المادية أو الاجتماعية السائدة. وهكذا، في حين تغافل المنهج القدري عن حقيقة أن البشر هم صانعو التاريخ، هم من يفكرون، هم من يعملون ويتفاعلون مع بعضهم البعض ومع بيئتهم، نسيّ أنصار الإرادوية أن، كما قال ماركس، رغم أن الناس هم من يصنعون التاريخ، فإن هذا الفعل لا يحدث وفقًا لظروف من اختيارهم، ولكنهم أسرى تلك الظروف التي ورثوها عن الماضي.

إن وجهة النظر الإرادوية لا تستطيع أن تفسر لنا لماذا تغاضينا نحن البشر بادئ ذي بدء عن فكرة اللامساواة التي ظهرت بظهور المجتمعات الطبقية منذ حوالي عشرة آلاف عام. ورد في عظة تعود للقرن الرابع الميلادي ما يلي: “كان النعيم بينهم، لم يعانِ أحدٌ من نقص، لأنهم لم يمنحوا جزءًا واحتفظوا بالآخر لأنفسهم، لقد تساووا جميعًا وعاشوا في رغد عظيم.” (*).

يتضح من خلال هذا الجزء البسيط من تلك العظة، أن المُثل الاشتراكية كالمساواة والحرية كانت موجودة قبل أن ينادي بها ماركس بوقت طويل. ولكن في القرن الرابع، كانت الاشتراكية مجرد حلم. وبشكل أكثر وضوحًا، كان مستوى الإنتاجية الاقتصادية لفلاحي الريف في هذا الوقت، لا تكفي لدعم مجتمع يقوم على الوفرة والمشاركة. لذلك، كان من المستحيل على أي عمل إنساني آنذاك، سواء قام به عدد قليل أو كثير، تغيير هذا الوضع.

من يصنع التغيير؟
غالبًا ما ترتبط الإرادوية ارتباطًا وثيقًا بالاستبدالية، أي أن يحاول عدد صغير من الناس تقديم أنفسهم كبديل عن قوى اجتماعية أكبر. ومن أبرز الأمثلة التي توضح الاستبدالية، المناضل الثوري اللاتيني تشي جيفارا وعصبة المقاتلين معه. بدون جذور حقيقية في المجتمع، ومع عدم دراية وإلمام بالظروف التاريخية، حاول جيفارا وزملاؤه من المقاتلين الانخراط في حرب عصابات من أجل تحرير بوليفيا في فترة ستينيات القرن العشرين، هذا على الرغم من أن الطبقة العاملة في بوليفيا كانت على قدر كبير من التنظيم والنضال في ذلك الوقت.

هناك حقيقة هامة أغفلتها كل من الإرادوية والاستبدالية، تلك الحقيقة هي أن كل التغييرات الاجتماعية الكبرى، من نهاية نظام الفصل العنصري، إلى إلغاء التمييز العنصري في جنوب أمريكا، إلى سقوط أي طاغية مكروه كلها أمورٌ كانت نتيجة لتحركات جماهيرية ضخمة. بالطبع يمكن أن يكون للأفراد والجماعات تاثيرًا على التاريخ، ولكن فقط في حالة ما إذا كانت أفكارهم وتننظيماتهم متلائمة مع الظروف المادية المتقدمة مما يتيح لهم الفرصة كي تصبح أهدافهم حقيقة واقعة.

وبسبب كل من وفرة الثروات والبؤس المدقع الذي تخلفه، خلقت الرأسمالية الظروف المادية للمجتمع الاشتراكي. ولكن، حتى مع ذلك، يجب أن يتبنى الملايين الأفكار الاشتراكية حتى تصبح قوة مادية قادرة على إحداث التغيير الثوري الحقيقي. كتب فريدريك إنجلز يقول: “إن متصوفي العصور الوسطى من كانوا يحلمون بالألفية القادمة كانوا بالفعل على وعي بالظلم الناتج عن التناقضات الطبقية”.

لكن حركة جماهيرية من أجل خلق مجتمع عادل، كما يجادل إنجلز، أصبحت ممكنة فقط لأن “الصناعة الحديثة واسعة النطاق دفعت بالبروليتاريا إلى حيز الوجود، الطبقة التي يمكنها أن تطالب بالالغاء لأول مرة في التاريخ، ليس إلغاء تنظيم طبقي معين، أو وضع حدٍ لامتيازات طبقة معينة، ولكن المطالبة بإلغاء الطبقات ذاتها”.

– نُشِرَ المقال باللغة الإنجليزية في صحيفة “العامل الاشتراكي” الأمريكية، بتاريخ 6 يوليو 2001.

(*) قائل العظة هو القديس “يوحنا ذهبي الفم” بطريرك القسطنطينية، عُرف بذهبي الفم لقدرته الخاصة على الوعظ والتبشير – المترجمة.