بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

حول ديمقراطية الحزب

نشرت المقال لأول مرة باللغة الإنجليزية، في مجلة «الاشتراكية الأممية»، عدد أكتوبر 2009..

حقا، إن أول ما ينسى هو المنطلقات، الأمور الأساسية…

الأمر الأول هو أنه يوجد في الواقع حكام ومحكومين، قادة وتابعين. بل أن مجمل علم وفن السياسة يستند إلى هذه الحقيقة البديهية غير القابلة للاختزال (في ظل شروط عامة معينة) هناك أمر جوهري في تكوين القادة: هل نريد يظل هناك دائماً حكام ومحكومون أم نريد خلق الشروط التي تلغي ضرورة استمرار هذا التقسيم؟.. مع ذلك، يجب أن نفهم أن التقسيم بين حكام ومحكومين هو أمر واقع في ظل الظروف القائمة، حتى في داخل كل مجموعة على حدة وحتى داخل المجموعات المنسجمة اجتماعيا. وإن أخطر “الأخطاء”هي التي تحدث بصدد هذه المسألة بالأساس. فالاعتقاد السائد هو أن الطاعة تصبح أمرا تلقائيا بمجرد الاتفاق على مبادئ المجموعة، بل وقد تعتبر غير قابلة للنقاش.. ومن ثم يصبح من الصعب تخليص القيادة من العادات الديكتاتورية.. أي القناعة بأن الأمور تتم بالشكل الذي يعتقد القادة أنه الصواب والمنطقي، وإن لم تتم بهذا الشكل “فاللوم”يقع على الآخرين الذين “كان لابد وأن…”الخ جرامشي1

يبحث هذا المقال في القضية المثيرة للكثير من الجدل الخاصة بالديمقراطية الداخلية للحزب”في ضوء التراث الماركسي والتجارب القديمة والحديثة، كما ينظر في التحدي الذي طرحه من قبل عالم الاجتماع الألماني روبرت ميكلز (Robert Michaels) على النظرية الماركسية في الشق الخاص بالحزب ظناً مننا أنه عبر مواجهة الأسئلة ومحاولة الإجابة علي تلك التحديات سنصل إلى فهم عمق للطبيعة الحقيقية للمشكلة. على هذا الأساس يحاول المقال أن يعيد صياغة موضوع ديمقراطية الحزب بطريقة تختلف عن تلك التي دائماً ما تفرض على اليسار، أي باعتبارها هدف يجب دائما السعي لتحقيقه أكثر منه عرفا يجب الالتزام به. التراث: حين انضم كل من ماركس وإنجلز إلى “عصبة العدل”في عام 1947، وهي مجموعة سرية أممية كانت مكونة بالأساس من حرفيين ألمان، التي تحولت إلى العصبة الشيوعية فيما بعد والتي كتبا من أجلها “البيان الشيوعي”، كان ذلك بشرط، ضمن شروط أخرى: “تمتع المنظمة بقدر عظيم من الديمقراطية، حيث تنتخب القيادة كما يمكن إزاحتها”.2

لم يكن هذا الشرط مصادفة ولا عشوائيا وإنما كان شرطا جوهريا للنظرة الجديدة للعالم والممارسة السياسية التي أقنعا العصبة بتبنيها، أي ميثاق الصراع الطبقي الذي حدداه في البيان الشيوعي، حيث الطبقة العاملة ذاتها سوف تنجز تحول المجتمع – أي الثورة. قبل ماركس وإنجلز وقبل ظهور الطبقة العاملة الحديثة كان الشكل الغالب على التنظيم الثوري هو النادي السري أو المؤامرة السرية – وهو النموذج الموروث عن الثورة الفرنسية في عام 1789، التي تنبأت بتحول المجتمع من خلال انقلاب من أعلى يقوم به القلة المخلصة والمستنيرة. وقد انتشر هذا المفهوم، البرجوازي بالأساس، للثورة في كافة أنحاء التحركات الأوروبية في أربعينات القرن التاسع عشر، حتى أن ماركس وإنجلز اعتبرا أن ديمقراطية الحزب هي الوسيلة الأساسية لمواجهته. “هذا وحده (الهيكل الديمقراطي للحزب) كفيل بأن يقضي على التآمرية التي تستدعي الديكتاتورية” 3

بالتالي فإن الالتزام بالديمقراطية الداخلية للحزب منقوشة في تراثنا منذ إرهاصاته الأولى وظل يعاد التأكيد عليه منذ ذلك الحين. “النقد في إطار الحدود المبدئية للحزب يجب أن يكون حرا” هكذا كتب لينين4، “…وحدة العمل، وحرية النقاش والنقد. هذه القواعد فقط تستحق أن تنسب للحزب الديمقراطي للطبقة المتقدمة. البروليتاريا لا تعترف بوحدة العمل في غياب حرية النقاش والنقد”.5

في كتابه الثورة المغدورة، 1936 يؤكد تروتسكي على أن: النظام الداخلي للحزب البلشفي كان يتسم بالمركزية الديمقراطية. الجمع بين هذين المبدأين، الديمقراطية والمركزية، ليس بأي حال من الأحوال متناقضا. لقد انتبه الحزب ليس فقط إلى أهمية ترسيم جدوده بصرامة، وإنما أيضا إلى حق كل من انضم في إطار هذه الحدود أن يتمتع بحق فعلي في تحديد اتجاه سياسة الحزب. لقد كانت حرية النقد والصراع الفكري تشكلان عنصرين لا تنازل عنهما في ديمقراطية الحزب. الاعتقاد السائد بأن البلشفية لا تسمح بالتكتلات هو خرافة مرتبطة بانحدار مرحلة. فالواقع أن تاريخ البلشفية هو تاريخ من صراعات الفرق المختلفة، فكيف يعن لمنظمة ثورية أصيلة، تحمل نفسها مهمة تغيير النظام في العالم وتوحيد أكثر الثوار والمناضلين والمتمردين جرأة تحت رايتها أن تحيا وتتطور بدون صراعات فكرية، بدون مجموعات وتشكيل تكتلات مؤقتة؟

كذلك يقول دانكان هالاس (Duncan Hallas) في عام 1971: مثل هذا الحزب (الحزب الاشتراكي الثوري) لا يمكن أن ينشأ سوى على قاعدة ديمقراطية حقيقية: فبدون أن يصبح الجدال العميق هو القاعدة في الحياة الداخلية للحزب، وبدون التعبير عن كافة التيارات وتنوعات الآراء داخله لا يمكن لحزب اشتراكي أن يتجاوز كونه طائفة. الديمقراطية الداخلية ليس إضافة اختيارية. إنما هي جوهرية في العلاقة بين أعضاء الحزب والجمهور الذي يعمل في وسطه6. لكن يجب أن نضيف هنا أن هذا الأمر لا يقتصر على الحزب الماركسي أو الثوري. فالغالبية العظمى من منظمات الطبقة العاملة بمختلف أشكالها، سواء كانت اتحادات أو نقابات أو تعاونيات.. الخ، تؤسس، على الأقل، على دساتير وبطموحات ديمقراطية. الطبقة العاملة هي الطبقة الاشتراكية، لأنها الطبقة الديمقراطية، ضمن أمور أخرى. فالدور الاقتصادي للطبقة العاملة وموقعها الاقتصادي، من حيث صناعة وتشغيل وسائل الإنتاج الحاسمة في المجتمع الحديث، والتي تنتج الجزء الأكبر من ثروته، وتتمركز في أماكن عمل ومدن كبيرة مندمجة في تنظيم عالمي للعمل كل هذا يمنحها: أ) القوة لتنتصر على الطبقة الرأسمالية؛ ب) القدرة على قيادة المجتمع إلى مجتمع لا طبقي حيث يمكنها أن تصبح الطبقة المنتجة والحاكمة في ذات الوقت – بمعنى آخر باستطاعتها خلق أشكال وهياكل (مثال: كومونة باريس، السوفيتيات، اللجان المصنعية) تسمح لها بالتحكم في الإنتاج والحكم الديمقراطي للمجتمع. الخبرة: مع ذلك.. مع ذلك فإن أي شخص على دراية بسيطة بتاريخ الحركة الماركسية والاشتراكية، وأي فرد لديه القليل من الخبرة في التعامل مع تلك الحركة في الثلاثين أو الأربعين سنة الأخيرة، يعلم أن مسألة الديمقراطية الداخلية للحزب كانت دائما الموضوع المثار تكرارا. أهم وأوضح مثال في مسألة الديمقراطية الداخلية نجده، بالطبع، في الأحزاب الستالينية. في الحزب الستالينى الأم، أي الحزب الشيوعي السوفيتي، أخمدت أي ذرة أو مظهر للديمقراطية بواسطة الثورة المضادة الستالينية. وقد حزت حذوه بدرجة أو أخرى الأحزاب الشيوعية في أوربا الشرقية، والصين، وكوريا الشمالية، وفيتنام…..الخ.

وإذا كان طابع النظام في الأحزاب الشيوعية في أوروبا الغربية أقل ديكتاتورية، حيث لم يوجد بها بوليس سري، إلا أنها لم تكن رغم ذلك ديمقراطية بأي شكل من الأشكال. مع كل هذا، فإن الطبيعة غير الديمقراطية للأحزاب الستالينية تطرح علينا حاليا أقل التحديات النظرية. فمن الواضح أن الأحزاب الشيوعية في الدول الستالينية أصبحت أدوات للحكم وليس أدوات للطبقة العاملة، أدوات لطبقات بيروقراطية حاكمة جديدة ومن ثم كان لابد أن تكون غير ديمقراطية للغاية، كسبيل وحيد لاستيعاب التناقض بين دورها الأساسي وأهدافها المعلنة، مثلما فعلت الأحزاب الأخرى في الحركة الشيوعية العالمية منذ أصبحوا وكلاء للسياسة الخارجية السوفيتية بدلا من تحرير الطبقة العاملة.7

أمر شبيه ينطبق على الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية التقليدية ذلا للطبيعة المزدوجة كأحزاب عمالية بورجوازية (لينين) أي أحزاب ذات عضوية عمالية وقيادة وسياسة بورجوازية. في هذه الحالات أجبرت القاعدة العمالية تلك الأحزاب على الحفاظ على بعض عناصر الديمقراطية (المؤتمرات حيث تدور بعض النقاشات الحقيقة، انتخاب القيادات، الخ)، لكنها في ذات الوقت طورت آليات حجب قادرة على منع الأغلبية العمالية من تأكيد مواقفها وفرض إرادتها. في حالة حزب العمال القديم (أصبحت الديمقراطية أقل في حزب بلير الجديد) كانت أهم تلك الآليات الكتلة التصويتية في يد بيروقراطيي النقابات وقدرة القيادة البرلمانية (خاصة خلال دوراتهم) بتجاهل قرارات مؤتمر الحزب أو معارضتها مباشرة. التحدي النظري الأكبر هو عودة طرح موضوع الديمقراطية في المنظمات التي تعلن أنها غير ستالينية والأحزاب التي لا تتبع الاشتراكية الديمقراطية أولا تتبع نهج التحرير الوطني. ولنأخذ بعض الأمثلة المُستلهمة من تاريخ الحركة الاشتراكية.

في البدء كان الخلاف بين ماركس وباكونين (الفوضوي) في الأممية الأولى، حيث أخذ باكونين أخذ يشهر بماركس وسلطويته وأطلق عليه لقب “ديكتاتور على البروليتاريا”، فرد ماركس باتهام باكونين بأنه يقيم تنظيم سري داخل الأممية (الأخوية الأممية، التحالف العالمي للاشتراكية الديمقراطية) حيث لا يوجد أي نوع من الديمقراطية بل “ديكتاتورية باكونين غير المنتخبة، الجماعية وغير المرئية”(انظر جون مولينو، الماركسية والحزب، لندن، 1978 ص 28).

الأشهر في المناظرات حول الانقسام بين البلاشفة والمناشفة كان في عام 1903، حيث هاجم تروتسكي لينين قائلاً “في السياسة الداخلية للحزب تؤدى تلك الأساليب… إلى…. أن تحل منظمة الحزب محل الحزب، ثم اللجنة المركزية محل منظمة الحزب وأخيرا الديكتاتور محل اللجنة المركزية”اللجنة المركزية محل الحزب وفي النهاية يحل ديكتاتور محل اللجنة المركزية “(تروتسكي، مهامنا السياسية، 1904، نيوبارك، ص 77)

في نفس الوقت وبخت روزا لوكسمبورج “لينين”لرغبته المحمومة في فرض وصاية اللجنة المركزية العليمة بكل شيء والقادرة على كل شيء وخلقه قيدا بيروقراطيا سوف يشل الحركة ويحولها إلى آلة تتلاعب بها وتتحكم فيها اللجنة المركزية”( روزا لوكسمبورج، أسئلة تنظيمية للاشتراكية الديمقراطية الروسية، 1904، مقتبسة في الماركسية والحزب ص 98 -99). ابتليت الحركة التروتسكية العالمية في الثلاثينات من القرن الماضي بالشكوى والجدال والانشقاقات بسبب انتهاكات حقيقية أو مزعومة للديمقراطية الداخلية في الحزب، وكان تروتسكي في أغلب الحيان متخوفا من عناصر البورجوازية الصغيرة التي تريد أن تجادل وتناقش بلا نهاية. أهم تلك الانقسامات كان في حزب العمال الاشتراكي الأمريكي في عامي 1939-1940، حول مسألة “نظام الحزب”بقيادة “جايمس بي كانون”(James P. Cannon) وهو ما كان له تأثير لا يستهان به (إضافة إلى قضايا سياسية ونظرية أساسية أخرى مثل المسألة الروسية والموقف من الحرب والتكوين الاجتماعي للحزب والمادية الجدلية).

بعد الحرب العالمية الثانية ظل الحال بين اليسار التروتسكي إلى حد كبير على حاله، صراع وانشقاق في كل فصيل، أكثر مما يمكن عرضه هنا، حيث برز الوجه القبيح لقضية الديمقراطية الداخلية للحزب. عند أحد أطراف هذا الطيف من الخلافات كانت عصبة العمل الاشتراكي/حزب العمال الاشتراكي الذي انحدر من بداية واعدة في عام 1956 إلى الديكتاتورية الشخصية لقيادته الفجة “الفيلسوف”جاري هيلي (Gerry Healy). استخدم هيلي خليطا من صيغة مثالية للجدلية وقبضة مادية للغاية لإرهاب المثقفين والمناضلين العماليين إلى أن انهار الأمر كله في عام 1986 وسط اتهامات (تبدو حقيقية) بالاستغلال الجنسي للرفيقات. على الطرف الآخر كانت المجموعة الماركسية الأممية والقطاع البريطاني للسكرتارية الموحدة للأمية الرابعة وأتباع أرنست ماندل (Ernest Mandel)، في حالة من “الديمقراطية المفرطة”.

بل أن المجموعة الماركسية الأممية تمادت في الاتجاه المضاد حتى أنها وصلت في السبعينات إلى حالة من الفصائل المؤسسية الدائمة (ثلاثة على الأقل في وقت واحد) دون أن يكون لأي منها أغلبية عمالية أو ثابتة. هنا بدا أن الإفراط في الديمقراطية قد تحول إلى نقيضه حيث عجزت الأغلبية عن تأكيد أي إستراتيجية أوخط ثابت.

بين طرفي تلك التنويعات كان هناك عدد كبير من المجموعات التروتسكية أو شبه التروتسكية ذات تنويعات عريضة من الممارسات التنظيمية والأنظمة الداخلية. إلا أن العزلة العامة لتلك المجموعات عن جماهير الطبقة العاملة كان يعني أن تتحول تلك المجموعات بشدة إلى فرق وشيع تحت سيطرة عدد قليل من الأفراد.

في أوربا، كان أحد نتائج القبضة الستالينية القوية هو النزوع للانشقاق عن الأحزاب الشيوعية لتكوين تنظيمات متأثرة بالماوية بدلاً من التروتسكية. وكانت النتيجة في الستينات والسبعينات أن انتشرت في ايطاليا وأسبانيا وألمانيا وفرنسا حركات واسعة ماوية أو ماوية الاتجاهات ذات نوايا ثورية، مثال: بوترى أوبيريا (قوة العمال)، لوتا كونتينونا (النضال مستمر)، موفيمنت كومينستا (الحركة الشيوعية).

لكن الإرث الستالينى ونموذج القائد العظيم دفع بهذه التشكيلات إلى أن تكون أقل ديمقراطية عن التروتسكيين مع ميل أكبر لتملق شخص الأمين العام. في تلك السنوات كانت أكثر التجارب الواردة ( في رأيي بالطبع) هي تجربة الاشتراكية الأممية/حزب العمال الاشتراكي في بريطانيا من حيث سياساته ونموه وانفتاحه الديمقراطي. لقد انضممت إلى عصبة شباب الاشتراكيين في يناير 1968 لأتركها بعد ذلك بقليل وقد نفرتني ديكتاتوريتها المرعبة. في يونيو من ذلك العام انضممت إلى الاشتراكية الأممية وفي أول مؤتمر لي وجدت المنظمة منقسمة إلى خمس تيارات أو فصائل على الأقل. ورغم بعض الانقسامات الخطيرة في القيادة في أعوام 1975-1976 و1979 (حول الاتفاق على هبوط النضال الصناعي) كان الميل العام للجنة المركزية هو زيادة هيمنتها داخل المنظمة. مع ذلك كانت هناك دائما شكاوى، سواء عن صواب أو خطأ، فيما يتعلق بقضية الديمقراطية الداخلية. في احد المرات كان هناك فعليا فصيل للديمقراطية الثورية. في الانقسام الأخير لريسبكت (RESPECT) كانت هناك مواجهة بين مفهومين مختلفين تماما للديمقراطية. حزب العمال الاشتراكي ومناصروه اتخذوا موقفهم استنادا إلى كونهم كانوا مدعومين من الأغلبية الكبيرة لأعشار ريسبكت وسوف يحصلون فيما بعد على الأغلبية في المؤتمر السنوي للحزب. جورج جالاواي (George Galloway) ومن في صفه اعتمدوا على كون فريقهم يضم أبرز الشخصيات العامة من بين ممثلي الحزب (جالاواي نفسه باعتباره عضو البرلمان الوحيد وسلمى يعقوب وأغلبية أعضاء التاور هاملتس (مجالس الأحياء) إضافة إلى مسئولة رسمية على المستوى الوطني، ليندا سميث (Linda Smith) (التي كانت فعليا تملك الاسم). في هذا الصراع رأى أتباع جالاواي ببساطة أن من حقهم تجاهل المؤتمر والهجوم على حزب العمال الاشتراكي لممارستهم “غير الديمقراطية” في “تعبئة” المؤتمر، أي انتخاب أنصارهم كمندوبين.

ليس الهدف من هذا المسح التاريخي المختصر والسطحي للغاية هو الدخول في تقييم “ديمقراطي”بأثر رجعي (كمثل ماركس ضد باكونين، أولينين في مواجهة تروتسكي ولوكسمبورج، أو أن نعطي 0 على 10 لهايلي أو6 / 10 لماندل أو أي شيء من هذا القبيل)، لكن فقط لنوضح أن مشكلة الديمقراطية الداخلية هي مشكلة متكررة ولذا من الضروري أن نبحث في الهدف منها أي قاعدتها الاجتماعية.

المشكلة بالنسبة للماركسيين، تابعيين لمذهب المادية التاريخية، فكان يفترض أن تكون تلك هي نقطة البداية، لكن الواقع هو أن هذا الجانب من المشكلة لم ينل الاهتمام الكافي. من ناحية كان هناك تأكيد مستمر على أن قيادة مجموعة ثورية صغيرة لا تمثل فئة بيروقراطية ذات امتيازات مادية، مثلما كانت القيادات النقابية والعمالية أو قيادات الحزب الشيوعي في البلدان الستالينية ومن ثم فإن التحليل المادي للأمور قد يجعلنا نعتقد بعدم وجود مشكلة ذات شان خاصة بالديمقراطية في مثل هذه المجموعة.

من ناحية أخرى قدم “تروتسكي”تفسيرا اجتماعيا عن السبب الذي يجعل العناصر البورجوازية التافهة ميالة لطرح مطالب غير منطقية بالإفراط في الديمقراطية. “العامل يقضي يومه في المصنع. لذا فالساعات المتبقية للحزب قليلة نسبيا. في الاجتماعات يهتم فقط بمعرفة الأمور المهمة: التقييم الصحيح للوضع والخلاصات السياسية. إنه يقدر القيادات التي تفعل ذلك بأوضح وأدق شكل والمتابعة للأحداث. أما عناصر البورجوازية الصغيرة–خاصة المنتزعة من طبقتها، المنفصلة عن البروليتاريا فتنمو في بيئة زائفة ومُنغلقة. فهم يتصيدون الأخطاء ويتبادلون كافة أشكال الحكايات والنميمة الخاصة بما يدور بين “كبار”الحزب ودائما ما ينتقون “قائدا”يكشف لهم كل “الأسرار”. إنهم يجدون أنفسهم في النقاش. ولا يوجد قدر من الديمقراطية يرضيهم.8

وبالمخالفة لما سبق قدم دنكان هالاس تفسيراً لكيفية تحلل الديمقراطية الداخلية الحزب نتيجة المنظور الخاطئ للأمور.. في مقاله “بناء القيادة”عام 1969. بين هالاس كيف أن عصبة العمل الاشتراكي دمرت نفسها – بعد بدايات مبشرة جداً- عبر التصاقها بمنظور الكارثة الاقتصادية الوشيكة (تلك الفكرة مستقاة مباشرة من برنامج تروتسكي الانتقالي عام 1938) طوال أعوام الازدهار الممتدة في الخمسينات والستينات. “التأثير على عمل عصبة العمل الاشتراكي في انجلترا كان الأكثر وضوحاً. النقاش، الذي يشكل خطورة على القيادة، يمكن تحجيمه بزيادة النشاط، وهذا بدوره يبرره قرب انهيار الرأسمالية. أما العضوية المدفوعة في وتيرة عمل محمومة وسريعة فإن نسبة استهلاكها لنفسها كبيرة. ودائما ما تكون نسبة العضوية الجديدة بينها عالية. لذا فإنها لا تتذكر عدم الوفاء بالتنبؤات السابقة. من هنا تتكون دائرة مفرغة تجعل من الأصعب تصحيح الخط..”بناء القيادة”– المتوحدة مع المنظمة – يصبح بديلا عن العمل السياسي والعمالي الجاد. فيستبعد المناضلون الجادون ويصبح “الشباب الثوري” الأكثر عددا بين الناشطين. أما القيادة التي تتميز وحدها بالاستمرارية، تصبح غير قابلة للمجادلة وتجد أنه من غير المهم أن تتفحص سياستها وممارساتها.9

مساهمة هالاس هنا مساهمة هامة وقابلة للتطبيق على نطاق أوسع. الميل الذي تجلى في أشد، بل وأقبح أشكاله، في عصبة العمل الاشتراكي/حزب العمال الثوري يمكن أيضا أن يظهر بدرجات أقل في المنظمات الأكثر تعقلا.10

ومع كل ذلك فإن حجج هالاس يمكن أن تُعكس وتستخدم للدفاع عن القبول بالأوضاع. بما أن المنظور “صحيح”، فمن الممكن القول أنه لا يجب أن يقلق الناس بشان الديمقراطية، إذا كانت وظيفة ديمقراطية الحزب هو الوصول إلى الرؤية والمنظور الصحيح، فإن الادعاء بصحة المنظور قد يجعل الديمقراطية أمرا غير ضروري أوقدي مثل دليلا على وجودها الصحيح. قد يقدم ديمقراطية مفرطة أو يكون دليل على وجودها الصحي. لكن هذا المنطق مغلوط في داخله: ذلك أن تزامل المنظور الصحيح والديمقراطية الناقصة لا تضمن دوامهما. ذلك أن العلاقة السببية قد لا تتجه من المنظور الخاطئ نحو غياب الديمقراطية وإنما من غياب الديمقراطية نحو خطأ المنظور. كذلك من الخطأ أن تستند حجة الديمقراطية الحزبية فقط على توفير المدخلات والمراجعات اللازمة للتأكد من صحة المنظور. فالديمقراطية ضرورية أيضاً لتثقيف وتدريب الأعضاء على النقاش والمجادلة لصالح الاشتراكية في الطبقة وللاحتفاظ بملكية الأعضاء، ومن ثم أيضا الطبقة العاملة، للحزب.11

يوجه روبرت ميكلز أنظارنا في كتابه “الأحزاب السياسية”الذي نشر عام 1911 إلى إجابة مختلفة في هذا الشأن. كان ميكلز تلميذا لماكس فيبر (Max Weber) وكان عضوا في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني في فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى، وبعد الحرب أصبح من المؤيدين للفاشية وموسوليني. في كتاب “الأحزاب السياسية”طرح فيبر ما أسماه “القانون الحديدي للأوليجارشية (حكم الأقلية) حيث يقول بأن أي حزب سياسي واسع النطاق ذو عضوية سوف يحكم حتماً بمجموعة صغيرة من النخبة في المركز منه تعمل على تكريس نفسها. إن التنظيم هو الذي يؤدى إلى سيطرة المُنتخبين على الناخبين… فأي شخص يؤمن بفكرة المؤسسة والتنظيم يجب أن يكون مؤمناً بحكم الأقلية 12.

يعقب دانكان هالاس (Duncan Hallas): المعادلة القائلة بأن “التنظيمات المركزية تساوي البيروقراطية تساوى الانحلال” تؤدى إلى استنتاجات رجعية للغاية. ذلك أن ما يتم التلميح به فعليا من خلال تلك الكلمات هو أن العمال غير قادرين على الإدارة الديمقراطية الجماعية لمنظماتهم. وإذا سلمنا أن ذلك هو ما حدث فعليا في الكثير من الحالات، فإن الادعاء بأن هذا بالضرورة أمر حتمي مثل يصبح كمن يقول بأن الاشتراكية مستحيلة التحقيق لأن الديمقراطية بالمعنى الحرفي، مستحيلة أيضا. هذا هو بالضبط الاستنتاج الذي وصل إليه المنظرون الاجتماعيون “للمكيافيليين الجدد”13

هالاس محق تماماً في هذه النقطة (وعندما أصبح فاشيا فذلك لأنه بمعنى ما كان يطبق رؤيته للأمور) ولكن إبراز النتائج الرجعية لمنطق ما يختلف للأسف عن دحضها، والحقيقة هي أن مايكلز يقدم أسانيد قوية مستندة تحديدا على تجربته الخاصة ومعرفته بالحركة الاشتراكية، خاصة في ألمانيا. “الأحزاب السياسية”كتاب كبير ومكثف حيث يحاول مايكلز أن يثبت الاستحالة التقنية للإدارة المباشرة عن طريق الجماهير (مايكلز ص.63) ويلاحظ: من الأسهل أن تسيطر على حشد كبير من أن تسيطر على مجموعة صغيرة… في الواقع اليومي تصدر القرارات في التجمعات الكبيرة عن طريق التزكية أو بالتوافق العام، على حين أنك لو قسمت تلك التجمعات إلى مجموعات أصغر، فلنقل 50 فرد في كل مجموعة، ستجدهم أكثر تحفظاً في إعطاء موافقتهم.في مؤتمرات الأحزاب الكبرى التي يوجد بها النخبة عادة ما يتم الأمر على هذا النحو. إن عجز الديمقراطية المباشرة، مثله مثل قوة الديمقراطية غير المباشرة، هو نتاج مباشر لتأثير الأعداد.. ففي المراكز الصناعية الكبرى حيث تقدر أعداد المنتمين لحزب العمال أحيانا بعشرات الآلاف، يكون من المستحيل الأحزاب العمالية أعداد أعضائها ومريديها بعشرات الآلاف ستجد أنه من المستحيل إدارة هذا الجسم الضخم بدون نوع من التمثيل. المنظمة الاشتراكية الكبرى في برلين…… يصل حجم أعضائها إلى أكثر من 90 ألف (المرجع السابق). ثم يصف بعد ذلك نزعة الممثلين لإنشاء هيكلهم المستقل لفرض استقلالهم عن المُمَثلين وهيمنتهم عليهم. ويلاحظ “فرض نوع من الحق العرفي في منصب المندوب”(ص. 81) وشعور الجماهير بالحاجة إلى القيادة، بما في ذلك “خلق حالة من التبجيل والتقديس للقيادة بين الجماهير”(ص 93)- ويستشهد مايكلز على وجه الخصوص بلاسال (Lasalle) لكنه يستشهد أيضاً بجريبالدى (Garibaldi)، وجوسود (Guesde) وماركس؛ ولو حدث ذلك اليوم لكانت القائمة أطول وأكثر فجاجة. يلاحظ مايكلز التفوق العام للقادة المحترفين على باقي العضوية فيما يتعلق بالثقافة والتعليم (ص107) ويعلق على ثبات القيادة في الأحزاب الاشتراكية قائلاً: لا يوجد أحد ممن درسوا تاريخ الحركة الاشتراكية لن يلفت نظره بشدة ثبات مجموعة الأشخاص في قيادة الحزب. ويستطرد “بالإضافة إلى ذلك، يسعى القادة حثيثا إلى الحفاظ على مناصبهم: عندما ينفصل القادة عن الجماهير يصبحون أكثر ميلا، حين يظهر القصور في أدائهم، للتأثير على ذلك، ليس عن طريق الاقتراع الشعبي وإنما عن طريق الاحتواء وتقوية تأثيرهم كلما كان ذلك ممكنا عن طريق المبادرة بخلق مناصب جديدة. هنا يظهر ميل بين القادة لعزل أنفسهم وتكوين ما يشبه المجموعة الاحتكارية، وإحاطة أنفسهم، بنوع من الجدار الواقي، لا يسمح سوى بدخول من يتفق معهم في الآراء والأفكار. وبدلا من أن يسمحوا بتعيين خلفائهم باختيار العضوية، يفعل القادة كل ما بوسعهم لاختيار خلفائهم بأنفسهم وليملئوا الفراغات في صفوفهم سواء تم ذلك بطريق مباشر أو غير مباشر. (ص 126) “حين يكون هناك صراع بين القادة والجماهير، فإن المنتصرين هم دائما القادة إذا ظلوا متحدين. ونادرا ما تستطيع الجماهير أن تتخلص من أحد القادة. (ص.168) يحلل مايكلز دور “العناصر البورجوازية في القيادة الاشتراكية”(ص238) و”القادة العماليين ذوى الأصول البروليتارية” (ص. 277) مع ملاحظة التحول النفسي للقادة” “القائد في أحزاب الطبقة العاملة لا يكون في العادة أقل أخلاقية، إن لم يكن أكثر أخلاقية، من القادة في الأحزاب الأخرى. لكننا لا نستطيع أن ننكر الممارسة الدائمة للقيادة تؤثر على الطابع الأخلاقي للقادة بشكل سلبي بالأساس. (ص.205) يوضح مايكلز أيضاً السبب وراء عجز النقابوية والفوضوية، على الرغم من لغتهم البلاغية العظيمة، عن التغلب على تلك النزعات الأوليجارشية، ولنتذكر، ضمن عدة أمثلة، المثال الشهير لباكونين وديكتاتوريته السرية غير المنتخبة داخل الأممية الأولى (ص327). مع ذلك فإن الدعامة الرئيسية لأفكار “مايكلز”، رغم حدة الكثير منها، والتي تمثل الخيط الرابط لكتابه “الأحزاب السياسية” هي ما اسماه “عجز وعدم أهلية الجماهير” (ص.107). القانون الحديدي للأوليجارشية هو قانون حديدي لأن الجماهير غير قادرة على إدارة منظماتها أو أن تسيطر على قادتها بشكل ديمقراطي. “أن ظاهرة عجز الجماهير هي ظاهرة عالمية وواضحة في كل نواحي الحياة السياسية، وذلك يمثل الركيزة الأساسية لسلطة القادة. هذا العجز يمنح القادة تبريرا عمليا والى حد ما تبريرا أخلاقيا (ص 111) ويجب أن نكون واضحين. فمايكلز يعتبر هذا العجز أمرا فطريا وعاما، مثلما هو ميل القادة إلى السيطرة. إنها مسألة خاصة بالطبيعة البشرية. إننا نستشعر هنا ولا شك تأثير فكرة نيتشه (Nietzsche) “الرغبة في السلطة”. الرد الماركسي عند هذه النقطة بالتحديد يجب أن نبدأ النقد الماركسي ل”مايكلز”.فالوقائع، النزاعات وأشكال السلوك المختلفة التي يلاحظ “مايكلز” أنها عامة وعالمية هي في الواقع ليست من طبائع البشر، ولكنها نتيجة للمجتمع الطبقي عامة والمجتمع الرأسمالي بشكل خاص. ( لاحظ كيف أن الطبيعة البشرية لدى مايكلز تصبح عند القادة طبيعة للسيطرة وعند “الجماهير والقواعد” طبيعة للخضوع). وفي ذلك الأمر بالتحديد بدأ “بوخارين” في تفنيد أدلة “مايكلز” وذلك في دراسته المعنونة “المادية التاريخية” عام 1921 (وعلى حد علمي فإن بوخارين هو الرمز الماركسي الوحيد الذي حاول تفنيد ودحض نظرية “مايكلز”، كما يوجد أيضاً رد مختصر من سيدنى هوك في “نحو فهم كارل ماركس”، نيويورك ص.312) “….ما يعتبر أمرا أبديا في أطروحة “مايكلز”، وهو الجزء الخاص “بعجز الجماهير”، سيختفي، لأن هذا العجز ليس بالضرورة تجليا من تجليات كل الأنظمة، لكنه على العكس نتاج الظروف الاقتصادية والتقنية، التي تعبر عن نفسها من خلال الثقافة العامة وفي الظروف التعليم. من الممكن أن نقول أنه في مجتمع المستقبل سيكون هناك فرط إنتاج للبشر القادرين على التنظيم، مما سيلغي استقرار وثبات المجموعات الحاكمة.14 من الواضح أنه حين كان بوخارين يكتب كتابه في عام 1921 كانت مسألة التحول إلى الاشتراكية هي المسألة ذات الأهمية الأسمى لديه، ولكن بالنسبة للنقطة الخاصة بمقالنا فإنه لا يعالج لب ما يقوله “مايكلز”. للمجادلة حول نقطة أن ضغط الأوليجارشية ناتجة عن الرأسمالية وليس من طبيعة البشر ولذا فهي ستختفي في مرحلة ما بعد الرأسمالية، في مرحلة التحول للاشتراكية، وهذا الكلام رائع جداً ولكن على الحزب الاشتراكي الثوري أن يبنى نفسه تحت نير الرأسمالية وفي ظلها، عليه أن يبنى نفسه عن طريق أشخاص هم نتاج المجتمع الرأسمالي، وفي إطار الضغط الشديد للأوليجارشية. لكن بوخارين يتعامل هنا مع كتاب مايكلز، الذي يصفه “انه مثير للاهتمام بشدة”، باعتباره بالأساس اعتراضا على إمكانية المجتمع اللا طبقي (ومن ثم يتعامل معه في الجزء الأخير منه الخاصة بالمادية التاريخية). أما فيما يتعلق بالانتقال إلى الاشتراكية فإن بوخارين يوافق على أن مايكلز يشير إلى مشاكل حقيقية، رغم ثقته بأنها مشاكل قابلة للتغلب عليها.

لكن مسألة الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية، أي مرحلة ديكتاتورية البروليتاريا، أكثر صعوبة بكثير. فالطبقة العاملة تنتصر رغم كونها غير موحدة ورغم عدم قدرتها على إن تصبح كتلة موحدة. إنها تحقق النصر في الوقت الذي تنهار فيه قوى الإنتاج وتفتقد فيه إلى الأمان المادي. لابد وأن يترتب على ذلك ميلا نحو “التحلل” أي إفراز شريحة قائدة في شكل جرثومة طبقية. هذا الميل سوف يواجهه تياران متعارضان: أولا، نمو قوى الإنتاج، وثانيا، القضاء على الاحتكار في التعليم. إن زيادة إنتاج التقنيين والمنظمين بوجه عام من بين صفوف الطبقة العاملة سوف يعيق هذا التحالف الطبقي الجديد المحتمل. أما نتيجة هذا الصراع فسوف تعتمد على أي التيارين أقوى (المرجع السابق) لا شك انه عند الكتابة في عام 1921 كانت مسألة الانتقال إلى الاشتراكية هي الأبرز ضمن أولويات بوخارين، لكننا نعتقد أنه لم يتناول أهم النقاط. إن الدفع بأن الضغوط الأوليجارشية تنبع من الرأسمالية وليس الطبيعة البشرية ومن ثم سوف تهزم في مرحلة ما يعد الرأسمالية، في مرحلة الانتقال إلى الاشتراكية، هو أمر جيد وحسن، لكن الحزب الاشتراكي الثوري يجب أن يؤسس في ظل الرأسمالية، من بشر هم نتاج الرأسمالية حيث الضغوط الأوليجارشية شديدة. عندما نظرت في بدء الأمر للتحدي الذي وضعه “روبرت مايكلز” (حين كنت أبحث في الماركسية والحزب في بداية السبعينات) توصلت إلى أن القانون الحديدي يسري على الأحزاب ذات الطابع الاشتراكي الديمقراطي والاتحادات المهنية والمنظمات الشبيهة وليس على الأحزاب ذات الطابع البلشفي. ذلك لأن العضوية في قلب النموذج البلشفي تقتصر على: أ) هؤلاء الذين يضعون مصلحة الطبقة العاملة فوق أي مصالح فئوية (أي أنهم أمميون، مناهضون للعنصرية، مناهضين للتمييز الجنسي، ومناهضين للعصبوية)، ب) النشطاء المناضلين الذين يعملون ضمن التزام كامل بهيئات وتنظيمات الحزب. هذا الشكل من العضوية، وعلى الرغم من كونهم قلة في الطبقة، لن يكونوا “عاجزين” وسوف يتمكنوا من السيطرة على القيادة بشكل ديمقراطي. لقد بدا لي هذا صحيحا من الناحية النظرية ويثبت لي في التطبيق عبر نموذج الحزب البلشفي الذي كان ديمقراطيا للغاية، خاصة في عام 1917. لقد تأثرت في حكمي هذا كثيرا بملاحظات “توني كليف” (Tony Cliff) حول النقابات من حيث اعتماد البيروقراطية النقابية، بممارساتها المحافظة وغير الديمقراطية، على الأغلبية السلبية لعضوية النقابة بدلا من الأقلية الناشطة. كما تأثرت أيضا بحجة كريس هارمان (Chris Harman) في مقاله بعنوان “الحزب والطبقة” في عام 1969 الذي تناول فيه الفرق الجوهري بين النموذج اللينيني والنموذج الاشتراكي الديمقراطي للتنظيم. “سوف تكون منظمة تجمع بين المحاولة الدائمة لإدماج أوسع الدوائر العمالية ضمن نضالها، واقتصار عضويتها على المنفتحين بجدية وعلمية على تقييم نضالهم ونضال الحزب عموما. هذا يعنى أن تعريف عضو الحزب هو أمر هام. فلا يجوز أن يتكون الحزب من أي شخص يريد أن ينضم إليه، وإنما فقط هؤلاء الموافقين على الالتزام بنظامه. في الأوقات العادية سوف يكون هؤلاء نسبة قليلة نسبيا من الطبقة العاملة؛ لكنهم في لحظات الانتفاضة سوف يتزايدون بلا حدود. هنا نجد فرقا هاما عن ممارسات الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية. لينين نفسه يلاحظ ذلك فيما يتلعق بروسيا فقط إبان عام 1914، لكن موقفه واضح. إنه يفرق بوضوح بين هدفه – “منظمة قوية حديدية”، حزب صغير لكن قوي” من “جميع المستعدين للقتال”وبين الوحش المهول لعناصر الشرارة المتباينة بين المناشفة”. (50). إن ذلك يفسر إصراره على وضع تعريف صارم للعضوية بعد انشقاق المناشفة. في إطار وجهة نظر لينين يحب التمييز ما بين العناصر التي يجدها هو نفسه محدودة تاريخيا وبين الشروط العامة الواجب تطبيقها. الأولى تتعلق بالتأكيد على المنظمات التآمرية المغلقة والحاجة إلى التوجيه الحذر من قبل القيادة لقاعدة المحترفين الحزبيين، الخ” في ظل ظروف الحرية السياسية سيبنى حزبنا بشكل كامل على مبدأ الانتخاب. لكن ذلك لن يكون ممكنا في ظل الأوتوقراطية (حكم الفرد) بالنسبة لآلاف العمال الذين يكونون الحزب. (51). ضمن الشروط العامة هناك ذلك التأكيد على الحاجة على اقتصار الحزب على من يقبلون الانضباط والالتزام. من الهام التأكيد على أن لينين (على العكس ممن يدعون أنهم خلفاؤه وأنهم يمشون على دربه) لم يقصد بهذا الالتزام الطاعة العمياء للسلطة. فالحزب الثوري يوجد ليمكن أكثر المناضلين العمال والمثقفين إخلاصا ووعيا أن يشاركوا في نقاش علمي كمقدمة للعمل المتماسك والصلب. وهذا غير ممكن بدون مشاركة عامة في أنشطة الحزب، الأمر الذي يتطلب الوضوح والدقة في النقاش إضافة إلى الحسم التنظيمي. أما البديل فهو “خلط العناصر” المدفوعة بالنقاش والحسم مع الأشخاص المشوشين مما يمنع أي تصرف حاسم ويؤدى إلى أن تصبح القيادة هي الأكثر تأخرا وتخلفا. الانضباط اللازم لمثل هذا النقاش هو انضباط “من اجتمعوا بمحض إرادتهم وقراراهم الحر” (52). دون أن يكون للحزب حدود واضحة ودون أن يتمتع بالتمسك الكافي لتنفيذ قراراته، فإن مناقشة تلك القرارات تصبح غير ذات جدوى، ناهيك عن “حرة”. فالعامل والمثقف على السواء بحكم كونهم جزءا من مثل هذه المنظمة سوف يتدربون على تقييم وضعهم المحدد طبقا للنشاط الاشتراكي العلمي لآلاف آخرين. “الالتزام” يعني القبول بالحاجة إلى قياس الخبرة الفردية على النظرية الشاملة والممارسة الشاملة للحزب. وبهذا المعنى لا يكون “الالتزام” مناقضا، وإنما شرطا للقدرة على التقييم المستقل لأوضاع بعينها. لذلك فإن “الانضباط”عند لينين لا يعني إخفاء الخلافات الداخلية في الحزب/ وإنما عرضها في وضح النهار حتى تتم مناقشتها. بهذه الطريقة وحدها تستطيع قواعد الحزب أن تقيم نضالها على أسس علمية.15”

في ذلك الوقت كانت وجهة نظر هارمن ووجهة نظري أيضاً هو بناء أحزاب لينينية من تلك النوعية في انجلترا والعالم كله، إيمانا منا بأن الظروف الموضوعية قد نضجت بحيث أصبح ذلك ممكنا. “فالرأسمالية الغربية تخلق مرة أخرى ظروف تؤدى إلى تقارب احتجاجات الطبقة العاملة والسياسات الثورية القادرة على تغيير العالم.”16

لكن بعد 40 عام من التجارب اتضح للأسف أن الأمر معقد، وله تبعاته فيما يتعلق بقضية الديمقراطية الحزبية. ما بين ميلاده كفصيل صغير في حزب العمل الاشتراكي الديمقراطي الروسي عام 1903 وبين انتزاعه السلطة كحزب جماهيري في أكتوبر 1917 مرت 14 عاما فقط، تحمل بين طياتها ثورة شاملة في عام 1905، وحرب عالمية، والإطاحة الثورية بالقيصرية في فبراير 1917. على العكس من ذلك صمدت الجريدة الاشتراكية/الاشتراكي الأممي/حزب العمال الاشتراكي لحوالي ستين عاما، أربعون عاما منذ ظهورنا كحزب صغير في عام 1968 دون أي خبرات مماثلة. مرحلة التراجع في روسيا (التي كانت حادة وكادت أن تدمر البلاشفة) بدأت في 1907 واستمرت لخمس سنوات قبل أن يتم إزاحتها عام 1912 عن طريق الإضرابات الجماهيرية التالية على مذبحة عمال منجم ذهب لينا. في بريطانيا بدأ هبوط وتيرة الصراع الطبقي في وسط وأواخر منتصف السبعينات، وبعد تقلبات وحالات من الانتعاش الجزئي لازالت منخفضة حتى يومنا هذا. علاوة على ذلك، على حين ظل مستوى النضال ضعيفا، لم يكن هناك أي نوع من القمع المستمر أو الشامل. وينطبق الحال نفسه على كافة المنظمات اليسارية في غرب أوروبا وأمريكا الشمالية في تلك الفترة. خصص لينين الفصول الأولى من كتاب “اليسارية مرض الشيوعية الطفولي”لشرح العلاقة بين الظروف الروسية والخبرة والمبادئ التنظيمية للبلاشفة. (أكد لينين على “الالتزام “، لكن، كما رأينا، هناك ارتباط وثيق بين الانضباط والديمقراطية). “كتيار سياسي فكري وكحزب سياسي، ظهرت البلشفية منذ 1903. تاريخ البلاشفة خلال مجمل فترة وجودهم هو وحده القادر على تفسير قدرتهم، في ظل أصعب الظروف، على بناء والحفاظ على الالتزام الحديدي اللازم لانتصار البروليتاريا. أول الأسئلة التي تطرح نفسها هنا هي: كيف تم المحافظة على الالتزام في هذا الحزب البروليتاري الثوري، وكيف تم اختباره؟ وكيف تم تعزيز هذا الانضباط؟أولا، عن طريق الوعي الطبقي لطليعة البروليتاريا وبإخلاصها للثورة، وتماسكها، وتضحياتها وحسها البطولي. ثانياً، عن طريق قدرتها على الارتباط فيما بينها، وحفاظها على أوثق عرى التواصل، بل وقد نقول الاندماج مع أوسع قاعدة من الطبقة العاملة، مع البروليتاريا بالأساس، ولكن أيضاً مع الجماهير غير البروليتارية في الطبقة العاملة… بدون هذه الشروط ما كان للانضباط في الحزب الثوري، المنوط به الإطاحة بالبورجوازية وتحويل المجتمع كله، أن يتحقق. لقد حققت روسيا الماركسية، النظرية الثورية الصحيحة الوحيدة، عن طريق المعاناة التي مرت بها عبر نصف قرن من العذاب والتضحيات غير المسبوقة، والبطولة الثورية غير المسبوقة والطاقة الرهيبة والبحث الملتزم والدراسة والتجربة العملية وخيبة الأمل والتحقق من التجربة والمقارنة بالخبرة الأوروبية. “على الجانب الآخر، مرت البلشفية، التي قامت على هذه الأسس النظرية الصلبة، بخمسة عشر عاما من التاريخ العملي (1903 – 1917)، وهي تجربة لا تضاهيها تجربة أخرى في العالم من حيث ثراء خبرتها. خلال الخمسة عشر عاما تلك، لم يعرف أي بلد آخر ما يقترب من تلك الخبرة الثورية، وذلك التتابع السريع والمتنوع لأشكال مختلفة من الحركة، قانونية وغير قانونية، سلمية وعنيفة، سرية وعلانية، محلية وجماهيرية واسعة إضافة إلى أشكال برلمانية وأخرى إرهابية. فهذا التعاقب السريع لأشكال مختلفة من التحركات – قانونية وغير قانونية – سلمية وثورية،علنية وسرية، برلمانية ومسلحة”17 ويعقب لوكاس: “المفهوم البلشفي لنظام الحزب تضمن اختيار مجموعة من الثوريين العنيدين، المستعدين لتقديم كل التضحيات، من بين الكتلة العامة للطبقة المشوشة بدرجة أو أخرى… مفهوم لينين عن نظام الحزب يفترض كون الثورة واقعا فعليا.. لو صحت التوقعات التاريخية للمناشفة وكانت هناك فترة هادئة نسبيا من الرفاهة والانتشار البطيء للديمقراطية حيث نجحت الطبقات “التقدمية” في إزاحة البقايا الإقطاعية “للشعب” لبقي الثوريون المحترفون عالقين في العصبوية أو لتحولوا إلى نواد إعلامية. فالحزب، كمنظمة مركزية مكونة من أكثر عناصر البروليتاريا وعياً – وفقط بهذا المعنى- تعتبر أداة للصراع الطبقي في المراحل الثورية. قال لينين: أنه لا يمكن فصل القضايا السياسية عن القضايا التنظيمية، وكل شخص يقبل أو يرفض الحزب البلشفي، بغض النظر عما إذا كنا نعيش مرحلة الثورة البروليتارية، يكون قد أساء فهمه تماما”.18

للأسف لم تكن الأوقات التي عشناها، باستثناء بعض اللحظات المتفرقة، لم تكن ثورية والثورة لم تكن “حقيقة” إلا بالمعنى المجرد للكلمة. لذا فلم يكن من الممكن اقتصار عضوية الحزب على مجموعة من “الثوريين العنيدين، المستعدين لتقديم التضحيات”، أو حتى مجموعة من الأفراد مستعدون أن ينشطوا بشكل دائم في منظمات الحزب. لم يكن لدينا اختيار في هذا الأمر. عندما كتب هارمن أن “الحزب لا يتكون من أي شخص يود أن يعرف نفسه بأنه تابع للحزب، ولكن فقط من هؤلاء الذين يقبلون الانضباط والالتزام.في الأوقات العادية ستكون نسبة هؤلاء قليلة نسبيا من إجمالي الطبقة العاملة، أما في حالات الصعود ستزداد أعدادهم بسرعة كبيرة”كان هو ونحن نتصور حزبا من عدة آلاف، بل عشرات الآلاف، يتسعون في أوقات الثورة ليصبحوا مئات الآلاف (كان عدد البلاشفة 26 ألفا في فبراير 1917 وما بين 200 إلى 400 ألفا في أكتوبر من نفس العام) وليس بضعة عشرات أو مئات. لذا إذا كنا قصرنا عضوية حزب العمال الاشتراكي على من تتوفر فيهم الصفات التي كانت تتوفر لدى البلاشفة، في أوضاعنا التي لا تشبه أوضاعهم، لقلص عدد أعضاء الحزب إلى بضعة مئات على أفضل تقدير، وكنا سنصبح صورة كاذبة للبلاشفة، نظرا لأن هؤلاء الثوار المتحمسين كانوا سيفقدون الركيزة الأخرى الأساسية للينينية، وهى القدرة على الحفاظ على أقوى الصلات أو الاندماج بدرجة ما مع أوسع قطاعات جماهير القوى العاملة، ولكنا انحدرنا إلى فصيل معزول. لذا أجبرتنا الظروف في نهاية الأمر أن نتعامل مع عضوية، تفتقد إلى القدرة اللازمة لممارسة الديمقراطية في السيطرة على الحزب. مسألة القمع وعدم الشرعية تلعب دوراً مشوقا ومتناقضا هنا. من ناحية هناك ظروف اللاشرعية التي تضع عقبات ضخمة أمام الأداء الرسمي والصحيح لديمقراطية الحزب، ولعقد اجتماعات ومؤتمرات وانتخابات دورية ولتوفير إحصاءات حزبية دقيقة الخ. (في مناخ الحرية السياسية سيبنى حزبنا بشكل كامل على أساس مبدأ الانتخاب. أما في ظروف الأوتوقراطية والقمع لن يكون ذلك قابلا للتطبيق.”لينين”). بالإضافة إلى ذلك، فإن انعدام الشرعية قد يدعم أسباب الالتزام بالانضباط على حساب الديمقراطية بقدر ما قد يتعارض الاثنان. من ناحية أخرى يحل القمع مشكلة الأعضاء الشرفيين في الحزب: فإذا كانت عقوبة الانضمام للحزب هي النفي إلى سيبريا، أو السجن، أو التعذيب أو الإعدام، فإن الأعضاء المتكاسلين سينصرفون عن الحزب وستكون سياسة الحزب مسألة حياة أو موت من حيث الأهمية. بالطبع، هذا في حد ذاته لا يوفر أي ضمانة للديمقراطية، كما يتضح في العديد من الأحزاب الستالينية، لكنه يساعد في أحد جوانب المشكلة. عامل آخر يجب أن نضعه في الاعتبار هنا هو طول الفترة المعنية. يقول جرامشي في جزء من “كراسات السجن” أن الحصار الطويل يضعف الحركة دائما ً، وأن العديد من الأفراد يستطيعون أن يقاوموا أو حتى يقدموا تضحيات لفترات قصيرة، لكنهم لا يستطيعون أن يحافظوا على حالة الالتزام تلك لفترات طويلة. يجب أن يضاف على هذا الدور الحاسم الذي يلعبه مستوى نضج الصراع الطبقي. عامل أساسي في أطروحة مايكلز “حول عجز الجماهير” هو نقصان الثقة وليس المفهوم اللفظي والفني للعجز، حيث أن المجتمع الرأسمالي يحاول أن يزيد من انعدام الثقة بالنفس عند أطفال الطبقة العاملة كما يزيد من ثقة أبناء الطبقة البورجوازية. الترياق المضاد لقلة الثقة، وبالتالي الأمر الحيوي للديمقراطية الداخلية للحزب، هو التجارب الجمعية للمقاومة والنضال، خبرة تنظيم وإدارة الإضرابات، والمظاهرات، واحتلال المصانع (بالنسبة للطلبة ستكون تلك التجارب – الخطابة في التجمعات الطلابية، وقيادة احتلال الجامعات… الخ). إن المشاركة في تلك الأنشطة لا يدعم ثقة الأعضاء كأفراد فحسب، لكنه يعني أيضاً أنه في حال تناول موضوع ما داخل الحزب فإنهم غالباً ما يتناولون تلك الموضوعات كممثلين لتجمعاتهم في أماكن عملهم أو جامعاتهم. في ظروف الانكماش، عندما تكون تجارب أعضاء الحزب في العمل هي الهزيمة أو العزلة تتأثر ثقة الأعضاء في قدراتهم على تولي القيادة. حتى لو ظلوا ناشطين يشعر العدد القليل من الاشتراكيين الثوريين أنهم مفتقدين للطاقة على النقاش الحزبي إضافة إلى الصراع مع رؤسائهم في العمل، والحكومة، والنظام، والإعلام، ورؤساء اتحاداتهم في الأغلب. في تلك الحالة سيظهر الوجه الآخر للقواعد الخاملة، أي ظهور أو بداية ظهور القيادة التي تعتاد القيادة دون مجادل. بعد كل هذا التأكيد على الضغوط المناهضة للديمقراطية يجب أن نسير إلى وجود ميل معاكس في أي منظمة تسعى إلى أن تصبح منظمة ثورية. على العكس من “قانون الأوليجارشية الحديدي” الذي تناوله مايكلز يوجد في كل منظمة تقريبا، لا تمارس قيادتها سياسة العصا والجزرة المعروفة عن الحكومات، يوجد “قانون للديمقراطية” يكاد أن يكون عالميا. في أي منظمة طوعية، حيث لا تستفيد العضوية مادي، حتى في حزب المحافظين، هناك دائما قدر من الديمقراطية متعلق بحاجة القيادة إلى الحصول على موافقة العضوية في شكل استمرار عضويتها ودعمها. ليس هذا الأمر بغريب علينا حتى بين قيادات النقابات شديدة البيروقراطية. حتى القيادات النقابية اليمينية، من أمثال جو جورملي (Joe Gormley) في 1972-1974 أو ديريك سيمبسون (Derek Simpson) اليوم، مضطرة إلى الدفاع عن مصالح عضويتها وأن تستجيب بدرجة ما لاحتياجاتها خوفا من فقدان عضويتها تماما (بما في ذلك الاشتراكات التي تسدد رواتب القيادات)19. هذا الضغط الديمقراطي من أسفل يكون أكثر قوة في حزب يساري راديكالي صغير، حتى لو بقى سلبيا بوضوح، وذلك للأسباب الآتية: القادة لا تحركهم الرغبة في مكسب مادي حيث انه غير مطروح(رغم أن الرغبة في الحفاظ على الأمان المادي قد يكون عاملا)؛ ب) العضوية القاعدية يحركها بالأساس الاقتناع و ج) ليس من الصعب عيهم أن يدلوا بأصواتهم ثم يرحلوا. وسوف أعطي مثلا من المنظمة التي اعرفها أكثر من غيرها، حزب العمال الاشتراكي. من المعروف أن قيادة حزب العمال الاشتراكي ظلت مستقرة إلى حد ما خلال التسعينات وبدايات الألفية وقلما كانت معرضة لتحديات خطيرة. لكن ذلك كان بشرط أنها تدير الحزب في إطار الحدود الضيقة المقررة في الاشتراكية الثورية التروتسكية.لو أن قيادة حزب العمال الاشتراكي، بدلا من اقتراف أخطاء إستراتيجية أو تكتيكية، تجاوزت الحدود الطبقية بوضوح، أو خالفت المبادئ الاشتراكية الأساسية أو اتخذت خطوات لنبذ الماركسية، لنتج عن ذلك احتجاج حقيقي، سرعان ما كان سيتحول، في حال فشله، إلى انسحاب جماعي من الحزب. لا اقصد القول هنا أن قيادة حزب العمال الاشتراكي رغبت في أي لحظة أن تفعل ذلك، فليس لدي أي دلل على ذلك. مع ذلك فالضغط كان موجودا وكان ضغطا ديمقراطيا – ضغط استهدف قيادة المنظمة في اتجاه الاستجابة إلى رغبات أعضائها. كذلك، من الواضح عموما أن هذا الضغط الديمقراطي الداخلي سوف يكون قادرا، في حال توفر الظروف المواتية، على التوسع. بعض الاستنتاجات ما هي الاستنتاجات التي نخلص إليها من هذا التحليل؟ بداية وقبل كل شيء أن مسألة أهمية الديمقراطية الحزبية المطروحة من قبل كل الماركسيين الكلاسيكيين والمشار إليها في بداية هذا المقال هي أمر صحيح تماما، لكن يجب أن نفهم أن تحقيق هذه الديمقراطية على مستوى الممارسة في ظل الرأسمالية هو أبعد ما يكون عن السهولة. إن الانضمام إلى تنظيم ثوري هو تمرد على تلك الأوضاع ولكنه لا يقضي على تلك الظروف. الضغوط المناهضة للديمقراطية تظل تعمل داخل الحزب. لهذا السبب فإن الديمقراطية لا يمكن ضمانها بأي دستور أو قوانين (وهذا لا يقلل من أهمية الدساتير أو القوانين). لكنها تحتاج أيضا إلى التطور والحفاظ على ثقافة الديمقراطية بمعنى الحفاظ على ثقافة النقاش المفتوح والصريح حيث يتم تشجيع الأعضاء على أهم تجمع وهو مؤتمر الحزب الذي يعتبر الهيئة السيادية، ولكن بالطبيعة المحددة والممارسات المقررة لتلك المؤسسات والتي تنطبق على ظروف محددة ويجب مراجعتها مع الوقت.كما أن الديمقراطية الحزبية ليست عرفا سياسيا أو أخلاقيا يمكن إرساءه عن طريق النية الحسنة أو السلوك الجيد للقيادة (أو الأعضاء). الديمقراطية الداخلية في كل حزب يسعى إلى أن يكون حزبا ثوريا هي هدف يجب السعي إليه دوما، تماما مثل السعي نحو بناء علاقة صحيحة بين الحزب والطبقة أو وحدة النظرية والممارسة. الأخطاء في ممارسة الديمقراطية حتمية مثلها مثل الخطأ في التحليل أو التكتيك، لكن ذلك ليس سبا ليأس. الأمر الهام هو إصلاح تلك الأخطاء.ضمن هذا النضال القائم لا يوجد أساس بالمرة لنبذ مفهوم لينين بشأن حزب الطليعة أو المركزية الديمقراطية.على العكس الحزب اللينيني ذو المركزية الديمقراطية هو أمر ضروري لنجاح الثورة كما أن أكثر أشكال التنظيم السياسي ديمقراطية. كل الأشكال الأخرى – الحزب الاشتراكي الديمقراطي، النقابة والاتحاد أو الجماعة الفوضوية المرنة أو حملات القضية الواحدة، كلها عرضه لنفس الضغوط الأوليجارشية المناهضة للديمقراطية من قبل المجتمع الرأسمالي دون توفر الموارد اللازمة لمقاومتها. أي العضوية المقيدة نسبيا وخضوع القيادة مثلها مثل الأعضاء الجماعية للحزب. لكن لا توجد منظمة يمكن مقارنتها بالحزب اللينيني من حيث قدرة الحزب على تسليح أعضائه بالتربية السياسية التي تخولهم تقييم الوضع السياسي كاملا وأعمال حزبهم. لا يوجد شكل آخر من المنظمات يقوم بالتدخل في هذا العدد من الحملات والنضالات وعدة أمور أخرى (وهو أمر أكد عليه لينين في كتابه ما العمل؟) ولذلك فهي تدرب أعضائها على كونهم جمعية عمومية سياسية تستطيع أن تحاسب قادتها. بالإضافة إلى ذلك فأن عنصر الانضباط الحزبي هو عنصر أصيل في المركزية الديمقراطية – مفهوم الوحدة في العمل في تطبيق سياسة الحزب – بعيداً عن تقويض ومخالفة الديمقراطية هو واحد من الشروط الضرورية للديمقراطية. بدونها قد ينخرط الحزب في أكثر النقاشات ديمقراطية ليخرج منها دون تنفيذ أي من القرارات، حيث يتم تجاهلها والاستهزاء بها من قبل قيادة الحزب، كما أنها قد تبلي المنظمة الثورية في اللحظات الخادعة في الصراع الطبقي، خاصة في لحظات التمرد والعصيان الثوري، عندما يكون الضغط السياسي والنفسي على قيادة الحزب في أشد أشكاله.20 على الرغم من أن الحالة بالنسبة للحزب اللينيني تبقى جبرية، فأنه من الخطأ تعريف اللينينية تعريفا واحدا ضيقا وإضفاء تلك الصفة على شكل واحد من المنظمات. فقد أكد لينين نفسه في خطابه الأخير أمام الكومنترن عام 1922، على الأهمية العالمية للتجربة البلشفية، وحذر من التقليد الأعمى للطريقة الروسية في التنظيم.21هذا التحفظ الأخير ينطبق على هذا النقاش.المبدأ القائل بالحاجة إلى النضال للوصول إلى الديمقراطية وتحسينها في الأحزاب الثورية هو مبدأ أبدي، والوسائل المحددة للوصول لذلك من الممكن أن تختلف من زمن لآخر. ما نحتاجه، على حد تعبير جرامشي، هو المركزية العضوية وليس المركزية البيروقراطية”المركزية الديمقراطية” هي المركزية في الحركة، أي التكييف الدائم للمنظمة طبقا لاحتياجات الحركة.22

وهذا يعنى العمل، في كل مرحلة من مراحل الصراع الطبقي، على إرساء ثقافة سياسية ومجموعة من الممارسات السياسية التي تيسر الحوار الديمقراطي واتخاذ القرار وتنمي المعرفة السياسية والثقة عند القواعد. تلك مشكلة يجب أن يتم حلها مرارا وتكرارا، ليس على الورق وإنما في الممارسة (ولن يتم حلها تماماً حتى يتم الإطاحة بالرأسمالية). على الرغم من ذلك فإن التشخيص الواضح للمشكلة، والتوعية بالتحديات المنتظرة يمكن أن يساعد. وذلك هو هدف هذا المقال.

الهوامش
1 أنطونيو جرامشي، الأمير الحديث وكتابات أخرى، نيويورك، 1970، ص. 143-144.
2 فريدريك إنجلز “حول تاريخ العصبة الشيوعية”ماركس/إنجلز، الأعمال المختارة، الجزء الثالث، موسكو ص. 195
3 المرجع السابق، ص. 196
4المجلد 10 ص. 442 5المجلد 11 ص. 230-231 6 Duncan Hallas,‘Towards a Revolutionary Socialist Party’ in Party And Class, 19717من الواضح أنني أؤكد هنا على التحليل التروتسكي (كليف) لرأسمالية الدولة في البلدان الستالينية وتطور الكومنترن. 8ليون تروتسكي، خطاب مفتوح للرفيق بورنهام، دفاعاً عن الماركسية، 19409http://www.marxists.org/archive/hallas/works/1969/xx/building.htm10أعرف القليل عن الحياة الداخلية للنزعة المتشددة ( الحزب الاشتراكي الآن)، لكن يبدو من المرجح أن يكونوا قد عانوا من مشاكل مشابهة خلال فترة منتصف لأواخر الثمانينات عندما تم التزوير المنهجي لمنظورهم الخاص بظهور جناح يساري كبير في حزب العمال.11نقطة طرحها بقوة إسحاق دويتشر (Isaac Deutscher): “عندما كان الشيوعي الأوربي يخرج ليطرح موقفه أمام جمهور من الطبقة العاملة كان في العادة يلتقي معارضا من الاشتراكيين الديمقراطيين فيصبح عليه أن يدحض وجهة نظره وأن يفند شعاراته. وكان في أغلب الأوقات غير قادر على فعل ذلك لأنه كان يفتقد إلى عادة الجدال السياسي، التي لم يتم بناءها في الحزب، ولأن تثقيفه حرمه من القدرة على مجادلة من هم ليسوا في صفه. فأصبح غير قادر على التدقيق في حجج معارضه لأنه كان طوال الوقت مشغولا بالتفكير في الحجج الخاصة به. (مقتبسة من دانكان هالاس “نحوحزب اشتراكي ثوري”في كتاب “الحزب والطبقة”، 1971 ص 21). http://www.marxists.org/archive/hallas/works/1971/xx/party.htm 12روبرت مايكلز، الأحزاب السياسية، نيويورك 1968 ص. 15 13 على سبيل المثال مايكلز، ج.م. [Michels –JM]) وهي الفكرة المتضمنة بعمق في علم الاجتماع الأكاديمي الحديث. (المرجع السابق14www.marxists.org/archive/bukharin/works/1921/histmal/8.htm# 15كريس هارمن، “الحزب والطبقة “عند كليف، هالاس، هارمن، تروتسكي، الطبقة والحزب، لندن 1971 ص. 59 -61 16مايكل كيدرون، الرأسمالية الغربية منذ الحرب، دار نشر بنجوين، لندن 1970، ص. 174 17 (لينين، اليسارية مرض الشيوعية الطفولي) http://www.marxists.org/archive/lenin/works/1920/lwc/ch02.htm18(جي. لوكاس، لينين – دراسة عن وحدة فكره) http://www.marxists.org/archive/lukacs/works/1924/lenin/ch03.htm19طرحت هذه الفكرة سابقا واسطة عالم الاجتماع الراديكالي (رغم كونه غير ماركسي) ألفين جولدنر (Alvin Gouldner) حيث يقول ان كل المنظمات “تشهد الحاجة إلى أن يوافق المحكومون على ما تقوله القيادة – على الأقل في بعض الأمور. وإذا كان يجب على كل المنظمات أن تكيف نفسها مع هذا الاحتياج، إلا يعني هذا انه يوجد في القلب من كل منظمة عنصر لما نطلق عليه اسم الديمقراطية؟ مقتبس من مقدمة س.م.ليبسيت (S.M.Lipset) لروبرت مايكلز (المرجع السابق) (Robert Michels)، ص.29

20 انظر ليون تروتسكي، دروس أكتوبر (1924) لرؤية تحليله عن كيفية تأثير الضغوط حتى على القادة البلاشفة في أكتوبر 1917، والتي كانت أيضاً تعليق منحرف عن أسباب فشل الحزب الشيوعي الألماني في اغتنام الفرصة الثورية في خريف 1923.
21 انظر لينين، الأعمال الكاملة، الجزء 33، ص. 430
22 أنطونى جرامشي، الأمير الحديث وكتابات أخرى، نيويورك 1970 ص. 178