بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

نظرية

علمانيون وإسلاميون..

جذور الانقسام بين الحداثة والتقليد في الفكر المصري

في المجتمع الطبقي لا توجد أفكار تحلق بعيدا عن الواقع أو لا تخضع لقيود الزمان والمكان. الفيلسوف الماركسي المجري الأصل (وتلميذ جورج لوكاش) إستفان ميزاروس يقول أن الأيديولوجيا (أو الأفكار الاجتماعية)، مهما كانت مجردة، لا يمكن أن تنفصل أبدا عن صراع الطبقات، لأنه لا يوجد إنسان، أي منتج للأيديولوجيا يمكنه أن يخلع انتماءه الطبقي. من هنا فإن تعريف ميزاروس للأيديولوجيا، أي أيديولوجيا، هو أنها “فهم ما لصراعات العصر الطبقية، واختيار ما لطريقة خوضها.”

المفترض أن الأيديولوجيا في مصر ليست استثناء من هذا. المفترض أن كل تاريخ الفكر الحديث في مصر والعالم العربي يمكن رده (طبعا بشكل غير ميكانيكي) إلى الصراعات السياسية والطبقية التي دارت في تلك المجتمعات في المائتي عاما الأخيرة.

هذا هو المفترض. لكن هناك انطباع لدى كثيرين أن هذا غير حقيقي. فهناك من يعتقدون أن الصراع الفكري الرئيسي في مصر لم يكن حول مشاريع اجتماعية/ طبقية، بل كان حول الهوية.

فالثنائيات الأساسية في الفكر المصري، والعربي عموما – التراث والتجديد، الأصالة والمعاصرة، الثابت والمتحول، الظلامية والتنوير، الإسلامية والعلمانية، الأصولية والحداثة – هي كلها، وفقا لهؤلاء، ثنائيات هوية أكثر منها ثنائيات طبقية.

بل إن الرؤى الفكرية الأكثر اقترابا من السياسة – الرؤى المدافعة عن الوطنية المصرية والقومية العربية والجامعة الإسلامية – تقوم هي الأخرى على خيار الهوية أكثر من قيامها على الانحياز الطبقي.

أما الصراعات الفكرية الأكثر شهرة وأهمية في المائة عام الأخيرة، فهي أيضا تؤكد مقولة صراع الهوية كما يرى هؤلاء: الصراع حول آراء الشيخ محمد عبده الإصلاحية، الصراع حول كتاب “الإسلام وأصول الحكم” للشيخ علي عبد الرازق، الصراع حول كتاب “في الشعر الجاهلي” لطه حسين، الصراع حول رسالة الدكتوراه التي كتبها محمد أحمد خلف الله ثم نشرها تحت عنوان “التصوير الفني في القرآن الكريم”، الصراع حول رواية “أولاد حارتنا” لنجيب محفوظ، الصراع حول كتابات لويس عوض عن جمال الدين الأفغاني، الصراع حول كتابات نصر حامد أبوزيد وسيد القمني ومحمد سعيد العشماوي وفرج فودة وغيرهم في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي.

كل هذه الصراعات تعطي الانطباع بأن مثقفي مصر كانوا متفرغين على مدى مائة عام للمفاضلة بين الأصالة والمعاصرة، وأنهم كانوا منقسمين ليس حول الخيارات الاقتصادية والاجتماعية، بل حول هوية مصر وهل هي إسلامية أم علمانية، كما لو أن مصر يمكن اختصارها إلى فريقين: فريق يطالب بالعودة إلى الأصول، أي إلى الإسلام، لاستلهام الطريق إلى المستقبل، وفريق يطالب بالاغتراف من الحضارة العالمية المعاصرة، أي من الحداثة، لتحديد معالم هذا الطريق.

في اعتقادي أن هذه القراءة، التي تختزل تاريخ الفكر في مصر في صراع حول الهوية، غير صحيحة، وأن القراءة الأصح، التي تكشف الخلفيات الحقيقية لصراعات الهوية، هي التي تبحث في علاقة الأيديولوجيات (أو الأفكار) الإسلامية والعلمانية المختلفة (فلا توجد في الحقيقة أيديولوجيا إسلامية واحدة أو أيديولوجيا علمانية واحدة)، بالتاريخ الحي للصراع الطبقي.

وأنا هنا سأحاول طرح بعض الأفكار الأولية في هذا الموضوع.

الرأسمالية والأفكار

أبدأ كلامي بملاحظة أعم وأوسع من التجربة المصرية والعربية؛ ملاحظة عامة حول العلاقة بين صعود الرأسمالية وتغيّر الأفكار.

ففي كل بلد تبدأ العلاقات الاجتماعية فيه في التغير، بهذا القدر أو ذاك، في اتجاه صعود الرأسمالية، تنشأ تيارات فكرية متعددة ومتداخلة يدور مضمونها جميعا، حتى لو كان هذا غير ظاهر، حول الموقف من التحديث الرأسمالي: إما بتحبيذه أو برفضه، إما بالدعوة إليه أو إلى تجاوزه أو إلى الارتداد إلى ما قبله.. إلخ. هذه الفسيسفاء الفكرية المتداخلة والمتصارعة، هي أحد أوجه الصراع الطبقي – بالتحديد هي صراع طبقي على مستوى الأفكار.

أما شكل عناصر هذه الفسيفساء الفكرية، والعلاقة بينها، ودرجة جذريتها أو رجعيتها، فتلك كلها مسائل تعتمد، على الأقل جزئيا، على طبيعة ومرحلة التطور الرأسمالي، وعلى درجة تبلور الطبقات والعلاقة بينها.

خذ عندك مثلا فكر عصر النهضة وفكر عصر الإصلاح وفكر عصر التنوير في أوروبا، كل هذه كانت استجابات معقدة، ومواقف متباينة، وتمهيدات غير مباشرة، لمراحل مختلفة من التحديث الرأسمالي. فالتحديث الرأسمالي، بدءا من مرحلته الجنينية في المدن الأوروبية الحرة في القرنين الخامس والسادس عشر، وحتى عصر الإمبريالية، هو الإطار الذي ظهرت وتبلورت وتبدّلت فيه تلك التيارات الفكرية الحديثة. هذه الأفكار لم تكن كائنات محلقة في فراغ، ولم تكن مجرد إبداع أفراد عباقرة تصادف أنهم عاشوا في مدخل العصر الحديث، بل كانت استجابات فكرية مختلفة لهموم وقضايا العصر الذي نشأت فيه. فكما يقول الفيلسوف الألماني هيجل: “حتى أكثر الفلسفات تأملية تمثل عصرها مهضوما بشكل فكري.”

التنوير والإصلاح والثورة

سأعطي مثلا سيفيدنا في التحليل اللاحق. المثل هو حركة التنوير، تلك الحركة الفكرية الواسعة التي سطعت خلال القرن الثامن عشر في أوروبا.

التنوير، على عكس اعتقاد كثير من أنصاره ومعارضيه في مصر، ليس مجموعة من القيم المجردة أو المحلقة أو الخارجة عن الزمان والمكان، بل هو أحد الأوجه الفكرية لمعركة سياسية وطبقية كانت دائرة في زمان ومكان محددين. التنوير كان من ناحية استجابة، ومن ناحية أخرى تمهيدا، للحداثة الرأسمالية الأوروبية. نقد العالم القديم، وطرح منظومة فكرية لتجاوزه، أصبحا ممكنين، فقط لأن تناقضات هذا العالم القديم تحولت إلى أزمة مستفحلة تتطلب الحل، ولأن طبقة جديدة بازغة– البرجوازية التجارية ثم الصناعية في مرحلة المانيفاكتورة – بدأت تفرض نفسها على مسار الأحداث.

التنوير “الأصلي”، إذا جاز تعبير أصلي هنا، نشأ في أوروبا في أواخر القرن السابع العشر وازدهر طوال القرن الثامن عشر. عصر التنوير الأوروبي هو إذن العصر بين موجتي الثورة البرجوازية الأكثر أهمية في التاريخ: موجة الثورة الهولندية (1565) والإنجليزية (1648)، وموجة الثورة الأمريكية (1776) والفرنسية (1789).

ورغم أنه من المغري اعتبار أفكار التنوير الرئيسية، وهي التقدم وسلطة العقل ومركزية الإنسان وحقوق الإنسان، أفكارا سرمدية لا علاقة لها بأي عصر، إلا أن الحقيقة أنها نشأت للتعبير بشكل فكري عن مطالب بتغيير النظام الاجتماعي الإقطاعي، مطالب كشفت الثورتين الهولندية والإنجليزية ونتائجهما أنها ممكنة.

مثقفو التنوير كانوا جميعا رافضين للإقطاع بامتيازاته وركوده ونظامه الاجتماعي. لكن أغلبهم، أو الأكثر شهرة فيهم، كانوا ينتمون إلى الطبقات العليا ولا يرفضون أو ينتقدون المجتمع الطبقي عموما، بل كان النموذج المحبذ لديهم هو نمط من المجتمع البرجوازي “الحر”، وهو مجتمع طبقي آخر، صحيح أكثر حداثة وتحررا من المجتمع الإقطاعي، لكنه يظل مجتمعا طبقيا واستغلاليا. من هنا وجدنا أن الحرية التي دافع عنها كثيرون من رواد التنوير كانت منقوصة، أحيانا إلى حد مذهل.

خذ عندك مثلا جون لوك. فقد ساند لوك العبودية، بل حقق أرباحا من تجارة العبيد. وكذلك كان من مؤيدي الخرافة والسحر، ووضع حدودا على حرية التعبير تمنع الملحدين من التمتع بها.

أما فولتير فقد أكد في خطاب له يعود إلى عام 1768 أن التنوير ليس أبدا رسالة موجهة إلى الفقراء والرعاع: “لم نسع أبدا إلى تنوير صناع الأحذية والخدم.”

أما دافيد هيوم ومونتسكيو وإيمانويل كانط، فقد كان لديهم جميعهم شك عميق أنه من الممكن اعتبار أصحاب البشرة السوداء بشر “مثلنا”. وفي 1748 كتب مونتسكيو أنه “من المستحيل بالنسبة لنا أن نفترض أن هذه المخلوقات تعد بشرا.”

أما فيلهلم هيجل فقد طرح في محاضراته عن فلسفة التاريخ في مطلع ثلاثينات القرن التاسع عشر أن “أفريقيا هي أرض الطفولة”، ولا يمكن اعتبار تاريخها جزءا من التاريخ الإنساني الواحد.

قلة من التنويريين كان رفضهم للإقطاع يمتزج بروح أكثر ثورية من تلك التي تمتع بها هؤلاء التنويريون المعتدلون. هؤلاء هم التنويريون الجذريون الذين تحدث عنهم المؤرخ البريطاني جوناثان إزرايل وأوضح أن جذريتهم لا تنبع أساسا – كما قد يتبادر إلى ذهن البعض – من عدائهم الأشد للدين، بل من عدائهم الأشد للنظام الاجتماعي القائم على الاستغلال والقهر. فمنهم مثلا من أكد أن حقوق الإنسان لا ينبغي أن تقتصر على الأوروبي الأبيض، ومنهم من دافع عن الثورة الهايتية المطالبة بالتحرر من السيطرة الاستعمارية الفرنسية، ومنهم من طرح العدالة الاجتماعية كعنصر جوهري من عناصر التحرر الإنساني.. إلخ.

التنوير الجذري، الذي يرى البعض أنه يدين بأصله إلى سبينوزا وكتاباته في عصر الثورة الهولندية، يعكس بذرة الصدام الاجتماعي الذي ارتبط بصعود الرأسمالية. فالبرجوازية في مرحلة صعودها الأولى، وإن كانت قد ناضلت ضد القيود التي كان يفرضها عالم الإقطاع، إلا أنها أحلت قيودا أخرى، قيود العمل المأجور، محلها. ومن هنا فإن التشققات في كانت تعتمل في اللحظة الأولى في المعسكر المعادي للإقطاع: بين من يريدون مجاوزته إلى نظام طبقي آخر، ومن يميلون إلى مجاوزة الطبقية ذاتها.

والحق أن أدوار التيار التنويري الجذري، فكريا وعمليا، في تحقيق التقدم والنهضة والتحديث، هي أكبر وأهم من معظم ما اعترف به الكتاب والمؤرخون. فلا الديمقراطية، ولا التحرر الاجتماعي، ولا غيرهما من قيم العدل والمساواة في عالمنا المعاصر، كانوا نتاجا مباشرا لحركة البرجوازية ضد الطبقة الإقطاعية، أو صدى سلسا لمواقف التنويرين المعتدلين ضد مفكري العصور الوسطى. الحقيقة الأكثر أهمية هي أن حركة الجماهير المعدمة، في الثورات الهولندية والإنجليزية والفرنسية والأمريكية، هي التي دفعت حركة التاريخ وفرضت الديمقراطية فرضا على من كانوا يتشدقون بها لفظيا، ولكنهم لم يكونوا بقبونها عمليا إلا في حدود تداول السلطة بين “أصحاب الملكية” في المجتمع.

طبعا هذا ليس معناه أن التنويريين المعتدلين كانوا شياطين، أو أن علينا إدانتهم بشكل كامل. على العكس، فكثير من أفكارهم لعبت دورا مهما في تقدم الإنسانية. لكن ما كنت أحاول توضيحه هنا أن التنوير لم يكن واحدا وأن أفكاره، على عكس ما يبدو، ارتبطت بـ وعبرت عن مواقف إزاء الصراعات السياسية والطبقية في عصرها. حاولت أيضا أن أوضح أن التنوير، حتى يصبح إنسانيا بشكل كامل، لابد أن يكون جذريا ومتبنيا لمواقف اجتماعية مناهضة للاستغلال والظلم.

إسلاميون وعلمانيون في مصر

نعود إلى حديثنا عن الفكر المصري والعربي. الفكر المصري الحديث، كمثيله الأوروبي، هو أيضا عبارة عن مجموعة من الاستجابات، سواء المؤيدة أو الرافضة، للتحديث الرأسمالي. لكن بما أن التحديث الرأسمالي في مصر أتى أساسا في صورة غزو استعماري، فإن الموقف من الحداثة أصبح لدى الكثيرين، تقريبا، مساويا للموقف من الغرب، وهو ما جعل الصراع الفكري المصري الأساسي يبدو في أحيان كثيرة كصراع بين المتحمسين للغرب والمتحمسين للتراث. وقد طمس هذا جزئيا حقيقة أن التحديث كان أيضا عملا داخليا وأن قوى التحديث ليست فقط الخارج الغربي، بل أيضا الداخل البرجوازي أو الساعي للتحول الرأسمالي.

السؤال الرئيسي الذي أعتقد أنه ينبغي أن يشغل بالنا فيما يتعلق بالفكر المصري الحديث هو: هل كان هناك تنوير جذري في مصر؟ هل كانت هناك حتى ولو إرهاصات لفكر يربط نقد المجتمع القديم وتخلفه بنقد الظلم الاجتماعي الذي تمثله الرأسمالية والحداثة الرأسمالية؟

هذا السؤال مهم لأن الأمر يبدو في هذا البلد، وفي البلدان العربية عموما، كما لو أن الجزء الأكبر من التنوير الذي أنتجته، الجزء الأكبر من الدفاع عن العقلانية والحداثة والتقدم، كان في خدمة السلطان أو خدمة البرجوازية!

ثم أن كثير من نقد التنوير في الفكر المصري، كثير من فكر الدعوة إلى نبذ التحديث والعودة للتراث، كان في الحقيقة دعوة للعودة إلى الوراء، أي دعوة للعودة إلى ما قبل الحداثة لحل المشاكل التي تخلقها الحداثة! وهي دعوة رجعية فكريا ومستحيلة عمليا.

المسألة هنا ليست بالضبط إسلاميون في مقابل علمانيين. فهناك إسلاميون ناضلوا بإخلاص من أجل “تحديث ما” وأفنوا أعمارهم في محاولة لإثبات أن التحديث لا يتعارض مع التراث أو الشريعة الإسلامية. فربما يمكننا القول أن أهم التحديثيين في مصر كانوا يفكرون وعلى رؤوسهم عمائم أزهرية، حتى ولو خلعوها فيما بعد (بدءا من الطهطاوي، ومرورا بالإفغاني ومحمد عبده، ثم طه حسين وعلي عبد الرازق، وانتهاء حتى بخليل عبد الكريم!). وفي المقابل كان هناك علمانيون رافضين للكثير من مظاهر التحديث والتقدم الأساسية، كمعسكر حزب الأحرار الدستوريين عبّر عن مصالح كبار الملاك بمحدوديتها ورجعيتها.

المسألة الأهم في رأيي، المسألة التي لابد أن تحظى بالنظر، هي أن أغلب التنوير والدفاع عن التحديث الرأسمالي في مصر كان من النوع المعتدل (أي البرجوازي)، وأغلب نقد التحديث الرأسمالي كان من النوع المحافظ الارتدادي. ويا ليت هذا كان كل الأمر. الأسوأ أنه حتى التنوير البرجوازي كان في معظمه رديئا وتوفيقيا، بل تلفيقيا كما يصفه نصر حامد أبو زيد نفسه.

السبب في هذا يرجع، في الأغلب، إلى أن البرجوازية المصرية في القرن العشرين ليست كمثيلاتها الأوروبيات في القرن الثامن عشر، وأن التحول الرأسمالي المصري ليس كمثيله الغربي قبل قرنين أو ثلاثة. فالزمن كانت له آثاره الواضحة على البرجوازيات التي صعدت متأخرة في عصر السيطرة العالمية للرأسمالية، أي في عصر الإمبريالية. هذه البرجوازيات لم تعد هذه قوية وفتية وتقدمية كمثيلاتها الأوروبيات، بل أصبحت كسيحة ومترددة وضعيفة إزاء الاستعمار والدولة.

هذا بالضبط كان هو حال البرجوازية المصرية. البرجوازية المصرية لها صفات أربعة رئيسية: الأولى أنها نشأت متأخرة زمنيا بالمقارنة بالأمم الأكثر تقدما؛ الثانية أنها نشأت تحت تأثير الضغط الاستعماري الخارجي؛ الثالثة أنها نشأت بمبادرات من أعلى من جهاز الدولة؛ الرابعة أنها أدمنت الفشل، فتجربتها في التحديث كانت مجهضة من محمد علي إلى إسماعيل إلى سعد زغلول ومصطفى النحاس إلى عبد الناصر والسادات ومبارك.

وكحال البرجوازية المصرية الكسيحة على مدى مائة عام، فإن تنويرها كان أيضا، في الأغلب، كسيحا، كالطبقة التي دافع عن قيمها. فلا شك أنه يمكننا أن نفهم لماذا كان فكر المثقفين المتحمسين لتجربة التحديث الرأسمالي، أي المتبنين لمشروع البرجوازية المصرية، باهتا وضعيفا في مجمله. فهؤلاء كانوا يرتكنون إلى طبقة ضعيفة ومترددة وصنيعة للاستعمار. دفاع هؤلاء عن العقلانية، ثم وصفهم للعقلانية والتقدم بأنهما يساويان التحديث الرأسمالي، كان يثير الضحك بالنظر إلى الحال الرث والاستغلالي والمضاد للإنسانية الذي كان يمثله هذا التحديث على أرض الواقع.

طبعا كانت هناك بعض الطفرات والاستثناءات في لحظات ثورية، خاصة عندما تجاوز بعض التنويريين الحدود التي وضعتها البرجوازية على الإبداع والفكر، وانتموا، بشكل حر، للشعب. لكن حتى تلك الطفرات ذاتها، كما يطرح نصر حامد أبو زيد عن حق، كانت تتسم بالمحدودية.

ثم أتت لحظة تاريخية معينة توقفت البرجوازية (أو الدولة) فيها تماما عن أن تكون تقدمية أو إيجابية بأي معنى معنى من المعاني. أنا أعنى لحظة 1967. فبحلول 1967، وبعد الهزيمة القاسية، استنفدت الدولة (والطبقة) البرجوازية البقية الباقية من أي نزعة تقدمية (مثلا معادية للاستعمار)، ولم يتبق لديها إلا الخضوع للإمبريالية وتشديد الاستغلال وممارسة الاضطهاد الاجتماعي والفشل الاقتصادي والسياسي. منذ ذلك الحين أخذ الدفاع عن التنوير، في الأغلبية الكاسحة من الحالات، شكل الدفاع عن الدولة المنحطة التي يديرها نظام مبارك، إلى أن وصلنا في لحظة، وبسبب من اعتبار بعض أجنحة اليسار أن الإسلاميين أخطر من الدولة، إلى تجنيد مباشر للمثقفين التنويريين (وكثير منهم من أصول يسارية) في معركة رديئة وسيئة السمعة ضد الإسلاميين (نذكر هنا مثلا سلسلة المواجهة التي أصدرتها وزارة الثقافة في التسعينات).

إذن فالتنوير المعتدل كان باهتا وانتهى متواطئا. أما نقد التنوير، أقصد نقد التحديث الرأسمالي، فكان في أغلبه كما قلنا، تنظير لجماليات ما قبل الرأسمالية. طبعا نقد التحديث لم يكن أبدا كاملا. فلم يدع أحد أبدا إلى قطيعة كلية مع منجزات الرأسمالية. فحتى سيد قطب، وهو يمثل الحد الأقصى في هذا المجال، كان يقول صراحة أننا نحتاج إلى المنتجات المادية للغرب، نحتاج إلى العلم والتكنولوجيا، ولكن لا نحتاج إلى قيم الغرب وفكره ونظامه الاجتماعي (لاحظ وجه الشبه، من زاويتين متقابلتين، بين رؤية سيد قطب ورؤية زكي نجيب محمود للمزج بين قيمنا ومنهج الغرب).

لكن هذا لا ينفي أن الحلول التي قدمها أغلب نقاد التحديث الرأسمالي كانت بالعودة للوراء، إلى قيمة ما أو مؤسسة ما من مؤسسات ما قبل الرأسمالية (كما يتخيلون). مواجهة فظاعة ورداءة واستغلالية التحديث عند هؤلاء كانت تأخذ شكل “رجعي” “ارتدادي”.

هذا مثلا ما نلاحظه في كتابات من يطلق عليهم “التراثيون الجدد”، وهم من أكثر نقاد التحديث الرأسمالي في مصر قوة في اللحظة الراهنة. فمثلا نقد هؤلاء الصحيح للطبيعة النفعية لمجتمع السلعة الرأسمالي (وهذا أمر نجد صداه في كتابات عبد الوهاب المسيري وجلال أمين)، تتبعه الدعوة إلى خيارات من نوع الأسرية والتكافل.. إلخ. ومثلا نقدهم للقيم الغربية التي تكرس الاغتراب واللا جدوى، تتبعه الدعوة إلى الاعتزاز بـ”ثقافتنا” بغض النظر عن محتوى هذه الثقافة، وكما لو أنها ثقافة واحدة وليست ثقافات تمثل طبقات ومصالح مختلفة، وكما لو أن المهيمن فيها لا يمثل قيما تفرضها الطبقة السائدة.

المفارقة أن نقاد التنوير، من المحافظين أو حتى الراديكاليين، المدافعين عن عودة ما للوراء، يبدون في الواقع، وبالنسبة لكثير من الجماهير، أكثر استقامة ومبدأية من التنويريين. والسبب بسيط: أنهم يرفضون (جزئيا في بعض الأحيان) ما ينبغي بالقطع رفضه، أي التحديث الرأسمالي، ويرفضون أيضا الاستعمار والإمبريالية والحكم الديكتاتوري. هذا بينما كثير من التنويريين باعوا أنفسهم للشيطان!

لم يكن الأمر كذلك طوال الوقت. كان هناك بالطبع تنويريون وطنيون معادون للاستعمار والديكتاتورية. لكن مسيرة فكر التنوير المصري، تماما كمسيرة البرجوازية المصرية، كانت دائما هابطة.

ففي لحظة البداية، مع رفاعة رافع الطهطاوي أبو التنوير المصري، ظهر التنوير كمشروع دولة. فإذا ما وضعنا جانبا كل الثناء التنويري المعاصر للطهطاوي، فإن ما ينبغي الاعتراف به هو أنه كان معبرا بشكل فكري عن مشروع محمد علي التحديثي. طبعا الوطنيين يرون في محمد علي رائد نهضة. لكن محمد علي كان في الجوهر حاكم ما قبل رأسمالي يحاول – كما شرح ليون تروتسكي في الحالة الروسية – الاحتفاظ بسلطته ودولته في وجه قوى الرأسمالية العاتية من خلال استيراد أساليب وأسلحة الغرب الصاعد.

إذن فالتحديث من خلال الدولة أنجب تنوير ملتصق بالدولة، بما يعنيه ذلك من حدود وتناقضات. فقد كان هم الطهطاوي الرئيسي، كما أشار كثيرون، هو إجراء مزاوجة بين “النافع” لدينا و”النافع” لدى الغرب، لمصلحة تحقيق تقدم وتحديث محلي، أكثر منه لمصلحة تحرير الإنسان من الاستغلال أيا كان.

لكن هذا التنوير أخذ منحى أكثر راديكالية في مرحلة لاحقة، عندما انهار مشروع التحديث على يد الدولة وبدأت طبقة الأفندية الحديثة – الطبقة الوطنية بامتياز – في التبلور في مجرى القرن التاسع عشر. هذا ما أنتج المركب الغريب جمال الدين الأفغاني/ محمد عبده، الذي وصل إلى ذروة عطائه في ثورة الأفندية/العسكر الوطنيين التي سُميت “هوجة عرابي”. تلك كانت لحظة وصل فيها التنوير المصري إلى نقطة من أعلى نقاطه جذرية وتقدما من خلال كتابات محمد عبده التي سعت لاستعادة بعض أفكار المعتزلة واستخدامها في الدفاع عن مشروع ثوري في العصر الحديث.

لكن سرعان ما انطفأت شعلة التنوير شبه الجذري في كتابات محمد عبده (وعبد الله النديم) في المرحلة الثورية. وتحول محمد عبده نفسه إلى إصلاحي بعد هزيمة الثورة.

ثم أتت المرحلة التالية من التنوير البرجوازي أقل جذرية وأكثر بهتانا (في رأيي) لأنها جاءت بعد أن بدأت البرجوازية المصرية الكبيرة في التبلور وأصبحت واقعا يفرض نفسه. لا ننسى أن رواد التنوير كان منهم مثلا أحمد لطفي السيد باشا، وقاسم أمين بك، أي كان منهم كثيرون منتمون صراحة إلى الطبقات العليا. ولا ننسى أيضا أن كثيرون من رعاة التنوير والتنويريين كانوا من العائلة المالكة!

صحيح أن ثورة 1919 أعطت نفسا ووجها جذريا للتنوير. لكن بعد ثورة 1919 أتى التراجع والانحسار والانقسام بعد أن ظهرت حدود البرجوازية، وبعد أن وصل سعد زغلول للحكم فجرّم الشيوعية واضطهد النقابات ولم يجر إصلاحا زراعيا مراعاة لرفاقه الباشاوات في حزب الوفد وفشل في المفاوضات ولم يحرر مصر من الاستعمار.

في هذه المرحلة برزت قوى كثير معادية لمشروع التنوير البرجوازي، ولمشروع البرجوازية على وجه العموم ممثلا في حزب الوفد. في هذه المرحلة انقسم حزب الوفد، وظهر الإخوان المسلمون ومصر الفتاة والحركات الوطنية السرية، وعادت التنظيمات الشيوعية من جديد.

في هذه المرحلة، في مرحلة ابتذال التنوير البرجوازي مع تحولات طه حسين والعقاد وغيرهم، ظهر تيار تنويري جذري ما في صورة الفكر الاشتراكي. النضال الاشتراكي، والحركة الجماهيرية التي ارتبط بها، كانا هم معقل صناعة الأفكار التنويرية والحداثية الأكثر جذرية والأكثر التصاقا بالتقدم بمعناه الجماهيري الإنساني الأصيل. طبعا الستالينية حجّمت من هذا التنوير ووضعت عقبات في طريقه. لكن معظم، إن لم يكن كل، الأفكار التنويرية الأكثر أصالة في هذه المرحلة نتجت من التفاعل الإيجابي مع الحركة الصاعدة آنذاك: كتابات جورج حنين وأنور كامل، إنتاج سلامة موسى وأدب نجيب محفوظ قبل 52، كتابات أحمد رشدي صالح.. إلخ.

وعلى وجه العموم، فمنذ النصف الأول من القرن العشرين، أي منذ أن تبلورت البرجوازية الكبيرة وظهر تناقضها الرئيسي مع الجماهير الفقيرة، ومنذ أن برزت الطبقة العاملة كقوة مركزية في الصراع الطبقي، لم يعد التنوير المعتدل، أقصد التنوير البرجوازي، قادرا على إنتاج شيء ذو قيمة. فالعقلانية والحداثة والتقدم يتناقضون مع الرأسمالية بشكل لا شك فيه. فكيف يمكن لمن يظل رهين البرجوازية أن ينتج فكرا يدافع إلا عن عقلانية رجعية؟

التنوير الوحيد الممكن، التنوير الوحيد التقدمي فعلا، هو في رأيي التنوير الجذري، التنوير الذي يبدأ عقلانيته من قطع صلته بالدولة والبرجوازية، ليس كما يدعو بعض نقاد التنوير الإسلاميين لمصلحة العودة إلى الماضي بأحلامه الجميلة المتخيلة، وليس كما يدعو نصر حامد أبو زيد لمصلحة “استقلال المثقف الحر”، ولكن لمصلحة تجاوز الرأسمالية إلى نظام أكثر إنسانية، ومن ثم عقلانية: الاشتراكية التي تتحقق بالنضال الجماهيري من أسفل.

الفكر المصري والعربي، يحتاج إلى تنوير جديد؛ تنوير يصالح العقلانية مع الثورة. الأساس الواقعي لتنوير كهذا، الأساس الذي يجعل تحقيقه ممكنا، هو صعود النضال الاجتماعي/ الطبقي على الأرض ضد استغلالية الرأسمالية ولا إنسانيتها. وما يدعونا للتفاؤل هو أن هذا النضال قد بدأ في مصر اليوم.

مصادر رئيسية:

1. Chris Harman, Forgotten Subversives, International Socialism, Issue 106, April 2005
2. Istvan Meszaros, The Power of Ideology, New York University Press, 1989
3. Neil Davidson, Enlightenment & Anti-Capitalism, International Socialism, Issue 110, April 2006
4. زكي نجيب محمود، المعقول واللا معقول في تراثنا الفكري، دار الشروق، 1978
5. عبد الوهاب المسيري، رحلتي الفكرية: في البذور والجذور والثمار، دار الشروق، 2006
6. نصر حامد أبو زيد، مشروع النهضة بين التوفيق والتلفيق، مجلة القاهرة، العدد 119، أكتوبر 1992