بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

كارل ماركس شاعرا للدياليكتيك في “رأس المال”

نُشر هذا النص في جريدة الجارديان البريطانية في 8 يوليو 2006 بقلم فرانسيس وين..

مئة وأربعون عاما مرت على صدور الطبعة الأولى للجزء الأول من كتاب “رأس المال” في 1867. نحتفي بهذا الحدث الفكري الهام بنشر هذا المقال البديع لفرانسيس وين، كاتب السيرة الذاتية لكارل ماركس، الذي يطرح أن مؤلَف “رأس المال” لكارل ماركس لا يعد فقط عملا مُزلزلا فيما يتعلق بالتحليل الاقتصادي، بل هو أيضا تحفة أدبية غير مكتملة يمكن أن تُقرأ، عبر بنيتها متعددة الطبقات، كرواية قوطية، أو ميلودراما من العصر الفيكتوري، أو مأساة إغريقية، أو عمل هزلي من أعمال جوناثان سويفت.

في فبراير 1867، وقبل وقت قصير من تسليم المجلد الأول من “رأس المال” إلى المطبعة، دعا كارل ماركس فريدريك إنجلز إلى قراءة [قصة] “التحفة المجهولة” لأونوريه دى بلزاك، قائلا “إن هذه القصة هي تحفة صغيرة في حد ذاتها، تزخر بالسخرية المبهجة”. غير أننا لا نعرف ما إذا كان إنجلز قد التفت إلى نصيحة صديقه. لكنه إذا كان قد فعل، فبالتأكيد كان سيلاحظ السخرية، لكنه ربما كان سيشعر بالدهشة لأن صديقه القديم وجد بها أية بهجة.

إن “التحفة المجهولة” هي حكاية فرينهوفر، الرسام العظيم الذي قضى عشرة أعوام يعمل ويعيد العمل في رسم بورتريه توقع أن يُحدث ثورة في الفن عبر تقديمه “التعبير الأكثر اكتمالا عن الحقيقة”. وفي النهاية، عندما سمح فرينهوفر لزميليه بوسان وبوربوس أن يفحصا اللوحة بعد اكتمالها، هالهما ما رأياه من عاصفة من الألوان والأشكال المتراصة فوق بعضها البعض بشكل مشوش.

أساء فرينهوفر فهم الدهشة البادية في أعينهما المفتوحة باتساع قائلا “نعم، أنتما لم تتوقعا مثل هذا الكمال!” لكنه بعد ذلك سمع بالمصادفة بوسان يقول لبوربوس أنه يجب في النهاية أن يكتشف الحقيقة، وهي أن الإفراط في مراكمة الألوان فوق البورتريه مرات عديدة لم يبق على شئ منه.

وهنا تساءل فرينهوفر محدقا بالرسامين وبصورته، “لا يوجد شيء في لوحتي!”

قال بوربوس لبوسان في صوت خفيض: “ماذا فعلت؟”

وقبض الرجل العجوز على ذراع الشاب بعنف قائلا له “لا ترى شيئا هنا.. جلف! وغد! حقير! لئيم! ما الذي أتى بك إلى هنا إذن؟” وقال ملتفتا إلى الرسام الأكبر سنا، “يا بوربوس الطيب، هل من الممكن أن تسخر مني أنت أيضا؟ أجب على سؤالي. أنا صديقك؛ قل لي، هل أفسدت لوحتي؟”

تردد بوربوس، ولم يجرؤ على الكلام. غير أن الاضطراب المرسوم على الوجه الأبيض للرجل العجوز كان يفطر القلب، حتى أنه أشار إلى اللوحة قائلا: “انظر”.

ثم حدق فرينهوفر في لوحته للحظة ثم ترنح.

“لاشيء! لاشيء! وأنا عملت عشرة أعوام.”

وتهاوى على مقعد وانخرط في البكاء.

وبعدما طرد فرينهوفر الرجلين من مرسمه، أحرق كل لوحاته وانتحر.

ووفقا لما قاله بول لافارج، زوج أبنة ماركس: “تركت رواية بلزاك أثرا هائلا لدى ماركس، لأنها كانت جزئيا بمثابة تعبير عما كان يشعر به هو نفسه.” فقد كدح ماركس سنوات عدة ليصنع تحفته التي لم يرها أحد. وخلال فترة الحَمْلْ الطويلة تلك، كان رده المعتاد عندما يطالبه أحد بإلقاء نظرة على عمله الذي لازال قيد التشكل، هو نفس رد فرينهوفر: “لا، لا! أنا لازلت أضفي بعض اللمسات النهائية عليه. بالأمس، نحو المساء، كنت اعتقد أني قد انتهيت من ذلك، لكن هذا الصباح، بحلول ضوء النهار، أدركت أني كنت مخطئا.”

ومبكرا، في عام 1864، عندما كان الكتاب قد فات موعد تسليمه بالفعل، كتب ماركس لناشره الألماني: “لن أقبل بطباعته قبل أن أراجعه ثانية فيما يتعلق بكل من الموضوع والأسلوب. ومن نافلة القول أن كاتبا ما يعمل بشكل مستمر لستة أشهر، لا يستطيع في نهاية هذه المدة أن ينشر نفس ما كتبه كلمة بكلمة في بداية هذه المدة.”

وبعد ذلك بأثنى عشر عاما، وكان ماركس لا يزال بعيدا عن الانتهاء من مهمته، أوضح أن: “الأمر يتقدم ببطء شديد لأنه لا يكاد المرء يصيغ الشكل النهائي للموضوعات التي كرّس سنوات لدراستها، حتى يدرك أنها تكشف جوانب جديدة وتتطلب مزيدا من التفكير.” كان لابد بالنسبة لشخص مثل ماركس، تسيطر عليه فكرة الإتقان إلى حد الكمال، أن يرغب في أن يظل إلى الأبد يضفي مزيدا من اللمسات على لوحته – عبر دراسة الرياضيات، وتعلم حركة المدارات السماوية، وتعليم نفسه الروسية حتى يستطيع قراءة كتب عن نظام ملكية الأرض في روسيا.

أو لننقل عن فرينهوفر ثانية: “يا للخسارة! لقد اعتقدت للحظة أن لوحتي قد انتهت، لكني بالتأكيد ارتكبت أخطاء في بعض التفاصيل، لن يهدأ عقلي حتى أزيل شكوكي. لقد قررت أن أسافر وأزور تركيا واليونان وآسيا بحثا عن نماذج حتى أقارن لوحتي بالطبيعة في أشكالها المختلفة.”

لماذا استحضر ماركس قصة بلزاك عندما كان يستعد للكشف عن عمله الأعظم ليقيّمه الناس؟ هل كان يعتقد أنه أيضا بذل كل هذا الجهد هباءً، وأن “التعبير التام عن الحقيقة” المتمثل في كتابه، قد يصير في النهاية شيئا ملتبسا؟ بالتأكيد كان لديه بعض من تلك المخاوف – كانت شخصية ماركس بمثابة مزيج نادر من الثقة العنيفة بالنفس، والشك المؤلم بها – وقد أراد أن يتجنب النقد عبر التحذير في تصدير الكتاب: “أنا أفترض بالطبع أن قارئ الكتاب يريد أن يتعلم شيئا جديدا، ومن ثم يريد أن يفكر لنفسه.” لكن ما يجب أن يدهشنا بقوة هو تماهي ماركس مع خالق “التحفة المجهولة”، في حين أن فرينهوفر كان فنانا، وليس متخصصا في الاقتصاد السياسي ولا فيلسوفا أو مؤرخا أو مجادلا.

يشير الكاتب الأمريكي مارشال بريمان إلى أن أكثر ما في “التحفة المجهولة” من سخرية مبهجة، هو أن تصور بلزاك عن اللوحة يمثل وصفا مثاليا للرسم التجريدي في القرن العشرين – وكونه لم يدرك هذه الحقيقة آنذاك يجعل من صدى روايته أكثر عمقا. كتب بريمان أن: “المسألة أن ما يراه جيل ما بمثابة فوضى والتباس، قد يرى فيه جيل لاحق أو أكثر حداثة، معنى وجمالا. ومن ثم، فإن تلك النهاية المفتوحة ذاتها التي اتسم بها عمل ماركس يمكن أن تصنع صلات مع عصرنا بطريقة أكثر اكتمالا مما كان في القرن التاسع عشر: يتجاوز “رأس المال” الأعمال المتقنة التي كتبت في القرن الذي كان يعيش فيه ماركس، إلى الحداثة المضطربة لعصرنا الحالي.”

مثله مثل فرينهوفر، كان ماركس حداثيا بالفطرة. إن رؤية ماركس الشهيرة للاختلال [الذي أصاب عصرنا]، والتي طرحها في البيان الشيوعي ـ “كل ما هو صلب يتبخر في الهواء” ـ تتنبأ بخواء الإنسان، أو المدينة الوهمية التي وصفها ت. س. إليوت، أو كلام ييتس أن “الأشياء ينفرط عقدها: لا يستطيع المركز الصمود.”

وحينما كان ماركس يكتب رأس المال، كان يندفع بقوة متجاوزا النثر التقليدي إلى الـكولاج الأدبي الأكثر راديكالية – جامعا أصواتا ومقتبسات من الخرافة والأدب.. من تقارير ملاحظي المصانع.. من حكايات الجنيات.. كل ذلك على شاكلة قصائد عزرا باوند أو “الأرض الخراب” لإيليوت. إن “رأس المال” هو عمل مضطرب مثل أعمال شوينبرج وكابوسي مثل أعمال كافكا.

رأى ماركس في نفسه فنانا خلاقا، شاعرا للديالكتيك: “والآن، فيما يتعلق بأعمالي، فسوف أقول لك الحقيقة الواضحة بشأنها”، هكذا كتب يقول لإنجلز عام 1865. “أيا كانت النقائص الموجودة بكتاباتي، فإن ما يميزها هو كونها تمثل كلا فنيا.”

كان ماركس يبحث لدى الشعراء والروائيين، أكثر من بحثه لدى الفلاسفة أو الكتاب السياسيين، عن الرؤى العميقة حول مصالح البشر ودوافعهم المادية. وفي خطاب كتبه إلى إنجلز في ديسمبر 1868، اقتبس فقرة من عمل آخر لبلزاك هو “كاهن القرية”، وسأل إنجلز ما إذا كان باستطاعته أن يؤكد هذه الصورة من خلال معرفته بالاقتصاد العملي. لو كان ماركس قد أراد أن يكتب مؤَلَفا اقتصاديا تقليديا لكان قد فعل ذلك. غير أن طموحه كان أكثر جرأة.

ويصف بريمان ماركس بأنه “واحد من أكثر عمالقة القرن التاسع عشر شعورا بالألم – مثله مثل بتهوفن وجويا وتولستوي ودويستوفسكي وإبسن ونيتشه وفان جوخ – الذين أصابونا بالجنون، مثلما أصابوا أنفسهم، لكن عذابهم فجّر كثيرا من رأس المال الروحي الذي لازلنا نعيش عليه إلى يومنا هذا.”

لكن ما هو عدد الناس الذين يضمون ماركس إلى قائمة الكتاب والفنانين العظماء؟ حتى في عصر ما بعد الحداثة الذي نعيش فيه، أساء عديد من القراء فهم السرد المتقطع وعدم الاستمرارية في “رأس المال” حينما رأوا في ذلك شيئا غير مفهوم لا شكل له. إن أي شخص يريد أن يدرك بعمق فحوى أعمال بيتهوفن أو جويا أو تولستوي، يجب أن يكون قادرا على أن يتعلم “شيئا جديدا” من قراءة “رأس المال” – وذلك لأسباب ليس أقلها أن موضوعه لا زال يحكم حياتنا. فكما يسأل بريمان: كيف يمكن لـ”رأس المال” [الكتاب] أن يكتمل بينما لازال رأس المال [العلاقة الاجتماعية] حيا؟ إنه لمن المنطقي أن ماركس لم يكمل تحفته. كان المجلد الأول هو الوحيد الذي رأى النور في حياته، بينما تم جمع المجلدات التالية بعد وفاته، بواسطة أناس آخرين اعتمدوا على الملاحظات والمسودات التي وُجدت في دراسته. إذن فإن مُؤلَف ماركس هو ذو نهاية مفتوحة – ومن ثم فهو مرن – مثله مثل النظام الرأسمالي ذاته.

وبالرغم من أن “رأس المال” عادة ما يُصنف باعتباره عملا في الاقتصاد، فقد توجه ماركس إلى دراسة الاقتصاد السياسي فقط بعد عدة سنوات من العمل الأوليّ في الفلسفة والأدب. كانت تلك الركائز الثقافية هي الأسس التي دعمت المشروع، وكانت خبرته الشخصية عن الاغتراب هي التي أعطته كل هذه القوة في تحليل النظام الاقتصادي الذي يجعل الناس غرباء عن بعضهم البعض وعن العالم الذي يعيشون فيه – عالم يصير فيه البشر عبيدا للقوة المتوحشة لرأس المال والسلع.

ومنذ لحظة ولادته في 5 مايو 1818، كان ماركس يُعتبر غريبا. فهو كان ولدا يهوديا في مدينة أغلبها من الكاثوليك، هي تريير الواقعة ضمن حدود دولة بروسيا التي كانت ديانتها الرسمية هي البروتستانتية الإنجيلية. ورغم أن أرض الراين كانت قد ضمتها فرنسا خلال حروب نابليون، فإنه قبل ولادة ماركس بثلاثة أعوام جرى إعادة إلحاقها بالإمبراطورية البروسية، وأصبح يهود تريير خاضعين لمرسوم يمنعهم من ممارسة المهن: وكان على والده، هينريش ماركس، أن يتحول إلى اللوثرية حتى يستطيع أن يعمل محاميا.

وقد شجع والد ماركس ابنه على القراءة بنهم. وكان المعلم الثاني للصبي هو صديق والده، البارون لودفيج فون فيستفالين، وهو كان مسئولا حكوميا ومثقفا وليبراليا، عَرّف ماركس على الشعر والموسيقى (وعلى ابنته جيني التي أصبحت زوجة ماركس بعد ذلك). وخلال تجوالهما الطويل معا، كان البارون يردد فقرات من هومر وشكسبير حفظها الفتي عن ظهر قلب واستخدمها بعد ذلك كتوابل أساسية في أعماله.

وعندما أصبح ماركس رجلا كان يستعيد هذه الرحلات السعيدة مع فون فيستفالين، عبر حكي مشاهد من شكسبير ودانتي وجوته، عندما كان يقود عائلته صعودا إلى هامبستيد هيث في رحلات الآحاد. وكان لديه مقتبس لكل مناسبة: عند سحق عدو سياسي، أو إضفاء الحياة على نص جاف، أو تضخيم دعابة، أو تأصيل شعور ما، أو بعث الحياة في تجريد ميت، كما حدث عندما تكلم رأس المال نفسه في صوت شايلوك (في المجلد الأول من “رأس المال”) لتبرير استغلال عمل الأطفال في المصانع:

“اعترض العمال ومفتشو المصنع استنادا على مبررات تتعلق بالصحة والأخلاق، لكن رأس المال رد قائلا:

أنا مسئول عن أعمالي، أنا أتوق إلى تطبيق القانون

وأتعهد بتحمل العقوبة والجزاء”

ولإثبات أن المال يسوّي بين الناس بشكل راديكالي، يقتبس ماركس حديثا من تيمون الأثيني حول المال باعتباره “العُهر المشترك للجنس البشري”، تلاه اقتباس آخر من “أنتيجون” لسوفوكليس (“المال! المال! لعنة الإنسان، لا تضاهيها لعنة!/ فهو الذي يدمر المدن، ويطرد الرجال من منازلهم،/ ويغوي ويفسد أجمل ما في الروح من معني،/ دافعا إلى طريق الفجور والعار…”). وكان ماركس يقارن الاقتصاديين ذوي النماذج والتصنيفات البالية بـ”دون كيشوت” الذي “دفع ثمن الخطأ الذي ارتكبه حينما تخيل أن الفروسية الجوّالة يمكنها أن تتواجد في كافة الأشكال الاقتصادية للمجتمعات.”

كانت طموحات ماركس المبكرة أدبية. فحينما كان يدرس القانون في جامعة برلين كتب مؤلَفا شعريا ومسرحية شعرية، بل وكتب رواية هي “العقرب وفيليكس” متأثرا برواية لورانس شتيرن شديدة الخروج عن المألوف، “تريسترام شاندي”. غير أنه بعد هذه التجارب، أقر بالهزيمة:

“فجأة، كما لو كان الأمر لمسة سحرية – كانت اللمسة في البداية بمثابة لطمة مدمرة – أدركت أن المسافة بعيدة بيني وبين مجال الشعر الحقيقي، مثلها مثل المسافة إلى قصر الجنيات، وأن كل إبداعاتي تحطمت إلى لا شئ… انسدل الستار وانهار قدس الأقداس الخاص بي، وكان يجب خلق آلهة جديدة.”

وإزاء شعوره بنوع من الصدمة العصبية، كان على ماركس أن يأخذ فترة راحة طويلة في الريف – حيث استسلم لإغواء سحر هيجل، أستاذ الفلسفة في برلين المتوفي حديثا، والذي كان تراثه محل صراع عنيف بين تلاميذه والأساتذة الآخرين. وفي الجامعة، تبني ماركس عادة “أخذ الاقتباسات من كل الكتب التي قرأها” – وهي العادة التي لم يتخل عنها أبدا.

وتشير قائمة قراءاته في تلك الفترة إلى النضج المبكر لكشوفه العقلية. وبينما كان يكتب دراسة عن فلسفة القانون، قام بدراسة تفصيلية لتاريخ الفن لوينكيلمان، وبدأ يعلم نفسه الإنجليزية والإيطالية، وترجم “جيرمانيا” لتاسيتوس و”الخطاب” لأرسطو. كما قرأ فرانسيس بيكون وقضى وقتا طويلا مع ريماريوس “الذي أعملت عقلي بسعادة مع كتابه عن الفطرة الفنية للحيوانات”. إن ذلك هو نفس أسلوب البحث الانتقائي، والنهِم، بل والذي يصل إلى حد الهوس أحيانا، الذي أعطى رأس المال مرجعيته الفائقة في اتساعها.

وعندما كان ماركس طالبا، كان مفتونا بـ”تريسترام شاندي”. وبعد 30 سنة، عثر على موضوع سمح له بمحاكاة الأسلوب الفضفاض والمفكك الذي أبتدعه شتيرن. فمثل “تريتسرام شاندي”، يعد “رأس المال” مليئا بالتناقضات، والفرضيات، والتفسيرات المبهمة، والسخرية غريبة الأطوار، والسرد المتناثر، والغرابة النادرة.

“ماذا يهمك فيما يهمس الناس به هنا؟” هكذا يسأل فيرجيل دانتي في المقطع الخامس من “المَطهر”. “اتبعني ودع الناس يتكلمون.”

بينما كان ماركس يفتقر إلى واحد مثل فيرجيل ليقوده، فقد حذّر في تصدير المجلد الأول من رأس المال من أنه لن يتنازل إزاء تحاملات الآخرين: “والآن، أكثر من أي وقت مضى، فأن أقصى ما لدي هو قول الفلورنسي العظيم دانتي “سر في طريقك ودع الناس يتكلمون.” فمنذ البداية، إذا، ينظر ماركس للكتاب باعتباره انزلاقا نحو المناطق السفلى. فحتى وسط التجريدات النظرية المعقدة، ينقل ماركس إحساسا حيا بالمكان والحركة:

“دعونا إذا نغادر منطقة السوق الصاخبة تلك، حيث يحدث كل شئ أمام أعين الجميع، وحيث يبدو كل شئ مفتوحا ومكشوفا. سوف نتبع مالك المال ومالك قوة العمل إلى البؤر الخفية للإنتاج، متجاوزين عتبة المدخل المكتوب فوقه “غير مسموح بالدخول إلا لأجل الصفقات”. هنا سوف نكتشف ليس فقط كيف يَُنتِج رأس المال، ولكن أيضا كيف يتم إنتاجه هو نفسه. ففي النهاية سوف نكتشف سر إنتاج فائض القيمة.”

وخلال هذه الرحلة، عادة ما كان يتم استدعاء الأدباء القدامى. ففي وصفه لمصانع الكبريت الإنجليزي، حيث كان معظم العمال من الصبية (بعضهم عمره ست سنوات)، وكانت ظروف العمل مروعة إلى حد أنه فقط “أكثر قطاعات الطبقة العاملة بؤسا، وهم الأرامل شبه الجوعى ومن شابههن، يسلمون أطفالهم إلى هذه المصانع”، يكتب أيضا:

“في ظل تراوح يوم العمل بين 12 إلى 14 أو 15 ساعة، والعمل ليلا وعدم وجود أوقات ثابتة للوجبات، وحيث يتم تناول الطعام في غرف العمل المهلكة نتيجة وجود الفسفور، فإن دانتي كان سيجد في هذه الصناعة تجاوزا لأسوأ الفظائع التي صورها في “الجحيم”.”

وفي نفس الوقت قدمت تخيلات أدبية أخرى للجحيم إضافات للصورة التي يرسمها ماركس عن الحقيقة الملموسة:

“من هذا الجمهور المتنوع من العمال من كافة الأطياف والأعمال والأجناس، والذين يحتشدون حولنا بسرعة تفوق سرعة احتشاد أرواح المذبوحين حول يوليسيس، والذين نرى بمجرد النظر إليهم علامات العمل المفرط، وبدون مراجعة الدفاتر الزرقاء التي يتأبطونها، دعونا نختار شكلين آخرين، يثبت التناقض الصارخ بينهما أن كل البشر سواء أمام رأس المال – صانع القبعات والحداد.”

هذا مثلا ملخص لحكاية ماري آن فالكلي، فتاة في العشرين من عمرها ماتت “ببساطة نتيجة العمل الزائد” بعد أن عملت لـ26 ساعة متواصلة في صناعة القبعات للضيوف في حفل راقص أقامته أميرة ويلز عام 1863. وقد تضايقت صاحبة العمل (“وهي سيدة تحمل اسم إليز الجميل”، كما يلحظ ماركس بحدة) حينما علمت أن الفتاة ماتت قبل أن تكمل حلية كانت تخيطها!

يوجد نسيج ديكنزي (نسبة إلى تشارلز ديكنز) في معظم “رأس المال”. وفي مواضع في الكتاب، يعطي ماركس إيماءة صريحة للكاتب الذي أحبه. هنا، على سبيل المثال، يتضح كيف يهاجم ماركس بعنف المدافعين عن النظام الرأسمالي الذين يزعمون أن انتقاد ماركس لبعض التطبيقات التكنولوجية الحديثة يشير إلى أنه عدو للتقدم الاجتماعي ولا يرغب في استخدام الماكينات على الإطلاق:

“إن هذا بالضبط هو منطق بيل سايكس، السفاح الشهير: “رجال المحكمة الموقرون، لا شك أنه تم قطع رقبة هذا التاجر المتجول. لكن ذلك ليس خطئي، ولكنه خطأ السكين. هل يجب أن نقلع عن استخدام السكين من أجل هذه المشكلة العارضة؟ فقط ضع في الاعتبار كيف يمكن القيام بالزراعة والتجارة بدون السكين؟ أليست السكين ماهرة في الجراحة كمهارتها في التشريح؟ أليست السكين أداة مساعدة يريدها الجميع في موائد الحفلات؟ إذا تركت استعمال السكين، فأنك تقذف بنا للوراء نحو عمق البربرية.”

والحق أن بيل سايكس لم يدل بمثل هذا الخطاب في “أوليفر تويست”. كان هذا مجرد استطراد تأليفي ساخر من عنديات ماركس الذي كان يقول أحيانا، وهو ينظر إلى كتبه على الأرفف، “هم عبيدي.. يجب أن يخدموني كما أريد”. وظيفة هؤلاء “العبيد” غير مدفوعي الأجر هو توفير المادة الخام ليقوم ماركس بتشكيلها وفقا لأهدافه الخاصة.

في عام 1878، كتب صحفي من الشيكاجو تريبيون، زار ماركس وأجرى حوارا معه، قائلا: “حواره لا ينساب في مجرى واحد، لكنه متنوع كتنوع الكتب فوق أرفف مكتبته”. وفي عام 1976، ألف س. س. بورير كتابا من 540 صفحة خصصه للمراجع الأدبية في كتابات ماركس. فمثلا جمع المجلد الأول لـ”رأس المال” اقتباسات من الإنجيل وشكسبير وجوته وميلتون وفولتير وهومر وبلزاك ودانتي وشيلر وسوفوكليز وأفلاطون وثيوسيديدس وزينوفون وديفو وسيرفانتس ودرايدن وهاين وفيرجيل وجوفينال وهوراس وتوماس مور وصمويل بتلر – إضافة إلى إشارات لحكايات الرعب والروايات الرومانسية الإنجليزية والمدائح والأغنيات والميلودراما والمسرحيات الهزلية والخرافات والأمثال الشعبية.

وماذا عن المكانة الأدبية الخاصة لـ”رأس المال”؟ كان ماركس يدرك أن عمله لا يمكن أن يكتسب مكانة على هذا الصعيد إذا بدا عملا مكررا يكتفي بعرض إبداعات الآخرين. ففي المجلد الأول من “رأس المال” يزدري ماركس الاقتصاديين الآخرين “الذي يخفون عبر ما يعرضونه من تعقيدات تاريخية وأدبية، أو ما يضيفونه من مواد غير ذات صلة، شعورهم بالضعف العلمي ووعيهم الخفي بأنهم يجب أن يعلّموا الآخرين ما يشعرون هم أنفسهم بأنه موضوع غريب حقا.”

وربما ما يكشف عن خوف ماركس من أن يرتكب هو أيضا نفس الجرم، هو اعترافه المؤلم في ملحق الطبعة الثانية بأنه “لا يمكن أن يشعر أي أنسان أكثر مني بالنقائص الأدبية لرأس المال”. وبالرغم من ذلك، فأنه من المثير للدهشة أن عددا قليلا جدا من الناس اعتبر الكتاب عملا أدبيا. فقد ولّد “رأس المال” نصوصا لا حصر لها قامت بتحليل نظرية قيمة العمل وقانون ميل الربح للانخفاض. لكن قليلا جدا من النقاد أولوا اهتماما جادا بطموح ماركس المُعلن – في رسائل عديدة لإنجلز – وهو إنتاج عمل فني.

ربما يتمثل أحد العوامل المعوّقة لاعتبار “رأس المال” عملا أدبيا في أن بنيته متعددة الطبقات تتملص من سهولة التصنيف. فيمكن قراءة الكتاب كرواية قوطية يتم استعباد وابتلاع أبطالها بواسطة الوحش الذي صنعوه (“رأس المال الذي يأتي إلى عالم ملوث بالدم من الرأس إلى القدم ويقطر دما من كل مسامه”)؛ أو كميلودراما فيكتورية؛ أو ككوميديا سوداء (يستخدم ماركس، عند كشفه “للموضوعية الشبحية” التي تتسم بها السلعة، وبهدف فضح الاختلاف بين المظهر البطولي والحقيقة المعيبة، واحدا من المناهج الكلاسيكية في الكوميديا. حيث يقوم بنزع الدروع عن الفارس الشهم كاشفا حقيقته كرجل بدين في ملابسه الداخلية)؛ أو كمأساة إغريقية (“مثلهم مثل أوديب، فإن الأبطال في رواية ماركس للتاريخ الإنساني هم في قبضة الضرورة العنيدة التي تكشف عن نفسها بغض النظر عما يفعلونه” هذا ما يقوله س. فرانكل في كتاب “ماركس والفكر العلمي المعاصر”)؛ أو ربما هي يوتوبيا هزلية مثل أرض الهوينهنمس في رحلات جاليفر، حينما كان كل جديد يصبح باعثا على السرور بينما الإنسان هو مصدر الشر: في رؤية ماركس للعالم الرأسمالي، كما في الجنة الزائفة لجوناثان سويفت، يتم خلق عدن الزائفة التي تحول البشر العاديين إلى كائنات منحطة، خاملة ومغتربة.

لكي يعطي ماركس المنطق الوضيع للرأسمالية حقه، قام بإشباع نصوصه بالسخرية – وهي سخرية غابت عن معظم الدارسين خلال 140 سنة. ويعد الناقد الأمريكي إدموند ويلسون استثناء لذلك. حيث أنه كتب في “إلى محطة فنلندا: دراسة في كتابة وتمثيل التاريخ” (1940) أن قيمة تجريدات ماركس – مثلا: رقصة السلع، وتبدلات القيمة – هي أنها ببساطة تجريدات ساخرة، موضوعة جنبا إلى جنب مع كآبة المشاهد الموثقة جيدا التي يصورها ماركس حول البؤس والقذارة التي تخلقها في الواقع قوانين الرأسمالية.

يرى ويلسون “رأس المال” كنقد هزلي لعلم الاقتصاد الكلاسيكي. فقد اعتبر أن أحدا بخلاف ماركس لم يكن لديه هذا العمق السيكولوجي في فهم القدرة اللانهائية للطبيعة البشرية، على البقاء بلا ذاكرة، بلا وعي للآلام التي نلحقها بالآخرين عندما يكون لدينا فرصة كي نستخلص شيئا منهم لأنفسنا. “في التعامل مع هذا الموضوع، أصبح كارل ماركس واحدا من أساتذة الهزل العظماء. ماركس هو بالتأكيد أفضل الساخرين منذ سويفت، وهو لديه الكثير من الأشياء المشتركة معه.”

إذن ما هي الصلة بين خطاب ماركس الأدبي الساخر وتصويره “الميتافيزيقي” للمجتمع الرأسمالي؟ لو كان قد أراد أن يصنع نصا مباشرا عن الاقتصاد التقليدي لكان قد فعل ذلك – وهو قد قام بذلك بالفعل. إذ تقدم المحاضرتان اللتان ألقاهما ماركس ونشرتا بعد ذلك بعنوان “القيمة والأسعار والأرباح”، تصويرا مختصرا وواضحا لنظرياته حول السلعة والعمل:

“إن الرجل الذي يصنع شيئا لاستهلاكه المباشر يخلق منتجا وليس سلعة.. السلعة تكون لها قيمة لأنها تجسيد للعمل الاجتماعي.. السعر، إذا نُظر إليه في حد ذاته، ليس إلا التعبير النقدي عن القيمة.. إن ما يبيعه العامل ليس عمله بشكل مباشر، لكن قوة عمله، التي يتخلي عنها مؤقتا للرأسمالي.” وهلم جرا.

أيا كانت جدارة هذا التحليل الاقتصادي، فأن أي طفل ذكي باستطاعته أن يفهمه. حيث لا توجد به مجازات أو ميتافيزيقيات معقدة ولا انحرافات محيرة ولا شرود فلسفي ولا تنميقات أدبية. ومن ثم فلماذا يختلف رأس المال تماما في الأسلوب رغم أنه يغطي نفس الموضوع؟ هل فقد ماركس فجأة نعمة القدرة على التعبير عن أفكاره بوضوح؟ تنفي الحقائق ذلك: فعندما أعطى المحاضرتين المذكورتين كان يكمل المجلد الأول من “رأس المال”. ويمكن التوصل إلى دليل على ذلك من خلال واحد من التشبيهات القليلة التي سمح لنفسه بها في “القيمة والسعر والربح”، حينما أوضح اعتقاده بأن الأرباح تنتج عبر بيع السلع بقيمتها “الحقيقية” وليس، كما قد يعتقد المرء، من فرض رسم إضافي. فقد كتب يقول “يبدو ذلك متناقضا من الناحية الظاهرية، ومختلفا عن ملاحظاتنا اليومية.. لكنه من المتناقض ظاهريا أيضا أن الأرض تدور حول الشمس، وأن الماء يتكون من غازين قابلين للاشتعال بشدة. فالحقيقة العلمية هي دائما متناقضة ظاهريا، إذا تم الحكم عليها وفقا للخبرة اليومية، والتي تلحظ فقط الطبيعة المضللة للأشياء.”

أن وظيفة المجاز هي جعلنا ننظر إلى الشيء نظرة جديدة عبر تحويل صفاته إلى شئ آخر، أي عبر تحويل الشائع إلى غريب أو العكس. لودوفيكو سيلفا، وهو ناقد فنزويلي لماركس، بنى على المعنى الأصلي لكلمة “مجاز” metaphor وهو تحوّل أو تبدّل transfer أطروحته القائلة بأن الرأسمالية تعد، بهذا المعنى، مجازا: عملية اغترابية تبدل الحياة من الذات إلى الموضوع، من القيمة الاستعمالية إلى القيمة التبادلية، من الإنسانية إلى التوحش. وفقا لهذه القراءة، فإن الأسلوب الأدبي الذي تبناه ماركس في رأس المال ليس غطاء لونيا وضع على سطح من الشرح الاقتصادي كان سيبدو كريها بدون هذا الغطاء، مثله مثل وضع المربى على التوست السميك؛ لكنها اللغة المناسبة الوحيدة للتعبير عن “الطبيعة المضللة للأشياء”؛ عمل أنطولوجي لا يمكن حصره في حدود أي علم من العلوم الموجودة كالاقتصاد السياسي أو الأنثروبولوجيا أو التاريخ.

باختصار، إن رأس المال هو عمل فريد. لم يكن هناك شئ يشبهه قبل صدوره، ولم يأت شيء يشبهه بعد ذلك – ربما ذلك هو السبب في أنه تم إهماله أو إساءة فهمه. حقا، لقد كان ماركس واحدا من أكثر العمالقة شعورا بالألم.