بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

كيف تخوض امتحانا وتغيّر العالم!

هذا النص القصير هو عبارة عن مقتطفات من كتاب “كيف تخوض امتحانا وتغيّر العالم” How to take an exam and remake the world للفيلسوف الماركسي وأستاذ العلوم السياسية بجامعة نيويورك برتل أولمان. وإذا كنتَ عزيزي القارئ تعاني مشاعر الانفصال والعزلة والغربة التي بدأ بها هذا النص، فإن نصيحتي المتواضعة لك أن تقرأ هذا الكتاب، لا سيما إذا كنت أيضا طالبا وتعاني من توتر وسخف الامتحانات وتود أن تفهم العلاقة بين معاناتك هذه والمجتمع الذي تعيش فيه. سيساعدك الكتاب (مثلما ساعدني) على أن تفهم أنك لست مسؤولا عن الجانب الأكبر من آلامك.. ستشعر بالتحرر.. وستصبح أقدر على التعامل مع الامتحانات و(وهذا هو الأهم) على تغيير العالم. والاطّلاع على الجزء الأكبر من الكتاب متاح مجّانا على موقع المؤلف على الإنترنت.
أما إذا لم تكن تجيد الإنجليزية، فنصيحتي للقراء والرفاق أن يجتمعوا في حلقات ويقرأوا الكتاب قراءة جماعية بمساعدة من يجيدون هذه اللغة. فالكتاب ممتع بحق وفريد. سوف تضحكون كثيرا (الكاتب من ظرفاء هذا الزمان)، وربما تبكون أحيانا، لكنكم ستخرجون بفهم أوضح كثيرا لأشياء مثل الرأسمالية والجامعة والماركسية والجدلية والاشتراكية والشيوعية، وبعزم أكبر على النضال ضد النظام الاجتماعي الذي يسمّم حياتنا. أما من أراد منكم التعمق في فهم المنهج الجدلي عند ماركس، فإنني أوصيه بالاطّلاع على كتب أولمان الأخرى المشار إليها في موقعه. فالرجل أحد أعمق وأسلس من شرحوا هذا المنهج وبسطوه وطوروه.
وأود أن اختتم هذه الكلمة بمقطع من قصيدة لماركس الشاب أوردها أولمان في كتابه:

دعونا نقتسمُ الفرحَ والأملَ…
دعونا نجرؤ على كل شيء…
أما ما يجب تجنبه بأي ثمن…
فهو ألا نقول شيئا…
وألا نريد شيئا… وألا نفعل شيئا

المترجم

هل تعاني الشعور بالانفصال عن العالم من حولك، بالعزلة، بعدم الانتماء، بأن أحدا لا يُعْنَي بك، بأنك غريب، وأنك بالتالي غير مؤثر وعاجز؟ إذا كان الأمر كذلك، فأنت لست وحدك. هذا هو أحد أكبر ألغاز زمننا، إذ ليس من الواضح من أين تأتي هذه “المعاناة العادية”. وثمة لغز مماثل في الكبر يتصل بالقوة الهائلة للمال في مجتمعنا واستعداد أغلب الناس لعمل أي شيء تقريبا من أجل الحصول عليه.

ليس بين هذين اللغزين، على ما يبدو، الشيء المشترك الكثير. ولكن ماركس يتناولهما كجانبين لمشكلة واحدة يسميها “الاغتراب”.

يستخدم الكثير من علماء النفس والاجتماع هذا المصطلح: “الاغتراب”. لكنهم يقصرون معناه على صيغة أو أخرى من الضيق النفسي المشار إليه أعلاه. أما الجوهري بالنسبة لماركس فهو الوضع العام للإنسان الذي تتملكه هذه المشاعر، والدور الذي يلعبه المال على وجه الخصوص في هذا السياق.

يتجلى الوضع العام للإنسان في علاقات أربع تكمن في صميم خبرة العمل في مجتمعنا: 1) العلاقة بين الفرد ونشاطه الإنتاجي، حيث يحدد آخرون كيفية القيام بهذا النشاط، وفي ظل أي ظروف، وبأي سرعة، ومقابل أي أجر أو راتب، بل وحتى متى يبدأ هذا النشاط (وهل يبدأ أصلا أم لا؟) ومتى يتوقف؛ 2) العلاقة بين الفرد وثمرة هذا النشاط، حيث يسيطر آخرون على المنتَج ويستخدمونه لأغراضهم الخاصة (صُنْعُ شيءٍ لا يمنح المرء أي حقٍ في استخدام ما صنعه)؛ 3) العلاقة بين الفرد وغيره من الناس، ولا سيما أولئك الذين يسيطرون على نشاط المرء الإنتاجي وثماره، حيث يسعى كل طرف لتحقيق مصالحه دون العناية بما لعمله من أثرٍ على الآخر (اللا مبالاة المشتركة والتنافس يصبحان السمة الأساسية للتفاعل الإنساني)؛ و4) العلاقة بين الفرد والجنس البشري، أو بينه وبين معنى أن يكون المرء إنسانا.

ماركس يرى أن الروابط بين الفردِ ونشاطه الإنتاجي وثمارِ هذا النشاط والأشخاص الآخرين الذين يتعاون معهم في العمل تشكّل جوانب أساسية من الطبيعة البشرية. إن قطع هذه الروابط، وهو ما يحدث حينما يُنتزع أي عنصر من هذا العنقود بعيدا عن سيطرة الإنسان، هو بمثابة حرمان للناس من قدر كبير من ملَكة النمو والارتقاء المنسجم الكامنة فيهم، وتَرْكُهم وقد انتُقِصَت إنسانيتهم.

ورغم أن نقاش ماركس للاغتراب ينصبّ على دائرة الإنتاج، فإن هذه العلاقات الأربع يمكن العثور عليها أيضا في مجالات أخرى للحياة الرأسمالية – في التعليم والسياسة والثقافة والعلم والدين – حيثما كانت أنشطة الناس ومنتجاتهم (بما في ذلك الخدمات والأفكار) خاضعة في واقع الأمر لسيطرة أولئك الذين يستخدمونها لتحقيق مصالحهم الخاصة.

بهذه الطريقة، مثلا، يمكن النظر إلى الطلاب الذين تشمل الأنشطة المميِّزة لهم الذهاب إلى المحاضرات وخوض الامتحانات ودفع الرسوم، الخ. أقول إنه يمكن النظر إلى الطلاب بوصفهم ينتجون مجموعة من “المنتجات” من بينها الدرجات والشهادات والأساتذة والجامعة نفسها. فمن خلال أنشطة التواصل مع “هذا” المبنى بوصفه جامعة، فإنهم هم (أنتم أيها الطلاب) الذين يجعلون منه جامعة. ومن دون هذه الأنشطة، فإنه يكون مبنى عاديا لا أكثر. والأمر نفسه يصح على الرجل الثرثار (أو المرأة الثرثارة) الذي يصبح أستاذا من خلال معاملتكم له (أو لها) باعتباره كذلك.

تخضع هذه الأنشطة والمنتجات كلها لسيطرة الإدارات العليا لجامعاتنا، التي تتلاعب بها ببراعة لخدمة مصالحها بعيدا عن المصالح الحقيقية للطلاب. والنتيجة هي أن الطلاب منفصلون عن مجمل السياق الجامعي ويفتقرون إلى النذر اليسير من التحكم في هذا السياق. بيد أن هذا السياق يمثل جزءا أساسيا من كيانهم كبشر (أو جوانب مما يعتبره ماركس طبيعتهم البشرية الأوسع) فضلا عن هويتهم كطلاب. وإذ يُنتقَص من آدميتهم في الفعل ذاته الذي يبلور هويتهم كطلاب داخل الجامعة الرأسمالية، فهل من عجبٍ أن يشعرَ أغلبُ الطلابِ بالانفصال والعزلة والعجز؟

ولكن ماذا عن القوة المُلْغَزة للمال؟ من البديهي أن المال لا يمكن أن يشتري سوى ما يستطيع ويقبل الناس بيعه. وفي مجتمعنا يكاد ذلك يشمل كل شيء. ولكن الأمر ليس على هذا النحو سوى لأن أغلب الروابط التي تصلنا بالعالم – بالمنتجات التي نصنعها، وبالأنشطة التي نقوم بها لإنتاجها، وبصفات القوة والحصافة والذكاء المستخدَمة في صنعها، وبالأشخاص الآخرين المنخرطين معنا في العملية – قد قُطِعَت واتّخَذت هيئة نشاط مغترب من هذا النوع أو ذاك.

إن الناس لا يبيعون أطرافهم أو أجزاء أخرى من أنفسهم تدخل في صميم هويتهم وكيانهم. هكذا ففي المجتمع الإقطاعي مثلا، لم يكن بوسع الأقنان – الذين كانوا يعانون شكلا آخر من السيطرة – أن يبيعوا قوة عملهم أو منتجات عملهم. لم يكن حتى ممكنا أن يخطر ذلك بذهنهم. ولكن مع انفصال الناس عن صفاتهم الخاصة، وعن شروط حياتهم وأنشطتهم ومنتجاتهم، بواسطة الاغتراب الموصوف أعلاه، فإن تلك الحصة من العالم ومن حياتنا في العالم التي صارت مطروحة للبيع قد اتسعت، واتسعت معها قوة المال وقدرته على شرائها.

وبكلمات أخرى فإن المال لا يشتري سوى ما لم يعد جزءا من كيان الناس بسبب اغترابهم. ومن هنا وصف ماركس المدهش للمال بأنه “القدرة المغتربة للبشرية”. المال هو القدرة والصفات التي كانت لنا وخسرناها، والتي تواجهنا الآن على الهيئة الخفية للمال. قوته هي قوتنا التي سُلِبت منّا، وراحت تغترب عنّا وتتشيأ وتتحوّل ضدنا في أيدي أولئك الأثرياء من ذوي المصالح المناقضة لمصلحتنا.

يمكن أن يُروىَ تاريخ الرأسمالية باعتباره قصة فقدان البشر لإنسانيتهم بالتدريج من خلال اغترابهم، وكيف صرنا أقل ارتباطا بكل ما يميزنا كجنس بشري عن بقية عالم الحيوان (وبالتالي أكثر عزلة وعجزا)، وكيف صار المزيد والمزيد مما نحتاج إليه في الحياة مملوكا ملكية خاصة لآخرين (“الأشياء على السرج وهي تمتطي الإنسانية”، بكلمات الشاعر وردذورث). بَيْدَ أن هذا التاريخ نفسه يمكن روايته على أنه قصة استحواذ المال على سلطة متزايدة دوما على الناس بوصفه سبيلنا الوحيد إلى جعل الآخرين، ممن هم في المأزق ذاته، يزودوننا بضرورات الحياة التي لم نعد نسيطر عليها. إن اللغزين اللذين بدأنا بهما – شعور الناس بالعزلة والعجز والقوة الهائلة للمال – يسهل حلهما متى أدركنا أنهما يشكّلان جانبين من الظاهرة نفسها، ألا وهي سير الحياة المغترب للمجتمع الرأسمالي.

[لهذا السبب بالضبط]، ومن حيث كوننا بشرا، فإن الكل سيستفيد من الاشتراكية. وبالتالي فإنه من المصلحة الإنسانية للجميع أن نستبدل الرأسمالية بالاشتراكية. خاصة أن الكثير مما يجري في ظل الرأسمالية، مثل التدمير الوحشي للبيئة، يناقض المصالح الإنسانية للجميع.