بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

كيف يمكن تغيير المجتمع؟

يدعي الإصلاحيون وغالبية النقابيين عمومًا أن المجتمع يمكن تغييره بدون ثورة عنيفة. ويزعمون أنه يكفي أن يفوز الاشتراكيون بتأييد شعبي يكفيهم للسيطرة على المؤسسات السياسية التقليدية – أي البرلمان والمجالس المحلية. بعدها يصبح بإمكانهم تغيير المجتمع من خلال السيطرة على مؤسسات الدولة القائمة مثل قطاع الخدمة المدنية، والقضاء، والشرطة، والقوات المسلحة، واستخدامها لفرض قوانين تقضي على سلطة الطبقات المستغلة.

وبهذه الطريقة صار الادعاء بأنه يمكن تطبيق الاشتراكية تدريجيًا وبدون عنف عن طريق إصلاح المؤسسة الحالية. وهذا المنهج يطلق عليه عادة اسم “الإصلاحية”، وهو المنهج الذي تتبناه بعض الأحزاب العمالية في العالم اليوم. تبدو الإصلاحية للوهلة الأولى وكأنها رؤية عقلانية. فهي تتناسب مع ما نتعلمه في المدارس، نقرأه في الصحف ونشاهده في التليفزيون من أن “البرلمان هو السلطة العليا في البلاد” وأن “البرلمان ينتخب على أساس ديمقراطي ولصالح الشعب”. وبرغم ذلك فشلت كل المحاولات التي سعت إلى تطبيق الاشتراكية من خلال البرلمان. وكمثال على ذلك ما حدث في شيلي عام 1970 عندما انتخب الاشتراكي سلفادور أليندي رئيسًا للدولة، وادعى البعض أن ذلك كان “طريقًا جديدًا للانتقال إلى الاشتراكية”. وبعد ذلك بثلاث سنوات أطاح الجنرالات بأليندي ودمرت حركة الطبقة العامة في شيلي.

إن الإصلاحية محكوم عليها دائمًا بالفشل لثلاثة أسباب متداخلة مع بعضها. أولاً، أثناء قيام الأغلبية الاشتراكية في البرلمانات بتقديم القوانين الاشتراكية “تدريجيًا”، تظل السيطرة الاقتصادية الحقيقية في أيدي الطبقات الحاكمة القديمة. وبإمكانهم استخدام سلطتهم الاقتصادية لإغلاق قطاعات كاملة من الصناعة، وخلق بطالة، ورفع الأسعار من خلال المضاربة والاحتكار، أو تهريب الأموال إلى الخارج وبالتالي يسببون أزمة في “ميزان المدفوعات”، وإقامة حملات إعلامية يلقون فيها اللوم في كل هذا على الحكومة الاشتراكية.

هكذا أجبرت حكومة حزب العمال في بريطانيا في 1964 مرة ثانية في 1966 على التخلي عن إجراءات كان من الممكن أن تفيد العمال – بسبب تهريب الأفراد الأثرياء والشركات لأموالهم بالجملة إلى الخارج. وكذلك في شيلي واجهت حكومة سلفادور أليندي أزمة أكبر على أيدي رؤوس الأموال الكبيرة. حيث أدى إضراب رجال الأعمال إلى إغلاق قطاعات بكاملها من الصناعة. وأدت المضاربة إلى زيادة الأسعار إلى درجة هائلة وكذلك احتكار رجال الأعمال لبضائع سبب طوابير على مستلزمات الحياة الضرورية.

السبب الثاني في عدم إمكان إصلاح الرأسمالية يرجع إلى أن آلة الدولة الحالية ليست محايدة، ولكنها مصممة من أسفلها إلى قمتها للحفاظ على المجتمع الرأسمالي. فالدولة تتحكم في كل وسائل ممارسة القوة المادية، أي كل وسائل العنف. ولو كانت مؤسسات الدولة محايدة، وتقوم بما تمليه عليها أي حكومة، سواء رأسمالية أو اشتراكية، فمن الممكن إذن أن توقف الدولة إفساد الاقتصاد الذي يقوم به كبار الرأسماليين. ولكن لننظر إلى الطريقة التي تعمل بها آلة الدولة، ومن فعليا يعطيها الأوامر؟ عندها سنرى أنها ليست محايدة.

ليست آلة ببساطة هي الحكومة. إنها مؤسسة ضخمة ذات فروع مختلفة كثيرة – مثل البوليس، والجيش، والقضاء، وقطاع الخدمة المدنية، ومديري الصناعات المؤممة وهكذا. وكثير من الناس الذين يعملون في تلك الفروع المختلفة في الدولة يجيئون من الطبقة العاملة – فهم يعيشون ويدفع لهم أجور مثل العمال.

ولكن ليس هؤلاء الناس هم الذين يصنعون القرارات. فالجنود العاديين لا يؤخذ رأيهم عندما يذهبون إلى الحرب أو عند قمع الإضرابات، ولا يقرر موظف الحسابات في مكتب التأمينات الاجتماعية حجم المعاشات التي سيتم صرفها، إن آلة الدولة بكاملها تستند إلى مبدأ أن المستويات الأدنى في السلم الوظيفي عليها أن تطيع أوامر المستويات الأعلى.

وهذه بالضرورة هي الحال في قطاعات آلة الدولة التي تمتلك قوة مادية – أي الجيش والأسطول والقوات الجوية والبوليس – وأول أمر يتعلمه الجنود عند تعبئتهم – أي قبل السماح لهم بأن يلمسوا السلاح بوقت طويل – هو إطاعة الأوامر بغض النظر عن آرائهم الشخصية في هذه الأوامر. ولهذا يتعلمون تنفيذ حركات سخيفة. فإذا أطاعوا تلك الأوامر السفيهة في ساحة العرض دون تفكير، فمن المتوقع أن يطلقوا الرصاص عندما يؤمرون بذلك دون تفكير أيضًا.

إن أكثر الجرائم خطورة في الجيش هو عدم طاعة الأوامر، أو العصيان، ويتضح مدى خطورة هذه الجريمة من العقوبة التي يعاقب بها المتمردون وهي الإعدام. فمن الذي يعطي الأوامر؟

في أي جيش تتدرج الأوامر من الرتب الأعلى إلى الرتب الأدنى، ولا يتم في أي جيش انتخاب للقيادات ولا حتى مندوبين منتخبين لمراقبته. فالجيش آلة ضخمة للقتل. والقادة الذين يديرونه ولهم الصلاحية لترقية الجنود الآخرين إلى مواقع القيادة هم الجنرالات.

وطبعًا، يعد الجنرالات مسئولين أمام الحكومة المنتخبة نظريًا. ولكن الجنود يدربون على طاعة الجنرالات، وليس السياسيين. وإذا أراد الجنرالات إصدار أوامر لجنودهم تتعارض مع رغبة الحكومة المنتخبة، فلن تستطيع الحكومة إلغاء تلك الأوامر. كل ما تستطيع أن تفعله هو محاولة إقناع الجنرالات بالعدول عن آرائهم. ذلك إذا عرفت الحكومة نوعية الأوامر التي تصدر أصلاً، فلأن الشئون العسكرية شديدة السرية، يستطيع الجنرالات أن يخفوا عن الحكومة ما يشاءون.

هذا لا يعني دائمًا أن الجنرالات يتجاهلون باستمرار أو عادة تعليمات الحكومات لهم. فعادة يرون من المناسم، أن يتبعوا معظم توجيهاتها. ولكن في موقف حياة أو موت، يستطيع الجنرالات استخدام آلة القتل التي يسيطرون عليها دون الالتفات إطلاقًا إلى الحكومة، ولا يكون لدى الدولة ما تفعله إزاء ذلك. وهذا ما فعله الجنرالات أخيرًا بعد الإطاحة بأليندي في شيلي.

لذلك فإن سؤال “من يدير الجيش؟” هو نفسه سؤال “من هم الجنرالات؟” إن الغالبية العظمى من هؤلاء الجنرالات ينتسبون إلى أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة وينتمون إلى نفس الطبقة، ويختلطون معها في الوظائف الاجتماعية، ويتبنون نفس أفكارها. ونفس الشيء بالنسبة لرؤساء قطاعات الخدمة المدنية، والقضاة، ورتب الشرطة.

هل تعتقد أن هؤلاء الناس سوف يمتثلون لأوامر حكومة تسحب السيطرة الاقتصادية من أصدقائهم أقاربهم من كبار رجال الأعمال، فقط لأن هناك بعض المتآمرين يترددون على مجلس الشعب؟ أليس من المحتمل أكثر أن يقلدوا نموذج جنرالات شيلي وقضاتها ورؤساء القطاع الخدمي، الذين أفسدوا توجيهات الحكومة لمدة ثلاثة سنوات، وبعد ذلك، عندما أصبحت الظروف مناسبة، أطاحوا بها؟

وفي الواقع، فإن الدستور في معظم الدول الرأسمالية يتضمن أن أولئك الذين يسيطرون على آلة الدولة يستطيعون مواجهة إرادة أي حكومة يسارية منتخبة قبل الحاجة إلى خلعة بكثير. فإذا انتخبت تلك الحكومة ستواجه بفساد اقتصادي شديد بواسطة الطبقة الحاكمة (مثل إغلاق المصانع، وتهريب الأموال، واحتكار الضروريات، وارتفاع أسعار تضخمي). وإذا حاولت الحكومة التعامل مع هذه “الوسائل الدستورية” للتخريب – من خلال فرض قوانين – ستجد يديها مكبلة وراء ظهرها.

وسوف ترفض بعض المؤسسات تشريع هذا القانون – وتحاول تأخيره لمدة تسعة أشهر على الأقل. وسوف “يفسر” القضاة مثل تلك القوانين بطريقة تفرغها من مضمونها. ويستخدم رؤساء القطاع الخدمي، والجنرالات وقيادات البوليس تأويلات القضاة وتلك المؤسسات لتبرير عدم رغبتهم الخاصة في تنفيذ توجيهات الوزراء. وسوف تساندهم تقريبًا كل وسائل الإعلام التي ستشكو من أن الدولة تعمل بطريقة “غير قانونية” و”غير دستورية”. وعند ذلك سيستخدم الجنرالات تلك الاتهامات لتبرير ترتيباتهم للإطاحة بالحكومة “غير الشرعية”.

ستكون الحكومة عاجزة عن التعامل مع الفوضى الاقتصادية – إلا إذا تصرفت فعلاً بطريقة غير دستورية ودعت عمال الخدمة المدنية العاديين، وأفراد الشرطة العاديين والجنود للانقلاب على رؤسائهم. فلو تخيلنا أن حكومة اشتراكية مناضلة قد انتخبت، فما الذي سيحدث؟ سوف يضطر غالبية الإصلاحيين في البرلمان إلى الاختيار: إما التخلي عن الإصلاحات لتهدئة أصحاب المصانع ومن يسيطرون على الوظائف الهامة في الدولة، أو الإعداد للدخول في صراع شامل، الذي سيعني حتمًا استخدام شيء من العنف ضد من يسيطرون على تلك الوظائف.

السبب الثالث في فشل الرؤية الإصلاحية هو أن “الديمقراطية” البرلمانية تتضمن آليات داخلية لمنع الحركة الثورية أن تعبر عن نفسها من خلالها. يدعي بعض الإصلاحيين أن أفضل طريقة للاستحواذ على السلطة من هؤلاء الذين يسيطرون على المواقع الرئيسية في آلة الدولة هو أن يحصل اليسار على الأغلبية البرلمانية أولاً. ويفند هذا الادعاء أن البرلمانات دائمًا ما تقلل من مستوى الوعي الثوري لجماهير السكان.

لن تصدق الجماهير أنها قادرة على إدارة المجتمع إلا عندما تبدأ فعلاً في تغييره بنفسها من خلال الصراع. فعندما يحتل ملايين العمال المصانع أو يشتركون في إضراب عام تظهر فجأة واقعية الأفكار الاشتراكية. وهنا فقط تكون عملية تغيير المجتمع إمكانية حقيقية.

ولكن هذا المستوى من الصراع لا يمكن استمراره نهائيًا إلا عند إزاحة الطبقات الحاكمة القديمة من السلطة. فإذا تأخر ذلك، يمكن أن تنتظر الطبقة الحاكمة حتى تنتهي موجة الإضرابات واحتلال المصانع، بعدها تستغل تحكمها في الجيش والشرطة للقضاء على الحركة.

وبمجرد أن تبدأ الحركة في الفتور، يبدأ الشعور بالوحدة والثقة بين العمال في التلاشي. ويهاجمهم الإحباط والشعور بالمرارة. حتى طليعتهم يتسلل إليها الإحساس بأن تغيير المجتمع كان حلمًا طفوليًا. لهذا السبب توضع الكثير من العقبات أمام الوسائل الثورية، التي تكرس الشعور بوحدة الطبقة العاملة وتزيد من ثقتها بنفسها. فيتم تجريم الإضراب في القانون المصري، ويمنع دستوريًا قيام أي أحزاب على أساس طبقي لحرمان الطبقة العاملة من حزبها المستقبل المعبر عن مصالحها، وكذلك فرض قانون الطوارئ. في نفس الوقت تستطيع الطبقة الحاكمة استخدام وسائلها الدعائية في شق وحدة العمال وتزييف أفكار الجماهير عمومًا عن الحركة الثورية وبعدها يتم القبض على القيادات الثورية نفسها.

لو انتظر العمال أن تقرر الانتخابات البرلمانية القضايا الرئيسية في الصراع الطبقي، فلن يمكنهم أبدًا إحداث التغيير. ولا بد لهم أن يستخدموا قوتهم وقدراتهم الثورية لإحداث هذا التغيير بالقوة، والإسراع في تدمير آلة الدولة القائمة وتأسيس الدولة العمالية لإنجاز الطريق نحو الاشتراكية. وسوف نتحدث في العدد القادم عن الملامح الرئيسية للدولة العمالية.