بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

البيان الشيوعي: هل عفا عليه الزمن؟

في فبراير 1848، أي منذ 150 عامًا، أصدرت عصبة الشيوعيين كتيبًا صغيرًا بعنوان “البيان الشيوعي” بقلم اثنين من أبرز قادتها، هما كارل ماركس وفريدريك إنجلز وتزامن صدور هذا الكتيب مع اندلاع ثورات كبرى شملت أغلب أوربا. كان الهدف من إصدار البيان هو توفير عرض مختصر للأفكار الأساسية للشيوعيين في شكل يسهل فهمه. ورغم أن التأثير المباشر للبيان – وكذلك تأثير عصبة الشيوعيين ذاتها – على مسار الأحداث الثورية خلال عام 1848 كان هامشيًا تمامًا، فإن تأثير هذا الكتيب راح يتزايد ومكانته راحت تترسخ عبر الأعوام. وعلى امتداد القرن العشرين كان البيان الشيوعي ثاني أكبر الكتب مبيعًا في العالم بعد الكتاب المقدس! ولم يتغير هذا الوضع خلال السنوات القليلة الأخيرة رغم كل الضجيج الإعلامي الصاخب حول انهيار الاشتراكية وإفلاس الماركسية بل وحتى نهاية التاريخ. فعندما صدرت في بريطانيا طبعة جديدة من البيان بحجم الجيب في العام الماضي فوجئ الناشرون بأنهم باعوا أكثر من 60 ألف نسخة.

ومع استمرار شعبية البيان يستشيط مفكرو البرجوازية غضبًا ويجهدون أنفسهم لتأكيد أن البيان ليس سوى كتيب متقادم كتبه رجلان مثاليان ذوي لحي طريفة في عالم منقطع الصلة بعالمنا المعاصر. فهل صحيح أن البيان الشيوعي قد عفا عليه الزمن؟ الإجابة أنه رغم الحاجة لتصويب وتدقيق بعض مفاهيم وعبارات البيان، فإن أفكاره الجوهرية تظل معاصرة بشكل مدهش؛ بل إن هذا الكتيب كان من نواحي عديدة سابقًا لعصره ومستشرفًا لآفاق مستقبلية نستطيع اليوم أن نستوعبها بشكل أفضل من معاصري ماركس وإنجلز.

السياق الذي كتب فيه البيان:
تعرف سنوات ما بين 1789 و1848 في التاريخ الأوربي بأنها عصر “الثورة المزدوجة”. سياسيًا كانت هناك الثورة الفرنسية الكبرى (1789) واقتصاديًا كانت هناك الثورة الصناعية. ويمكن القول بأن الحركة الاشتراكية الحديثة كانت نتاجًا للتناقض بين هذين الجانبين للثورة المزدوجة. فالثورة الفرنسية أسقطت الملكية وأقلمت الجمهورية وأعلنت الحرية والإخاء والمساواة حقوقًا لكل فرنسي (وإن لم يكن لكل فرنسية) ثم راحت الجيوش الثورية تنشر هذه الرسالة الجمهورية على امتداد القارة الأوربية. هكذا أثارت الثورة الفرنسية تطلعات بدت طبيعية ومشروعة نح المساواة بين جميع المواطنين.

وفي المقابل، فإن الثورة الصناعية التي تمثلت في نظام المصنع الذي يجمع أعدادًا كبرى من العمال في أماكن عمال كبيرة تعتمد على مصادر صناعية للطاقة مثل البخار قد فاقمت التفاوت الاجتماعي بشكل هائل. ففي حين حقوق الرأسماليون أصحاب المصانع الجديدة (البرجوازية) أرباحًا طائلة، فإن العمال الصناعيين أو البروليتاريا كما أسماهم ماركس تمييزًا لهم عن الفلاحين، عاشوا وعملوا في ظل بؤس غير مسبوق. هكذا تناقضت المبادئ الجميلة للثورة الفرنسية مع الواقع البشع المعاش على الأرض. وراح الكثيرون يقتنعون بضرورة التغيير الاجتماعي الجذري إذا كان لمبادئ الثورة الفرنسية أن تصبح أكثر من حبر على ورق.

كان هذا إيذانًا بمولد الحركة الاشتراكية الحديثة بجناحيها الطوباوي والانقلابي. قدمت هذه الحركة نقدًا حاسمًا، سياسيًا وأخلاقيًا، لشرور الرأسمالية. إلا أنها عانت من عيبين أساسيين. العيب الأول هو افتقادها لدراسة عملية لقوانين حركة المجتمع الرأسمالي الذي وجهت له سهام النقد. أما العيب الثاني والأهم، فكان افتقادها للثقة في قدرة الطبقة العاملة على الإطاحة بالرأسمالية. انطلاقًا من تراث التنوير الفرنسي، رأى الاشتراكيون الطوباويون أن تحقيق الاشتراكية يكون من خلال النشر التدريجي للأفكار الاشتراكية في المجتمع والدعاية لها سلميًا. وتعويلاً على ضرورة انتصار العقل في نهاية المطاف، وجه الطوباويون دعايتهم الاشتراكية إلى كافة فئات المجتمع، بل أنهم ركزوا على الطبقة البرجوازية ذاتها على أساس أن قوة حجتهم ستدفع البرجوازية للتخلي عن مصالحها الطبقية الضيقة لصالح مصلحة الإنسانية ككل في الاشتراكية. هكذا بذل سان سيمون وفورييه وروبرت أوين وغيرهم من قادة الاشتراكية الطوباوية جهودًا كبيرة لاستمالة كبار الرأسماليين نحو مشروعهم السياسي. ولم تخل هذه المحاولات من طرافة كأن يعلن فورييه مثلاً أنه سيتواجد في أحد المقاهي في موعد محدد كل أسبوع لمناقشة تصوراته عن المجتمع الاشتراكي المنشود مع من يرغب من الرأسماليين (لم يحضر أحد).

وفي مقابل هذا الحلم الطوباوي بإمكانية تحقيق الاشتراكية بواسطة الحجج العقلية وحدها، فإن الاشتراكيين الانقلابيين وأشهرهم بلانكي آمنوا بضرورة النضال المسلح. إلا أنهم رأوا أن هذا النضال ينبغي أن تخوضه الأقلية الثورية في المجتمع نيابة عن الطبقة العاملة. ورغم الخلافات الحادة بين جناحي الحركة الاشتراكية الحديثة، فإن خيطًا هامًا ظل يربط بينهما. وتمثل هذا الخيط في التصور القائل بأن إقامة المجتمع الاشتراكي هي مهمة الأقلية المستنيرة في المجتمع. وسواء كانت الوسيلة هي الدعاية السلمية أم الكفاح المسلح، فإن المنتظر من جماهير العمال في الحالتين هو أن يتفرجوا بسلبية على عملية تحريرهم.

نظرت إذن اشتراكية الثلث الأول من القرن التاسع عشر للطبقة العاملة باعتبارها ضحية للجشع الرأسمالي تستحق الشفقة والعطف، وليس كقوة قادرة على تحرير ذاتها من خلال النضال. وكما سيوضح ماركس لاحقًا، فقد عبرت هذه النظرة عن ضعف الطبقة العاملة وعدم نضوج الصراع الطبقي في تلك المرحلة المبكرة من تطور الرأسمالية الصناعية. ومن ثم فقد ظهرت الماركسية في إطار التفاعل النقدي مع اشتراكية ما قبل ماركس بجناحيها الطوباوي والانقلابي.

كيف تأثر ماركس وإنجلز بهذا؟
كانت ألمانيا في ذلك الوقت بلدًا متخلفًا اقتصاديًا واجتماعيًا (بالمقارنة بإنجلترا وفرنسا) ومنقسمًا سياسيًا إلى عدد من الإمارات الصغيرة تفرض كل منها حكمها المطلق على الرعايا، في ظل سيطرة ما سمي بالتحالف المقدس الرجعي المكون من النمسا وبروسيا (كبرى مقاطعات ألمانيا) وروسيا. لكن ألمانيا كانت مزدهرة من الناحية الثقافية حيث شهدت الفلسفة الألمانية عهدها الذهبي في العقود الأولى من القرن التاسع عشر. وكأنما كان هذا الازدهار للفكر المجرد بمثابة تعويض عن ضعف ألمانيا السياسي وتخلفها الاقتصادي. وكما قال ماركس لاحقًا، فقد “فكر الألمان فيما كانت الأمم الأخرى تفعله”.

وكان هيجل هو الاسم الكبير في الفلسفة الألمانية. ورغم حماسه المبكر للثورة الفرنسية ونابليون، فإنه ما لبث أن صار متشائمًا ورجعيًا، حيث رأى أن الدولة البروسية ذات السلطة المطلقة هي تجسيد العقل. وخلال الثلاثينات والأربعينات أصبح هيجل فعليًا الفيلسوف الرسمي لبروسيا، وحصل تلامذته وأتباعه على وظائف في الجامعات التابعة للدولة. إلا أن هذا الوضع لم يستمر طويلاً. فقد بدأ عدد من الفلاسفة الشبان يفسرون هيجل على نحو راديكالي بشكل متزايد. فاتفقوا مع هيجل في أن الدولة يجب أن تكون تجسيدًا للعقل، إلا أنهم رفضوا الإقرار بأن الملكية البروسية تلعب هذا الدور. في البداية راهنوا على ولي العهد البروسي آملين أن يدخل الإصلاحات الديمقراطية التي يريدونها. ولكن بعد توليه العرش في 1840 باعتباره الملك فريدريك ويلهلم الرابع وحكمه بشكل لا يختلف في رجعيته عن أسلافه، فإن معارضة الهيجليين الشبان للأوضاع القائمة في ألمانيا صارت راديكالية أكثر فأكثر.

انجذب ماركس إلى هذا المناخ الثقافي والسياسي. وأصبح جزءًا من حركة الهيجليين الشبان وما أن زاد التضييق السياسي على الحركة وضاعت فرص العمل الأكاديمي عليه اندفع ماركس نحو الصحافة السياسية مما كان له أثر بارز على تطوره الفكري والسياسي. فقد بدأ ماركس يهتم أكثر بالأوضاع السياسية والاجتماعية، وسرعان ما قاده ذلك نحو الوعي المتزايد بالطابع الطبقي للمجتمع وبضرورة التغيير الاجتماعي وليس السياسي فحسب على نمط “السياسة البحتة” للهيجليين الشبان.

اندفع ماركس الشاب إذن نحو اليسار، وسرعان ما عرضه ذلك لمشاكل مع الرقابة انتهت بإجباره على الاستقالة والرحيل إلى فرنسا في 1823 وكانت هذه مرحلة هامة للغاية بالنسبة له حيث أقام صلات وثيقة مع الحركة العمالية المنظمة التي كانت أكثر تطورًا بكثير في فرنسا منها في ألمانيا. ولم تخل هذه الحركة العمالية من العمال الألمان حيث كان هناك في باريس وقتها حوالي 40 ألف ألماني أغلبهم من الحرفيين، وكان كثيرون منهم واقعين تحت تأثير منظمة ثورية سرية هي “عصبة العادلين”.

في مارس 1848 كتب ماركس “حول المسألة اليهودية” والذي نشر في العدد الوحيد في الجريدة الجديدة التي رأس تحريرها في فرنسا وأكد فيه أن الثورة الاجتماعية وحدها بقضائها على الملكية الخاصة والأنانية يمكنها أن تحقق التحرر الإنساني.. وفي نفس العدد نشر مقال “مساهمة في نقد فلسفة الحق لهيجل” الذي بين فيه أن الثورة السياسية البحتة ليست قاصرة فقط وإنما أيضًا صارت مستحيلة في ألمانيا. فالبرجوازية الألمانية أضعف من أن تلعب الدور الذي كانت نظيرتها الفرنسية قد لعبته في 89 عندما قادت الشعب كله ضد الملكية. البروليتاريا الألمانية وحدها يمكن أن تلعب الدور القيادي في الثورة التي ستكون ثورة اجتماعية أو لن تكون.

خلال الشهور القليلة التالية ترسخ فهم ماركس لإمكانية الثورة البروليتارية من خلال قراءاته العميقة في الاقتصاد السياسي من جانب، ومتابعته الدقيقة للصعود الكبير لحركة الطبقة العاملة الألمانية من جانب آخر حيث انفجر في يونيو 1844 تمرد هائل لعمال النسيج في ألمانيا اضطر الجيش للتدخل لقمعه. وفي هذه الفترة بين أبريل وأغسطس 1844 كتب ماركس المخطوطات الاقتصادية والفلسفية الذي اشتمل على صيغة مبكرة لنظريته المادية في التاريخ التي وضعت الدور الثوري للطبقة العاملة داخل سياق الدور الذي تلعبه في عملية الإنتاج، والذي يدفعهم للنضال الطبقي ضد الرأسمالية.

في أواخر أغسطس 1844 قضي فريدريك أنجلز عشرة أيام في باريس زار خلالها ماركس، وهي زيارة أسفرت عن صداقة شخصية وشراكة فكرية وسياسية استمرت حتى وفاة ماركس بعد ذلك بحوالي أربعين عامًا. كان إنجلز هو الآخر مرتبطًا بالهيجليين الشبان حيث كان يرى نفسه “يعقوبيًا متحمسًا” (نسبة إلى الجناح الراديكالي للثورة الفرنسية خلال سنواتها الأولى، اليعاقبة). ولكن بعد انتقال لمانشستر بإنجلترا في نوفمبر 1842 للعمل في شركة مملوكة لأسرته بدأ هو الآخر في التحرك نحو اليسار. حيث اختبر عن قرب الثورة الصناعية، وبؤس الطبقة العاملة، والشارتية، أول حركة جماهيرية للطبقة العاملة الحديثة في التاريخ، والتي كانت في مرحلة التعافي بعد هزيمة الإضراب العام في أغسطس 1842. وقد سجل إنجلز هذه الخبرة في كتابه البالغ الأهمية: أحوال الطبقة العاملة في إنجلترا. ومثل ماركس، اقتنع إنجلز بالدور الثوري للطبقة العاملة، وعبر عن ذلك في مقال نشره في العدد الوحيد من المجلة التي أصدرها ماركس في باريس تحت عنوان “خطوط عريضة لنقد الاقتصاد السياسي”. إن هذا المقال المنشور قبل لقاء إنجلز بماركس قد استبعد كثيرًا من الأفكار التي بلورتها كتابات ماركس اللاحقة.

كان ماركس وإنجلز إذن شريكين طبيعيين. واتخذ العمل المشترك بين الصديقين مسارين متكاملين – تطوير الوضوح النظري بشأن قضايا الثورية البروليتارية (والذي أقر إنجلز في مواضع كثيرة بأن ماركس لعب فيه الدور الأبرز والأهم)، والارتباط السياسي بالحركة العمالية.

عصبة الشيوعيين والبيان الشيوعي:
سعي ماركس وإنجلز للتأثير في جميع المنظمات ذات النفوذ بين العمال. ووجها أغلب جهودهما “لعصبة العادلين” وهي منظمة ثورية سرية أممية كان أغلب أعضائها عمليًا حرفيين ألمان يعيشون في المهجر. وكان الطابع الحرفي للعصبة عقبة أمام تبلور فكر عمالي ثوري داخلها، مما مكن ويلهلم ويتلينج، وهو خياط كانت تصوراته عن الشيوعية نخبوية وانقلابية على نمط فكر بلانكي الذي سبق وأشرنا إليه، من أن يكون له التأثير الأكبر داخلها. وقد تم حظر العصبة في فرنسا بعد اشتراكها في الانقلاب الفاشل لبلانكي في 1839 فانتقل مقرها إلى لندن حيث انقسمت بين أتباع ويتلينج من ناحية، والمؤمنين بالطريق السلمي والتدريجي نحو الاشتراكية من ناحية أخرى.

في يناير 1845 طرد ماركس من فرنسا بسبب نشاطه الثوري فانتقل إلى بلجيكا حيث أسس جمعية تعليمية للعمال، وعكف مع إنجلز على الانخراط ومحاولة التأثير في منظمات الطبقة العاملة على امتداد أوربا. وفي فبراير من العام التالي أسس ماركس وإنجلز “لجنة المراسلات الشيوعية” بهدف تحقيق صلات تنظيمية وسياسية ما بين أفضل العناصر العمالية وأكثرها وعيًا ونضالية في مختلف المنظمات. وسرعان ما صارت لجنة المراسلات بمثابة شبكة من الثوريين لها فرعان في باريس ولندن وينسق نشاطها لجنة مركزية بقيادة ماركس ببروكسل. وبعد جهود ومناورات عديدة استطاع ماركس وإنجلز أن يحدثا التأثير المنشود في عصبة العادلين. ففي مؤتمر عقد في يونيو 1847 في لندن تحولت العصبة من منظمة ثورية تآمرية مشوشة التوجهات، إلى منظمة ثورية علنية، هي عصبة الشيوعيين. وتغير شعار العصبة من “جميع الرجال أخوة” إلى “يا عمال العالم اتحدوا”. وعندما انعقد المؤتمر الثاني لعصبة الشيوعيين في ديسمبر 1847، ومع اقتراب نسمات الربيع الثوري على امتداد أوربا، طلب من ماركس وإنجلز رسميًا كتابة بيان يبلور مبادئ العصبة. وكانت النتيجة هي البيان الشيوعي الذي كتبه ماركس في فبراير 1848 ونشر في نفس الشهر في لندن، على أساس مسودة كتبها إنجلز.

أفكار البيان الشيوعي وعصره:
انطلاقًا من تحليل مادي للتاريخ، يشرح البيان أن الطبقات الاجتماعية هي نتاج التطور الاقتصادي وأن مسار التاريخ كله يقوم على صراع الطبقات. ويمكن لهذا الصراع أن ينتهي إما بتغييرات ثورية أو بالخراب المشترك للطبقات المتصارعة. والطبقة البرجوازية الحديثة التي نشأت من داخل رحم المجتمع الإقطاعي ما لبثت أن تمردت على قيوده إلا أن ذلك لم يقض على الصراع الطبقي وإنما وضع الصراع بين البرجوازية والطبقة العاملة محل الصراع بين الإقطاع والفلاحين الأقنان. وتعني المنافسة على السوق داخل النظام الرأسمالي أن الرأسماليين عليهم أن يطوروا الإنتاج بشكل متواصل وأن ينشروا نظامهم على مستوى العالم. وقد أثمر ذلك زيادة هائلة في الثروة وتوسعًا مدهشًا في القدرة الإنتاجية خلال فترة وجيزة. إلا أن هذه الديناميكية الهائلة للرأسمالية لها وجه آخر. إن التكالب على الأرباح المنتزعة من عرق العمال الأجراء يؤدي إلى الاستقطاب المتزايد بين عدد محدود من الرأسماليين الكبار وجماهير غفيرة من العمال البائسين المضطرين لبيع قوة عملهم. كما أن هذا النظام لا يؤدي فقط إلى البؤس المتزايد والاغتراب لجماهير الطبقة العاملة، وإنما أيضًا إلى الأزمة الاقتصادية المدمرة. فالطاقة الإنتاجية الهائلة للرأسمالية لا يقابلها قوة شرائية مناسبة لها، بسبب الفقر الذي تحيا فيه الغالبية بفعل الاستغلال. وهكذا يركد الإنتاج وتغلق المصانع ويتفاقم بؤس العمال ما بين وحشية الاستغلال الرأسمالي وقسوة البطالة. تخلق الرأسمالية إذن الأساس المادي (متمثلاً في الثروة الهائلة التي تكفي لكي يعيش الجميع حياة كريمة تلبي الاحتياجات الضرورية) والإنساني (متمثلاً في الطبقة العاملة القوية ذات التركيز العالي في مصانع عملاقة والمضطرة في الوقت نفسه للنضال بسبب الاستغلال البشع الذي تتعرض له) للشيوعية. ولكن خلق الأساس المادي والإنساني للشيوعية لا يعني أن التغيير صار في متناول اليد. فالطبقة العاملة لا تستطيع الانتصار وتحرير البشرية كلها من نير الاستغلال والقهر إلا إذا طورت نضالها بحيث يكون نضالاً سياسيًا شاملاً ضد الرأسمالية يستهدف القضاء على كافة أشكال القهر في المجتمع، بما فيها قهر المرأة، وقهر الأمم المستعمرة. ولكي تنجح في ذلك ينبغي أن تنظم نفسها، كما ينبغي لهذا التنظيم أن يكتسب الطابع السياسي والأممي، فكما أن الرأسمالية نظام عالمي، فإن القضاء عليها أيضًا لا يكون سوى على المستوى العالمي.

تلك هي الأفكار الجوهرية للبيان الشيوعي بإيجاز. وكما قلنا في البداية، فإن البيان لم يكن له تأثير يذكر على مسار الأحداث الثورية لعام 1848 ذاتها. ومع ذلك فإن صدوره في هذا العام لم يخل من مغزى. فثورات 1848 الأوربية مثلت اللحظة التي أصبح فيها الصراع بين الرأسمال والعمل المأجور أكثر أهمية من الصراع بين البرجوازية وطبقات ملاك الأراضي القديمة. في كل مكان في أوربا 1848 رأت البرجوازية شبح الثورة البروليتارية ودفعها ذلك للارتماء رعبًا في أحضان الرجعية. وعوضًا عن أن تقود البرجوازية الجماهير ضد النظام القديم كما فعلت في 1789، فقد صارت جزءًا أصيلاً من هذا النظام القديم وصار خوفها من الجماهير – وجماهير الطبقة العاملة على وجه الخصوص – يدفعها لسحق حركة التمرد.

كثيرًا ما يقر أعداء الاشتراكية اليوم على مضض بأن البيان الشيوعي كان مناسبًا للظروف الثورية التي كتب في ظلها. لكنهم يسرعون بتأكيد أن أحوال العالم اليوم تختلف جوهريًا عما كانت عليه في 1848، وأن البيان بالتالي قد عفا عليه الزمن. لكن هل هذا صحيح؟!

البيان ورأسمالية نهاية القرن العشرين:
لنبدأ بتوصيف ماركس لديناميكية الرأسمالية وعالميتها. لا يمكن أن ننكر أن تغيرات هائلة قد طرأت على الرأسمالية خلال السنوات الـ 150 الأخيرة. فشتان الفارق بين الرأسمالية الصناعية المبكرة التي سيطر على الاقتصاد في ظلها عدد كبير من الشركات الصغيرة نسبيًا والمملوكة بواسطة أفراد معدودين، والرأسمالية العابرة للقوميات المعاصرة بما تتسم به من شركات عملاقة مدارة بواسطة بيروقراطيات ضخمة. إلا أن هذا التغيير كان في الاتجاه الذي يتحدث عنه البيان. إن قارئ البيان لأول مرة قد يتعجب إزاء المديح الواضح لإنجازات الرأسمالية: “البرجوازية، تاريخيًا، لعبت دورًا ثوريًا للغاية… لقد كانت أول من أظهر ما يستطيع نشاط الإنسان أن يحققه… إنها تجبر جميع الأمم، تحت تهديد الإبادة، على تبني نمط الإنتاج البرجوازي؛ تجبرهم على إدخال الحضارة إلى حياتهم، أي أن يصبحوا برجوازيين هم أنفسهم. وبكلمة واحدة، إنها تخلق عالمًا على صورتها”. كتب ماركس وإنجلز هذا الكلام عندما كانت الرأسمالية لا تزال في طور الطفولة. ونستطيع اليوم، في ضوء التطور التكنولوجي الهائل والتوسع العالمي المتواصل للرأسمالية أن ندرك الطابع المعاصر جدًا للبيان الشيوعي. كان ماركس يتحدث عن عالمية الرأسمالية في وقت كانت فيه الرأسمالية محصورة في قطاعات محدودة من اقتصادات عدد محدود من بلدان أوربا الغربية وأمريكا الشمالية. واليوم، في عصر العولمة، هل يجوز الزعم بأن التحليل الذي يتحدث عن الرأسمالية كنظام عالمي قد عفا عليه الزمن؟!! لقد فهم ماركس بعمق ديناميكية الاقتصاد الرأسمالي القائم على التراكم من أجل التراكم تحت ضغط المنافسة بين وحدات الرأسمال، واستطاع بالتالي أن يستشرف بعبقرية الآفاق المستقبلية لهذا الاقتصاد.

لننتقل إلى تحليل ماركس وإنجلز لأزمة الرأسمالية وآثارها المهولة. يوضح البيان أن الأزمة الاقتصادية في ظل الرأسمالية تختلف جذريًا عنها في المجتمعات قبل الرأسمالية. ففي الماضي السابق على الرأسمالية كان المجتمع يدخل في أزمة اقتصادية بسبب الندرة، وعدم قدرة الإنتاج على ملاحقة الاحتياجات الأساسية للبشر. أما في ظل الرأسمالية، فإننا إزاء أزمة إنتاج زائد. فالمنافسة بين الرأسماليين تدفعهم دفعًا لزيادة الإنتاجية وتوسيع الإنتاج في فترات الازدهار، إلا أن هذا ما يلبث أن يؤدي إلى ركود شديد بسبب ضعف القدرة الشرائية للجماهير وبالتالي تكدس السلع وتفاقم الفقر والبؤس والبطالة نتيجة لتشرد العمال على إثر إفلاس الشركات وإغلاق المصانع. ألا يصف هذا الكلام بدقة واقع الحال في الرأسمالية اليوم. إننا نحيا في عالم يجمع بين جبال الطعام المتكدسة التي يتم إلقاؤها في البحار من أجل التخلص منها دون أن تنخفض الأسعار من جانب، ومئات الآلاف بل والملايين من البشر الذين يموتون تحت وطأة المجاعة من جانب آخر؛ عالم ينام فيه الناس في الشوارع مع الحيوانات، في حين تظل آلاف الشقق مغلقة وفارغة من السكان. إن تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة في 1996 يبين أن إجمالي إنتاج العالم في بداية التسعينات كان خمسة أضعاف مثيله في 1950، إلا أن الفقر في الوقت ذاته يتفاقم. أيحتاج المرء لذكاء خاص ليدرك مدى صلة فهم البيان الشيوعي لأزمة الرأسمالية بعالم اليوم!!

إن البيان يؤكد أن حدة الأزمة الدورية للرأسمالية تدفع البشرية نحو أهوال بربرية. وفي قرن شهد حربين عالميتين، وأهوال الفاشية والستالينية، وفظائع الإمبريالية والعنصرية، فإننا في نهاية القرن العشرين نستطيع أن ندرك بشكل ملموس مدى صحة نبوءات البيان الشيوعي.

ماذا عن توقعات البيان بشأن تفاقم بؤس العمال والزيادة المطردة في الاستقطاب الطبقي للمجتمع! يقول أعداء الماركسية أن الرأسمالية استطاعت خلال تاريخها أن تصلح نفسها وتنبهت إلى حتمية هذا الإصلاح إذا كان لها أن تحافظ على وجودها. كانت توقعات ماركس إذن خاطئة في هذا المجال، كما يزعمون. ينبغي هنا أن نقر بأن مستوى معيشة العمال، خاصة في البلدان الرأسمالية المتقدمة، قد تحسن كثيرًا بالمقارنة بمنتصف القرن الماضي. ومع ذلك فإن الفقر النسبي للطبقة العاملة الغربية (أي الفقر المرتبط بتوزيع الدخل في المجتمع) قد بقي على حالة إن لم يكن قد تفاقم. وتشير أحدث الإحصائيات إلى أن نحو 350 بليونير الآن يمتلكون ما يزيد عما يملكه نصف سكان العالم مجتمعين. فما أقرب عالمنا إلى عالم البيان الشيوعي.

لا يتناول البيان الشيوعي فقط قوانين حركة الرأسمالية وتناقضاتها الداخلية، لكنه يؤكد أيضًا قدرة الطبقة العاملة على الإطاحة بالرأسمالية وتغيير العالم. ولا شك أنه مع نمو الرأسمالية الهائل نمت أيضًا وتركزت الطبقة العاملة على مستوى العالم. في البلدان الرأسمالية المتقدمة تمثل الطبقة العاملة اليوم أغلبية كبيرة بين السكان. كما أن الانخراط في العمل الأجير يتزايد باطراد من أقصى العالم إلى أقصاه. ووفقًا للإحصائيات المتوفرة فإن نسبة العمال إلى سكان بلدان العالم الثالث تتراوح اليوم بين 35 و60 في المائة في معظم البلدان. إننا نحيا في عالم تتوسع فيه الطبقة العاملة جنبًا إلى جنب مع توسع الرأسمالية.

وإذا كان الكثيرون يزعمون أن الطبقة العاملة في عالمنا تتراجع، ويدللون على ذلك بالانخفاض الكبير في أعداد العمال الصناعيين خلال الربع قرن الأخير خاصة في البلدان المتقدمة، فإن ذلك يعكس جهلاً مريعًا بطبيعة الطبقة العاملة. لم يعرف البيان الشيوعي الطبقة العاملة ببساطة على أساس العمال المشتغلين في المصانع. لقد قال أن “الطبقة العاملة الحديثة هي طبقة من العمال الذين يحيون فقط طالما وجدوه عملاً، ويجدون عملاً فقط طالما أن عملهم يؤدي إلى زيادة الرأسمال”. الطبقة العاملة إذن لا تتكون فقط من ذوي الياقات الزرقاء (عمال الصناعة) وإنما أيضًا ذوي الياقات البيضاء. وبالنسبة للماركسية، فإن معيار الانتماء الطبقي لا يتحدد بنوع العمل الذي يقوم به الإنسان، وإنما بوضعه الموضوعي داخل عملية الإنتاج – بما إذا كان مستغلاً أو لا. وإذا فهمنا الطبقة العاملة على هذا النحو فلا شك أن الطبقة العاملة اليوم أكبر وأقوى بما لا يقاس عنها أيام ماركس وإنجلز.

ولكن ماذا عن الإمكانية الثورية للطبقة العاملة! ماذا عن قدرتها على تحويل نضالها الاقتصادي إلى نضال سياسي شامل يطيح بالنظام الرأسمالي! يقول خصوم الماركسية أن استمرار هذا النظام لمدة 150 سنة بعد صدور البيان الشيوعي يكذب توقعات ماركس ويؤكد أن الرأسمالية أكثر مناعة بكثير مما كان يتصور. ولكن الواقع يقول إن التهديد الثوري الذي تمثله الطبقة العاملة للرأسمالية لم يتراجع، بل تزايد كثيرًا منذ أيام ماركس. في حياة ماركس لم تكن هناك سوى أمثلة قليلة جدًا للنضالات الثورية للطبقة العاملة يأتي في مقدمتها الحركة الشارتية في بريطانيا وثورات 1848 الأوربية ثم كوميونة باريس في 1871. أما في القرن العشرين فمن الصعب أن نحصر العدد الكبير للأزمات الثورية التي مرت بها الرأسمالية. ويكفي أن نذكر على سبيل المثال لا الحصر ثورة 1905 و1917 الروسيتين، ألمانيا وإيطاليا أوائل العشرينات، والإضراب العام في بريطانيا 196، ثورة الصين 1927، أسبانيا في الثلاثينيات، المجر 1956، أحداث العالم الثورية في 1968، فضلاً عن شيلي والبرتغال في أوائل السبعينات، وإيران في أواخر السبعينات، ثم صعود حركة تضامن في بولندا 1981، والثورات السياسية في أوربا الشرقية 1989. إذا أضفنا إلى ذلك القوة الهائلة للطبقة العاملة خلال العقدين الأخيرين في بلدان مثل البرازيل وكوريا الجنوبية وجنوب أفريقيا وزيمبابوي، فإننا إزاء نظام رأسمالي عالمي أبعد ما يكون عن المناعة إزاء تهديد الثورة البروليتارية.

هل يعني هذا كله أن البيان الشيوعي كتاب لا يعرف الخطأ؟
إن الماركسية الثورية بالضرورة تنفر من أي تقديس لنص مهما بلغ عمقه. وإذا كنا قد دافعنا عن صحة الأفكار الجوهرية للبيان الشيوعي وصلتها الوثيقة بعالمنا المعاصر، فإن ذلك لا يعني أن نمتنع عن نقد بعض جوانب الضعف في الكتاب. لم يقدم البيان تصورًا واضحًا وملموسًا لمضمون الثورة العمالية وكان ذلك طبيعيًا بالنظر إلى عدم نضج الصراع الطبقي للبروليتاريا وقت كتابته. لقد قال ماركس وإنجلز في المقدمة التي كتباها لطبعة جديدة من البيان بعد حوالي ربع قرن من كتابته: “لقد شاخ هذا البرنامج اليوم (الإشارة إلى التدابير الثورية المقترحة في الفصل الثاني) في بعض نقاطه بتأثير التقدم الضخم الذي أنجزته الصناعة الكبرى خلال الخمس والعشرين عامًا الأخيرة، والتقدم الموازي الذي أنجزته الطبقة العاملة من حيث تنظيمها في حزب، وأيضًا بتأثير التجارب العملية.. لقد برهنت كوميونة باريس بوجه خاص على أن الطبقة العاملة لا يمكنها أن تكتفي بمجرد الاستيلاء على جهاز الدولة القائم وتسييره لتحقيق أهدافها الخاصة”. وإذا كانت كوميونة باريس قد أكدت الحاجة إلى تدمير جهاز الدولة البرجوازي واستبداله بجهاز دولة بروليتاري ديمقراطي بحق، وهو ما لم ينتبه إليه مؤسسًا الماركسية وقت كتابة البيان، فقد أفرزت خبرة الطبقة العاملة الثورية خلال القرن العشرين مؤسسة أبدعتها الطبقة العاملة هي السوفييتات (المجالس العمالية) لتجسيد هذا المبدأ بشكل ملموس.

ينبغي أن نشير أيضًا إلى بعض العبارات المفتقرة إلى الدقة في البيان بشكل قد يسبب مشاكل سياسية إذا لم يتم التنبه لها وتصويبها. يقول البيان في إحدى فقراته: “إن البرجوازية تنتج، أول ما تنتج، حفاري قبرها، فسقوطها وانتصار البروليتاريا أمران حتميان”. لقد قال ماركس وإنجلز هذه العبارة المتفائلة في سياق الحماس الثوري للمناخ الذي كتبا البيان في إطاره. لكن لا شك أن القول بأن انتصار البروليتاريا حتمي هو قول خاطئ فضلاً عن تعارضه مع روح الماركسية. وإذا كانت انتصار البروليتاريا حتميًا فعلاً فما جدوى التدخل الواعي في الصراع! وما جدوى السياسة أصلاً؟! ومن المهم أن نؤكد هنا على أن البيان ذاته ينتقد هذا التصور عن حتمية انتصار البروليتاريا عندما يبين، بشكل أكثر عمومية، أن الصراع الطبقية عادة ما يحسم بإحدى طريقتين: إما بانتصار الثورة أو بالخراب المشترك للطبقات المتصارعة. واليوم، في عالم يعيش تحت تهديد الدمار الشامل بفعل السلاح النووي، فمن العبث القول بحتمية نجاح الثورة الاشتراكية.

من المهم أيضًا أن نتعامل بحذر مع قول البيان: “يستطيع الشيوعيون تلخيص نظريتهم في صيغة وحيدة: القضاء على الملكية الخاصة”. لقد كان ماركس واعيًا تمامًا بأن أشكال الملكية هي مجرد تعبير قانوني مجرد عن علاقات السيطرة الفعلية على الإنتاج. ومن ثم فإن إبراز “القضاء على الملكية الخاصة” باعتباره الهدف الجوهري للشيوعيين ينطوي على تبسيط مخل. ويصبح هذا التبسيط خطيرًا في ضوء خبرات القرن العشرين حيث أدى تركيز وتمركز الرأسمال المتزايد إلى نشوء مجتمعات رأسمالية لا تقوم على الملكية الخاصة لكنها تظل مع ذلك رأسمالية من أخمص القدم على فروة الرأس (التجارب المتنوعة لرأسمالية الدولة).

ويبقى بعد ذلك عيب جوهري في البيان يتمثل في طريقة طرحه لقضية الحزب الثوري. جاء في البيان: “لا يشكل الشيوعيون، في وجه الأحزاب العمالية الأخرى حزبًا متميزًا وليست لهم مصالح منفصلة عن مصالح البروليتاريا كلها… هدف الشيوعيين الفوري هو نفس هدف جميع الأحزاب البروليتارية الأخرى: تشكل البروليتاريا في طبقة، الإطاحة بسيطرة البرجوازية واستيلاء البروليتاريا على السلطة السياسية”. إن هذا التحديد لطبيعة الحزب الثوري ينطوي على جوانب قوة حقيقية، خاصة في مواجهة النزعة النخبوية الانقلابية السائدة داخل الحركة اليسارية وقت كتابة البيان، والتي كانت ترى أن الثوريين عليهم أن ينجزوا الثورة بالنيابة عن الطبقة العاملة. ولكن التأكيد على عدم تشكيل الثوريين لحزب متميز أو منفصل عن بقية الأحزاب العمالية ينطوي على مبالغة في الاستهانة بخطر الإصلاحية. إن الحالات الثورية العديدة التي شهدها القرن العشرون، والتي ذكرنا بعضها، قد انتهت بالهزيمة تحديدًا بسبب غياب الحزب الثوري المستقل ذي الجذور داخل الطبقة العاملة والمحافظ في ذات الوقت على استقلاليته إزاء الميول الإصلاحية داخل الطبقة.

وقد استطاع لينين والبلاشفة أن يطرحوا مفهومًا للحزب الثوري أكثر تطورًا ونضجًا من مفهوم ماركس وإنجلز، وأكثر اتساقًا مع جوهر الماركسية الثورية التي تؤكد أن الوعي السائد في المجتمع هو وعي الطبقة السائدة، وأنه يتعين بالتالي على الثوريين أن ينظموا أنفسهم بشكل مستقل وأن ينخرطوا في حركة الطبقة العاملة.

لا ينبغي إذن أن نتعامل مع البيان الشيوعي (أو مع أي كتاب آخر) كنص مقدس. ولكن هذا شيء، وأن نلقي به في متحف الفكر السياسي على طريقة الأنصار المبتذلين لكل موضة جديدة مهما بلغت تناقضاتها شيء آخر تمامًا. إن الأفكار الجوهرية للبيان الشيوعي لا تزال معاصرة بشكل مدهش ولا تزال قادرة على تحفيز وإلهام النضال من أجل عالم إنساني أفضل.