بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإضراب

لا يملك العمال في المجتمع الرأسمالي سوى قوة عملهم، قدرتهم على العمل والإنتاج. وهم لا يستطيعون كسب العيش سوى ببيع قوة عملهم هذه للرأسمالي – سواء كان فردًا أو شركة أو دولة – في ظل شروط وظروف عمل يحددها هذا الرأسمالي وتتلائم مع سعيه لانتزاع أكبر قدر ممكن من الفائض من عمل العمال ولحمهم الحي.

ولكن العمال سرعان ما تبين لهم أن قوة عملهم هذه، قدرتهم على الإنتاج والخلق والإبداع الذي يصنع هذه الحياة، والتي يجبرهم المجتمع الرأسمالي على التعامل معها كمجرد سلعة تباع وتشترى، هي في الوقت ذاته سلاح جبار يمكنهم استخدامه ضد جشع الرأسمالية. هكذا صار الإضراب، الذي يمكن تعريفه ببساطة بأنه “الامتناع المؤقت عن العمل بواسطة مجموعة من العمال، تعبيرًا عن شكوى أو مطلب، وذلك كوسيلة ضغط أو إكراه ضد صاحب العمل أو الحكومة”، في صلب النضال المتجدد دومًا للطبقة العاملة، والذي قد يضعف حينًا وتشتد وتيرته حينًا آخر لكنه لا ينطفئ أبدًا، ضد مجتمع الاستغلال والقهر، ضد المجتمع الرأسمالي.

يعرف العمال في مصر تمامًا كيفية تعامل نظام مبارك مع إضراباتهم واعتصاماتهم الكبرى: سيارات مدرعة تقتحم المصانع، رصاصات غادرة تخترق صدورهم وصدور أبناءهم، اعتقالات على نطاق واسع، تعذيب قيادات العمال وتشريدهم.. الخ. (هذا بالطبع في حين يضطر النظام عادة لتلبية أغلب مطالب الإضرابات). هذا هو حال العمال في ظل ديكتاتورية مبارك. ولكن حتى “الديمقراطيات” البرجوازية التي لا تصل عادة لهذا المدى من الوحشية في الظروف “العادية” فإنها تتعامل مع إضرابات العمال بريبة وعداء، وتحاول دائمًا الحد منها بوسائل تتراوح بين فرض شتى القيود القانونية وشن الحملات الإعلامية الغوغائية ضد المضربين (الإعلام في كل مكان مملوك للأغنياء أو لدولتهم) واستخدام النقابات “المعتدلة” لترويض العمال واللجوء لتنظيم وتدريب منظمات كأسرى الإضراب خصوصًا في الصناعات والخدمات الإستراتيجية، وصولاً إلى استخدام العنف الدموي ضد العمال إذا ما تجاوزا “الحدود المقبولة”.

لماذا كل هذا العداء الرأسمالي للإضرابات؟ الإجابة الأساسية التي يقدمها ممثلو البرجوازية تتعلق بالخسائر الناجمة عن الإضرابات. إن لسان حالهم يقول: “قد تكون للعمال مطالب مشروعة وعادلة، ولكن مشكلتنا معهم هي لجوءهم لأسلوب الإضراب لتحقيق هذه المطالب. فالإضراب يسفر عن خسائر كبيرة يصعب تعويضها وهو بالتالي يتعارض مع مبدأ العقلانية الاقتصادية”. وبصرف النظر عن أن “العقلانية الاقتصادية” هذا لا تعنى سوى أقصى استغلال ممكن للعمال، فإن هذه الحجة ببساطة خاطئة. ويكفي أن نذكر هنا أن الإحصائيات المتوفرة من دول عديدة تنتشر فيها الإضرابات تؤكد أن خسائر الإنتاج الناتجة عن الإضرابات محدودة نسبيًا، بل إنها تقل مثلاً عن الخسائر الناجمة عن حوادث العمل، أو عن تغيب العمال عن أعمالهم بسبب المرض.

وهذا لا يعني بالطبع أن العداء البرجوازي للإضراب ليس في محله! ولكنه يعني أن هناك أسبابًا أكثر أهمية لهذا العداء. إن الإضراب يمثل تحديًا من جانب العمال لسطوة الإدارة الرأسمالية لأماكن العمل، حيث تضع ممارسته قيودًا على الحق المطلق للإدارة الممثلة لصاحب العمل في السيطرة على وسائل الإنتاج وعلى عمل العمال، مما من شأنه إذا ما مورس الإضراب على نطاق واسع أن يعزز ثقة العمال بأنفسهم وينمي من وعيهم بقدرتهم على استبدال الإدارة الرأسمالية البيروقراطية “الخبيرة” للإنتاج بإدارة العمال الجماعية الديمقراطية له، وهذا بالطبع هو مقتل الرأسمالية. كما أن ممارسة الإضراب على نطاق واسع أيضًا تمثل نفيًا عمليًا متواصلاً للأيديولوجية التي تحاول الرأسمالية دائمًا ترسيخها فينا: أيديولوجية المصالح المتجانسة بين طرفي الإنتاج، والتي تضفي الشرعية على سلطة الإدارة.

لا عجب على الإطلاق أن يقف العدو الطبقي للعمال ضدهم، وضد نشاطهم الكفاحي المتمثل في الإضرابات. ولكن ماذا عن موقف النقابات التي يفترض فيها السهر على مصالح العمال؟ هنا أيضًا الحالة المصرية “متطرفة” بعض الشيء. فالنقابات في مجتمعنا السعيد تقف قلبًا وقالبًا مع العدو الطبقي في سحقه للإضرابات. إنها لا تكتفي برفع يدها والامتناع عن التدخل، بل تتولى عادة دورًا نشطًا في التشهير بقيادات النضال العمالية وتبليغ الأمن عنهم. الخ، ومرة أخرى ليس هذا هو حال النقابات في “الديمقراطيات” البرجوازية. إلا أن هذا ليس يعني أن النقابات في دول الغرب مثلاً تقود أغلب الإضرابات العمالية. فالإحصائيات المتوفرة تؤكد أن الغالبية العظمى من الإضرابات في البلاد “الديمقراطية” هي إضرابات فجائية غير رسمية تنطلق من خارج التنظيمات النقابية. فغالبية الإضرابات هي تعبير عن مرارة عميقة في صفوف العمال تتحول في أحوال معينة إلى عمل احتجاجي جماعي عفوي في مكان العمل قبل أن تطرح نفسها على جدول أعمال البيروقراطية النقابية القابعة في مكاتبها، والذي يحدث في الأغلب هو أن النقابات في هذه البلاد تعلن تأييدها ودعمها للإضراب بعد قيامه بالفعل، وإن كانت هناك بعض الحالات التي تمتنع فيها النقابات عن تأييد إضرابات “عمالها”.

على أنه في تلك الحالات التي تؤيد النقابات فيها الإضرابات، فإن هذا التأييد لا يكون مطلقًا. فالنقابات تقوم على الوساطة بين العمال والرأسماليين، وهي بالتالي تعمل دائمًا على عدم تجاوز مطالب الإضرابات للحدود “المعقولة التي يمكن للرأسماليين القبول بها، كما تحرص على عدم انتشار الإضرابات وتجذرها بالشكل الذي يمثل تهديدًا حقيقيًا لبينة المجتمع الرأسمالي، وبالتالي لدور النقابات في الوساطة أيضًا. والتاريخ حافل بآلاف الحالات لخيانة النقابات لعمالها وقيامها بفك الإضرابات قبل أن تؤتى ثمارها، ومما يساعدها على ذلك سيطرتها على مصادر تمويل الإضراب.

بجانب هذا الموقف النقابي المتردد إزاء الإضرابات، هناك موقف آخر “قانوني” ينبغي أن نتناوله حيث بدأ ينتشر مؤخرًا في بلادنا بين بعض من يعتبرون أنفسهم “يساريين”. في ظاهره، يؤيد هذا الموقف الإضرابات، ولكنه ينظر إليها كتفريغ سلمي لشحنة الغضب والمرارة لدى العمال بما يحافظ على العلاقات الودية بي طرفي الإنتاج! يقول مدير “مركز المساعدة القانونية لحقوق الإنسان” إن عدم اعتراف الدولة بشرعية الإضراب (السلمي بالطبع) عن العمل من شأنه أن يقود إلى مضار اجتماعية واقتصادية كبيرة وغير محمودة” (يقصد بهذه المضار اشتداد وتيرة الصراع الطبقي واتخاذ طابعًا جذريًا!) كما أنه “لا يخدم بأي شكل قضية التنمية الاقتصادية أو الاجتماعية ويلحق الأذى بالاستقرار السياسي والاجتماعي ويفتح المجال إلى احتمالات التصادم والمواجهة العنيفة”.

إن هذا المنطلق يدافع عن الإضراب “السلمي” كوسيلة للاستقرار السياسي والاجتماعي، إنه يشجع العمال على الإضراب ويعد الرأسماليين بالاستقرار والتنمية، إن عينه على حركة البوليتاريا لكن قلبه وعقله مع مصالح البرجوازية! فيا له من منطق منحط! ويتجلى واضحًا هذا الانحطاط عندما ننظر للنتائج التي يصل إلها هذا المنطق في دفاعه عن حق الإضراب. فهنا يتمخض الجبل فيلد فأرًا.

إن مشروع قانون العمل الموحد الجديد ينص ضمن شروطه التعجيزية على ضرورة موافقة ثلثي أعضاء مجلس النقابة العامة حتى يتسنى للعمال حقهم في الإضراب. وبدلاً من أن يرفض مركز المساعدة القانونية هذا الشرط تمامًا، فإنه يوافق على المبدأ ولكن يطالب بإعطاء هذا الحق للجان النقابية بدلاً من مجلس إدارة النقابة العامة، متجاهلاً بذلك حقيقة أن الغالبية العظمى من الإضرابات في مصر تحدث بمعزل عن بل وفي مواجهة اللجان النقابية. ألا يعني ذلك أن المركز يعتبر هذه الإضرابات غير شرعية وتستحق التنكيل بها؟!

وبعد تناولنا للمواقف الإدارية والنقابية والقانونية من الإضرابات، فإننا نختتم هذا المقال بالموقف الثوري. ينظر الثوريين للإضراب باعتباره أحد الأشكال البارزة للصراع الطبقي في المجتمع الرأسمالي. والصراع الطبقي هو المدرسة الحقيقية التي ينمو داخلها الوعي الثوري بين صفوف العمال. ومن هنا فإن على الثوريين لا أن يدعموا الإضرابات فقط، وإنما إن ينخرطوا فيها قلبًا وقالبًا كلما كان ذلك متاحًا، وكذلك أن يحضوا العمال على تشكيل لجان الإضراب الديمقراطية القاعدية وصناديق تمويل الإضراب بما يحول دون الاستسلام للدور التهادني للنقابات.

وكل هذا لا يعني عدم اتخاذ موقف نقدي إزاء الإضرابات. فغالبية الإضرابات تميل للاحتجاج على أعراض المرض الاقتصادية (كالأجور وساعات العمال..الخ) دون أن تضع موضع التساؤل جذور المرض، أي المجتمع الرأسمالي ذاته، ومن هنا فإن على الثوريين أن يجمعوا بين التواجد في الإضرابات ودعمها بكل قوة ودفعها للأمام من جانب وتجذير الوعي الطبقي الثوري لدى قطاعات متزايدة من الطبقة العاملة من جانب آخر.

وأخيرًا، فإن التاريخ يعلمنا أن هناك نوعًا من الإضرابات من شأنه أن يفتح الأبواب المغلقة أمام الثورة العمالية والتحرر الإنساني. وهذا هو الإضراب الجماهيري الذي يندلع من أسفل من بين صفوف العمال، في خضم احتدام التناقضات الطبقية في المجتمع وبروز “الحالة الثورية” تلك الحالة التي يعرفها لينين بأنها “الحالة التي لا تستطيع الطبقة الحاكمة معها أن تحكم بالطريقة القديمة، ولا يعود المستغلون (بفتح الغين) مستعدين لأن يحكموا بالطريقة القديمة”. فالسمة الكبرى لهذا الإضراب الجماهيري الذي يميز كل حالة ثورية هي، كما لاحظت روزا لكسمبورج، تفتيت الحدود بين “الاقتصادي” و “السياسي”. ففي ظل هذا الإضراب الجماهيري الذي يندلع من أسفل، والذي يجد تعبيره التنظيمي في أشكال قاعدية تبتدعها الطبقة العاملة، لا يصبح “النضال الاقتصادي” هو العمل النقابي المطلبي، ولا يصبح “النضال السياسي” هو العمل البرلماني الفوقي، بل يصبح هناك، على حد تعبير روزا، “نضال طبقي واحد يهدف في الوقت ذاته إلى الحد من الاستغلال الرأسمالي داخل المجتمع الرأسمالي وإلى إلغاء الاستغلال والمجتمع البرجوازي معًا”.