بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الديمقراطية وديكتاتورية البروليتاريا

إن ديكتاتورية البروليتاريا كمفهوم كثيرا ما يستدعي صور الاستبداد الستاليني، وهو سوء فهم شائع لجانب محوري من رؤية ماركس بأن الثورة الاشتراكية تتضمن بالضرورة التحرر الذاتي للطبقة العاملة، فلأول مرة في التاريخ تمتلك غالبية البشر سلطة حقيقية — ديكتاتورية — في مواجهة الأقلية المستغلة، وهذا يعني أن المجتمع يكون أكثر ديمقراطية بكثير من كل المجتمعات السابقة، وأن هذا المجتمع لا يمكن أن يقوم على أساس ما أرساه ستالين على خلفية هزيمة ثورة أكتوبر 1917 الروسية. هذا المقال يحاول بيان العلاقة بين الديمقراطية والاشتراكية في التراث الماركسي الحقيقي.

هناك طبعا علاقة تاريخية بين الاشتراكية والديمقراطية الليبرالية، ولكن الاشتراكية لم تتطور بشكل مباشر عن الفكر السياسي الليبرالي، بل تطورت من التناقضات داخل كل من الديمقراطية البرجوازية والمجتمع الرأسمالي الناشئ.

ففي تصور الفلسفة الليبرالية التي تطور ت في القرنين السابع عشر والثامن عشر، يقف الرأسمالي والعامل كل في مواجهة الآخر كأفراد متساوين، فكل منهما لديه ما يعرضه للتبادل، يعرض العامل قوة عمله والرأسمالي يعرض الأجور، وكل منهما يبدو كوحدة منعزلة خارج المجتمع ومنفصلة عن التاريخ، فلا توضع ملكية الرأسمالي في محل تساؤل، ويعتبر العامل حرا في بيع قوة عمله أو الامتناع عن بيعها. إن كافة المفاهيم السياسية البراقة — مثل الحرية والمساواة والحقوق والمواطنة — والتي شكلت نسيج الأيديولوجية الديمقراطية الليبرالية، نشأت عن هذا التصور للعلاقات الإنسانية.

ولكن هذه الصورة كانت صورة وهمية ومثالية، فافتراض تساوي عملية التبادل بين العامل والرأسمالي لم يكن حقيقيا على الإطلاق، وثروة الرأسمالي لم تهبط عليه من السماء، وإنما اكتسبها من خلال التبادل غير المتكافئ بين الأجور والعمل، أي من خلال الاستغلال. وقد جمع الرأسماليون ثرواتهم من خلال العنف والهيمنة الاستعمارية، وطرد الفلاحين بالقوة من أراضيهم في إنجلترا في بداية التصنيع، ومن خلال إطالة يوم العمل واستخدام عمل الأطفال والأجور التي تتوقف عند حد الكفاف.

والطريقة الوحيدة التي استطاع العمال من خلالها الحصول على أجور “عادلة” كانت الاتحاد مع العمال الآخرين، ومن خلال العمال الجماعي فقط استطاع العمال أن ينظروا إلى المفاهيم المجردة كالحرية والمساواة كإمكانية حقيقية و مطلب سياسي. ومن خلال التمركز والترابط تجاوز العمال عزلتهم وانخرطوا في المجتمع وفي الحياة السياسية. فتكونت بوادر الوعي الاشتراكي من خلال تناقضات التصور الرأسمالي الليبرالي للعالم وفي مواجهته.

إن التناقض بين البريق الليبرالي الزائف الذي استخدم في تبرير العلاقات الرأسمالية وبين بشاعة الواقع التي تكذب هذا البريق نتجت عنه انتقادات “الاشتراكيين الطوبويين” للرأسمالية، وكانت الحركة التي تكونت حول روبرت أوين الذي اعتقد في البداية أن الدستور الأمريكي يمثل أفضل الأطر السياسية وأكثرها كمالا — فإذا تحقق الدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع فسوف يترتب على ذلك بالتأكيد القضاء على كل المظالم مع انتشار الرخاء بين كل قطاعات المجتمع — وهذه الرؤية استمدها الطوبويون من كتاب توماس بين “حقوق الإنسان”. غير أنه بحلول ثلاثينات القرن التاسع عشر، أدى البؤس الذي يعانيه العامل الأمريكي — خاصة العمالة المهاجرة — إلى تدمير فكرة أن المساواة السياسية تقضي على عدم المساواة في ظروف الحياة المادية.

وكذلك ماركس بدأ حياته السياسية على أقصى يسار الليبرالية، أي ديمقراطي راديكالي. فقد ناضل من أجل نشر المبادئ الديمقراطية في كل مجالات الحياة، بما في ذلك الحياة الاقتصادية. وكانت ملاحظاته على الطبيعة الطبقية لقوانين بلاده هي التي دفعته إلى وضع السياسات الديمقراطية الليبرالية في محل تساؤل. فالبرلمان الذي كان تجسيدا لآمال الليبراليين المعارضين للدولة البروسية دأب على إصدار قوانين تنحاز إلى مصالح التجار في مواجهة الفلاحين. وقد جرمت القوانين مثلا جمع الأخشاب المتساقطة في الغابات وفرضت عقابا على من يقوم بذلك، وكذلك عندما تحول التوت إلى سلعة قابلة للتسويق، تم إلغاء حق الفقراء التقليدي في جمع التوت في أوقات الشدة.

اعتقد ماركس في البداية أن الدولة الليبرالية هي تجسيد للحرية، أي تجسيد لروح “التنوير” رغم تشوهات المصالح الطبقية. وكان يأمل في اكتشاف جوهر الليبرالية عن طريق تجريدها من المصالح الطبقية مثل نزع شرائح حبة البصل. ولكنه اكتشف أنها، مثل حبة البصل أيضا، بمجرد نزع شرائحها لن تجد شيئا في القلب. فالليبرالية تضرب بجذورها في الطبقية، والدولة الليبرالية تجسيد لسلطة التجارة على الفقراء.

وظهرت فكرة الديمقراطية في السجالات التي اشتعلت في الحركة الاشتراكية في أوائل القرن العشرين، وكثير من هذه الأفكار التي أثيرت آنذاك لا زالت تثار اليوم. فقد رأى إدوارد برنشتاين — وهو من طليعة أنصار “التراجعية” في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني — أن الاشتراكية يمكن النظر إليها باعتبارها قمة الديمقراطية البرجوازية التقدمية. وفي رأي برنشتاين أن التناقضات التي دفعت ماركس والاشتراكيين الطوبويين نحو الأفكار الاشتراكية قد أزيلت من الصورة:

إن فكرة الديمقراطية تشمل … مفهوما للعدالة والمساواة في الحقوق لكل أعضاء المجتمع، وفي هذا المبدأ يصل حكم الأغلبية، والذي يمتد إليه حكم الشعب في كل حالة ملموسة، يصل إلى حدوده. فكلما تم تمثله وكلما أصبح يهيمن على الوعي العام، كلما أصبحت الديمقراطية مطابقة في معناها لأرقى شكل من الحرية للجميع. إن الديمقراطية من حيث المبدأ هي وقف للحكم الطبقي، رغم أنها ليست حتى إلغاء للطبقات.

إن إنكار أي محتوى طبقي في الديمقراطية الليبرالية يكمن في صميم الرؤية الإصلاحية لها، فإذا كانت “الديمقراطية” والدولة تطفو مستقلة فوق المجتمع بدرجة ما، أو فوق المصالح الطبقية، فلابد إذن أن يكون بإمكان الطبقة العاملة أو ممثليها استخدامها في أغراضها الخاصة. ولكن ما بدأ ماركس في إدراكه أن الليبرالية — والتي تقوم على فكرة الفرد المنعزل — تنكر الطبيعة الطبقية لسياساتها من أجل إخفاء حقيقة الاستغلال الطبقي التي تقوم عليها. ولا تستطيع أي دولة أن تعلن صراحة عن طبيعتها الطبقية إلا تلك الدولة التي تقوم على سلطة الطبقة التي تعاني من الاستغلال ضد الطبقة التي كانت تحكمها.

وبمجرد النظر إلى الدولة، ويشمل ذلك الدولة الليبرالية، على أنها بالضرورة أداة الحكم الطبقي، يصبح دور الدولة العمالية في ظل الاشتراكية واضحا، فبعض “الحقوق” سيتم إلغاؤها، مثل حق استغلال العمال مثلا، وبالنسبة لبعض قطاعات المجتمع سيتم إلغاء حق التصويت أيضا. ففي روسيا بعد ثورة 1917 اقتصر حق التصويت والانتخاب في الدستور على من “يكسبون عيشهم بالإنتاج عن طريق عمل مفيد اجتماعيا”، بالإضافة إلى الجنود والعاجزين عن العمل. ومن تم استبعادهم بالتحديد هم أولئك الذين يستأجرون عمالا، والذين يعيشون على الريع والإيجارات، والتجار، وموظفو وعملاء الشرطة السابقون.

لقد كشف حل الجمعية التأسيسية في 1918 عن العداء بين الديمقراطية البرجوازية والديمقراطية الاشتراكية. ولقد كان تشكيل جمعية تأسيسية تعترف بالاقتراع العام وحقوق التصويت المتساوية مطلبا أساسيا لأحزاب المعارضة في روسيا بما فيهم البلاشفة. ففي ظروف الاستبداد القيصري كانت مطالب مثل إقامة مؤسسات ديمقراطية برجوازية مطالب تقدمية بشكل واضح. ومع سقوط النظام القيصري في فبراير 1917 تكونت حكومة مؤقتة من أحزاب يسارية ويمينية ذات لون ليبرالي، وكان ملايين العمال والفلاحين في انتظار الانعقاد الفوري للجمعية التأسيسية.

ومع ذلك، عقب ذلك الإحباط لأن الحكومة المؤقتة بسبب ضعفها وترنحها من أزمة إلى أخرى، عمدت إلى التأجيل المستمر للجمعية بتلميحات غامضة عن مواعيد غير محدودة في المستقبل. وكانت أحزاب الحكومة المؤقتة، مذعورة من قوة الحركة التي أطلقتها ثورة فبراير، تحاول استغلال الدعوة للجمعية التأسيسية لمحاصرة الثورة نفسها. فكان على تلك التحركات، مثل مصادرة الملكية الخاصة والاستيلاء على الأرض، أن تتوقف حتى تنعقد الجمعية التأسيسية التي ستتولى حسم هذه الأمور.

لم تتم الدعوة لانعقاد الجمعية التأسيسية إلا مع الثورة البلشفية في أكتوبر. ولكن حينئذ انقلبت الأدوار، فجميع تلك الأحزاب التي ماطلت في الدعوة للجمعية أصبحت الآن أشد مؤيديها حماسا، فقد أصبحت نقطة الانطلاق لجميع القوى التي عارضت البلاشفة وثورة أكتوبر.

كانت الجمعية التأسيسية والسوفيتات في مواجهة بعضهما البعض كطرفي نقيض، أحدهما تمثل استمرارا للرأسمالية والتعايش مع الدولة القيصرية، والأخرى تمثل الإطاحة بالرأسمالية وحكم الطبقة العاملة والفلاحين. وكان الثوريون الاشتراكيون يتمتعون بأغلبية عددية بين مندوبي الجمعية التأسيسية، وكان البلاشفة يمثلون الأغلبية في السوفيتات بقاعدتها داخل المدن وفي الجيش، ومع اكتساب الثورة لقوة دفع ذاتية في المناطق الريفية انتقل الفلاحون بكثافة إلى جانب البلاشفة.

على أثر ذلك انقسم حزب الثوريين الاشتراكيين إلى يسار ويمين — وكانت أغلبية اليسار حينئذ تؤيد البلاشفة. وهكذا أصبحت الغالبية المعارضة للبلاشفة في الجمعية التأسيسية شكلية تماما — أي أنها لا تمثل حقيقة الحركة في الريف، بينما ظلت الجمعية شعلة الأمل لكل القوى المعادية للثورة داخل روسيا وخارجها. وقد أوضح تصويت للمندوبين في المؤتمر الثاني للسوفيتات أن 505 سوفيتات من مجموع 667 كانت تؤيد انتقال السلطة للسوفيتات. هكذا كان كما أعلن تروتسكي “أكثر البرلمانات ديمقراطية في تاريخ العالم” هو الذي قام بحل الجمعية التأسيسية. وهكذا لم تنشأ الديمقراطية الاشتراكية من خلال مؤسسات الديمقراطية البرجوازية، بل أطاحت بها وحلت محلها.

كثيرون أصابهم الفزع نتيجة لذلك، فقد نعى كاوتسكي حل الجمعية التأسيسية في مقالة بعنوان “ديمقراطية أم ديكتاتورية”. وجادل بأن المؤسسات البرجوازية الديمقراطية ضرورية حتى تنضج الطبقة العاملة بشكل كاف من ناحية الوعي السياسي والتنظيم، وكان أساس رؤيته هو فكرة أن الاشتراكية سوف تتحقق بطريقة تدريجية.

إن هوس كاوتسكي بالديمقراطية البرجوازية ينبع من اعتقاده في عدم قدرة العمال، من خلال نضالهم الذاتي، على تغيير أفكارهم وبلورة الوعي الاشتراكي، وكانت الطبقة الوسطى المتعلمة عند كاوتسكي عنصرا حاسما في هذه العملية، وهو العنصر الذي تجاهله البلاشفة:

“إن أهمية الطبقات المتعلمة لم يعترف بها البلاشفة في البداية، وبسبب أنهم منذ البداية ساعدوا فقط على إثارة العاطفة العمياء لدى الجنود والفلاحين وعمال المدن، كان جماهير المتعلمون منذ البداية معادين للبلاشفة.”

ولكن باستيلائهم على السلطة أقام العمال الروس شكلا من الحكومة الذاتية أكثر ديمقراطية بكثير في جوهره من أي ديمقراطية يرى كاوتسكي أنها كانت ضرورية “لتعليم” الطبقة العاملة، وكما أشار لينين في رده العنيف على آراء كاوتسكي:

“إن روسيا السوفيتية وحدها هي التي منحت البروليتاريا والغالبية العظمى للكادحين في روسيا حرية وديمقراطية غير مسبوقة، حرية يستحيل تحقيقها ولا يمكن تصورها في أي جمهورية برجوازية ديمقراطية، مثلا بالاستيلاء على القصور والبيوت الفخمة من البرجوازية (والتي تكون حرية التجمع بدونها مجرد نفاق)، وبالاستيلاء على المطابع ومخازن الورق من الرأسماليين (والتي تكون بدونها حرية الصحافة بالنسبة لغالبية الكادحين مجرد كذبة)، وباستبدال البرلمانية البرجوازية بالمنظمات الديمقراطية المتمثلة في السوفيتات والتي تعد أقرب للجماهير ألف مرة من أكثر البرلمانات البرجوازية ديمقراطية.”

إن مبادئ الديمقراطية العمالية هي أن يكون المندوبون المنتخبون خاضعين للمساءلة والعزل الفوري، وأن تحدد مرتباتهم بمتوسط الأجر الصناعي. وكانت السيطرة في نظام السوفيتات تأتي من أسفل، وكانت السوفيتات تمتد جذورها داخل الطبقة العاملة ومنظمات الفلاحين، ومندوبوها كانوا يمثلون مواقع العمل وفصائل الجيش والقرى. وعلى خلاف الجمعية التأسيسية، حيث كان الاقتراع العام قناعا لمصالح الملاك، كانت الطبيعة الطبقية للديمقراطية السوفيتية واضحة دون قناع.

لم يهبط البلاشفة من السماء في أكتوبر 1917 ليغتصبوا قيادة حركة تفتقد التوجه. فقد كافحوا باستماتة وبنوا تأثيرهم داخل المصانع في الشهور الثورية في 1917، وفي ظروف ثورة الطبقة العاملة لا يوجد طريق آخر لكسب القيادة إلا عبر مؤسسات الديمقراطية العمالية.

هذه “الديمقراطية المباشرة” أتاحت للمرة الأولى في التاريخ المشاركة الجماهيرية الواسعة للعمال والفلاحين في الحياة السياسية، وما بين عامي 1917 و 1927 شارك في سوفييتات القرى ثمانية ملايين وسبعمائة ألف فلاحا، وسوفييتات المدن ثمانمائة ألف عاملا، وانتخب تسعة ملايين مندوبا في مؤتمرات سوفيتات المناطق الريفية والمدن والمقاطعات، و سبعمائة ألف للجان التنفيذية لهذه الهيئات.

لقد كان مبدأ الديمقراطية المباشرة تحديدا هو ما اختار برنشتاين وكاوتسكي مهاجمته. كما أن آراء مماثلة ظهرت اليوم على السطح، فالبعض يرى أن هذه المنظمات (السوفيتات أو المجالس العمالية) ربما تكون مناسبة في خوض الصراع الطبقي، ولكنها لن تكون قادرة على القيام بالقرارات الصعبة والضرورية في مجتمعنا الحديث الذي يتميز بتعقده وتطوره التكنولوجي، وحسب هذا الرأي فإن “الديمقراطية المباشرة” حتما سوف تتنحى جانبا لصالح الديمقراطية التمثيلية التي يديرها أخصائيون إداريون وفنيون وساسة محترفون.

والفكرة الثانية في مواجهة مبدأ الديمقراطية المباشرة هي أنها يجب أن تقود إلى جزئية ضيقة لا تتناسب مع أولويات التخطيط الاشتراكي، فعندما يسيطر العمال مباشرة على مواقع عملهم فإنهم بالضرورة سيدخلون في صراع مع الدولة حول أمور مثل الكمية المطلوب إنتاجها، وما إذا كان ينبغي إغلاق مصنع، أو قطاع أو صناعة معينة يجب أن يستمر فيها الإنتاج.

تستمد هذه الآراء عادة من تجربة التخطيط البيروقراطي في الاتحاد السوفييتي السابق، وبهذه الطريقة يتم حذف جوهر فكرة الديمقراطية العمالية من الصورة. ففي ظل رأسمالية الدولة في روسيا 1928، وبعد ذلك فيما أطلق عليه الكتلة الشيوعية، كانت ضغوط المنافسة العسكرية مع الغرب هي التي تحدد أولويات الإنتاج. وهكذا كانت الخطة في الواقع ناتجة عن فوضى المنافسة الرأسمالية العالمية والتي كان عمال روسيا أو الكتلة الشرقية لا يملكون أي نوع من السيطرة عليها.

وهناك مشكلات في السيطرة العمالية من الممكن أن تتعارض مع الحاجات الاجتماعية الأوسع. ومع ذلك، هذه المشكلة تم مواجهتها بشكل ملموس من قبل البلاشفة خلال الثورة.

فسيطرة العمال على المصانع من فبراير إلى أكتوبر 1917 كانت عنصرا هاما من عناصر العملية الثورية. ولكن كثير من الملاك والمديرين هربوا، ولم يكن أمام العمال أي خيار سوى البدء في إدارة الإنتاج بأنفسهم. وعند قيامهم بذلك طور العمال وعيهم الطبقي وثقتهم السياسية. وبعد أحداث مايو ويونيو 1917 تزايد عدد لجان المصانع بصورة هائلة. وقد كانت حركة لجان المصانع حاسمة في تفتيت السيطرة الرأسمالية على الاقتصاد. ولكن بعد الإطاحة بالرأسمالية، ومع وضع مهمة البناء الاشتراكي على جدول الأعمال، يمكن أن تمثل قوى التفتيت في الحركة عائقا أمام التقدم.

لم يكن رد فعل البلاشفة تجاه هذه المشكلة محاولة إحباط أو وقف الحركة — بل العكس تماما. ونادى ليني بتوسيع مبدأ السيطرة العمالية ليشمل كافة أنواع المنظمات. وأعيد التأكيد على سيطرة العمال على الإنتاج كهدف للثورة في المؤتمر الثاني لسوفيتات عموم روسيا بعد الثورة البلشفية. ولكن كيف يبدأ تطبيق التخطيط على المستوى القومي والذي ربما يتجاوز طموحات المحليات؟

تكمن إجابة هذا السؤال في أوسع مشاركة ممكنة من قبل العمال في مؤسسات الدولة التي ستكون مسئولة عن تحديد الأولويات. أي سيكون ذلك من خلال توسيع نطاق الديمقراطية المباشرة وليس تقليصها، وعن طريق ذلك يتم حل هذا التناقض.

إذن ما هو الموقف الذي ينبغي أن يتخذه الاشتراكيون من الديمقراطية الليبرالية؟ هل يجب رفضها على أساس أنها لا تعبر عن ديمقراطية عمالية حقيقية؟ على الإطلاق، إن الدفاع عن الديمقراطية ضد الديكتاتورية أمر في غاية الأهمية. ففي بعض الأحيان يصبح الدفاع عن مؤسسات ديمقراطية برجوازية — عندما لا تكون موجودة — نقطة الانطلاق لتعبئة جماهيرية، ولكن تأييد الديمقراطية البرجوازية ليس ببساطة مسألة تتعلق بالتكتيك العملي. فعندما يناضل العمال من أجل الديمقراطية، فإنهم لا يناضلون من أجل المؤسسات الشكلية مثل البرلمان، وإنما من أجل أفكار مثل المساواة والحرية والعدالة والحقوق.

وعندما يناضل العمال من أجل مطالب ليبرالية ديمقراطية فإنهم يتحركون في مواجهة الدولة ويضعون الأفكار السائدة في الحركة موضع الاختبار. ويمكن أن تبدأ المفاهيم الديمقراطية المجردة في أن تتخذ طابعا طبقيا وتتجاوز الإطار الليبرالي. وهكذا يؤيد الاشتراكيون الثوريون النضال من أجل الحقوق الديمقراطية البرجوازية عندما لا تكون موجودة أو مطبقة.

كثير من اليساريين رأى في تبني العمال لمطالب ديمقراطية برجوازية في أوروبا الشرقية متأثرين بالغرب أمرا يدعو إلى التشاؤم. وبدا للكثيرين أن رفض المقولات الاشتراكية وهدم تماثيل لينين على أنه نهاية الماركسية — أي نهاية مشروع فشل في تحرير الإنسانية.

ولكن الماركسية لا تهبط من السماء، وجوهرها لا يكمن في مصطلحاتها. إن جوهر الماركسية يكمن في تحركات البشر وأفعالهم. ففي روسيا، كانت الديمقراطية الاشتراكية قوة حيوية ديناميكية في الأحداث العنيفة التي وقعت في السنوات الأخيرة. ويمكننا كذلك النظر إلى الطبيعة الديمقراطية للجان العمالية التي ظهرت لفترات، مثلا في إضرابات عمال المناجم في سيبيريا والدونباس. فقد طبقت هذه اللجان مبدأ الاستدعاء والعزل الفوري للمسئولين، وغيروا هؤلاء المسئولين بشكل دوري، وغالبا ما اختاروا أكثر من مسئول واحد حتى لا يتركز الأمر في يد فرد واحد. وفي الإضرابات الكبرى التي اندلعت في صيف 1989، كانت مناطق المناجم في الكوزباس تحت إدارة هذه اللجان العمالية.

لن يكون تحول العمال إلى الوعي الاشتراكي سهلا خاصة في البلاد التي سقطت فيها الستالينية. بل على العكس، ستكون هذه العملية عملية طويلة ومعقدة. فجميع الأفكار الفوضوية والسينديكالية والإصلاحية وكذلك الأفكار الشوفينية القومية، سوف تجد جمهورا يتبناها. ورغم ذلك، فإن حدة الأزمة الاقتصادية وعدم قدرة هذه الأفكار السياسية على إحداث تغيير يعنى أن تأثيرها سيكون متذبذبا وغير مستقر. إن الصراع بين المصالح الطبقية يحتدم في بلاد رأسمالية الدولة السابقة، وتناقضات الأفكار السائدة في الحركة العمالية تتقلص لدرجة أن الصراع من أجل الديمقراطية الاشتراكية سيكون صراعا متواترا في السنوات القادمة. ومع اكتساب الديمقراطية طبيعة طبقية من وجهة نظر العمال، فسوف تصبح عاملا أيديولوجيا ديناميكيا في عودة ميلاد الاشتراكية الثورية.