بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الحزب الثوري

النظرية الماركسية حول الحزب هي جزء من فهم أوسع للعملية التي يقوم الإنسان بواسطتها بصناعة وإعادة صناعة تاريخه. وبداية فإن الماركسية تؤكد على دور الإنسان كصانع للتاريخ. “التاريخ لا يفعل شيئًا، لا يملك ثروة هائلة، ولا يشن المعارك. إنه الإنسان، الإنسان الحي الحقيقي، الذي يفعل كل ذلك… التاريخ ليس سوى نشاط الإنسان في سعيه نحو أهداف” (ماركس وانجلز، العائلة المقدسة). وفي الوقت ذاته، فإن الإنسان في صنعه لتاريخه ليس محرر من كل قيد.

المسار التاريخي إذن هو خليط مركب من القيود والحرية. فمن جهة يضع مستوى تطور قوى الإنتاج (وسائل الإنتاج المادية وقوة العمل الإنسانية التي تشغلها لتلبية الحاجات الإنسانية) قيودًا محددة على علاقات الإنتاج الممكنة في لحظة بعينها. وعلى سبيل المثال، فإنه في البدايات المبكرة للتاريخ الإنساني، عندما كانت قوى الإنتاج في مرحلة شديدة البدائية فرضت على البشر أن يعتمدوا على الصيد وجمع الثمار لتلبية حاجاته، لم يكن ممكنًا لعلاقات الإنتاج الاستغلالية (أي انقسام المجتمع إلى طبقات) أن تنشأ بحكم عدم وجود فائض تستطيع أقلية في المجتمع أن تستحوذ عليه وأن تحرر نفسها من العمل المنتج. كما أن مستوى تطور قوى الإنتاج في أوربا القرن العاشر مثلاً قد استبعد إمكانية قيام علاقات إنتاج اشتراكية. فقد كان الإنتاج الزراعي قد ولد بالفعل فائضًا اقتصاديًا سمح لطبقة النبلاء من ملاك الأراضي بحشد القوة الاقتصادية (وبالتالي أيضًا القوة السياسية والعسكرية والقانونية والأيديولوجية) لتأسيس نفسها كطبقة حاكمة مستغلة. إلا أن هذا الفائض كان أصغر من أن يسمح بتوفير مستوى معيشي جيد لأكثر من أقلية محدودة في المجتمع، وبالتالي لم تكن هناك إمكانية لتحرير المجتمع ككل من الفقر والجوع والكدح الذي لا يلين. ويمكن ضرب عشرات الأمثلة الأخرى على القيود الموضوعية التي يضعها مستوى تطور قوى الإنتاج على خيارات البشر الاجتماعية والسياسية والفكرية.

ومن جهة أخرى، فإن قوى الإنتاج هذه تتميز بالحركة والتطور الدائمين، وفي تطورها فإنها تميل للتصادم مع علاقات الإنتاج (وبقية علاقات المجتمع) السائدة، وهو ما يفتح الآفاق أمام الفعل الإنساني والحرية الإنسانية. فالانتقال من نظام اجتماعي وسياسي لآخر ليس مجرد نتيجة ميكانيكية لتطور قوى الإنتاج. إن تطور قوى الإنتاج هو شرط ضروري ولكنه ليس كافيًا للانتقال من مجتمع لآخر. فلكي يحدث هذا الانتقال بالفعل يتعين على طبقة اجتماعية جديدة صاعدة أن تطيح بالطبقة الحاكمة القديمة وأن تنتزع منها السلطة السياسية. وبهذا المعنى فإن صراع الطبقات هو قاطرة التاريخ. والصراع الطبقي بالطبع ليس مجرد صراع اجتماعي، وإنما هو أيضًا صراع أيديولوجي تعتمد نتيجته على خيارات البشر، أفرادًا وطبقات.

والحديث عن الصراع الطبقي يقودنا إلى تناول دور الحزب في التاريخ. إن الصراع الطبقي ليس فقط صراعًا بين الطبقات وإنما أيضًا داخل الطبقات. فلكي تتمكن الطبقة الصاعدة من تمثيل تحدي فعال للنظام الاجتماعي القديم، يتعين عليها أن تبلور رؤية واضحة للتغيير المنشود. والخطوة الأولى في تكوين هذه الرؤية هي حدوث استقطاب داخل هذه الطبقة الصاعدة، حيث تظهر داخلها أقلية تبلور بديلاً أيديولوجيا متماسكًا للمجتمع القديم. ومع نضج الصراع العملي والفكري داخل صفوف الطبقة الصاعدة وعلى صعيد المجتمع بأسره، فإن هذه الأقلية تتبلور في كيان سياسي مستقل (سواء أطلق هذا الكيان على نفسه اسم الحزب الثوري أو لا) يستهدف التأثير في وعي الطبقة الصاعدة بأسرها، وتعبئة الجماهير من خلال أفكاره وممارسته في حركة سياسية تطيح بالمجتمع القديم.

على مر التاريخ إذن يلعب الحزب الثوري (بالمعنى الواسع للكلمة) دورًا هامًا في التحولات الاجتماعية والسياسية الكبرى. إلا أن هذا الدور يكتسب أبعادًا خاصة في حالة الحزب العمالي الثوري الحديث، وذلك بحكم خصوصية الثورية الاشتراكية بالمقارنة بكافة الثورات السابقة في التاريخ، ومنها الثورات البرجوازية. إن الثورة الاشتراكية أكثر عمقًا من الثورة البرجوازية بثلاثة معاني على الأقل:

أولاً، الثورة البرجوازية هي محصلة سياسية لتحولات اجتماعية ظهرت بالفعل قبل الثورة. فالثورة الفرنسية مثلاً كانت تتويجًا لعدة قرون من الظهور التدريجي لعلاقات الإنتاج الرأسمالية من داخل نسيج المجتمع الإقطاعي ذاته. بالطبع عمقت الثورة الفرنسية هذا التحول الاجتماعي إلا أنها لم تبدعه من العدم. أما الثورة الاشتراكية فإنها نقطة الميلاد والانطلاق لعلاقات الإنتاج الاشتراكية. وثانيًا، الثورة البرجوازية استبدلت مجتمع طبقي قديم بمجتمع طبقي جديد. لقد أحلت العلاقة بين صاحب العمل والعامل الأجير محل العلاقة بين الإقطاعي والفلاح القن. وبهذا المعنى، فإن الثورة البرجوازية مثلها مثل كافة الثورات السابقة في التاريخ هي حركة تعبر عن مصالح أقلية في المجتمع. أما الثورة الاشتراكية فإنها تستهدف القضاء التام على علاقات الاستغلال وإقامة مجتمع لا طبقي. إنها كما يصفها ماركس بحق “حركة الغالبية العظمى لصالح الغالبية العظمى”. وأخيرًا، فإن الثورة البرجوازية (بحكم النقطة السابقة) تقوم على الوعي الزائف. لقد عبئت الثورة الفرنسية جماهير الريف والمدن تحت شعار “الحرية والإخاء والمساواة” في حين أن مضمونها الطبقي كان ترسيخ مصالح وحكم البرجوازية تحديدًا. أما الثورة الاشتراكية، فبحكم كونها “حركة الغالبية لصالح الغالبية”، فإنها بالضرورة ثورة واعية يتطابق ما تريده الجماهير منها مع ما تسفر عنه من نتائج (هذا بالطبع إذا لم تتعرض الثورة للإجهاض أو الهزيمة).

إن هذه السمات الثلاثة للثورة الاشتراكية تعني أن هذه الثورة بالضرورة ثورة تنطلق من أسفل. إنها عملية التحرر الذاتي لجماهير الطبقة العاملة. فما معنى ذلك بالنسبة لطبيعة ودور الحزب العمالي الثوري؟

إن الوعي السائد في المجتمع هو وعي الطبقة الحاكمة. ومن هنا فإن غالبية العمال في الأحوال “العادية” داخل المجتمع الرأسمالي لا يحملون وعيًا ثوريًا، بل يحملون أفكارًا هي في الأغلب هجين غير متجانس بين مصالحهم الطبقية المباشرة من جانب وأفكار عدوهم الطبقي من جانب آخر. ومن هنا، فإن الحزب الثوري لا يمكن أن يكون حزب الطبقة العاملة بأسرها. إنه بالضرورة حزب طليعة (قد تصغر أو تكبر) لا حزب الطبقة العاملة ذاتها. لكن لما كان هدف هذا الحزب هو الإسهام في “عملية التحرر الذاتي للطبقة العاملة” فإن الحزب الثوري الذي يستحق هذا الوصف يجب أن يكون طليعة داخل الطبقة العاملة. تناضل هذه الطليعة الثورية من أجل التأثير في وعي جماهير الطبقة العاملة، من أجل أن يتحول الحزب / الطليعة إلى الحزب / الطبقة. ويعني ذلك ضرورة انخراط الحزب الثوري في كافة المعارك الطبقية التي تخوضها الطبقة العاملة، حيث إن الصراع الطبقي هو المدرسة الحقيقية التي يكتسب فيها العمال الوعي الثوري.

إن ضرورة الحزب تنبع من أن العمال لا يستطيعون تحويل وعيهم السياسي الذي يكتسبونه عبر الصراع الطبقي النقابي أو غيره إلى وعي ثوري دون التوجيه السياسي الذي يقوم به الحزب وهو بالتالي يصبح من خلال الدعاية الثورية المستمرة المنارة التي ترشد جموع العمال إلى الطريق الوحيد لتحقيق مصالحهم الاستراتيجية. إلى جانب ذلك هناك الوظيفة الأخرى التي يقوم بها الحزب والتي تتمثل في توحيد حركة العمال الذين يتمتعون بقدرات أعلى ووعي أعلى من غيرهم في كيان سياسي مستقل عن “الطبقة بأسرها”، لكنه في الوقت نفسه ينخرط بأقصى طاقة في حركة “الطبقة بأسرها”.

تتضمن النظرية الماركسية حول الحزب (التي كان لينين هو أكثر المفكرين الماركسيين إسهامًا في بلورتها) مبدأين هامين: أولاً، التنظيم المستقل تمامًا للعمال المتقدمين بما يضمن تماسكهم حول مشروع المصالح الاستراتيجية الشاملة للطبقة العاملة بأسرها ولكافة المستغلين في المجتمع؛ وثانيًا، تحقيق أوثق علااقة نضالية ممكنة بين تنظيم العمال المتقدمين هذا وجماهير الطبقة العاملة الواسعة من خلال انخراط الحزب في كافة المعارك ومحاولته اكتساب ثقة العمال المتقدمين هذا وجماهير الطبقة العاملة الواسعة من خلال انخراط الحزب في كافة المعارك ومحاولته اكتساب ثقة العمال بواسطة قيادته اليومية لصراعاتهم. وبالطبع فإن هناك قدرًا من التوتر بين المبدأين. فالمبدأ الأول يعني التمسك بالمبادئ الثورية والاستعداد لتحمل وضع الأقلية الصغيرة وربما المعزولة داخل الطبقة العاملة. والمبدأ الثاني يعني المرونة التكتيكية الشديدة والقدرة على استخدام كل وسيلة ممكنة للحفاظ على الصلة مع الجماهير. وإذا كانت الحنكة السياسية مطلوبة للجمع بشكل متجانس بين هذين المبدأين، فإن الظروف الموضوعية التي يعمل الحزب في إطارها عادة ما تعطي لأحد المبدأين أولوية على الآخر. ففي فترات الاستقرار النسبي للمجتمع الرأسمالي وتراجع مستوى الصراع الطبقي وترسيخ هيمنة الأفكار البرجوازية على الجماهير يتعين على الحزب أن يؤكد أكثر على استقلاله وتماسكه حول المبادئ لكي لا يتعرض لتأثيرات انتهازية من مناخ خارجي غير مواتي.

وبالمثل ففي فترات المد في الصراع الطبقي حيث تتعرض الأفكار السائدة للاهتزاز وتميل قطاعات أوسع من الجماهير للاقتراب من المنظور الثوري، ينبغي على الحزب أن يعمق علاقته بالجماهير، بل وتعلمه من حركتهم العفوية المبدعة. ويمكن القول بأن التوتر الكامن بين هذين المبدأين – استقلال الحزب الثوري وصلته الوثيقة بالجماهير – لا يتم القضاء عليه تمامًا إلا في خضم الثورة العمالية ذاتها. ففي إطار احتدام الصراع الطبقي ووصوله للذروة المتمثلة في الثورة، يحدث اندماج بين المطالب المباشرة لجماهير الطبقة من جهة ومصالحها الاستراتيجية التاريخية من جهة أخرى، ومن هنا يختفي التناقض الجزئي بين المبادئ الثورية والحركة الجماهيرية، ويحدث بالتالي تحول كيفي في الحزب الثوري ذاته إذ يتحول من طليعة متقدمة داخل الطبقة إلى حزب الطبقة.

وإذا كانت “الحالة الثورية” – التي يعرفها لينين بأنها “الحالة التي لا تستطيع الطبقة الحاكمة معها أن تحكم بالطريقة القديمة، ولا يعود المستغلون مستعدين لأن يحكموا بالطريقة القديمة – إذا كانت تلك الحالة تحل للحزب الثوري معضلة الجمع بين التمسك بنقاء المبادئ والتفاعل مع حركة الجماهير، فإن وجود الحزب الثوري هو الذي يسمح بحل معضلة الحالة الثورية ذاتها. فالتاريخ يعلمنا أن تلك الحالة – التي تكررت كثيرًا في القرن العشرين – غير قابلة للاستمرار طويلاً. فإما أن تتمسك الجماهير بالفرصة الثورية وتطيح بالمجتمع القديم سريعًا، أو تستعيد البرجوازية الزمام وتتخلص من الحالة الثورية بإغراقها في بحر من الدماء. إن وجود الحزب العمالي الثوري الجماهيري وقدرته على التفاعل الخلاق مع الحالة الثورية له أهمية حاسمة في حسم مصير المجتمع إما بدفع الجماهير الثائرة للأمام وفتح آفاق المجتمع الجديد المتحرر من كافة صنوف الاستغلال والقهر، أو باستمرار علاقات الاستغلال العفنة وتفاقم العذابات الإنسانية.

وأخيرًا، فإن قدرة الحزب الثوري على التفاعل الصحيح مع الحالة الثورية تعتمد ليس فقط على علاقته بالطبقة العاملة وقدرته على حشد جميع القوى المقهورة في المجتمع في معركة موحدة تعي العلاقة الوثيقة بين كافة صنوف القهر (على أساس الجنس أو اللون أو الدين أو القومية) وبين المجتمع الطبقي.