بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الجريمة والصراع الطبقي

لا أحد يستطيع أن يعرف على وجه الدقة ما هي الحقيقة فيما يتعلق بتطورات الجريمة في مصر. فالدولة لا تكتفي، في هذه المسألة، بإخفاء وطمس الحقائق فقط، بل تضيف إلى ذلك التشويه والكذب الصريح. ففيما يتعلق “بإخفاء وطمس الحقائق” نجد أن المصدر الوحيد لإحصاءات الجريمة في مصر هو تقارير الأمن العام السنوية. وهذه التقارير التي لم تعد تنشر في السنوات الأخيرة إلا على نطاق ضيق – تخفي أكثر مما تظهر. اختفت منها معظمة الجداول التفصيلية والبيانات المحددة عن أنواع الجريمة وتصنيفات مرتكبيها ومعدلات الضبط.. الخ الخ، وتحولت إلى تمجيد إعلامي إضافي لإنجازات جهاز الشرطة العظيم في تحقيق الأمن والأمان في “مصر المحروسة”.

أما فيما يتعلق بالكذب الصريح، فالمهزلة لا تصدق. إذ تعمد الدولة تأليف إحصاءات “تؤكد” أن معدلات الجريمة في انخفاض مستمر. فتقارير الأمن العام إياها تؤكد أن هناك ميل عام لانخفاض ارتكاب الجرائم منذ 1946 وحتى الآن. ولننظر إلى بعض الأرقام حتى نرى عينة على المدى الذي يمكن أن يصل خدام الطبقة الحاكمة وكلاب حراستها إليه في الخداع والتلفيق. تقول التقارير – المدعومة بالأرقام – أن عدد جرائم القتل قد بلغ ذروته في عام 1946 وأنه ظل، بوجه عام، يتناقص من 3196 في 1946 إلى 2834 في 1958 إلى 615 عام 1983!! أما جرائم الاغتصاب وهتك المرض فقد انخفضت – وفقًَا للتقرير – من 339 عام 46 إلى 306 عام 54 إلى 161 عام 83!! وهذا هو الحال أيضًا مع جرائم السرقة بالإكراه التي كانت في أعلى معدلاتها عام 1946 (1476 جناية) ثم انخفضت لتصل إلى 171 عام 1984!!

هذه هي الأرقام التي تفبركها وزارة الداخلية عن تطور الجريمة في مصر. وبعيدًا عن مدى تأثيره هذا الجبل الهائل من الأكاذيب في تضليل من يريد أن يفهم ويعرف “الحقائق” عن الجريمة، إلا أنه من المهم أن نتقصى أصل وسبب كل هذا التلفيق. فالطبقة الحاكمة المصرية تريد، حتى ولو بأكثر الطرق فجاجة، أن تروج لوهم أن سياساتها (القائمة في الحقيقة على إفقار وتجويع وتشريد كل المستغلين والمضطهدين في المجتمع) لا تؤدي إلى زيادة الجريمة، بل إلى نقصانها (وإن استلزمت الظروف: إلى زيادتها فقط بنسب ضئيلة). تريد الدولة أيضًا أن تؤكد للجميع أنها قادرة وبكفاءة – بواسطة جهازها الأمني – على منع الجريمة قبل وقوعها (الأمن الوقائي حسب ما يسميه حسن الألفي)، وعلى ضبطها فور وقوعها (في تقرير الأمن العام عن عام 1996 ذكر أن معدلات ضبط الجرائم هي من أعلى المستويات في العالم: 87% من جرائم القتل، 92% في السرقات بالإكراه، 94% في هتك العرض، و81% في سرقات المساكن والمتاجر).

وهكذا تتناغم الأكاذيب الإحصائية – الرقمية لأجهزة القمع، مع الأيديولوجية الزلة التي تقول أن مصر هي بلد الأمن والأمان، وأن الجرائم هي عرض هامشي لا يؤثر على الجسم السليم لمجتمع سعيد وراضي. هذه الجرائم تدعى أنها من ارتكاب أعداء المجتمع الآمن.

على أنه من الممكن أن نلاحظ بسهولة أن الطبقة الحاكمة، وكتبتها وجهاز دولتها، تسعى أيضًا في العديد من الأحيان إلى الدعاية بأن “المجتمع في خطر” وأن الجريمة والمجرمين هم السبب. والحقيقة أنه لا يوجد تناقض بين الدعاية التي تقول إن الجريمة في تناقص وتلك التي تدعي أن المجتمع في خطر بسببها، بل أنهما في الواقع تغذيان بعضهما البعض. فالترويع من مخاطر المجرمين والتضخيم من تأثيرها يساعد الدولة على صرف الانتباه عن الأسباب والمضمون الحقيقيين للأزمة الاقتصادية – الاجتماعية التي تمسك بخناق الرأسمالية المصرية، ويساعدها أيضًا على تقوية جهازها القمعي، ويساعدها أيضًا على تقوية جهازها القمعي وعلى تأديب جموع المستغلين والمضطهدين. أما إدعاء النجاح التام في القضاء على الجريمة فمهمته التأكيد على أن الحل هو في ردع المجرمين وبؤر تجمعهم، وعلى أن سياسات الردع قد أتت ثمارها.

هذا المزيج ما بين الدعاية الترويع من الجريمة ودعاية النجاح في القضاء عليها هو، كما ذكرنا، واحد من الأوجه العديدة لأزمة الطبقة الحاكمة المصرية ومحاولتها الخروج من تلك الأزمة على حساب جموع المستغلين.

إذ أنه مع مطلع السبعينات – ومع تفاقم أزمة الرأسمالية الدولة الناصرية – بدأت الدولة تقوم بدور رأس الحربة في التحول باتجاه ما يسمى “باقتصاديات السوق الحر”. كان مضمون هذه السياسات هو تشديد معدلات استغلال الطبقة العاملة وكل الفقراء في مصر. فبعد أن كان معدل البطالة لا يتجاوز 2.5% في منتصف الستينات، بدأ يتزايد بشكل مطرد إلى 7.7% في 1986 ثم 12% في 1986، ثم 17% في 1990،.. واليوم نجد أن حوالي 1 من كل 5 راغبين في العمل وقادرين عليه لا يستطيعون إيجاد وظيفة. وبعد أن كان متوسط دخل الفرد يصل إلى 750 دولار في السنة عام 1986، وصل إلى 640 دولار في 1990، فأصبحت مصر واحدة من الدول الأكثر فقرًا حسب التصفيات الدولية. هذه بالإضافة إلى الدهور المرعب ف خدمات الإسكان، والتعليم، والموصلات، والصحة.

وهكذا أصحبت الطبقة العاملة تخضع لأوسع عملية إفقار تعرضت لها على مدى الخمسين عامًا الماضية. ورغم هذا لم تستطع البرجوازية المصرية أن تحل أزمتها. فقد تعرضت لأزمة عنيفة وممتدة بدءًا من النصف الثاني من الثمانينات، لم تخرج منها إلا في العام الماضي وبشكل جزئي ومهزوز.

كان لابد في سياق كهذا أن تتزايد معدلات الجريمة – رغم أنف إحصاءات الدولة – في أوساط البحر الهادر من جيش البطالة الاحتياطي (وهو جزء لا يتجزأ من الطبقة العاملة) والعمال المؤقتين الذين يعيشون في مناطق فقيرة تتعارض مع آدمية الإنسان. فقد أشارت إحدى الدراسات الرسمية إلى أن أجمالي المتهمين في جرائم عام 1996 يبلغ 5798 منهما، 44.9% من المتهمين بجرائم الاغتصاب وهتك العرض، و51.7% من المتهمين بجرائم تعاطي والاتجار في المخدرات، و46.4% من المتهمين بجرائم سرقات المساكن، و64.7% من المتهمين بجرائم سرقة المتاجر، و51.8% من المتمين بجرائم سرقة السيارات من المتعطلين.

مع تفاقم الأزمة، وازدياد محلات الجريمة المصاحب له، بدأت الطبقة الحاكمة ودولتها في إتباع سياسة المزج بين التهويل وتشديد القمع والعقوبات وإدعاء النجاح. فماذا أثمرت هذه السياسة؟ بالطبع لم تسفر عن خفض معدلات الجريمة. فبرغم تشويه وحجب الأرقام، إلا أن بعض الدراسات أشارت إلى زيادة عدد مرتكبي جرائم سرقة المساكن بنسبة 155% في الفترة من 1986 و1995. إلا أن هذا ليس هو الأمر الجوهري. فزيادة، أو تذبذب، أو تناقص معدلات الجريمة بهذه الدرجة أو تلك لا يهم الطبقة الحاكمة طالما ظل “في حدود معقولة”.

هذه “الحدود المعقولة” هي الأمر الجوهري بالنسبة للطبقة الحاكمة. وترجمتها من وجهة نظر تلك الطبقة هي “الحفاظ على النظام والقانون”.. أي الحفاظ على استقرار وديمومة علاقات الاستغلال القائمة. ولذلك رأينا أن المعنى الحقيقي لسياسات الطبقة الحاكمة في مكافحة الجريمة كان هو “تأديب” الطبقة العاملة والفئات الأكثر اضطهادًا في المجتمع. فبفضل سياسة الترويع من خطر المجرمين (وأيضًا بفضل التلويح ببعبع الإرهاب الذي ضخمته الدولة وروجت لفكرة أنه هو – وليست هي – العدو الرئيسي!!) تحول جهاز الشرطة في السنوات العشر الأخيرة إلى جيش قوامه 24 ألف ضابط ومئات الآلاف من المساعدين والجنود ولمخبرين.. بفضل هذه السياسة تم تجهيز هذا الجيش بالمدرعات والرشاشات والمدافع والأجهزة الالكترونية الحديثة. وبفضل هذه السياسة تغلغل جهاز القمع (الشرطة) في كل الأحياء الفقيرة والعشوائية “ليؤدب” بصورة متوحشة وبشكل يومي جماهير الأحياء العمالية وشبه العمالية. دوريات الأمن العام والاشتباه، بل والمرور، أصبحت لا تتورع عن إلقاء القبض على المئات يوميًا لضبط النظام – أي للحفاظ على النظام الاجتماعي القائم.

ليس هذا فقط. بل إن سياسات الترويع من قبل المجرمين قد كانت لكأة استندت عليها الدولة لتشديد العقوبات على عدد كبير من الجرائم (المخدرات، الاغتصاب، السرقة.. بل التشرد وسرقة التيار الكهربائي). وفي سياق أزمة رأس المال، ولو أد احتمالات ظهور أي بوادر للثورة أو العصيان، شن رجالات الطبقة الحاكمة وذويولهم هجومًا على “أعداء البشر” من المجرمين الذي لابد من وأدهم. وظهرت في هذا الإطار أصوات تطالب، مثلاً، بالتشدد في ردع وقمع المتشردين والمتسولين (بلغ عدد جنح التشرد 16.4 ألف جنحة في 1994) الذين “يشوهون وجه العاصمة والمدن الكبرى والمدن السياحية”، وتطالب بعودة المرأة إلى المنزل وتركها للعمل حتى “تمنع ظهور الأحداث المنحرفين”، وتطالب بتقييد الهجرة من الريف إلى المدينة حتى “تقلل من حجم الكارثة المتفاقمة في العشوائيات..:. بؤر الجريمة والإرهاب”. باختصار الحاكمة ودعايتها الأيديولوجية، هو القمع وتشديد الحصار على المستغلين والمضطهدين.

لا يمكن إذن أن نصدق الدولة وكتبتها الذين يدعون أن تشديد العقوبة هو الحل الذي ستحمل عبء تنفيذه الدولة من أجل الشعب الآمن! فلو كانت الدولة تريد حقًا استئصال الجريمة لسعت إلى القضاء على جذورها الاقتصادية والاجتماعية. أي لسعت مثلاً إلى زيادة الإنفاق على مؤسسات الإعاشة للأطفال المشردين، وإلى بناء الحضانات في كل مكان وإلى الالتزام بحق العمل للجميع.. الخ. ولكن كل هذا غير وارد بالطبع فالدولة تزيد من عنفها وقمعها بالضبط لأن سياساتها تقوم على خلق الأسباب الأساسية للجريمة، وبالضبط لأنها تريد أن تصرف الانتباه عن جوهر الأزمة.

المصيبة الحقيقية أن هناك من يدعون أنهم يساريون وثوريون بينما هم يدعمون الدولة في خططها بإتقان جهاز قمعها فهم يطالبون الدولة من ناحية أولى بالحسم (يقصدون القمع) في مواجهة الإرهابيين، على ألا يكون هذا على حساب الأمن العادي – أي على إلا يؤدي هذا إلى تراخي في مواجهة المجرمين العاديين (أخر الأمثلة على ذلك الحوار مع حسن الألفي في جريدة الأهالي)!!! أن هؤلاء اليساريين هم جزء لا يتجزأ من الطبقة الحاكمة يرون العالم بمنظارها ويدافعون فيه عن مصالحها.

إن الجريمة تجد جذورها في النظام الاجتماعي القائم على استحواذ الأقلية على ثروة المجتمع وأسلوب الطبقة الحاكمة في “ردعها” هدفه الرئيسي تأديب وقمع الجماهير. فالسجون المكتظة هي في الحقيقة دليل على أزمة الرأسمالية.. دليل على أن هذا النظام يحتاج لكي يعيش لي خلق آله شرسة للقسر والإرهاب. هذه الآلة هي العدو الرئيسي للجماهير ومقومتها ينبغي أن تكون هدف أي نضال.