بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العالم الثالث ديمقراطية أم ثورة اجتماعية؟

موضة جديدة أسمها “الديمقراطية” تجتاح العالم الثالث اليوم. الكل، من اليمين واليسار، يدافع عنها ويهلل لها ويسعى إلى تحقيقها. فهل ينبغي على الثوريين أن يقفوا في المعسكر “الديمقراطي”، ولأجل ذلك يؤجلوا النضال من أجل الثورة الاشتراكية؟ أم أن عليهم فضح رجعية واستبداد موجة التسعينات “الديمقراطية”؟

في عام 1849، وبعد مرور عام واحد على ثورات 1848 الأوروبية التي بدأت بفرنسا ثم امتدت لتعم معظم أنحاء القارة، كتب جيزو، المؤرخ والوزير الأول في ملكية لويس فيليب الفرنسية الرجعية التي أسقطتها القوى الثورية في 1848، يقول عن الديمقراطية: “هي الكلمة المسيطرة والكلية. فكل الأحزاب تستحضرها وتريد أن تستخدمها كتعويذة…. إلى هذه الدرجة تصل سيطرة كلمة الديمقراطية حتى أنه ما من حزب أو حكومة تجرؤ على الوجود، أو حتى تؤمن بإمكانية أن توجد، اللهم إلا أذا نقشت هذه الكلمة على رايتها”. كتب جيزو هذه الكلمات في وقت كانت رياح الثورة فيه تجوب أنحاء أوروبا حتى أن تلك الكلمة – “ديمقراطية” – كانت تقض مضاجع كل ملكيات أوروبا الرجعية وتشعرها بدنو أجلها، وحتى أن كافة القوى السياسية، حتى الرجعية منها، حتى الرجعية منها، اضطرت أن تدعي على نفسها أنها ديمقراطية لتجد لنفسها مكانًا في عالم لم يعد يعيش فيه إلا الديمقراطيين – ولو حتى زورًا وتلفيقًا والحق أن هذه الكلمات تصدق أكثر ما تصدق على عصرنا الراهن. فبعد ما يقرب من مائة وخمسين عامًا عادت الديمقراطية لتصبح “الكلمة المسيطرة والكلية”. إذ أنه بدء من الثمانينيات، وخاصة منذ 1989 – عام “ربيع الديمقراطية – في شرق أوروبا – أصبحت الديمقراطية واحدة من أكثر الكلمات سحرًا وشعبية وتداولاً في معظم دول العالم. فتحت راية الديمقراطية استولي أشخاص مثل فاكلاف هافيل، بوريس يلتسين وليخ فاونسا، لا يجمع بينهم (في الظاهر) أي شيء مشترك سوى ديمقراطيتهم (الصحيحة أو المزعومة)، على السلطة في دول أوربا الشرقية. وتحت العجلة القوية الديمقراطية اندهست قوى ديكتاتورية جبارة في العالم الثالث – ماركوس في الفلبين، حكام الأرجنتين من العسكر.. غيرهم. وباسم الديمقراطية أيضًا حشدت الإمبريالية الأمريكية – تحت مظلة الأمم المتحدة – القوى العسكرية لعشرات الدول في حملة صليبية كان هدفها المعلن هو تحرير دولة الكويت حفاظًا على قيم النظام العالمي الجديد: “الحرية والديمقراطية” و… اليد الخفية للسوق الرأسمالي التي أحكمت قضيتها على نفط جزيرة العرب بعد نجاح. الحملة بل في ظل “النظام العالمي الجديد” أصبحت الانتخابات البرلمانية والرئاسية موضة تتنافس على إجرائها حتى أكثر الدول ديكتاتورية ورجعية – فمن منا كان يتخيل أن حوالي 25 دولة في دول أفريقيا جنوب الصحراء ستجرى انتخابات في الفترة من 1988 إلى 1993؟ منا كان يعتقد، قبل، أن نلسون مانديلا سيصبح رئيسًا لجنوب أفريقيا؟.

والجدير بالملاحظة في هذا المقام هو أنه بينما كانت كلمة الديمقراطية قد أضحت “الكلمة المسيطرة والكلية” في منتصف القرن الماضي في ظل موجة ثورية عصفت بقوة عتيدة تنتمي إلى العالم الإقطاعي القديم لتفتح الباب أمام البرجوازية الصاعدة، فإن نفس الكلمة قد عادت اليوم لتصبح مقدسة وغير قابلة للنقاش في ظل أوضاع جد مختلفة إذ أن عرابو النظام العالمي الجديد – أشخاص مث جورج بوش ومارجريت تاتشر ومن بعدهما بيل كلينتون وجون ميجور – هم الذين يقومون الآن بمهام الإدارة والتخطيط والدعاية لعملية التحول الديمقراطي في عصرنا الراهن. ديمقراطية 1848 كانت ديمقراطية ثورية، أما ديمقراطية اليوم فهي ديمقراطية صعود اليمين: ديمقراطية تعد بسيطرة قوى السوق، وبالخصخصة، وبالاندماج في السوق العالمي. فهل علينا أن نصدق أن ديمقراطية من هذا الطراز، يروج لها جورج بوش وبيل كلينتون ويتبناها بوريس يلتسين وحسني مبارك، وهم جميعًا أعداء الداء للجماهير وللحرية، سوف تحقق أحلاب الشعوب؟ وهل يصح أن نقبل أن ديمقراطية يدعو لها مستشارو البيت الأبيض، كفوكوياما صاحب نظرية الانتصار النهائي لليبرالية، هي ديمقراطية حقيقية؟

ورغم أن شعبية الديمقراطية تعود اليوم في ظل ظروف تختلف كثيرًا عن تلك التي سادت العالم في أواسط الماضي. إلا أن هناك خيطًا أساسيًا يصل بين الماضي الذي وصفه جيزو والحاضر الذي نعيشه الآن، وهو أن أكثر القوى تنافرًا (في الظاهر على الأقل) قد اجتمعت على الاحتفاء بالديمقراطية والدفاع عنها. لقد أتفق كل من اليمين واليسار، الحكومة، المعارضة، الأكاديميين ورجال السياسة في معظم الدول على أن “الديمقراطية هي الحل” وهي المستقبل المنشود. وفيما عدا ما يطلق عليه أسم قوى التعصب الأصولي. الديني وغير الديني التي ترفض النظام الدولي الجديد وتعتبر نقيضًا له، أصبح الجميع لا يرضون عن الديمقراطية بديلاً. الجميع الآن يؤمنون بأننا قد دخلنا عصر “الموجة الثالثة” للديمقراطية (1) وأن هذا العصر هو عصر انتصار البشرية على ألد أعدائها: التسلط والديكتاتورية… ومن قبلهما الشيوعية، وأن حرية السوق شرط ضروري مسبق للديمقراطية التي تعد بدورها طريقًا ملكيًا وحيدًا لمملكة الحرية الإنسانية. فهل كل هذا صحيح؟ أم محض تضليل إيديولوجي يمارسه اليمين – ويردده اليسار المفلس – مستغلين فرصة سقوط النظم الشمولية في الإتحاد السوفيتي وشرق أوربا؟

الحقيقة أن هذا المد الديمقراطي – على مستوى الإيديولوجية ومستوى الواقع على حد سواء – في العالمين الثاني (دول شرق أوربا والاتحاد السوفيتي سابقًا) والثالث يثير الكثير من الأسئلة التي ينبغي أن يجيب عليها الماركسيون إذا ما كانوا جادين في السعي لبلورة موقف اشتراكي ثوري من هذه الأفكار ومن الواقع الذي تعكسه. مثلاً، هل ينبغي على الثوريين أن يقتفوا خطي اليسار التقليدي – الستالينيون الجدد، الإصلاحيون والانتهازيون من كل صنف ولون… إلخ – في “نضاله” الديمقراطي المزعوم، ولأجل هذا الهدف يتحالفوا – كما يفعل – مع كل القوى ألمسماه “ديمقراطية” في المجتمع بدء من أحزاب اليمين الليبرالي وانتهاء ببعض أجنحة الدولة البرجوازية ذاتها؟! أم أن الثوريين عليهم، على النقيض من ذلك، مهمة فضح زيف الدعاوي الديمقراطية في صفوف البرجوازية واليسار المفلس المتذيل لها، وإثبات أن الديمقراطية البرجوازية – خاصة في ثوبها الجديد – لم تعد ترقى لطموحات الجماهير المضطهدة بعد أن أضحت الديمقراطية العمالية مشروعًا ضروريًا وممكنًا، وأن الوقوف عند حدود الديمقراطية البرجوازية في ظل هذه الأوضاع يعد كبحًا لحركة الجماهير وحرفًا لمسار نضال الطبقة العاملة عن هدفه الأصيل؟ إن الإجابة عن تلك الأسئلة وغيرها يقتضي منا إجراء تحليل طبقي – باستخدام المنهج الماركسي – لمصالح ومشاريع القوى الطبقية المختلفة وللتوازن الطبقي الراهن على الصعيد العالمي حتى نستطيع أن نكشف عن المضمون الطبقي للمد الديمقراطي الراهن، وبالتالي نستطيع أن نحدد موقف الطبقة العاملة الثورية منه.

في هذا المقال، وكمحاولة منا للإجابة على الأسئلة التي تثيرها مسألة المد الديمقراطي في العالم الثالث، سنقوم بمناقشة قضيتين نعتقد أن من الضروري حسمهما كأساس لتطوير موقف عمالي ثوري من المسألة الديمقراطية.

أولا: هناك ضرورة لتعليل أسباب الغياب الطويل للديمقراطية عن دول العالم الثالث. فلماذا كانت الديمقراطية هن الاستثناء في هذه المجموعة من الدول؟ ولماذا كان افتقادها بعد وجودها – إذا وجدت – أمرًا سهلاً؟

ثانيًا: ستعطى لنا الإجابة على السؤال الأول الفرصة كي نفهم الأسباب الكامنة وراء “عودة الديمقراطية” إلى العام الثالث. فلماذا أصبحت الديمقراطية مطرودة بقوة في العالم الثالث في السنوات الأخيرة؟ وما الأسباب وراء التحول الديمقراطي الذي حدث في العديد من الدول المختلفة؟

1- لماذا كانت معظم الثورات البرجوازية في دول العالم الثالث غير ديمقراطية؟ التفسيرات البرجوازية والبرجوازية الصغيرة لغياب الديمقراطية في الدول المتخلفة:

لقد كانت مسألة غياب الديمقراطية في العالم الثالث موضوعًا لتفكير ودراسة العديد من رجال العلم والسياسة من البرجوازيين والراديكاليين (كأنصار مدرسة التبعية)على حد سواء. فقد تيارات التيارات الفكرية المختلفة من اليمين واليسار في محاولة البحث عن تفسير لهذا الغياب. على سبيل المثال، أستند بعض الأكاديميين المحافظين وذوي الرؤى الاستعلانية على فكرة “غياب الثقافة السياسية الديمقراطية” في تحليلهم لغياب الواقع السياسي الديمقراطي في الدول المتخلفة. رأى هذا البعض أن الثقافة السياسية السائدة في غالبية دول العالم الثالث، ودول المنطقة العربية منها، ثقافة تفتقد للقيم الديمقراطية بما تعنيه تلك الأخيرة من تقبل للحوار والرأي الآخر ومن رفض للتسلط وللحكم الفردي. ورأوا بناءًا على ذلك، أن هذه الثقافة تمنع أي تطور ديمقراطي في العالم الثالث؛ بل أنها – فوق ذلك – تجعله أمرًا غير فيه من الأساس! وفي تطبيق لهذا التصور على الدول العربية طرح سعد الدين إبراهيم – الأكاديمي المصري وأحد أبرز المدافعين عن الديمقراطية على الطريقة الأمريكية – فكرة أن الجماهير العربية مسئولة عما أبتلينا من غياب للديمقراطية حيث أنها – أي الجماهير – تؤمن بالحكم المطلق، ولا تأبه لوجود الاستبداد، بل إنها “متواطئة في التعايش معه” – إلى هذا الحد بلغت وقاحة الديمقراطيين الجدد المعادين لجماهير العالم الثالث، والذين يرون أن الديمقراطية ثقافة رفيعة تفتقدها تلك الجماهير ولا تمتلكها إلا نخبة محدودة. تلك النخبة ستسعى بسبب وعيها الراقي – المكتسب بالطبع من التعليم والتنشئة على الفكر الغربي – إلى تحقيق واقع سياسي ديمقراطي، حتى ولو رغمًا عن الجماهير!!

تيار آخر من مثقفي وقادة البرجوازية أفتى بأن الديمقراطية على النمط الغربي ستتحقق في دول العالم الثالث حالمًا تصل هذه الدول إلى درجة عليا من التطور الاقتصادي يصبح عندها المواطنون أكثر رغبة في تحقيق أهداف تتجاوز الأهداف الاقتصادية – أو المادية – البحتة. ووفقًا لهذا المنظور فأن غياب الديمقراطية في العالم الثالث يرجع إلى عدم نضج هذه المجتمعات إلى الدرجة التي تسمح بظهور وعي وحركة ديمقراطيين. ويؤكد متبنو هذا التصور على أن التطور الديمقراطي في الدول المتخلفة هو فقط مسألة وقت، ولذلك فهم يرون أن أنسب التكتيكات لتحقيق الديمقراطية هو انتصارها وليس النضال من أجلها: فالثمرة ستسقط في كفوفنا من نفسها حالما تنضج!

يتقاطع مع هذين التيارين تيار ثالث انتمى إليه العديد من النقاد البرجوازيين للإتحاد السوفيتي و”للشيوعية” بكل أصنافها وقد رأى أنصار هذا التيار الأخير أن غياب الديمقراطية في العديد من دول العالم الثالث يرجع إلى سيطرة نظم حكم “اشتراكية” أو شبه “اشتراكية” في هذه الدول. فالديمقراطية تتناقض، بالضرورة، مع الاشتراكية السوفيتية، ومع “كل اشتراكية”! الديمقراطية – وأيضًا حقوق الإنسان وحريته في تقرير مصيره – تتطلب وجود اقتصاد سوق حر لا مجال فيه لتدخل الدولة أو للتخطيط المركزي. وبما أن معظم دول العالم الثالث قد اتخذت، على مدار عقدي الخمسينات والستينات، من التجربة السوفيتية – التي سيطرت فيها الدولة على مقدرات الاقتصاد والمجتمع – مثلاً يحتذي، فإنها قد حكمت على نفسها بأن تكون دولاً لا ديمقراطية يحكم فيها الفرد باسم المجتمع كله. أما عن الطريق الذي يقترحه هؤلاء النقاد للخروج من هذا النفق المظلم فهو: العودة إلى اقتصاد السوق وسيطرة القطاع الخاص.

على الجانب الآخر، نرى أن المدارس الراديكالية، وعلى رأسها مدرسة التبعية – وهي التيار المسيطر على اليسار – كانت قد حلت معضلة الديمقراطية في العالم الثالث بأن أفتت أن عدد كبير من دول العالمين الثاني والثالث قد تجاوز الديمقراطية البرجوازية في ممارسته العملية – “تجاوزها إلى الأفاق الرحبة للديمقراطية الشعبية” (1). والديمقراطية الشعبية هي، بالطبع، أرقى بما لا يقاس من الديمقراطية الغربية: الديمقراطية الغربية تنحصر في الجانب السياسي فقط، أما الديمقراطية الشعبية، على نمط كاسترو أو نونيكر أو حتى عبد الناصر، فهي تغلف المجتمع كله بجوانبه الاجتماعية والاقتصادية وأيضًا السياسية! لقد كان اليسار يمجد – باستخدام هذه النظرية الهشة – أنظمة حكم دموية مثل تلك التي كانت تسيطر في إثيوبيا أو اليمن الجنوبي لأنها “تجاوزت” الديمقراطية الغربية فأصبحت قاب قوسين أو أدنى من “الديمقراطية السوفيتية” التي أرسى ستالين تجربتها الأولى في الاتحاد السوفيتي!! غنى عن الذكر أن اليسار بكافة فصائله قد عاد في أواخر الثمانينات، وفي لحظة نورانية جليلة، يراجع أفكاره ونظرياته عن الديمقراطية الشعبية والديكتاتورية الرأسمالية. لقد اكتشف هذا اليسار، فجأة أن الاتحاد السوفيتي كان دولة قمعية شمولية تسلطية، وأن الديمقراطية على النمط الغربي ضرورة ومطلب للجماهير في العالم كله. ومن ثم أصبح اليسار ديمقراطيًا ليبرالياً يقبل بتعدد الأحزاب ويدافع عن السوق ويصافح باحترام “اليد الخفية”! إلا يستحق منا، هذا اليسار عظيم التبجيل والتقدير والاحترام على مرونته وديمقراطيته؟

أعتقد أن ما يستحقه هذا اليسار منا هو التفكير بالنتائج العملية التي يؤدي إليها تحوله الديمقراطي “العظيم”. أو ليس يعني هذا التيار الوحيد المدافع ـ زورا وبهتانا ـ عن ديمقراطية العالمين الثاني والثالث الشعبية قد توارى وأصبح غير موجودا؟ أو ليس يعني أيضًا أن البرجوازية الصغيرة – التي عبرت عن أفكارها يومًا ما في كتابات التبعية – قد فقدت – لأسباب عملية محضة؟ – إيمانها وثقتها في التجربة السوفيتية وفي التخطيط المركزي ورأسمالية الدولة؟

أتعد هذه خطوة للأمام أم خطوة للخلف؟

هي خطوة للأمام وخطوة للخلف في نفس الوقت – فتهاوي الأفكار الخائبة عن الديمقراطية الشعبية في العالم الثالث يعد مكسبًا للقوى الثورية التي طالما رأت أن تلك الديمقراطية ليست في حقيقتها إلا ديكتاتورية دموية، وبهذا المعنى فأن هناك تقدمًا للأمام بمقدار خطوة واحدة. بيد أن هذا – للأسف – يفسح الساحة ويمهد الأرض أمام سيطرة التفسيرات البرجوازية لغياب الديمقراطية في العالم الثالث، وأمام قبول كل القوى الموجودة على الساحة غير المشروط، ديمقراطية الليبرالية كهدف نهائي للنضال، وفي هذا تراجع للخلف بمقدار خطوة واحدة على الأقل!

والحق أن الشيء المشترك الذي يجمع بين تلك التفسيرات البرجوازية – التي أصبحت سائدة الآن – لغياب الديمقراطية في الدول المتخلفة هو أنها جميعًا تنطلق من أرضية قبول غير مشروط للرأسماليات الغربية بوصفها هي المرجع والمثل: فالثقافة السياسية في معظم العالم الثالث ثقافة استبدادية مقارنة بالثقافة السياسية الغربية. ومستوى التطور الاقتصادي في تلك الدول متخلف إذا ما نسب إلى مستوى التطور في الدول الغربية. ونمط الإنتاج السائد في معظم الدول المتخلفة، والذي يطلقون عليه اسم نمط الإنتاج الاشتراكي! يتعارض مع الديمقراطية، هذا ما قورن مع نمط الإنتاج الغربي المتوافق مع الديمقراطية والحرية!

هناك إذن، كما يروجون، فجوة حضارية بين العالمين الثالث والأول – ثقافتنا في مقابل ثقافتهم، مستوانا الاقتصادي في مقابل مستواهم الاقتصادي، نمط إنتاجنا في مقابل نمط إنتاجهم. وبغض النظر عن إمكانية عبور هذه الفجوة، كما تعدنا نظرية المستوى الاقتصادي، أو عدم إمكانيته، كما تتوعدنا نظرية الثقافة السياسية، فأن طرح المسألة على هذا الشكل يساهم – بشكل قصدي – في إخفاء الحقيقة الأساسية وهي أن دول العالمين الأول والثالث تشتركان في صفة أنها جميعًا دول رأسمالية تقوم الطبقات المالكة فيها باعتصار فائض القيمة من العمل المأجور. ولذلك لا ترجع ديمقراطيتهم ولا ديمقراطيتنا إلى رأسماليتهم ولا رأسماليتنا، كما تدعى واحدة من النظريات، أو إلى أنهم أكثر رأسمالية، أو تطورًا عنا كما تدعى نظرية أخرى، وإنما إلى أن مصالح طبقاتهم الرأسمالية الحاكمة وضرورات التراكم لديهم استدعت وجود ديمقراطية، بينما كانت طبقاتنا الحاكمة أوفر – أو أقل – حظًا فاستطاعت أن تمر بدون ديمقراطية وإذا كان أحد يريد إثباتا لهذه الحقيقة فلينظر إلى تاريخ العالم، وتاريخ الجزء الغربي منه بصفة خاصة. ألم يحدث غير مرة أن استغنت الطبقات الحاكمة في الغرب عن خدمات الديمقراطية الجليلة؟ ألم يعصف هتلر وموسوليني وفرانكو وغيرهم بالديمقراطية؟ ألم تمول الطبقات الرأسمالية في ألمانيا وإيطاليا الحركات الفاشية لتكسير عظام الطبقة العاملة ولإخراس صوت الحرية – أي حرية – سواء كانت برجوازية أو عمالية؟

فإذا أتى بعضهم اليوم ليقنعنا أن مأزق ديمقراطيتنا يكمن في لا رأسماليتنا أو في تشوه رأسماليتنا علينا أن نذكر أن الديمقراطية والرأسمالية ليسا صنوين وإنما هم أخوة أعداء يلتقون كلما اقتضت الضرورات العملية الملحة الرأسمالية أن تتنازل وتتعطف وتمن على الجماهير ببعض الحقوق الهامشية. ولذلك فعلى الجماهير أن تستعد لتجاوز الرأسمالية وديمقراطيتها إذا ما سنحت الفرصة لذلك.

على أن الشيء الغريب، والخطير أيضًا، الذي يجب أن ننتبه إليه انتباها شديدًا في هذا المقام هو هذا التغليط وخلط الأوراق الذي سعى كل من اليمين واليسار لإنتاجه وللإبقاء عليه لسنوات طوال، والذي استخدماه للترويج لأفكارهم حول ديمقراطية العالم الثالث. ما نعنيه هنا هو هذا الاعتقاد الفاسد الذي يرى أن دول الكتلة الشرقية (سابقًا) كانت دول اشتراكية، وأن عدد لا يستهان به من دول العامل الثالث قد أتبع طريقًا اشتراكيًا، أو على الأقل لا رأسماليا، للنمو. فقد اعتمدت تيارات رئيسية في الفكر البرجوازي على هذا الاعتقاد في سعيها الدءوب لتشويه المثل الاشتراكي في وعي الجماهير. فإذا كانت الاشتراكية تعنى عبادة الفرد، والعداء لأبسط الحريات التي منحتها حتى البرجوازية لمجتمعاتها، ومقاومة كل أشكال الإبداع الخلاق؛ إذا كانت الاشتراكية تعنى هذا كله فلا عجب إذن أن تنصرف عنها الجماهير، حتى ولو اقترنت بمعدلات عالية للتنمية. وقد استخدمت البرجوازية كل أسلحة الدعاية الإيديولوجية لإيهام الجماهير أن “الاشتراكية المتحققة بالفعل”، كما أسماها نفر من اليمين واليسار، وهي الاشتراكية الوحيدة الممكنة، وأن اقترانها بكل تلك الفظائع اللا ديمقراطية ليس صدفة وإنما من طبيعة الأمور. أما اليسار الستاليني بألوانه المختلفة، فقد ظل لسنوات عديدة يشدو بأنشودة “المعجزة السوفيتية” ومثيلاتها في العالمين الثاني والثالث وكيف أنها تبين إعجاز الاشتراكية فيما تقدمه للإنسانية من حريات وخبرات، حتى لو كانت مقترنة ببعض الأخطاء البسيطة (يقصدون بالأخطاء البسيطة معسكرات العمل القسرى، والتجميع الإجباري للملكيات الزراعية، وإمتهان حقوق الإنسان… الخ).

والحق أن هذه التجارب ألمسماه اشتراكية لم تمت للاشتراكية بصلة. فأي اشتراكية تلك التي تناصب الجماهير العداء؟ وأي اشتراكية تلك التي تحطم ظهر الطبقة العاملة وتنكل بقياداتها؟ وأي اشتراكية تلك التي تبنيها بيروقراطيات معزولة ترتعد فزعًا كلما سمعت عن ثورة عمالية في مكان ما على الأرض؟

الواقع أن كل الدعاية الإيديولوجية عن غياب الديمقراطية في النظم الاشتراكية، أو شبه الاشتراكية، في العالم الثالث بسبب أنها اشتراكية هي محض دعاية زائفة؛ ببساطة لأن هذه الدول لم تكن أبدًا اشتراكية وإنما كانت رأسمالية دولة حلت فيها بيروقراطية الدولة محل الرأسمالي الفرد في اعتصار فائض القيمة من الطبقة العاملة. والواقع أن كل التهليل للديمقراطية الشعبية المقترنة بالطريق الخاص للنمو – شبه الاشتراكي أو اللا رأسمالي كما يسمونه – هو محض تلفيق وافتراء. فلم يكن هناك أي أثر لآي نوع من الديمقراطية الاشتراكية – ناهيك عن الديمقراطية البرجوازية – في هذه الدول، لقد كان هناك قمع وتنكيل وتسلط وديكتاتورية.

لقد سحق سقوط الاتحاد السوفيتي وأنظمة الحكم في أوربا الشرقية أسطورة أن هذه النظم جنات للإنسانية. وفضح أكاذيب اليسار الستاليني عن الأحوال الاقتصادية والسياسية في داخلها. بيد أن هذا السقوط المدوي أدي أيضًا إلى انهيار السند المادي، المعنوي للغالبية العظمى من قوى اليسار في العالم وسمح لليمين باقتطاف ثمرة تخلص الإنسانية من إمبراطوريات القمع في شرق أوروبا. فعلى خلفية تهاوي دول شرق أوروبا وقوى اليسار الستاليني في العالم تعالى مد الدعاية اليمينية مدافعة عن الديمقراطية الغربية بوصفها هي البديل الإنساني الوحيد للوجه القبيح للشيوعية التي سقطت. وقد أثبتت السهولة التي استثمر بها اليمين سقوط الاتحاد السوفيتي مدى عمق الجريمة التي ارتكبتها الستالينية بحق الإنسانية حين غررت أحزابها بالعديد من الثوريين وبملايين من الجماهير في العالم الثالث مقنعة إياهم أن الأمل هو التجربة السوفيتية، وأن دولهم تقترب من الحلم الاشتراكي بمقدار تطبيقها للنموذج السوفيتي.

والواقع أن على اليسار الثوري أن يواجه مد الدعاية اليمينية التي استفادت كثيرًا من مناخ ما بعد هزيمة الكتلة السوفيتية في الحرب الباردة، والتي روجت لمشروع الديمقراطية الليبرالية على الطريقة الغربية بوصفه المشروع الوحيد الواقعي لخروج شعوب العالم الثالث من نفق الظلم والاستبداد والفقر. وأول الخطوات التي ينبغي أن نخطوها في هذا السياق هي محاولة تفسير أسباب غياب الديمقراطية في أنظمة الحكم في معظم الدول المتخلفة طوال العقود السابقة تفسيرًا يفضح زيف تفسيرات اليسار التقليدي واليمين بكافة فصائله. على هذا التفسيرات أن يركز على حقيقة أن غياب الديمقراطية في هذه الدول لم يتسبب عن كونها “دولاً اشتراكية” تعادي بطبعها الديمقراطية كما يرى اليمين. أو “دولاً اشتراكية – أو شبه اشتراكية – تجاوزت الديمقراطية البرجوازية إلى الديمقراطية الشعبية كما يرى معظم اليساريين، وإنما عن كونها دولاً رأسمالية أنجزت ثوراتها البرجوازية في ظل ظروف عالمية وإقليمية ومحلية حتمت ألا تكون الديمقراطية السياسية أحد الثمرات الرئيسية لتلك الثورات.

الثورات البرجوازية والديمقراطية
غالبًا ما ارتبطت أي نظريات عن الثورة البرجوازية – ونعني بها تلك النظريات التي تدرس طبيعة وأهداف وحدود الثورات التي تمهد وتؤسس للسيطرة السياسية أو الاقتصادية والجزئية أو الكلية، للطبقة الرأسمالية – في جوانب مهمة منها بتحليل تجربة الثورة الفرنسية العظمى (1789) التي اعتبرت لدى الكثير من المؤرخين والمنظرين، حتى من غير الماركسيين النموذج الأصفى والأكثر نقاء للثورات البرجوازية. وفي هذا السياق فإن تطبيق الثورة الفرنسية لقيم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان في شكل الجمهورية الديمقراطية قد أعتبر دائمًا – وعلى الرغم من تجاوزات الإرهاب الثوري على يد اليعاقبة – مثلاً على النتائج التي من الضروري أن تسفر عنها أي ثورة برجوازية، أيا ما كان شكلها وتاريخ حدوثها. وعلى هذا الأساس فقد فهم كثير من الماركسيين مقولة ماركس بأن “الجمهورية البرلمانية – أي الديمقراطية التمثيلية الحديثة – هي الشكل الأمثل لحكم الطبقة البرجوازية كلها” على أنها حقيقة مطلقة؛ فلا يمكن للطبقة البرجوازية أن تحكم إلا في ظل ديمقراطية تمثيلية الحديثة.

و الواقع أن هذه المقولة لا تعدو أن تكون، في أحسن الأحوال، جزءًا فقط من الحقيقة. ذلك أن إلقاء نظرة مسحية على تاريخ العالم في القرنين الماضيين، وهما القرنين اللذين انصرما منذ ثورة 1789 الفرنسية العظمى، ستؤكد أن هناك حالات كثيرة تخلت فيها البرجوازية، طواعية أو كرها، عن الديمقراطية حفاظًا على وجود المجتمع البرجوازي – حدث هذا في فرنسا في منتصف القرن الماضي على يد لويس بونابرت، وفي إيطاليا على يد موسوليني في عشرينات القرن الحالي، وفي ألمانيا على يد هتلر في ثلاثيناته. ليس هذا فقط، بل أن هناك ثورات برجوازية حدثت، ونتج عنها تكوين بعض من أهم وأقوى الدول الرأسمالية في العالم، لم تتضمن في نتائجها السياسية تحقيق الديمقراطية البرجوازية المكتملة، حدث هذا في حالتي ألمانيا وإيطاليا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

النتيجة الهامة التي يمكن أن نستخلصها من هذا أن الثورات البرجوازية لا تحدث على نمط واحد، وأن نتائجها السياسية تتفاوت بحسب ظروف تطور القوى والموازيين الطبقية في داخل الدولة المعنية وبحسب تطورات الأوضاع العالمية وقت حدوث الثورة. فأحيانًا ما تقترن تلك الثورات بالديمقراطية والتحرر وحقوق الإنسان، كما في حالة الثورة الفرنسية، وأحيانًا ما لا تقترن بهم، كما في حالات أخرى كثيرة. وأهمية هذه النتيجة بالنسبة لموضوعنا تكمن في أنها تضعنا على الطريق الصحيح فيما يتعلق بتحليل طبيعة التطورات السياسية التي حدثت في دول العالم الثالث والتي أفضت إلى تحررها من الاستعمار وتكوينها لدول قومية مستقلة، وفيما يتعلق بالسبب الذي افتقدت من أجله هذه الديمقراطية السياسية في معظم الأوقات والحالات. ذلك أن جوهر العملية السياسية – الاجتماعية التي أفضت إلى استقلال هذه المجتمعات عن الاستعمار، والتي أطلق عليها عملية التحرر الوطني، إنما كان، في الحقيقة، إنجاز هذه المجتمعات لحلقة من حلقات ثورتها البرجوازية، وهي الثورة التي اتخذت طابعًا وشكلاً مختلفًا عن ذلك الذي اتخذته الثورة نفسها في الدول الرأسمالية الأولى (فرنسا بريطانية وإلى حد ما الولايات المتحدة). ولعل الطابع الخاص الذي اتخذته الثورات البرجوازية في العالم الثالث هو الذي سهل على الكثيرين من اليساريين، ومن البرجوازيين، أن يعتبروا أن هذه الثورات هي ثورات اشتراكية، خاصة وأن قادة هذه الثورات وصفوا أنفسهم بأنهم ماركسيون لينينيون. ولكن الحقيقة هي أن هذه الثورات هي ثورات برجوازية بالرغم حتى مما يعتقده قادتها. السؤال الآن هو عن السبب الذي جعل تلك الثورات تتخذ هذا الطابع، والذي جعل نتائجها السياسية لا تتضمن تحقيق الديمقراطية؟

بدءًا من أواخر القرن التاسع عشر كانت تطورات النظام الرأسمالي العالمي، والتي كان أهمها دخول الرأسمالية في مرحلتها الامبريالية، قد غيرت من الوسط الذي تنمو فيه قوى رأسمالية جديدة. ذلك أن البرجوازيات الناشئة في مرحلة متأخرة من تطور الرأسمالية العالمية لا تتمتع بميزة التطور المتمهل والعضوي التي تمتعت بها من قبلها الدول الرأسمالية الأولى. فهي تنشأ تحت ضغوط الظروف الخارجية التي تضطر الطبقات الحاكمة ألما قبل رأسمالية في الدول المتخلفة، ممثلة في أجهزة الدولة، إلى تحديث الدولة حتى تستطيع أن تحافظ على وجودها في وسط رأسمالي متطور من الناحية التقنية والاقتصادية.

فعلى سبيل المثال: كل جهود الإصلاح الإداري، والعسكري والتقني التي شهدتها الإمبراطورية العثمانية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، والتي شهدها الدولة المصرية في القرن التاسع عشر (خاصة على يد محمد على). كانت نتيجة لاكتشاف الطبقات الحاكمة في الإمبراطورية العثمانية بولاياتها المختلفة أن ميزان القوة العسكري والتقني والاقتصادي بينها وبين الرأسماليات البازغة – إنجلترا، فرنسا، الإمبراطورية النمساوية المجرية – يميل لصالح تلك الأخيرة، وأن هناك ضرورة لتحديث أجهزة الدولة المختلفة – خاصة الجيش – كطريق وحيد لمواجهة هذه القوى المتفوقة.

النتيجة التي يمكن استخلاصها من هذا هي أن التحديث – وهو، في هذه الحالة، أول خطوات التطور الرأسمالي – في الإمبراطورية العثمانية والروسية وكل مناطق العالم الأقل تطورًا كان مدفوعًا بعوامل الضغط الخارجي: وأن الدولة كانت هي المنفذ الرئيسي لعملية تغيير جهازها، وتغيير المجتمع. ولقد طبعت هذه العملية الخاصة الطبقات الاجتماعية الحديثة في هذه المجتمعات بطابعها. فمن ناحية كان تطورها – أي الطبقات – سريعًا، ومن ناحية أخرى كان تكوينها يخضع لظروف التطور المركب واللا متكافئ.

وقد كان ليون تروتسكي، وهو واحد من قادة ثورة أكتوبر 1917 الروسية، أحد أوائل الماركسيين الذين استطاعوا أن يقوموا بتحليل عملية التطور الرأسمالي في ظل الإمبريالية، وباستخلاص النتائج السياسية لهذه العملية. قام تروتسكي بهذا التحليل أولاً فيما يختص بالحالة الروسية (وهو ما أنجزه في كراس نتائج وتوقعات – 1906)، ثم عمم نتائجه على مجمل الدول المتخلفة نسبيًا التي تعاني أوضاعًا مشابهة للأوضاع الروسية (وهذا ما أنجزه في كراس الثورة الدائمة – 1928). ويقوم تحليل تروتسكي لطابع التطور الرأسمالي وطابع الثورة في الدول المتخلفة نسبيًا على عدة ركائز أهمها هو أن البرجوازيات التي تظهر في المشهد العالمي متأخرة عن رفيقاتها، الإنجليزية والفرنسية والبلجيكية.. الخ، تكون غير قادرة على أداء المهام التي قامت بها رفيقاتها اللاتي سبقنها. ومكمن ضعف هذه البرجوازيات هو نشوئها تحت سيطرة الدولة الاستعمارية وفي كنفها، وبالتالي ارتباط مصالحها بمصالح تلك الأخيرة. فقد أدى التطور المركب اللا متكافئ للرأسمالية في هذه الدول إلى أن تكون البرجوازيات ذات وضع اجتماعي سياسي هش رغم قوتها الاقتصادية.

أما الركيزة الثانية لتحليل تروتسكي فيه استنتاجه أن ضعف البرجوازية في هذه الدول سوف يوازيه قوة لا تضاهي للبروليتاريا. إذ أنها بسبب التطور المركب واللا متكافئ أيضًا، سوف تكتسب قوة سياسية واقتصادية تزيد عن قوة مثيلاتها في الدول المتقدمة اقتصاديًا. بل أن التركيز الجغرافي للطبقة العاملة إضافة لنضاليتها، سوف يزيدان من ضعف ورجعية البرجوازية التي ما أن ترى القوة السياسية للبروليتاريا حتى ترتمي في أحضان القوى الاقطاعية أو شبه الإقطاعية بحثًا عن حماية من عدوها اللدود الطبقة العاملة.

وهكذا وصل تروتسكي لنتيجة مفادها أن الثورة المقبلة في الدول المتخلفة ستكون ذات طابع اشتراكي، بالضبط بسبب أن الطبقة الوحيدة المؤهلة لقيادة القوى الثورية في هذه الدول هي البروليتاريا، لا البرجوازية التي أضحت طبقة غير ثورية بشكل لا رجعة فيه بعد تطور الرأسمالية إلى مرحلتها الإمبريالية.

والحق أن استنتاج تروتسكي هذا كان خاطئًا، لم يخطئ تروتسكي في منهجه. فالبرجوازيات التي نشأت في المستعمرات كانت بالفعل ضعيفة وجبانة ومفتتة. والطبقات العاملة في تلك الدول كانت تنمو بسرعة كبيرة وكانت معدلات تمركزها الجغرافي عالية. خطأ تروتسكي يكمن في عدم تقديره لإمكانيات تطور الصراع الطبقي في العالم الثالث. لقد تخيل تروتسكي أن ضعف البرجوازية الاجتماعي والسياسي وقوة البروليتاريا الاجتماعية يؤديان بالضرورة إلى جعل البروليتاريا مؤهلة لقيادة المضطهدين والعصف بالرأسمالية. الواقع أن هذا التوقع كان خاطئًا فلم يكن حتميًا أن تكون البروليتاريا مؤهلة لقيادة المضطهدين. كان هذا ممكنًا ولكنه لم يكن حتميًا. فلم يشهد العالم أيه ثورات بروليتاريا بعد ثورة 1917 في روسيا، ولم تستولي الطبقة العاملة على السلطة في أي من دول العالم الثالث تنبأ تروتسكي بأنها ستصبح ديمقراطيات عمالية. الذي حدث، على العكس من هذا للأسف، كان ثورات برجوازية فتحت الطريق على مصراعيه لتطور رأسمالي في العديد من هذه الدول. فما الذي انحرف بمسار الثورة البروليتارية وحولها إلى ثورة برجوازية؟ وما الذي جعل تلك الأخيرة تأخذ الطابع الذي اتخذته؟

لقد كان تروتسكي محقًا عندما وضع يده على حقيقة أن البرجوازية الناشئة متأخرًا تكون ضعيفة ورجعية. والحق أن ماركس نفسه أن قد وصل إلى نفس هذا الاستنتاج – عبر نفس التحليل – في حالة البرجوازية الألمانية في ثورة 1848 التي قال بشأنها: “لقد تطورت البرجوازية الألمانية تطورًا شديد البطء والتخاذل والتكاسل إلى درجة أنه عندما أتت اللحظة التي أزعجت فيها بمواجهة الإقطاع والحكم المطلق، وجدت نفسها منزعجة بمواجهة البروليتاريا وكل القطاعات من الطبقة الوسطى التي ترتبط مصالحها وأفكارها بمصالح وأفكار البروليتاريا”. ولكن الأمر الذي لم يتوصل إليه تروتسكي، والذي لم يكن ماركس معنيًا بتحليله، هو تأثير ضعف البرجوازية على الطبقة العاملة. فهل فعلاً من الضروري أن يتواكب ضعف البرجوازية مع قوة سياسية للطبقة العاملة؟ وهل من الضروري أن تكون القوة العددية الطبقة العاملة منعكسة في دورها السياسي؟ وماذا يحدث عندما تضعضع القوة السياسية للطبقة العاملة المؤهلة موضوعها لقيادة الثورة، أو عندما تتذيل الطبقة العاملة – بسبب خيانة قادتها – المشروع السياسي للبرجوازية؟ الذي يحدث هو أن تعود الثورة البرجوازية ممكنة – ولكنها تكون ثورة برجوازية ذات طابع خاص: مترددة، ناقصة… ومن أعلى.

هذا بالضبط ما حدث في الحالة التي نحن بصددها: حالة الدول المتخلفة نسبيًا في أعقاب الحرب العالمية الثانية (1939 – 1949). فقد أدت هزيمة الموجة الثورية في العشرينات، والتي نتج عنها ظهور الفاشية ثم الحرب العالمية الثانية، إلى تغييرات كبيرة في المناخ السياسي العالمي وفي نمط التراكم الرأسمالي. وقد كان من أهم التغييرات: انتهاء الأزمة الرأسمالية وبداية عهد أطول انتعاش شهدته الرأسمالية العالمية، حيث أنه استمر حتى منتصف السبعينات؛ سقوط الامبرياليات القديمة وظهور امبريالية جديدة – الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة؛ تضعضع وتصفية كل الأحزاب الثورية الكبرى، تراجع الحركة العمالية الثورية على الصعيد العالمي. أدت هذه التغييرات إلى إضعاف قبضة الامبرياليات القديمة (إنجلترا وفرنسا أساسًا) على المستعمرات، وإلى انتعاش حركات التحرر الوطني معبرة عن طموح أجنحة واسعة من برجوازيات المستعمرات، ومن طبقاتها الوسطي ومثقفيها، في الحصول على الاستقلال السياسي في ظل أوضاع مواتية بسبب ضعف الامبريالية وبسبب الانتعاش الاقتصادي البادئ في الحدوث والذي يجعل التطور الرأسمالي في الدول المتخلفة نسبيًا أكثر إمكانية وسهولة.

وعلى الجانب الأخر كانت الطبقات العاملة في معظم دول العالم الثالث مستوعبة في مشاريع البرجوازية والبرجوازية الصغيرة. لقد أدت هزيمة الحركة الثورية العالمية والانقطاع النسبي الذي تلاها في التراث الثوري، وظهور الأحزاب الشيوعية الموالية لخط موسكو في العالم الثالث، إضافة إلى الانقسام السياسي في الطبقة العاملة في العديد من تلك الدول بين عمال مدن وعمال الريف؛ أدى هذا كله إلى تذيل الطبقة العاملة لمشاريع البرجوازية وهو الأمر الذي عبر عن نفسه في شكل غياب مزمن للحزب العمالي الثوري ولمشروع الثورة العمالية.

في ظل هذه الظروف عادت الثورات البرجوازية – متخذة شكل حركات تحرر وطني متفاوتة في درجة راديكاليتها – لتصبح على جدول الأعمال. وقد رأينا في معظم تلك الحركات كيف أن انقسام التحالف الوطني الشعبي (تحالف كل الطبقات المعادية للإمبريالية) ينجم عن تخاذل البرجوازية. في مواجهة الإمبريالية وعدم قدرتها على إنجاز مهام ثورتها بنفسها، وكيف أن هذا الانقسام يغير من طبيعة الثورة البرجوازية. فبدلاً من أن تعبئ البرجوازية وتحشد كل الطبقات المضطهدة في حلف واحد تحت قيادتها للعصف بكل العالم القديم ورموزه وأشكال سيطرته (كما حدث في فرنسا 1789 على سبيل المثال)، تضطر إلى التباطؤ والتخاذل والميل إلى القوى الرجعية عندما أن يفزعها زخم الحركة من أسفل وفي طليعتها حركة الطبقة العاملة (مهما كانت محدودية أفقها السياسي). وفي كل مرة تسعى البرجوازية لقيادة الحركة الجماهيرية تفاجئ بأن الحدود السياسية التي تضعها يتم تجاوزها باتجاه مطالب اجتماعية تهدد وجودها ذاته. إن هذا المسار هو بالضبط الذي يرمي بالبرجوازية – ممثلة في أحزابها السياسية – في أحضان معسكر أعداء الثورة، وهو الذي يفسح المجال لقوى أخرى، برجوازية صغيرة مدينية ومثقفين، لقيادة التحالف الثوري: أي لإنجاز المهام التي كان ينبغي أن تنجزها البرجوازية.

بيد أنه من المهم هنا أن نؤكد على حقيقة أن استلام قوى أخرى لقيادة الثورة لا يغير من طابعها البرجوازية. فطالما أن الطبقة العاملة لم تصبح بعد هي قائدة الثورة، فإن الثورة تظل بالضرورة برجوازية. إن الذي يختلف هنا في الواقع ليس طبيعة الثورة وإنما أسلوبها وحدودها. فالثورات البرجوازية التي تقودها فئات من البرجوازية الصغيرة، كما في حالات حركات التحرر الوطني، تحقق الأهداف البرجوازية ولكن بطرائق البرجوازية الصغيرة. فهي كما أشرنا من قبل ثورات من أعلى تعتمد على استيلاء حفنة من الثوريين على جهاز الدولة القديم واستخدامه في إزاحة العقبات أمام التطور الرأسمالي. إن البرجوازية الصغيرة، المترددة والمتخاذلة والمنقسمة على ذاتها والتي لا تمتلك برنامجًا سياسيًا واجتماعيًا غالبًا ما لا تعتمد على الجماهير في الوصول إلى السلطة، ولذا فهي لا تنشغل أبدًا ببناء تحالف طبقي جماهيري جماهيري، أو بتعبئة وحشد القوى الطبقية المختلفة، بل إنها كثيرًا ما تكون أكثر عنفًا في مواجهة الجماهير منها في مواجهة الطبقات المتحالفة مع الإمبريالية.

من هذا المنطلق يمكننا تفسير غياب الديمقراطية كمطلب جوهري، عن الثورات البرجوازية للعالم الثالث. فاعتماد تلك الثورات على أقليات منظمة وعدم ارتباطها بالجماهير إلا بعد الاستيلاء على السلطة جعل من الديمقراطية السياسية مطلبًا غير ضروريًا. فالديمقراطية تتبلور كمطلب رئيسي للتحالف الثوري عندما تكون البرجوازية – كقائدة للثورة – في حاجة لتكوين تحالف سياسي مع كل الطبقات المضطهدة لمواجهة القوى ألما قبل الرأسمالية، أي عندما تكون الحرية السياسية كمطلب ضرورية لزعزعة القوى القديمة. أما حينما تكون البرجوازية الصغيرة – قادة الثورة. مستعدة وراغبة في أن تصل السلطة بدون الجماهير وعن طريق انقلابي (يسهل من نجاحه الضعف الشديد القوى القديمة – الإقطاع وكبار الملاك – الذي يسببه تضعضع قوة الامبريالية)، فأن الديمقراطية تصبح خطرًا عليها خاصة وأنها تعني إعطاء البرجوازية المتخاذلة فرصة أن تحصد الثمرة السياسية للثورة: فالديمقراطية هنا تعني الإبقاء على الأحزاب السياسية للبرجوازية.

إن كل معضلة الثورات البرجوازية التي تحدث تحت قيادة قوى اجتماعية أخرى غير البرجوازية تكمن في أن قادة الثورة يسعون لإقصاء البرجوازية الكبيرة سياسيًا في نفس الوقت الذي يزيحون فيه، ثورتهم، العقبات التي تقف أمام التراكم الاقتصادي لهذه الطبقة ذاتها. ويؤدي هذا التناقض بين الأهداف المعلنة للثورة وبين عواقبها الموضوعية في كثير من الأحيان إلى اكتساب الثورة طابع ملتبس. فهي تفتقر إلى جوانب رئيسية كانت موجودة كلاسكية كالمطلب الديمقراطي، وهي أيضًا تتذبذب بين أقصى اليمين وأقصى اليسار في برنامجها، الذي تكتشفه شيئًا فشيء بعد استيلائها على السلطة. وقد أعطت لنا تجارب الخمسينات والستينات العديد من الأمثلة التي تبرهن على هذا. فعلى سبيل المثال ظل كاسترو حتى 1959 مرحبًا بالاستثمارات الخاصة المحلية والعالمية (2)، بينما ظل عبد الناصر حتى 1956 على الأقل يدافع عن دور رأس المال الخاص في العملية الإنتاجية.

على أننا ينبغي أن نلاحظ أن السبب الرئيسي الذي حسم التردد الذي وقعت فيه قيادات الثورات البرجوازية في العالم الثالث بين رأس المال الخاص ورأسمالية بالدولة لصالح التأميم وإقصاء الرأسماليين الأفراد عن عملية الإنتاج الرأسمالي، لم يكن تطورهم الفكري كما أدعى بعضهم، وإنما كان الضرورات التي وجدوا أنفسهم فيها. فمن ناحية أولى لم تتحمل البرجوازية إقصاءها عن العملية السياسية وبالتالي فقد تباطأ أدائها الاقتصادي، ومن ناحية أخرى كان نموذج رأسمالية الدولة يثبت المرة تلو المرة كفاءته الاقتصادية في حل معضلات التنمية الرأسمالية في الدول المتخلفة نسبيًا. (3)

وقد أدى التطور ناحية رأسمالية الدولة في العديد من دول العالم الثالث إلى تدعيم الاتجاه نحو العصف بالديمقراطية. حيث أنه، من ناحية أولى أعطى، أمام البرجوازية وإعطائها بعض من الحرية السياسية؟ لا يوجد أي سبب لذلك حيث أن الدولة أضحت الآن تقوم بدور الرأسماليين الأفراد وبشكل أكثر كفاءة. ومن ناحية ثانية، فإن معدلات النمو العالية التي حققتها تلك الدول في الخمسينات والستينات – اعتمادًا على طبيعة مرحلة التطور الرأسمالي العالمي – قد دعمت من موقفها إزاء الجماهير، خاصة الطبقة العاملة، الأمر الذي أعطى للطبقات الحاكمة فرصة أوسع للحفاظ على التحالف الكوربوراتي القائم آنذاك، والذي استبدل الحرية السياسية ببعض الإصلاحات الاقتصادية المحدودة في أوضاع الطبقات العاملة.

وعلى ذلك دعم النجاح الاقتصادي لرأسمالية الدولة الطبقات الحاكمة في دول العالم الثالث، وسمح لها بالحفاظ على شكل حكمها الديكتاتوري. على أن التطورات التي ظلت تعمل بتؤدة في النظام الاقتصادي على مدى سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت في إحداث نتائجها بدءًا من أواخر الستينات. وقد دفعت هذه التطورات بالعديد من النظم الشعبوية في العالم الثالث إلى حافة الهاوية.. فمن الأزمة الاقتصادية البسيطة إلى الأزمة الخانقة إلى الوقوف عند حافة الإفلاس ومن الأزمة السياسية المحدودة إلى الأزمة الحادة في صفوف الطبقة الحاكمة، إلى شكل من الثورات السياسية المحدودة. أصبحنا نرى أن الأوضاع التي سادت في العالم الثالث بدأت في التغير وقد أخذ هذا التغير منعطفًا حادًا بدءًا من الثمانينات. فما هو الطابع العام لهذه التغييرات وما هو تأثيرات على عودة الدعاوي الديمقراطية اليمينية في هذه المجموعة من الدول؟

2- لماذا عادت الديمقراطية إلى العالم الثالث، وكيف أن بينها وبين الفاشية شعرة؟
منذ خمسة أو ستة أعوام على الأكثر، كانت تستبد بالجماهير وفي كل أركان العالم حالة من النشوة الزائدة بانتصار الديمقراطية في شرق أوربا. وقد كانت نشوة 1989 تلك، حينما شهد العالم كله عبر شاشات التليفزيون تحطيم سور برلين رمز الحرب الباردة وعنوان سيطرة الديكتاتورية الستالينية على شرق أوربا، تعد بمثابة نقطة الذروة في “مسار تصاعدي” بدأ العالم يشهده منذ منتصف الثمانينات، أو حتى قبلها بقليل. إلا أن “خريف الديمقراطية” سرعان ما أغلب لحظة الثورة تلك. ولا نعني بهذا فقط أن مرحلة من التراجع عن الديمقراطية والعصف بأركانها الرئيسية قد بدأت سريعًا في أعقاب عام ربيع الديمقراطية ولنتذكر نيجيريا والجزائر، وإنما نعني أيضًا أن الجماهير في العديد من دول العالم فقطت حماسها للديمقراطية ورموزها في غضون أعوام قليلة حتى أنه يمكننا أن نصف هذا التحول في مزاج الجماهير بأنه واحد من أسرع التحولات في الوعي السياسي للجماهير في القرن العشرين.

ولكن قبل أن نوجه أنظارنا إلى هذا التراجع الديمقراطي الراهن علينا أولاً أن نقوم بفهم طبيعة وأسباب المد الديمقراطي الذي سبقه والذي كان عنوانًا لحقبة امتدت منذ منتصف الثمانينات وحتى أوائل التسعينات. والنقطة الأولى التي ينبغي التأكيد عليها في هذا الصدد هي أن الاتجاه إلى الديمقراطية الذي شهده العقد الأخير كان، في التحليل الأخير، انعكاسًا للتحولات الاقتصادية التي شهدها العالم بدءًا من سنوات أواخر الستينات وأوائل السبعينات، والتي وضعت الطبقات الحاكمة في كل أنحاء العالم في مآزق اقتصادية وسياسية خطيرة كان بإمكانها العصف حتى بوجود عدد من هذه الطبقات. الشيء الأكيد في هذا السياق أن الدرس الرئيسي الذي خرجت به رأسماليات العالم في شرقه وغربه من تجربة أزمة 1974 – 1975 الاقتصادية العالمية هو أن نموذج رأسمالية الدولة، وهو النموذج الذي تقوم فيه الدولة بدور الرأسمالي الأكبر.. أو الوحيد، الذي كان سائدًا في العالم في الخمسينات والستينات قد فقد مبررات وجوده وتحول من دافع للتراكم الرأسمالي إلى عقبة كؤود في وجه تعظيم معدلات الربح والإنتاجية. ولذلك فقد شهد العالم، على خلفية أزمة 1974، صعود لتيارات الفكر الاقتصادي الليبرالية الجديدة التي كانت، ولا زالت، تنظر لتغيير إستراتيجية الرأسمالية الحاكمة في العالم من تبني نموذج رأسمالية الدولة إلى تبني اقتصاديات السوق الحر وتفكيك العلاقة بين الدولة ورأس المال (الخصخصة) ورفع معدلات الإنتاجية (أي معدلات الاستغلال).. الخ. وكما نعلم جميعا فقد تجسدت تلك السياسيات على امتداد سنوات السبعينات والثمانيات في شكل الريجانية والتاتشرية في الدول الرأسمالية المتقدمة، وفي شكل الساداتية وغيرها في الدول المتخلفة.

على أن التغير في الإستراتيجية الاقتصادية للطبقات الحاكمة في معظم دول العالم في العقدين الماضيين لم يكن اختيار حر أو قرار عقلاني لهذه الطبقات؛ لقد كان – كما ذكرنا – نتاجًا لأزمات اقتصادية، ومن ثم سياسية، خانقة وجدت هذه الطبقات نفسها فيها عندما تراجعت بشكل حاد معدلات النمو والتراكم في اقتصاديتها وبدأت مستويات البطالة والتضخم في الارتفاع إلى حدود مذهلة، لقد كان، باختصار، نتاجًا لاقتناع أجنحة من هذه الطبقات بضرورة التخلص من كل أشكال رأسمالية الدولة حتى يتسنى حل الأزمة الاقتصادية المتفاقمة.

ومثله في ذلك مثل أي تغير إستراتيجي في مسارات الرأسمالية، لا يمكننا فهم التحول في سياسيات الطبقات الحاكمة في العالم الثالث في السبعينات إلا على أرضية الصراعات الطبقية القائمة إبان مرحلة الانتقال. لقد وضعت الضرورات الموضوعية تلك الطبقات في مأزق حاد. فمن ناحية أولى أحد أهم الدوافع في اتجاه التغير هو السخط الشعبي الناجم عن تراجع معدلات النمو وتدهور مستويات المعيشة، ومن ناحية ثانية، وهذا لب التناقض، تضمنت الإستراتيجية الجديدة نفسها رفع معدلات استغلال الطبقات المحكومة، وفي قلبها الطبقة العاملة، والإتيان على حقوق ومكتسبات كانت قد حصلت عليها في ظل انتعاش ما بعد الحرب العالمية الثانية (1945 – 1974) الذي شهدته الرأسمالية العالمية بكافة تكتلاتها. وإزاء هذا التناقض الذي وجدت الطبقات الحاكمة نفسها فيه لم يكن أمامها إلا أمر من اثنين: إما أن تكون قادرة على سحق مقاومة الطبقات المستغلة بكل ما تملكه من شراسة وقوة حتى تستطيع تمرير السياسات الجديدة، أو أن تسعى لتمرير تلك السياسات بوسائل “أكثر ديمقراطية” تتضمن إعطاء شرعية لعناصر رئيسية من المعارضة السياسية في البلاد بعرض توفير غطاء مقبول ومحترم لدى الجماهير تمر من تحته السياسات المعادية للجماهير نفسها. وقد اختارت الطبقات الحاكمة في معظم أنحاء العالم الاختيار الثاني. والسبب في ذلك:

“إن الانتقال السلس من شكل إلى آخر من أشكال الحكم الرأسمالي لا يعتمد مطلقًا على موقف الطبقة الحاكمة. يوجد فقط ضغط من أجل الانتقال لأن أزمة أشكال الحكم القديمة تخلق تذمرًا شعبيًا كبيرًا. بيد أن الانتقال نفسه يتضمن خلخلة في الميكانيزمات التي أبقت التذمر تحت السيطرة في الماضي – أي الجهاز السياسي والأيديولوجي للطبقة الحاكمة. وكلما ازداد معدل التراكم ومعدلات القمع المطلوبة للحفاظ عليه كلما زادت احتمالات أن تستغل الجماهير هذا التخلخل في اتجاه التعبير عن مراراتها المتراكمة في شكل انفجار عارم للغضب وللفعل يؤديان إلى تحويل كل مخططات الإصلاح لدى الطبقة الحاكمة إلى فوضى. لهذا السبب تأمل الطبقات الحاكمة في اللحظات الحاسمة أن تحصل على دعم قطاعات من المعارضة نفسها التي قامت بقمعها في السابق. ذلك المعارضين فقط هم الذين يملكون الاحترام الشعبي المطلوب للسيطرة على الجماهير وللتأكد من أن الانتقال سلس.”

بيد أنه لا ينبغي مما تقدم أن، نفهم أن التحول الديمقراطي في العالم، وخاصة في العالم الثالث، في السنوات الأخيرة كان محض مؤامرة وخدعة حبكتها الطبقات الحاكمة بإتقان على المحكومين ووقع في حبائلها أولئك المحكومون نتيجة غفلتهم وسلامة طويتهم. إن الواقع أعقد من هذا بكثير. جوهر الأمر أن التذمر الجماهيري الذي دفع في اتجاه التحولات الديمقراطية في العقد الأخير لم يكن في أي مكان في العالم على درجة من العمق أو الاتساع أو الوعي والتبلور السياسيين تسمح بكسر ظهر الطبقة وبإفقادها لقدرتها على الحكم: أي أن أزمة الحكم التي شهدتها دول عديدة في العالم الثالث، والتي أدت إلى انفتاح ديمقراطي بهذا القدر أو ذلك، لم تصل في أي لحظة أو حالة إلى مستوى أزمة ما قبل ثورية أو أزمة ثورية. ورغم ذلك فأن هذه الأزمات كانت في عدد من الحالات على قدر من القوة أدى إلى ظهور جدال حاد وانقسام في صفوف الطبقات الحاكمة حول مسألة الأسلوب الأمثل لمواجهة الأزمة: قمع أكثر أم انفتاح ديمقراطي؟ وإلى حسم هذا الجدال في حالات عدة في اتجاه الديمقراطية خاصة وأن الأجنحة الديمقراطية (!!) في صفوف الطبقة الحاكمة كانت وما زالت تتلقى دعم من الإمبريالية العالمية (طالما أنها قادرة على إدارة التحول، أما إذا لم تستطع فلا مانع لدى تلك الامبريالية من قليل أو كثير من الديكتاتورية على الطريقة القديمة).

وقد تراوحت أساليب ودرجات التطور الديمقراطي من دولة إلى دولة بحسب طبيعة التوازن الطبقي ومستوى التماسك الاقتصادي والسياسي للطبقات الحاكمة والطبيعة والقوة السياسيتين للمعارضة الرئيسية.. الخ. فهناك من اختار طريق الانفتاح خطوة بخطوة كحكام البرازيل من العسكر (سياسة الابيرتورا)، أو السادات ثم مبارك في مصر (سياسة جرعات الديمقراطية) أو حتى جورباتشوف قبل أن تدهمه الأحداث (البيريسترويكا والجلاسنوست)، وتلك هي الطبقات الحاكمة التي اتسمت بقدر من التردد في حسم توجهاتها الإستراتيجية الجديدة في اتجاه الاندماج في السوق العالمي. وهناك من اندفع أكثر على طريق الديمقراطية: الأرجنتين والفلبين، وهنا كان للجماهير دورًا أكثر فعالية ونشاطًا عند منعطف التحول السياسي. وهناك من نضبت حيله الديمقراطية فأسفر عن وجهه الحقيقي كمبارك طبعة التسعينات في مصر أو يلتسين في روسيا الاتحادية، وذلك عندما دعمت الطبقة الحاكمة موقفها السياسي، أو على العكس عندما تطلبت ضرورات التراكم حلولاً فاشية جذرية. وهناك من تم الانقلاب عليه وعلى نظامه الديمقراطي كما حدث في الجزائر منذ ثلاث سنوات ونيجريا (الانقلاب على ابيولا) منذ عامين.

والملاحظ أنه في كل الأحوال، وسواء أكانت هناك نصف أو ربع أو حتى عشر ديمقراطية في الدول المعنية، فأن “ديمقراطية العالم الثالث” طبعة التسعينات هي ديمقراطية تتسم بصفتي الهشاشة والرجعية. فهي، من ناحية أولى، لا تعيش طويلاً، حتى أن علماء السياسة البرجوازيين قد تفتقت أذهانهم عن مفاهيم من مثل أن هناك ما يطلق عليه مرحلة “تدعيم الديمقراطية” وهي المرحلة التي من المفترض أن تتماسك وتستقر فيها المؤسسات والقيم الديمقراطية. وبديهي أن الديمقراطية في العالم الثالث لا تتدعم أبدًا رغم أنوف علماء السياسة البرجوازيين ومصطلحاتهم الرشيقة. ذلك أنها ديمقراطية لتمرير سياسات تعمق من التناقض الطبقي بين المستغلين والمستغلين، أي أنها ديمقراطية تأتي على خلفية أرض خصبة لتجذير الصراع الطبقي وهو الأمر الذي يجعل الجماهير لا تقبل بالديمقراطية السياسية فقط وإنما تطالب بالديمقراطية الاجتماعية أيضًا، ويجعل الطبقات الحاكمة تراوح بين الخطاب الديمقراطي لمراوغة الجماهير وتمرير سياساتها وبين الخطاب الفاشي لقمع المطالب الاجتماعية للجماهير التي تهدد نجاح تلك السياسات. ويزيد من عدم استقرار تمرير الأوضاع حالة الكساد الاقتصادي التي تعاني منها، بدرجة أو بأخرى، الرأسمالية العالمية والتي تقلل من فرص نجاح سياسات الاندماج في الاقتصاد العالمي التي نتبناها الحاكمة على الصعيد العالمي.

أما عن رجعية الديمقراطية الجديدة فيمكننا أن نتحدث بلا توقف. فمن منا يصدق أن حسني مبارك، بوريس يلتسين، الأمين زروال… الخ هم وجوه ديمقراطية؟ هل يعقل أن يكون أولئك الجزارون الذين خدموا الطبقات الحاكمة في بلادهم في كل تقلباتهم من رأسمالية الدولة إلى السوق الحر ومن التحرر الوطني إلى مصافحة العدو القومي (كما كانوا يسمونه)، هل يعقل أن يكون هؤلاء أنصار للديمقراطية؟ الواقع أن الفكرة والمشروع الديمقراطيين اللذان انتعشا وانتصرا في السنوات الأخيرة يختلفان اختلافًا جذريًا عن ديمقراطية الثورات البرجوازية الكلاسيكية في القرون السابقة. فقد خرجا من معطف البرجوازيات الحاكمة كتعبير سياسي عن مشروع رجعي هدفه الرئيسي هو الحفاظ على النظام البرجوازي، عن طريق إحداث إصلاحات سياسية محدودة القيمة والحجم فيه. الديمقراطية البرجوازية اليوم لا تحقق أحلام الجماهير الممكنة والمشروعة. فهي تقف عند حدود (الإصلاح السياسي) المؤقت والهش الذي تطبقه الطبقات الحاكمة لتسكين الجماهير، بيد أن ما تحتاجه الجماهير بالفعل هو تجاوز العالم القديم برمته، هو تحقيق ديمقراطية الأغلبية – الديمقراطية العمالية على أنقاض ديمقراطية الأقلية – الديمقراطية البرجوازية. والحق إن الجماهير اليوم أكثر وعيًا وحدود الديمقراطية البرجوازية عن خمس سنوات مضت حين كانت الليبرالية الجديدة تعلن انتصارها النهائي (؟) على كل الأيديولوجية المنافسة. لقد تحررت الجماهير من “الوهم الديمقراطي” وبقى أن ينتصر في عقولهم الوعي الثوري.

إلى أين يقودنا هذا كله؟
بعد قراءة الصفحات السابقة من هذا المقال، سينتاب العديد من الثوريين – الممتلئين حماسًا ضد أجهزة القمع والاستغلال القائمة – أحساس بأن هناك شيء ما ناقص أو غير مفهوم. فإذا كانت الديمقراطية المعاصرة – هكذا سيفكرون – لا تعد إلا إصلاحات سياسيًا محدود القيمة والأثر تقوم به الطبقات الحاكمة من أجل تمرير مشروعاتها لرفع معدلات استغلال الطبقات العاملة، وإذا كان من المتوقع، كما ثبت من حالات كنيجريا والجزائر أن ينقلب الحكام الرأسماليون على هذه الديمقراطية الهشة في العديد من الدول – إذا كان كل هذا صحيحًا ومتوقعًا، فهل نستنج إذن أن “النضال الديمقراطي” خيانة، وأن الدفاع عن الإصلاح السياسي المحدود يعد تراجعًا عن مشروع الثورة الاشتراكية الذي يتبناه الثوريون؟ هل علينا نحن الثوريون، إذا رأينا مظاهرة تسير في شوارع القاهرة (أو الجزائر أو سيول..) مطالبة بإسقاط الحكم الديكتاتوري وبأحداث إصلاحات سياسية، أن تتجاهلها متظاهرين أن شيئًا لم يحدث؟ ألا يعني هذا أننا نحكم على أنفسنا بالعزلة عن حركة الجماهير؟ ثم، ألا يعد تخلينا عن مطلب الإصلاح القريب والممكن من أجل الثورة البعيدة والصعبة نوعًا من أنواع المثالية الفجة التي تؤدي في تطبيقها العملي إلى توقف الثوريين عن النضال، ومن ثم إلى مساهمتهم، بدون وعي، في الحفاظ على الوضع القائم؟!

بالطبع، الأمر ليس كما يتصوره، ويصوره، أولئك المناضلون المخلصون. فالثوريون لا يتخلون عن الإصلاح من أجل الثورة. المسألة ليست إما إصلاح أو ثورة. الثوريون يدافعون عن الإصلاح من منظور ثوري. النضال من أجل إحداث إصلاحات (رفع معدلات الأجور، إلغاء الأحكام العرفية، إلغاء الرقابة على الصحف، السماح بالتعددية النقابية.. الخ) أيا ما كان حجمها واتساع نطاقها، هو من واجبات المنظمات الثورية في الأوقات التي لا يكون فيها مستوى الصراع الطبقي يسمح بالإطاحة الفورية بالطبقة الحاكمة وبإسقاط النظام الاجتماعي الذي يعبر عن مصالحها. ولكن رغم ذلك (أو بسببه) فإن منظور الثوريين للإصلاح يختلف جوهريًا عن منظور أولئك الذين يرون أن إصلاح الوضع القائم، وليس قلبه ثوريًا، هو الهدف النهائي للنضال. الثوريون يفهمون تمامًا أن الإصلاحات لا تمنح وإنما تنتزع من الطبقات الحاكمة انتزاعا، وأن الوسيلة الوحيدة لانتزاعها هي حركة الجماهير – بالذات الطبقة العاملة – المنظمة والمستقلة. إن نشاط وفاعلية الجماهير – الإضرابات الاعتصامات، المظاهرات – وليس التفاوض مع الحكام أو أصحاب الأعمال، هو وسيلة الإصلاح الوحيدة الجديرة بأن تعد ثورية، وبأن تتبع، لأنها، من ناحية أولى، تدعم مبادرة الجماهير واستقلاليتها ومن ناحية ثانية، تسمح بتحذير وعي طبقي ثوري في صفوف الطبقة العاملة التي تكتسب، عبر نضالاتها، ثقة بنسفها وبحركتها.

سيسارع البعض من اليساريين الانتهازيين، في هذا المقام، إلى التشكيك في الاستنتاجات إلى وصلنا إليها، وإلى تذكيرنا بأن “المبادئ” التي رددناها منذ برهة على لطافتها واتساقها ليست مفيدة في الحالة التي نحن بصددها. فالإصلاحات الديمقراطية التي شهدها العقد الفائت لم تأت على الرغم من الطبقات الحاكمة وإنما يفضل “نضال” أجنحة منها. سيقولون: أولم تذكروا أنتم، في مقالكم هذا، أن أجنحة من الطبقات الحاكمة في العالم الثالث وشرق أوربا تبنت الديمقراطية وحقوق الإنسان كوسيلة لتمرير استراتجياتها الاقتصادية الجديدة؟ ثم يضفون قائلين: “معنى هذا عمليًا هو أن نتخذ من هذه الأجنحة الحاكمة حلفاء لنا في النضال وذلك بهدف تمرير الإصلاحات السياسية التي وافقتهم على أنها مرغوبة. نحن لن ننتزع الإصلاحات – كما تعتقدون – من الطبقات الحاكمة، بل سنناضل من أجلها معهم!! وبالطبع هذا التحالف المقدس، كأي تحالف، سيتطلب منا – من أجل عيون الديمقراطية الحبيبة – أن نضحي ببعض الأشياء الغير جوهرية حتى لا نزعج حلفائنا البرجوازيين: الجماهير التي تفزع حركتها أي رأسمالي “عاقل”، بالاشتراكية التي لا يرى الرأسماليين – ولهم أسبابهم الوجيهة في هذا الشأن – أنها هدفًا نهائيًا ينبغي تحقيقه، وبالثورة التي لا يرى الحلفاء الإغراء – للأسف – أنها وسيلة محترمة للتغيير!! لن تتحقق الإصلاحات بالوسائل الغوغائية غير الشرعية، وإنما بالوسيلة الشرعية الوحيدة: أن نترك الحكام يتفاهمون مع بعضهم البعض حتى يقنع “جناحهم الديمقراطي” “جناحهم غير الديمقراطي” بالديمقراطية. أما إذا احتاج الجناح الديمقراطي إلينا من أجل “قصقصة ريش” الجناح الغير ديمقراطي، فعلينا الاستجابة فورًا – ولكن من دون إثارة أو تهييج للجماهير!

الديمقراطية من أعلى وبالوسائل الشرعية، هل هذا معقول؟ بالطبع لا. ولهذا السبب بالضبط، وجدنا أن اليسار الذي أمن، في العديد من الدول ومن ضمنها مصر، بديمقراطية أجنحة من الطبقة الحاكمة قد انتهى ليصبح كلب حراسة مصالح الطبقة الحاكمة في مجملها بعد أن ضحى بكل عزيز وغالي في سبيل ما آمن به. نحن لا ننكر أن انقسامًا حدث بالفعل في صفوف الطبقات الحاكمة في العالمين الثاني والثالث في العشر سنوات الأخيرة، وأن هذا الانقسام – الذي لم يكن حادًا أو خطيرًا – قد أدى إلى ظهور تيار قوى داخل تلك الطبقات يدافع عن ضرورة تغيير الطرق القديمة للتراكم وللحكم، وأن هذا التيار حاول استخدام حركة الجماهير، أو حركة المعارضين، من أجل تمرير “إصلاحات”. نحن لا ننكر هذا كله، ولكننا نرى أن التكتيك الثوري الصحيح، والمؤدي إلى تجذير المطالب الجماهيرية، لن يكون تذيل الجناح “الديمقراطي” من الطبقة الحاكمة وإنما الانقسام الحادث في صفوفها والسعي لاستخدام ديمقراطييها بدلاً من أن يستخدموننا. إن أولئك الذين ينصحوننا بكبح جماح حركة الجماهير وبعدم تخويف الليبراليين (ديمقراطيو الرأسمالية) وإلا أدي هذا إلى تراجعهم عن ليبراليتهم وإلى ارتمائهم في أحضان الشموليين، يتناسون أن الديمقراطيين، لم يطالبوا بالحرية السياسية إلا بسبب خوفهم من الجماهير ورغبتهم في احتواء حركتهم. فأي فائدة تجنيها الديمقراطية من تلجيم حركة الجماهير إلا أن تتحول إلى سلاح ضد الجماهير ذاتها؟ إن الالتقاء بين المحكومين وبين ديمقراطية الطبقة الحاكمة هو التقاء عارض ووقتي بين برجوازيين يرون أن تمرير مشروعهم لرفع معدلات الاستغلال يتطلب الإطاحة بمعارضيهم، البرجوازيون أيضًا، مع عدم المخاطرة بالاستقرار والنظام، وبين مستغلين يرون أن الإطاحة بالشموليين لابد أن يتضمن تحسينًا لأوضاعهم الاقتصادية.

ولذا فعلى الثوريين أن يسعوا إلى فضح خداع البرجوازية وانتهازيتها في أوساط الجماهير. عليهم أن يسعوا إلى إثبات أن هذه الديمقراطية هي ذريعة لاعتصار المستغلين وأنها، لذلك، لا يمكن أن تستمر أو أن تكون حقيقية، وأن أفضل الوسائل لتعظيم الاستفادة من الانقسام الجزئي الحادث في صفوف الحكام هو الضغط باتجاه اقتناص كل حرية سياسية ممكنة مع عدم التنازل عن أي مكتسب اقتصادي متحقق، بل ينبغي اعتبار أن هذا الانقسام فرصة للهجوم والحصول على مكتسبات اقتصادية جديدة. نحن لن تنزيل المشروع السياسي “للبرجوازيين الديمقراطيين” وفي سبيل ذلك نتوقف عن النضال الاقتصادي حتى لا نزعجهم، والنضال هنا يعني الإضراب، والتظاهر،… الخ، وليس الاستجداء في البرلمانات أو في الغرف المغلقة. علينا، على العكس من ذلك، أن نسعى لأن تبلور الطبقة العاملة مشروعًا مستقلاً، أي أن تطرح مطالبًا تتجاوز الأفق الضيق والانتهازي الذي يحاول (البرجوازيون الديمقراطيون) أن يسجنوها فيه، وأن تسعى لتحقيقها بوسائلها الخاصة وليس بوسائل البرجوازية. باختصار، على الثوريين أن ينظروا إلى الانقسام الحادث أوساط الحكام – مهما كانت درجة ضعفه – ونزوع جناح منهم إلى ديمقراطية شكلية باعتبارها فرصة للطبقة العاملة أن تهاجم وتخترق لنفسها وجودًا ونظمًا، وهذا يتطلب الاستقلال عن البرجوازية بكافة أجنحتها، بل وفضحها والتشهير بها. علينا الشروع في الهجوم وإلا تحولت البوادر الديمقراطية إلى فاشية صريحة!

ــــــــــــ

(1) صاحب فكرة الموجة الثالثة الديمقراطية هو صامويل هانتنجتون أستاذ أصول الحكم بجامعة هارفارد وأحد مفكري الإمبريالية الأمريكية الرئيسيين. هانتجتون يرى أن الديمقراطية لها ثلاث موجات: الأولى بدأت في عشرينات القرن التاسع عشر وامتدت قرابة قرن من الزمان، والثانية بدأت بعد الحرب العالمية الثانية واستمرت حتى أوائل الستينات. أما الثالثة فهي التي نعيشها الآن. ومن يقرأ كتابات هانتجتون حول مسألة الديمقراطية سيكتشف أنه – في الحقيقة – لا يدافع عن الديمقراطية ضد الاستبداد، وإنما يدافع عن الثقافة – و”الإمبريالية” – الغربية ضد الثقافات الاستبدادية (أي الثقافات الشرقية!). والحق أن هذا هو حال كل ديمقراطيي التسعينات: يدافعون عن الديمقراطية من منطلقات رجعية ويحاربون الاستبداد فقط إذا كان يتعارض مع مصالحهم.

(2) في 2 مايو 1959، أعلن كاسترو أمام المجلس الاقتصادي لمنظمة الدول الأمريكية في بيونس أيرس أن “نحن لا نقف ضد الاستثمار الخاص.. نحن نؤمن بفائدة، وخبرة وحماس المستثمر الخاص.. والشركات التي لها استثمارات دولية سيكون لها نفس الضمانات والحقوق كمثيلاتها المحلية.”!!

(3) لم يكن نجاح رأسمالية الدولة – أي قيام الدولة بدور الرأسمالي الأكبر أو الوحيد – في مرحلة الخمسينات والستينات، في حل إشكاليات التنمية في الدول المتخلفة صدفة أو قدر، وإنما كان نتاجًا لتطورات الاقتصاد العالمي آنذاك. فقد خرجت الرأسمالية العالمية من أزمة 1929 عن طريق إعطاء الدولة يد أكبر في السيطرة على الاقتصاد القومي. وفي مرحلة ما بعد الحرب العالمية وقبل أزمة السبعينات (1945 – 1974)، كان دمج الدولة ورأس المال يسمح بزيادة معدلات الربح الرأسمالي في كل اقتصاد قومي على حدة.