بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإمبريالية

حاولت أبواق الدعاية البرجوازية عقب انهيار الاتحاد السوفيتي وانتهاء مرحلة الحرب الباردة أن تصور العالم وكأنه يعيش مرحلة جديدة خالية من الصراعات والنزاعات، وذلك بعد اختفاء ما سُمي بـ”الخطر الشيوعي”. إلا أن ذلك لم يكن حقيقياً. بل الحقيقة كانت على العكس من ذلك تماماً. حيث سرعان ما انفجرت الحروب الطاحنة بكافة أنواعها في مختلف أرجاء العالم، بداية من حرب الخليج الثانية، ومروراً بالبوسنة والهرسك، وكوسوفا، وأخيراً ـ وليس بآخر ـ أفغانستان. واليوم يأتي التهديد بضرب العراق ليؤكد أن العالم قد أصبح بالفعل ساحة للبلطجة، وأن وهم “الشرعية الدولية” ليس أكثر من غطاء قانوني لهمجية الإمبريالية وتوحشها.

إذن فـ”النظام العالمي الجديد” الذي بشّر به بوش الأب في عام 1991 لم يكن سوى نظاماً إمبريالياً يتسم بنفس السمات الجوهرية للمرحلة التي سبقته، ولكن في شكل جديد يتناسب مع المتغيرات السياسية والاقتصادية التي لحقت بالعالم مع نهاية الحرب الباردة. أما “الحرية المطلقة” التي يحارب تحت رايتها بوش الابن اليوم، فهي ليست أكثر من خطوة جديدة على طريق تكريس هيمنة إمبريالية القطب الواحد على مقدّرات كل شعوب العالم.

نقدم في هذا المقال عرضاً مختصراً لرؤية الماركسية الثورية لمسألة الإمبريالية. فما أحوجنا في ظل ظرف كالذي نعيشه أن ننظر في طبيعة الإمبريالية وسماتها. نحتاج اليوم ـ حتى نخوض المعركة ضد الإمبريالية والحرب ـ أن نفهم لماذا تفرز الرأسمالية كل هذا الدمار، وكيف يمكننا مقاومة سادة الرأسمالية الذين يدفعون العالم إلى أتون الحرب لتتراكم أرباحهم وتتحقق مصالحهم الأنانية الضيقة.

ما هي الإمبريالية؟
في مواجهة الكثيرين من المفكرين المثاليين، يصر الماركسيون على أن الإمبريالية ليست مجرد سياسة “عدوانية” لدول ذات نزعة استعمارية يمكن مواجهتها والقضاء عليها دون المساس بالنظام الرأسمالي. الإمبريالية من وجهة نظر الماركسية هي “أعلى مراحل الرأسمالية”. أي أنها ظاهرة من الظواهر الملازمة للمجتمع الرأسمالي عندما يصل إلى مرحلة معينة من تطوره.

ما هي الصلة بين الإمبريالية والرأسمالية؟ حتى نفهم هذه الصلة على وجهها الصحيح علينا أن نخوض بعض الشيء في أمور اقتصادية. إذ تتبلور الطبيعة الإمبريالية للدولة بمقدار ما تتجه الرأسمالية نحو ما يطلق عليه “التركيز والتمركز”، أي زيادة حجم الشركات الرأسمالية وانخفاض عددها إلى حد يسيطر فيه على الاقتصاد القومي عدد صغير من الشركات العملاقة. العلاقة بين هذه الشركات العملاقة وبين جهاز الدولة تكون ـ في ظل التركيز والتركز ـ ذات طبيعة خاصة. فمن ناحية أولى يزيد تأثير هذه الشركات على سياسات الدولة إلى درجة ميلاد تحالفات مباشرة ومؤثرة بين الساسة والرأسماليين. ومن ناحية ثانية تميل الدولة إلى تنسيق أنشطة تلك الشركات وإلى لعب دور جوهري في قراراتها. باختصار يتزايد بشكل نوعي الاندماج بين جهاز الدولة وبين الرأسمالية، وتولد رأسمالية قومية تلعب الدولة دور ممثلها ورأس حربتها في معركة الصراع الدولي على الموارد والأسواق.

مع هذا التطور ـ ومع زيادة قوة الدولة ـ يمكننا أن نفهم كيف ولماذا يتحول الصراع بين الرأسماليين المحليين شيئاً فشيء إلى صراع بين رأسماليات قومية. المنافسة بين رؤوس الأموال في مرحلة الإمبريالية تميل لأن تأخذ شكل الصراعات العسكرية بين دول قومية. وفى التحليل الأخير تعتمد هذه الصراعات بين الدول الإمبريالية على توازن القوى فيما بينها، وهو أمر يعتمد بدوره على القاعدة الصناعية (التي تمثل دعامة القوات المسلحة) لكل منها.

وهكذا فإن الحروب الإمبريالية تنطلق بشكل عضوي من طبيعة الرأسمالية في أعلى مراحلها. الإمبريالية بالمعنى العام للكلمة المتمثل في خضوع الدول الأضعف للدول الأقوى عسكرياً وسياسياً واقتصادياً هي نتاج للتطورات الاقتصادية التي تدفع الدول الرأسمالية الأكبر إلى خوض صراعات ضارية من أجل السيطرة وتحقيق النفوذ على العالم.

ميلاد الإمبريالية
ولدت الظاهرة الإمبريالية في نهايات القرن التاسع عشر. وذلك عندما دخلت الرأسمالية في عدد من المراكز المتقدمة (بريطانيا على سبيل المثال) مرحلة الاحتكار من جراء زيادة درجة تركيز وتمركز رأس المال، وعندما أخذت المؤسسات الصناعية الكبيرة تزيح من أمامها المؤسسات الصغيرة والمتوسطة منهية بذلك عصر رأسمالية المنافسة الحرة. بسبب هذا التطور ـ وأيضاً بسبب تفاقم مشكلة انخفاض معدلات الربح في الدول الرأسمالية الكبرى في نهاية القرن التاسع عشر ـ نشأت الحاجة الموضوعية لتصدير رأس المال كحل لأزمة انخفاض الربحية. ولهذا شهدت الفترة من 1875 وحتى عشية اندلاع الحرب العالمية الأولى سباقاً محموماً ـ ولكنه غير متكافئ ـ بين الدول الرأسمالية الصناعية في مجال تصدير رؤوس الأموال. لم تكن بريطانيا وحدها تستأثر بهذا التصدير، وإنما سرعان ما شاركها في ذلك فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة. وأصبح البحث عن مغانم جديدة في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية حقلاً للتنافس الضاري بين الدول الرأسمالية الصناعية.

ومع دخول القرن العشرين، ظهرت رأسماليات أخرى أصبحت تهدد المكانة المسيطرة والقيادية التي كانت تحتلها بريطانيا في المنظومة الرأسمالية العالمية. ذلك أنه لما كان رأس المال الاحتكاري يسعى دائماً للتوسع، فقد سعت هذه الرأسماليات الصاعدة، بكل ما أتيت من قوة، إلى أن تجد لنفسها مكاناً في السوق العالمي من خلال البحث عن مناطق نفوذ تكفل لها السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأسواق الخارجية وعلى مصادر المواد الخام.

ولهذا فقد تميزت الفترة الممتدة من العقد الثامن من القرن التاسع عشر حتى الحرب العالمية الثانية بالصراع المحموم بين المراكز الرأسمالية الكبرى لاقتسام العالم والسيطرة على ثرواته. وهو ما أسفر ـ كما نعلم جميعاً ـ عن نشوب حربين عالميتين أدتا إلى مقتل عشرات الملايين وتشريد مئات الملايين، هذا عدا الدمار المادي غير المسبوق الذي شهده العالم.

إمبريالية الحرب الباردة
مع نهاية الحرب العالمية الثانية شهد النظام العالمي تحولاً كبيراً. فقد أنهكت الحرب القوى الرأسمالية التقليدية. وقد طال الإنهاك كل من المنتصرين والمنهزمين: بريطانيا، فرنسا ألمانيا، اليابان، إيطاليا. وعلى الجانب الآخر، خرجت الولايات المتحدة الأمريكية من الحرب وهى قوى عظمى ذات اقتصاد قوى مزدهر يسيطر على نسبة كبرى من الإنتاج العالمي. أما الاتحاد السوفيتي، فقد استطاع ـ في ظل سياسات رأسمالية الدولة البيروقراطية ـ أن يخرج من الحرب كثالث أقوى اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة وبريطانيا.

تبلورت بناءً على هذا التوازن الجديد للقوى مرحلة أخرى من مراحل الإمبريالية هي مرحلة الحرب الباردة. حيث انقسم العالم إلى كتلتين أساسيتين بقيادة كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. وعلى مدى ما يزيد على نصف قرن تصارعت الكتلتان من أجل إحكام النفوذ على أوسع منطقة من العالم. لم يكن هناك مجال في ظل الحرب الباردة ـ بسبب الردع النووي ـ للدخول في حروب عالمية واسعة النطاق بين القوى الكبرى كما حدث في النصف الأول من القرن العشرين. ولذلك فقد انتشر ما أُطلق عليه “الحروب بالوكالة”، وهي الحروب التي تندلع بين قوى إقليمية مختلفة كل منها يعكس مصالح أحد الكتلتين المتنافستين عالمياً.

إمبريالية “النظام العالمي الجديد”
بانهيار الاتحاد السوفيتي في بداية التسعينات وظهور الولايات المتحد الأمريكية كقطب وحيد على الساحة الدولية، ولدت مرحلة أخرى جديدة من مراحل الإمبريالية. هذه المرحلة الجديدة تحمل نفس السمات الجوهرية لسابقاتها، ولكن في ثوب جديد نتيجة التغيرات السياسية والاقتصادية التي شهدها العالم خلال الحقبة الأخيرة.

إمبريالية القطب الواحد المسيطرة حالياً تتسم بعدد من السمات الجوهرية. هي أولاً إمبريالية عصر الأزمة. نعني بذلك أن الصراع الإمبريالي اليوم ـ على خلاف الوضع في ظل مرحلة الحرب الباردة ـ يدور على خلفية من أزمة اقتصادية ممتدة تعيشها الرأسمالية العالمية. وهذا ما يزيد من ضراوة التنافس ويعطيه طابعاً محتدماً وغير مستقر.

ثانياً يمكننا أن نلاحظ أن الانعدام الهائل في التوازن العسكري بين الولايات المتحدة وبين مختلف القوى الكبرى عالمياً ـ وهو الأمر الذي خلق ظاهرة القطب الأوحد من الأساس ـ يقابله من ناحية أخرى تآكل طويل المدى في القوة الاقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية مقارنة بمنافسيها الكبار (أوروبا الموحدة، شرق آسيا، الصين). وبما أننا نفهم أن القوة العسكرية تعتمد أساساً على القوة الاقتصادية، يمكننا إذن أن نستنتج أن التوازن الحالي للقوى ليس مستقراً على المدى الطويل. فإما أن تخلق القوى الكبرى عدا الولايات المتحدة لنفسها ذراعاً عسكرياً تدافع من خلاله عن مصالحها، أو أن تنهار الولايات المتحدة تحت وطأة أعبائها العسكرية.

هذا الوضع المتناقض هو أساس الشكل الذي ظهر به التنافس الإمبريالي في العقد الأخير. ولعل أبرز مثال على ذلك هو حرب أفغانستان. فجوهر الصراع الدائر بين الكتل والدول المختلفة كان من أجل إحكام السيطرة على منطقة وسط آسيا بنفطها ومواقعها الاستراتيجية. لم يأخذ هذا الصراع شكل معركة مفتوحة مثلاً بين حلف روسي- صيني، وحلف أمريكي- أوروبي، لكنه على العكس أخذ شكل تحالف انضوت تحت لواءه كل القوى. وتفسير ذلك أنه بالرغم من وجود مصالح متعارضة بين القوى المتحالفة، إلا أنه لم يكن في مقدور أي منهم أن يواجه السيطرة العسكرية الأمريكية. من ناحية أخرى احتاجت الولايات المتحدة، لأسباب اقتصادية وسياسية مختلفة، إلى خلق نوع من التحالف الدولي كغطاء لحربها الهمجية. وهكذا اجتمع المتنافسون تحت لواء تحالف واحد بينما كل منهم له أجندته الخاصة ومصالحه المحددة.

مواجهة الإمبريالية
الاشتراكيون يرون بلا أي لبس أن المعركة ضد الإمبريالية واضطهادها للأمم والشعوب تمثل جزءاً لا يتجزأ من النضال من أجل الاشتراكية. لا يرجع هذا فقط إلى سبب أخلاقي تضامني، ولكن أيضاً إلى حقيقة أن المعارك ضد الإمبريالية تضعف وتهز المراكز الأساسية للتراكم الرأسمالي في العالم، مما يساهم في تحقيق النصر في المعركة الكبرى ضد الاستغلال الرأسمالي.

الرؤية الاشتراكية للنضال ضد الإمبريالية لا تفصل بين النضال ضد الاضطهاد الاستعماري بأشكاله المختلفة وبين النضال ضد الاستغلال الرأسمالي. هذا صحيح لأن التاريخ أثبت أن الطبقة ذات المصلحة الأساسية في مواجهة الهمجية الإمبريالية هي الطبقة العاملة وحلفائها من المضطهَدين والمستغَلين. ولذلك فإن التصفية النهائية لظواهر الاستعمار القديم والحديث ترتبط بانتصار الطبقة العاملة في معركتها الأساسية. أما النضال الطويل من أجل تحقيق هذا الهدف فيتطلب بالضرورة وقوف الاشتراكيين بلا تردد في صف كل حركة للتحرر القومي من أجل تعميقها وإعطائها طابع أكثر جذرية وطبقية.