بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإمبريالية الجديدة

تحتل قضية الإمبريالية أهمية خاصة بالنسبة لكل التيارات الراديكالية، خاصة في الدول المتأخرة اقتصاديا. بل أنها تعتبر، إلى حد كبير، حد فاصل يميز فيما بين هذه التيارات على كافة المستويات بداية من تحليل طبيعة الصراع وصولاً إلى المواقف والممارسات في قضايا الصراع الآنية.

هكذا، نجد موقف اليسار الراديكالي في مصر يطرح الإمبريالية كعدو أول وأنه يجب تعبئة كل القوى الوطنية للتخلص من سيطرتها وتحقيق الاستقلال الوطني اقتصاديًا وسياسيًا. ومن ناحية أخرى، كرد فعل لفشل المشروع الوطني، نجد خطاب الجماعة الإسلامية في مصر يعتمد بقر كبير على الدعاية ضد الغرب، واضطهاد “المسلمين” ويطرح مشروع العودة إلى الإسلام وتوحيد الدول الإسلامية لمقاومة الغرب الإمبريالي وفك الارتباط معه.

ومع ذلك تستطع أي من هذه القوى أن تعبر عن طموحات الجماهير الحقيقية، وبالتالي وقعت في سلسلة من الهزائم والإحباطات التي عزلتها وأدت إلى انهيارها تقريبًا.

وحتى نتمكن من بلورة موقف واضح من هذه القضية ومن تحديد موقع الصواب والخطأ في فكر وممارسة القوى الراديكالية التي تطرح نفسها في المجتمع المصري، علينا أولاً أن نتناول مفهوم الإمبريالية في التراث الأصيل للماركسية وتحديد موقعها في الصراع من أجل الاشتراكية.

النظرية الماركسية في الإمبريالية:
من الممكن تعريف الإمبريالية بمعناها الواسع بأنها سيطرة البلاد الأقوى على البلاد الأصغر عبر التاريخ، أو بمعناها الضيق بأنها السياسة التي اتبعتها القوى العظمى في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر من الإخضاع المنظم لمعظم بقية العالم تحت حكمها. كان التعريف الكلاسيكي للينين للإمبريالية أكثر تحديدًا من معناها الواسع وأكثر عمومية من المعنى الضيق. إن الإمبريالية ليست طابعًا عامًا للمجتمع البشري ولا هي سياسة معينة، ولكنها “مرحلة خاصة في تطور الرأسمالية” وهي فعلاً كما حددها عنوان الكراس الذي كتبه لينين “أعلى مراحل الرأسمالية” حاول لينين تحديد طبيعة هذه المرحلة من التطور الرأسمالي بطرح الملامح التالية للإمبريالية:

  1. تركيز الإنتاج ورأس المال قد تطور إلى تلك المرحلة العالية التي خلقت الاحتكارات التي تلعب دورًا حاسمًا في الحياة الاقتصادية.
  2. اندماج رأس المال البنكي مع رأس المال الصناعي، وتكوين أرستقراطية مالية على أساس رأس المال التمويلي.
  3. تصدير رأس المال كشيء متميز عن تصدير السلع يكتسب أهمية استثنائية.
  4. تكوين المؤسسات الرأسمالية الاحتكارية العالمية التي تقتسم العالم فيما بينها، وأخيرًا
  5. استكمال التقسيم الإقليمي للعالم ككل بين القوى الرأسمالية الكبرى.

وقد تعامل معظم اليسار مع تعريف لينين كدوجما لا يجوز الشك في صحتها وأن محدداتها تستحق التشديد. والواضح تمامًا أنها قائمة بما أطلق عليه لينين “ملامح أساسية” للإمبريالية. ولكن من غير الممكن تحديد الأهمية النسبية لتلك الملامح من هذه القائمة. ويعد ذلك ضعفًا خطيرًا، حيث أنه اتضح أن بعض الخصائص أقل أهمية بكثير من الأخرى. فمثلاً، كان رأس المال الصناعي – أكثر تطورًا بكثير في بعض القوى الإمبريالية عنه في القوي الأخرى، في ألمانيا أكثر منه في بريطانيا. وأكثر من ذلك، ليس فقط أن العلاقة بين نمو الاستثمارات الخارجية والتوسع الاستعماري غير متوازنة بقدر كبير أكثر مما أعتقد لينين، بل أن بعض القوى الإمبريالية، خاصة الولايات المتحدة واليابان، كانت مستوردًا صرفا لرأس المال حتى 1914.

ومع ذلك، فان مفهوم لينين للإمبريالية يحتفظ بأهميته الفائقة. فقد كان يؤكد دائمًا على “القيمة النسبية والمشروطة لكل التعريفات على وجه العموم”. وكذلك لم يكن ينوي طرح دراسة نظرية الإمبريالية في كتيبه “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية” بل ملخص شعبي قائم على مجموعة أبحاث لبعض الاقتصاديين الماركسيين في ذلك الوقت. ولم يكن لدى لينين أي شك في أن الطابع الحاسم للإمبريالية هو “أن الإمبريالية في جوهرها الاقتصادي رأسمالية احتكارية”. وبذلك استطاع لينين أن يحدد موقع الإمبريالية في التاريخ لان الاحتكار الذي ينمو في تربة المنافسة الحرة وبالتحديد كنتاج لهذه المنافسة الحرة، يعنى الانتقال من النظام الرأسمالي إلى نظام اقتصادي اجتماعي أعلى. وهكذا لم تكن العداءات والحروب بين القوى العظمى مجرد هفوة، بل أنها تنشأ عن ديناميكية التطور الرأسمالي، وقبل كل شيء فقد نشأت عن الاتجاه الذي حلله ماركس نحو تركيز ومركزة رأس المال (تركيز رأس المال في وحدات إنتاجية عملاقة، ومركزة رأس المال في أيدي عدد أقل من الشركات). وبالتالي، لا يمكن القضاء على هذه الحروب والعداءات إلا الثورة الاشتراكية.

هكذا نجد في رؤية بوخارين الأكثر تنظيمًا ووضوحًا، أن الإمبريالية تتبع من:

اتجاهات تطور رأس المال التمويلي، فقد أدت العملية التنظيمية، التي تضم فروعًا أكثر فأكثر من الاقتصاد القومي عبر تكوين المؤسسات الضخمة ومن خلال الدور التنظيمي للبنوك، إلى تحويل كل نظام قومي متطور في الرأسمالية إلى رأسمالية دولة احتكارية. ومن ناحية أخرى، تدفع عملية تطور قوى الإنتاج هذه الأنظمة القومية إلى أشد الصراعات عنفًا في صراعها التنافسي من أجل السوق العالمي.

على هذا الأساس، تتميز الإمبريالية بسمتين جوهريتين. الأولى، هي أنها نتاج الاتجاه نحو تركيز ومركزة رأس المال. فتراكم رأس المال من خلال المنافسة يؤدي إلى كل من نمو حجم الوحدات الفردية لرأس المال (الشركات والمصانع… الخ). وبالتالي ابتلاع رؤوس الأموال الكبيرة، خاصة أثناء الأزمات، لرؤوس الأموال الصغيرة. فيتزايد بالتالي “تركيز” القوة الاقتصادية. ويتم احتكار قطاعات، تسيطر عليها حفنة من الشركات الكبرى أو ربما شركة واحدة عملاقة. وأكثر من ذلك، يميل رأس المال الصناعي إلى الاندماج مع البنوك الكبرى لتكوين رأس المال التمويلي. وتكون المرحلة الأخيرة من عملية “التنظيم” هذه هي زيادة اندماج رأس المال الخاص بالدولة القومية، وبكلمات أخرى ظهور رأسمالية الدولة.

ثانيًا، على كل حال ينم هذا التنظيم القومي للرأسمالية في سياق تزايد عملية تدويل قوى الإنتاج. فالاقتصاد العالمي، الذي يعرفه بوخارين بأنه “نمط من علاقات الإنتاج، وبالتالي، علاقات التبادل على مستوى العالم”، يشكل المجال الذي تتنافس فيه “احتكارات رأسمالية الدولة”. فلم تعد المنافسة بين رؤوس الأموال ببساطة منافسة بين شركات خاصة من أجل الأسواق، وإنما تتخذ باستمرار شكل الصراعات العسكرية والإقليمية بين رأسماليات الدول على مستوى عالمي “إن الصراع بين احتكارات رأسمالية الدولة يتحد في المقام الأول من خلال العلاقة بين قواها العسكرية لان القوة العسكرية لبلد ما هي الملاذ الأخير لصراع المجموعات القومية من الرأسماليين” إن الحروب الإمبريالية مثل الحرب العالمية الأولى والثانية هي أحد السمات الجوهرية لاقتصاد مقسم بين رؤوس أموال متصارعة.

لم تكن رؤية بوخارين لنظرية الإمبريالية خالية من مواطن الضعف، فقد قلل من أهمية أحد العناصر الجوهرية وهو المدى الذي يمكن أن يتناقض فيه الاتجاهات اللذان حددهما في الإمبريالية أي الاتجاه نحو رأسمالية الدولة ونحو تدويل رأس المال. وبالتالي تناول بوخارين الاقتصاديات القومية كتكتلات رأسمالية الدولة مكتملة التنظيم والذي يتضاءل معه أي اتجاه نحو الأزمة الاقتصادية بخلاف الحرب. يمكننا أذن تلخيص نظرية الإمبريالية في النقاط التالية:

1) إن الإمبريالية هي مرحلة من التطور الرأسمالي فيها:

  • يميل تركيز ومركزة رأس المال إلى أن يؤدي إلى اندماج رأس المال الاحتكاري مع الدولة.
  • يتجه تدويل قوى الإنتاج إلى إجبار رؤوس الأموال للمنافسة على الأسواق والاستثمارات والمواد الخام على مستوى عالمي.

2) وضمن النتائج الأساسية لهذين الاتجاهين يحدث الآتي:

  • تتخذ المنافسة بين رؤوس الأموال شكل الصراعات العسكرية بين دول قومية.
  • تكون العلاقات بين الدول القومية غير متساوية فالتطور المركب واللامتكافئ للرأسمالية يسمح لعدد من القوى الرأسمالية المتطورة (أي البلاد الإمبريالية) بمقتضي ثرواتها الإنتاجية وقوتها العسكرية أن تسيطر على بقية العالم.
  • يزيد التطور المركب واللامتكافئ في الرأسمالية من حدة المنافسة العسكرية يؤدي إلى الحروب، التي تشمل كل من الحروب فيما بين القوى الإمبريالية نفسها وتلك التي تنشأ عن صراع الأمم المقهورة ضد السيطرة الإمبريالية.

يتضح من هذا العرض المجرد لنظرية الإمبريالية أن الأمر الجوهري الذي يجب التأكيد عليه الآن هو أن الإمبريالية أعلى مرحلة تطورت إليها الرأسمالية، وبالتالي لا يمكن الفصل بين قضية التحرر من الاستغلال والاضطهاد الإمبريالي وبين قضية التحرر من المجتمع الرأسمالي برمته، وبالتالي فإن أي طرح يفصل بين النضال ضد الإمبريالية على أرضية وطنية أو قومية وبين النضال ضد الرأسمالية، يصبح عاجزًا عن تقديم رؤية حقيقية للصراع وإمكانات تحرر البشرية من الحروب والفظائع والاستغلال المرتبطة بالرأسمالية والتي لا يمكن التخلص منها إلا بالقضاء على المجتمع الرأسمالي نفسه وبناء المجمع الاشتراكي.