بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإمبريالية والعالم الثالث

في العدد السابق تناولنا بالتحليل تطور الإمبريالية في العالم، وتطور نظرية الإمبريالية عند الماركسيين الثوريين. وفي هذا العدد سنحول فهم تطور التأثير الإمبريالي على الاقتصاد في البلدان الأقل تقدمًا (العالم الثالث) من منظور اشتراكي ثوري، بما يشمله ذلك من نقد الأفكار الشائعة في أوساط اليسار حول هذه القضية. فالفهم الشائع في أوساط اليسار، خاصة في البلدان الأقل تقدمًا، للدور الذي لعبته وتلعبه الإمبريالية في العالم الثالث هو ذلك الذي قدمته، بصيغ متفاوتة، مدرسة التبعية. ويرى أتباع هذه المدرسة أن الدور التاريخي الذي لعبته الإمبريالية في العالم الثالث هو بشكل رئيسي نهب الموارد والثروات، وتشويه أنماط الإنتاج السابقة على الرأسمالية، وعرقلة التنمية الرأسمالية الحقيقية. وحسب العبارة الشهيرة لأحد منظري التبعية، جوندر فرانك، فإن أثر الإمبريالية في العالم الثالث كان “تنمية التخلف”، أي أن التنمية في العالم الرأسمالي المتقدم والتخلف في العالم الثالث هما وجهان لعملة واحدة.

على هذا الأساس رأت مدرسة التبعية أن التناقض الأساسي في النظام العالمي ليس هو التناقض الطبقي بين البرجوازية والبرولتياريا، وإنما هو التناقض بين مجوعتين مختلفتين من الدول القومية، أي بين الدول المتقدمة الغنية والدول المتخلفة الفقيرة. وصار بالتالي الهدف الذي يتعين على الدول المتخلفة أن تسعى إلى تحقيقه – من وجهة نظر أصحاب مدرسة التبعية – هو “التنمية”. ولما كانت هذه التنمية غير ممكنة في ظل تقسيم يجعل الدول الغنية تحتكر لنفسها الصناعات المتقدمة ولا تسمح بوجودها خارج دائرة نفوذها. لهذا السبب فإن التنمية لا يمكن أن تتحقق في البلدان الفقيرة إلا بالانفصال عن الاقتصاد العالمي. وبالتالي اتفقت مختلف اتجاهات مدرسة التبعية على هذا الهدف: تحقيق التنمية الوطنية من خلال الاعتماد على الذات وكسر خناق التبعية للاقتصاد العالمي. إلا أنها اختلفت فيما إذا كان تحقيق هذا الهدف يقتضي تغييرًا اجتماعيًا وسياسيًا راديكاليا في بلدان العالم الثالث، أم لا؟ رأى البعض؟ مثل الاقتصادي الأرجنتيني راؤول بريبش وأتباعه في أمريكا اللاتينية أن سياسات الإحلال محل الواردات (أي حماية السوق المحلية وتلبية الاحتياجات من خلال التصنيع المحلي) تكفي لتحقيق التنمية. ورأى آخرون ممن يمكن تسميتهم بالوطنيين الثوريين أو الراديكاليين أن الطبقات الحاكمة المحلية في بلدان العالم الثالث تتكون من عملاء طفيليين للإمبريالية الغربية، وأن إسقاط هذه الطبقات بشكل ثوري يُعد شرطًا ضروريًا لتحقيق التنمية المستقلة.

كان لهذه الأفكار تأثيرًا طاغيًا على اليسار في بلدان العالم الثالث. وقد قدمت أساسًا نظريًا للفكرة الستالينية القائلة بأن على الثوريين في هذه البلدان أن يسعوا لتحقيق تحالف إستراتيجي بين الطبقة العاملة والشرائح “التقدمية” من البرجوازية بهدف إنجاز الثورة الوطنية الديمقراطية بمهامها التنموية والديمقراطية.

على النقيض تمامًا من هذه الرؤية. ظهرت في بعض أوساط اليسار خلال العقدين الأخيرين رؤية أخرى مؤداها أن الإمبريالية قد سمحت، بل ساعدت على، تطور مستوى عل من التصنيع في البلدان الأقل تقدمًا. طرح هذه الرؤية مثلاً بيل وورن في كتابة الإمبريالية رائدة الرأسمالية الذي يؤكد فيه على أن الامبريالية لم تكن أعلى مراحل الرأسمالية كما أعتقد لينين، وإنما كانت مرحلة انتقالية دفعت التنمية الرأسمالية قدمًا في العالم الثالث. هكذا يرى وورن، الذي نشر كتابه قبل فترة قصيرة من وفاته في أوائل الثمانينات، (… أننا نحيا في عصر يتسم بتراجع الإمبريالية وتقدم الرأسمالية….). نحن إذن أمام تصورين متناقضين على طول الخط: الأول يرى أن العالم الثالث يعيش في ظل إمبريالية خانقة تحول دون تنميته وتطويره، والثاني يرى أننا في عصر ما بعد الإمبريالية المتسم بتطور رأسمالي شامل في العالم الثالث على نمط الرأسمالية المتقدمة.

والواقع أن كلتا الرؤيتين تتسمان بالنظرة وحيدة الجانب، وبالتالي بعدم صحة التحليل، فيما يتصل بتأثير الإمبريالية في العالم الثالث. لقد أدركت الماركسية دومًا الطابع المتناقض لتأثير الإمبريالية على العالم الثالث، وقدمت فهمًا جدليًا لهذه العملية المعقدة أن الأثر الأولي لنغزو الإمبريالية غالبًا ما يسفر عن نتائج مدمرة بالنسبة للمستعمرات، حيث يتم القضاء عل أساليب إنتاج الثورة القديمة دون أن يحل محلها بديل – تأمل مثلاً تدمير الحضارات القديمة في أمريكا اللاتينية، وتجارة الرقيق في أفريقيا، والنهب البريطاني البشع للهند والبنغال – وأيضًا فأن الاستعمار يسعى في الأغلب إلى الحفاظ على سيطرته عبر التحالف مع الفئات الأكثر طفيلية ورجعية. فيشجع بذلك على ازدهار هذه الفئات وترسيخ مكانتها.

ولكن هذا كله ليس إلا جزءًا من القصة الإمبريالية، أما باقي القصة فمختلف. فمع تدمير المجتمعات القديمة ودمج المستعمرات داخل الاقتصاد الرأسمالي العالمي، يتم وضع الأساس للاستغلال الرأسمالي، وبالتالي للتراكم الرأسمالي. كانت هذه العملية بطيئة ومعقدة (مثل التطور الأصلي للرأسمالية من داخل النظام الإقطاعي في بعض البلدان الأوروبية)، كما أنه كان بوسع حكام المستعمرات أن يعرقلوها متى تناقضت مع نهبهم للموارد أو مع تحالفاتهم مع الطبقات الطفيلية المتميزة. إلا أنه لم يكن بوسعهم أن يوقفوها كليًا. كتب ماركس عن تأثير الاستعمار البريطاني للهند:

كان لبريطانيا مهمة مزدوجة في الهند: واحدة تدميرية، والأخرى إحيائية – إبادة المجتمع الآسيوي القديم. وإرساء الأسس المادية للمجتمع الغربي في الهند.

وأشار إلى أنه على الرغم من أن الهدف من إدخال السكك الحديدية إلى الهند هو توفير المواد الخام لصناعة القطن البريطانيين، إلا أن هذه الخطوة كان من شأنها أن تساهم في تصنيع الهند:

متى أدخلت الآلات في مواصلات بلد يمتلك الحديد والفحم، فإنه لا يكون بإمكانك أن تمنع هذا البلد من التصنيع. فلا بمكن الحفاظ على شبكة سكك حديدية على امتداد بلد شاسع دون إدخال جميع تلك العمليات الصناعية الضرورية لتلبية الاحتياجات الفورية والآنية للسكك الحديدية، ومن خلال هذه العمليات يتطور حتمًا تطبيق الآلية في فروع الصناعة غير المرتبطة مباشرة بالسكك الحديدية. سيصبح نظام السكك الحديدية في الهند الرائد الحقيقي للصناعة الحديثة.

لم يكن معنى ذلك بالنسبة لماركس أن على الهنود ببساطة أن يخضعوا للاستعمار. فهو قد أدرك جيدًا أن الرساميل في بريطانيا ستستخدم تأثيرها السياسي على الدولة الاستعمارية لعرقلة تطور منافسيهم في الهند:

لن يجنى الهنود ثمار العناصر الجديدة التي بذرتها في مجتمع البرجوازية البريطانية إلا عندما تكون الطبقة الحاكمة الحالية في بريطانية العظمى نفسها قد تم استبدالها بالبروليتاريا الصناعية، أو عندما يكون الهنود أنفسهم قد أصبحوا بالقوة الكافية للتخلص بالكامل من نير الاستعمار الإنجليزي.

هكذا فهم ماركس التأثير المعقد والمتناقض للإمبريالية في العالم الثالث. وهو فهم بنى علية ماركسيون عديدون في القرن العشرين كان أهمهم تروتسكي الذي أوضح من خلال نظرية “التطور المركب واللا متكافئ” كيف أن الإمبريالية من ناحية تميل إلى التوسع الاقتصادي وإدماج مختلف البلدان في بنية اقتصادية موحدة والتقريب بين مراحل تطورها، وأنها في الوقت ذاته تحقن هذا الهدف بوسائل فوضوية وعنيفة تؤدي إلى خلق تفاوتات وتناقضات جديدة بين القطاعات الصناعية والمناطق الريفية داخل البلد الواحد من ناحية وبين بلدان الواحد من ناحية وبين بلدان ومناطق4 العالم المختلفة من ناحية أخرى.

حصلت أغلب بلدان العالم الثالث على استقلالها السياسي في أعقاب الحرب العالمية الثانية. كان ذلك في حالات كثيرة نتاجًا لنضالات كبرى من أجل التحرر الوطني، لكنه أيضًا كان تعبيرًا عن الضعف الذي حل على الإمبريالية الأوروبية القديمة وما استتبعه ذلك من تفكيك إمبراطورياتها الاستعمارية. وبالطبع لم يؤد الحصول على الاستقلال السياسي إلى نهاية الإمبريالية، وإن كان قد أدخل بعض التعديلات الهامة على العلاقة بين الإمبريالية والأمم المضطهدة، وسمح بتسريع وتيرة التصنيع في العالم الثالث. لقد ارتبط انتهاء الاستعمار على المستوى السياسي مع التضاؤل النسبي لأهمية العالم الثالث الاقتصادية بالنسبة للبلدان الرأسمالية المتقدمة. فمنذ 1945 كانت النسبة الأعظم من تدفقات التجارة الدولية وتدفقات الاستثمار الدولية تدور ما بين البلدان الرأسمالية المتقدمة ذاتها وليس بينها وبين بلدان العالم الثالث. فلقد كانت الأهمية الأساسية للمستعمرات في ظل الإمبريالية القديمة تتمثل في المواد الخام التي وفرتها للبلدان الصناعية المتقدمة، لكن لأن البلدان المتقدمة أصبحت – خلال فترة الثلاثين سنة 1914، 1945 – تميل نحو بناء رأسماليات دول مغلقة بما تضمن محاولات دءوبة وناجحة من جانبها لتقليل اعتمادها على المواد الخام، وبالتالي تضاءلت الأهمية النسبية لبلدان العالم الثالث. وبالطبع كان هناك استثناء هام من هذا التضاؤل في أهمية المواد الخام المستوردة بالنسبة للبلدان المتقدمة، وهو الاستثناء المتمثل في البترول.

على أن هذا “الإهمال” المتزايد للعالم الثالث لم يؤد، على نمط توقعات مدرسة التبعية إلى ركود دائم وتخلف متزايد في العالم الثالث. شهد العالم الثالث في الواقع موجات عدة من التصنيع خلال النصف الأول من القرن العشرين. حيث استطاعت العديد من المستعمرات وأشباه المستعمرات أن تحقق قدرًا معقولاً من التصنيع عبر تنمية الصناعات المحلية للمنتجات التي يتم في العادة استيرادها، وذلك لاستبدال السلع المستوردة بالمنتجات المحلية. وكان ذلك يعود إلى حد كبير إلى ظروف الحربين العالميتين والكساد الكبير بينهما وما نتج عن ذلك من انهيار للتجارة الدولية واتجاه البلدان الرأسمالية المتقدمة نحو التصنيع العسكري، مما شجع الرأسماليين المحليين في المستعمرات وأشباه المستعمرات على الإنتاج الصناعي لتلبية احتياجات السوق المحلي. وزادت هذه الجهود التصنيعية بعد الحصول على الاستقلال، واعتمدت في أغلب الأحوال على النموذج الناجح وقتها لرأسمالية الدولة الستالينية في الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية.

شهدت سنوات السبعينات والثمانينات تطورًا بالغ الأهمية في العالم الثالث، وهو ظهور الدول المصنعة حديثًا في جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية. وفي حين أن جهود التصنيع السابقة في العالم الثالث قد استلهمت نموذج رأسمالية الدولة (أي المغلقة على ذواتها والمعتمدة على ذاتها) التي تنتج للسوق المحلى أساسًا، فإن بلدانا مثل كوريا الجنوبية والبرازيل توجهت، وبنجاح، نحو اقتحام أسواق التصدير. وقد حققت هذه البلدان على امتداد سنوات طويلة معدلات هائلة ووصلت إلى مستوى بالغ التقدم من التصنيع. وعلى سبيل المثال فخلال القترة من 1955 إلى 1985 كان معدل النمو السنوي للإنتاج الصناعي في كوريا الجنوبية يزيد على 10 في المائة على مدى 12 سنة، ويزيد على 20 في المائة على مدى عشر سنوات. كما زادت الصادرات الكورية بنسبة 18 في المائة سنويًا بين 1970 و1985. وكانت النتيجة أن نصيب الزراعة من الدخل القومي الإجمالي انخفض في كوريا من 47 في المائة عام 1953 إلى 16 في المائة عام 1981.

وعلى عكس ادعاءات اليمين الليبرالي الجديد المناصر للسوق الحر، فإن نجاح الدول المصنعة حديثًا اعتمد بشكل أساسي على درجة عالية من تدخل الدولة في الاقتصادية سواء بالملكية المباشرة لقطاع كبير من المشروعات الاقتصادية في بعض الحالات، أو بتوجيه القرارات الاستثمارية للشركات الكبرى في حالات أخرى. وفي الوقت ذاته، فإن النجاح الذي حققته بلدان مثل كوريا الجنوبية والبرازيل يفند في الواقع أقاويل أصحاب مدرسة التبعية. حيث أن تلك البلدان حققت ما حققته من تطور ليس بالاستقلال عن الاقتصاد الرأسمالي العالمي وإنما بالاندماج فيه واقتحام أسواق التصدير.

هل يعنى ظهور البلدان المصنعة حديثًا في جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية أن بيل وورن وأنصاره على حق في الحديث عن “تراجع الإمبريالية وتقدم الرأسمالية”؟ لا شك أن ظهور هذه البلدان له أهمية كبرى لأنه يمثل تبلور مراكز جديدة مستقلة نسبيا للتراكم الرأسمالية منا أنه أدى إلى توسع كبير في حجم الطبقة العاملة العالمية. ولكن من المهم أيضًا أن نؤكد على أن ظهور هذه التجارب يمثل تحولاً جزئيًا فقط في العالم الثالث، أن حدوث أزمة الديون في الثمانينات قد أظهر ذلك بوضوح. فخلال السبعينات قدمت البنوك الغربية قروضًا هائلة لبلدان العالم الثالث. كان ذلك استجابة من جانب البنوك لظروف الكساد وندرة فرص الاستثمار في البلدان المتقدمة وتدفق فائض ضخم من الرأسمال على البنوك (بسبب الزيادة الكبرى في عوائد البترول في الخليج). كان المتوقع أن بلدان العالم الثالث سترد هذه الديون بسهولة من خلال اقتحامها لأسواق التصدير على نمط البلدان المصنعة حديثًا. إلا أن حدوث أزمة الكساد العالمي الكبير الثاني 1979 قلص بشدة أسواق التصدير المتاحة وفجر بالتالي أزمة الديون خلال الثمانينات. وأدت الضغوط الشديدة على هذه البلدان لتسديد ديونها إلى انتزاع اللحم الحي في بعض الأحوال، وحدثت ظاهرة الانتقال العكسي للموارد على نطاق واسع من بلدان العالم الثالث إلى البلدان المتقدمة، وتعمق الفقر في العالم الثالث وبلغ مستويات مأساوية في أفريقيا جنوب الصحراء. ومن جهة أخرى كانت تجربة البلدان الصناعية حديثًا ذاتها تنطوي على تناقضات سرعان ما ظهرت عل السطح. فقد اعتمدت هذه البلدان في “نجاحها” على مستويات بشعة من الاستغلال للطبقة العاملة وعلى أنظمة سياسية دكتاتورية شبه فاشية. ومع الاستغلال للطبقة العاملة وعلى أنظمة سياسية دكتاتورية شبه فاشية. ومع اتساع حجم الطبقات العاملة في هذه البلدان وتزايد خبراتها النضالية لم يعد من السهل الاستمرار في نفس السياسات. كما أن اتساع نطاق هذه الدول نفسها بانضمام منافسين جدد على أسواق التصدير، وتعمق العالمي قد وضع قيودًا صارمة على فرص استمرار هذا النجاح. ولا شك أن الأزمة الاقتصادية المحتدمة اليوم في شرق آسيا وجنوبها تبين بشكل درامي حدود هذه التجارب.

يبقى أن نشير إلى مغزى هام للتطورات في العالم الثالث خلال العقود الأخيرة. الملاحظ هو أن قصص النجاح والفشل على السواء في العالم الثالث لم تعد تعتمد على محاولة تحقيق تنمية مستقلة شاملة تجعل من الاقتصاد المحلى نموذجًا مصغرًا للاقتصاد العالمي على النمط الستاليني الذائع السيط خلال الخمسينات والستينات، وإنما تعتمد على محاولة الاندماج في الاقتصاد الرأسمالي العالمي على أساس التخصص في قطاع أو قطاعات صناعية محددة، والتعاون مع الشركات المتعددة الجنسيات، والولوج إلى أسواق التصدير. إن هذا التطور يعكس بالطبع ظاهرة العولمة الاقتصادية التي أشرنا إليها في العدد السابق، والتي جعلت من التنمية المستقلة ماضي لا سبيل لاستعادته.

أن التصنيع الكثيف نسبيًا في العالم الثالث خلال النصف قرن الأخير قد أفرز مراكز جديدة مستقلة نسبيًا للتراكم. الرأسمالي، وأوجد برجوازيات راسخة لها استقلالها ومصالحها داخل إطار النظام الإمبريالي العالمي. وقد انعكس هذا التطور في ظهور ما يسمى بالإمبرياليات الصغرى في مناطق عديدة من العالم الثالث، وهي دول تسعى لأن تحقق، من خلال ثقلها الاقتصادي والسياسي والعسكري، على المستوى الإقليمي نوع الهيمنة الذي تحققه القوى العظمى على مستوى العالم. وتمثل هذه الظاهرة تحولاً هامًا في علاقة الطبقات الحاكمة في العالم الثالث بالإمبريالية. فهذه الطبقات لم تعد مجرد أدوات طفيلية تمثل مصالح خارجية، ولم تعد الأنظمة السياسية المعبرة عنها عملية الإمبريالية، بل شريكة لها.

في الوقت نفسه، علينا ألا نبالغ في مغزى ظهور الإمبريالية الصغرى. فهذا التطور لم يؤد إلى خلق عالم من الدول الرأسمالية التي تتمايز عن بعضها البعض في درجة النمو وليس في نوع النمو. فحتى الآن لا زالت الأغلبية العظمى من الإنتاج الصناعي والقوة العسكرية على مستوى العالم مركزين في أمريكا الشمالية وأوربا الغربية واليابان وروسيا. وفي حين أن العالم الثالث يضم 85% من سكان العالم فإن نصيبه من الإنتاج الصناعي العالمي لا يزيد عن 15% وبالطبع فأن التفاوت في القوة الاقتصادية ينعكس على الساحة السياسية والعسكرية، خالقًًا عالم تسيطر عليه القوى الإمبريالية الغربية. ومن هنا ينبغي على الثوريين في حالة الصراع المسلح بين قوة إمبريالية وأخرى إمبريالية صغرى أن يقفوا في صف انتصار الإمبريالية الصغرى ليس انطلاقًا من تأييد نظامها سياسيًا، وإنما لأن كل هزيمة الإمبريالية تساهم في تعميق اللا استقرار نأأفي النظام الرأسمالي العالمي، وإضعاف المشاعر القومية العنصرية في الدول الإمبريالية، وإنعاش آمال التغيير الثوري في العالم الثالث على أن على الثوريين، عمومًا وفي جميع الأحوال، أن يوجهوا سهامهم ضد برجوازية البلدان الأقل تقدمًا والأكثر تقدما على حد سواء، فاضحين بدلك الطابق الطبقي للغزو الإمبريالي وفاضحين أيضًا الطابع الطبقي لنضال البرجوازيات المحلية ضد هذا الغزو. وأيضًا، عليهم فضح ارتباط ووحدة المصالح الرئيسية لجميع هذه البرجوازيات، على الرغم من التناقضات الثانوية في المصالح التي تظهر أحيانًا وتؤدي إلى اندلاع الصراعات المسلحة بينهم. وأخيرًا، على الثوريين في بلدان العالم الثالث توجيه النضال ضد الإمبريالية إلى ساحة النضال الطبقي ضد الرأسمالية والنظام الرأسمالي العالمي، حيث لا بديل إلا انتصار سلطة الطبقة العملة محليًا وعالميًا.