بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإمبريالية

بعد مرور عشر سنوات كاملة على انهيار الاتحاد السوفيتي وتصفية نظام القطبية الثانية، يمكننا اليوم أن نقدم كشف حساب عن مصداقية وعود قادة الرأسمالية العالمية آنذاك. كان جورج بوش الأب ومارجريت تاتشر قد تعهدا لشعوبهم – بل وللبشرية كلها – بأن “نظامًا عالميًا جديدًا” سوف يتسم بالسلم والاستقرار والأمن. اليوم، وعلى خلفية غبار الحرب الوحشية ضد الشعب الأفغاني الذي لم ينقشع، يمكننا القول أن وعود زعماء “العالم المتحضر” لم تكن إلا محض نفاق وكذب رخيص. فالحرب الأخيرة هي ثالث حرب كبرى تعيشها الإنسانية في غضون العقد المنصرم. فمن العراق إلى يوغوسلافيا إلى أفغانستان، وغيرها كثير، شهدنا في سنوات نهاية القرن العشرين توحش الإمبريالية العالمية إلى حدود غير مسبوقة. وشهدنا أيضًا تصاعد النزاعات الإقليمية المسلحة والحروب الأهلية إلى مستوى يفوق سنوات ذروة الحرب الباردة بين القوتين الأعظم.

لماذا تتوحش الإمبريالية؟ ولماذا يتعمق الصراع العالمي؟ الإجابة الأولية البسيطة هي أن الذي خلف عصر الصراع الثنائي بين القطبين الأكبر – الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة – ليس عصرًا من السلام بل نظامًا إمبريالية جديدًا يتسم بنفس السمات الجوهرية للمرحلة التي سبقته، ولكن في شكل جديد يتناسب مع التغييرات السياسية والاقتصادية التي لحقت بالعالم.

في هذا المقال نقدم رؤية الماركسية الثورية لمسألة الإمبريالية بوصفها أعلى مراحل الرأسمالية، وبوصفها شر رأسمالي لا يمكن التخلص منه إلا بالنضال ضد الرأسمالية ذاتها. ونقدم أيضًا صورة تاريخية مختصرة لتطور الإمبريالية منذ مهدها إلى عصرها الوحشي الراهن. ونبدأ بالنظر في طبيعة الإمبريالية وعلاقتها بالرأسمالية.

ما هي الإمبريالية؟
تقدم إسهامات الماركسيين الأوروبيين في مطلع القرن العشرين أهم الأفكار التي يحتاجها الاشتراكي الثوري المعاصر لفهم جوهر الإمبريالية كظاهر اقتصادية – سياسية ملازمة للرأسمالية في طور شيخوختها. فنيكولاي بوخارين – الماركسي الروسي المعاصر للينين – اعتبر أن الإمبريالية تنطلق من قانون أساسي للرأسمالية وهو اتجاه الرأسمال نحو مزيد من التركيز والتمركز. فالمنافسة الشديدة داخل النظام الرأسمالي تدفع عملية التراكم قدمًا. ويؤدي إفلاس المشاريع الأضعف والأقل كفاءة واندماجها في المشاريع الأكبر إلى زيادة حجم وحدات الرأسمال (تركيز الرأسمال) وانخفاض عددها (تمركز الرأسمال)، بحيث يتكون الاقتصاد القومي بشكل متزايد من عدد محدود من الشركات العملاقة. وفي رأي بوخارين أن الامتداد المنطقي والعملي لهذه الظاهرة – أي سيطرة حفنة قليلة من الشركات الكبرى على الاقتصاد القومي – يتمثل في رأسمالية الدولة. حيث يتزايد الدور الاقتصادي المباشر للدولة البرجوازية في التنسيق بين أنشطة الشركات الكبرى وتوجيه قراراتها الاستثمارية، وربما أيضًا في الملكية المباشرة لبعض المشروعات من خلال التأميم وإنشاء القطاع العام.

في الوقت ذاته أكد بوخارين أن عملية تطور الإنتاج العالمي تدفع الدول القومية إلى مرحلة أكثر حدة في صراعهم التنافسي على السوق العالمي. ويستخلص بوخارين من هذا تحولات كبرى تحدث في النظام الرأسمالي العالمي. حيث “تتحول المنافسة بالكامل – مع تكون احتكارات رأسمالية الدولة – إلى البلدان الأجنبية. وبديهيًا فإن الصراع يتم شنه خارجيًا، وقوة الدولة بالأساس تنمو بشكل هائل”.

إن المنافسة بين رؤوس الأموال في مرحلة الإمبريالية تميل لأن تتخذ شكل الصراعات العسكرية بين دول قومية. وفي التحليل الأخير يعتمد حل هذه الصراعات بين الدول الإمبريالية على توازن القوة العسكرية فيما بينها، والذي يعتمد بدوره على القاعدة الصناعية التي تمثل دعامة القوات المسلحة. وهكذا فإن الحروب الإمبريالية تنطلق بشكل عضوي من طبيعة الرأسمالية في أعلى مراحلها. فالإمبريالية بالمعنى العام للكلمة المتمثل في خضوع الدول الأضعف للدول الأقوى عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا هي نتاج لتكون اقتصاد عالمي منقسم إلى رأسماليات دولة متنافسة.

وفي كتابه “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية” طور لينين أفكار بوخارين وكشف عن نتائجها السياسية، وعن مهام وواجبات الثوريين بصددها. عرف لينين الإمبريالية بشكل موجز ومبسط بأنها “الرأسمالية في مرحلة الاحتكار”. فقد لاحظ أن الرأسمالية في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر والأول من القرن العشرين أخذت منعطفًا تاريخيًا جديدًا اتسم بزيادة حدة المزاحمة بين الأقطاب الرأسمالية الكبرى، وهي المزاحمة التي نتج عنها تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ بين هذه الأقطاب وقيام حرب عالمية. وفي تأكيده على أن الإمبريالية هي أعلى مراحل الرأسمالية، قصد لينين أن يلفت الانتباه إلى العلاقة العضوية بين الرأسمالية والإمبريالية، وبالتالي إلى ضرورة الربط الكامل بين المعركة ضد كل منهما، خاصة وأن الرأسمالية قد وصلت – في ظل الإمبريالية – إلى لحظة وحشية من تاريخها تتطلب الدمار الواسع النطاق من أجل الحفاظ على مصالح رأس المال.

ميلاد الإمبريالية:
في نهاية القرن التاسع عشر، وعندما دخلت الرأسمالية مرحلة الاحتكار، زادت كما ذكرنا درجة تركيز وتمركز رأس المال، وأخذت المؤسسات الصناعية الكبيرة تزيح من أمامها المؤسسات الصغيرة والمتوسطة منهية بذلك عصر رأسمالية المنافسة الحرة. برزت على هذا الأساس قوة رأس المال التمويلي، وهو رأس المال الذي تسيطر عليه البنوك مجرد لعب دور الوسيط في جمع المدخرات وإعادة إقراضها لمن يريد دخول مجالات الاستثمار، بل غدت احتكارات قوية تجمع تحت أيديها الجزء الأكبر من رأس المال وتتحكم في جانب من وسائل الإنتاج ومصادر المواد الأولية. وبدخول البنوك إلى مجال الإنتاج المادي، وبنفاذها إلى الصناعة، فتحت أوسع الأبواب لتركيز وتمركز رأس المال على النطاق الكبير. حيث أنها تتحكم في عملية التمويل، وبالتالي في مجمل العملية الإنتاجية.

وعند هذه المرحلة – ومع ظهور مشكلة انخفاض معدلات الأرباح في الدول الرأسمالية الكبرى في نهاية القرن التاسع عشر – نشأت الحاجة الموضوعية لتصديره، كحل لأزمة انخفاض الربحية. ولهذا فقد شهدت الفترة من 1875 وحتى عشية اندلاع الحرب العالمية الأولى سباقًا محمومًا – ولكن عير متكافئ – بين الدول الرأسمالية الصناعية في مجال تصدير رؤوس الأموال. ولم بعد بريطانيا وحدها تستأثر بهذا التصدير، وإنما سرعان ما شاركها في ذلك فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة. وأصبح البحث عن مغانم جديدة في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية من خلال تصدير رأس المال إليها للاستثمار في مجال إنتاج المواد الخام حقلاًً للتنافس الضارى بين الدول الرأسمالية الصناعية.

ومع دخول القرن العشرين، ظهرت رأسماليات أخرى أصبحت تهدد المكانة المسيطرة والقيادية التي كانت تحتلها بريطانيا في المنظومة الرأسمالية العالمية. ذلك أنه لما كان رأس المال الاحتكاري يسعى دائمًا للتوسع، فقد سعت هذه الرأسماليات بكل ما أوتيت من قوة لتبحث لنفسها عن توسع خارجي ومناطق نفوذ تكفل لها السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأسواق والخارجية وعلى مصادر المواد الخام تفتح أمامها آفاقًا جديدة للاستثمار خارج حدودها الوطنية.

ولهذا فقد تميزت الفترة الممتدة من العقد الثامن من القرن التاسع عشر حتى الحرب العالمية الأولى بصراع محموم بين المراكز الرأسمالية الاحتكارية لاقتسام العالم وضمان احتواتها للوفاء بمتطلبات استمرار تراكم رأس المال في الداخل. ويكفي لنؤكد على ذلك أن نعرف أنه في عام 1900 كان 90,4% من مساحة أفريقيا وحوالي 75% من مساحة آسيا قد تم اقتسامها بين القوى الاستعمارية. لكن التقسيم لم يكن متكافئًا بين القوى المختلفة، وهو الأمر الذي أشعل صراعًا محمومًا انتهى بإشعال الحرب العالمية الأولى.

هكذا أدى انتشار الرأسمالية الصناعية إلى تفاقم الصراعات السياسية والعسكرية بين القوى الرأسمالية الكبرى، مفضيًا إلى نشوب حربًا استمرت ثلاثين عامًا بداية من الحرب العالمية الأولى حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. وقد اكتوت البشرية بنار هذه المرحلة التناحرية إلى الحد الذي وصل إلى مقتل عشرات الملايين وتدمير عشرات من المدن الكبرى في العالم من جراء الصراع بين “الضواري الرأسمالية” كما كان لينين يحب أن يطق عليها.

الحرب الباردة:
مع نهاية الحرب العالمية الثانية شهد النظام الإمبريالي العالمي تحولاً كبيرًا. فقد أنهكت الحرب القوى الرأسمالية التقليدية. وقد طال الإنهاك كل من المنتصرين والمهزومين: بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، اليابان، وإيطاليا. على جانب آخر خرجت الولايات المتحدة من الحرب وهي قوى عظمى ذات اقتصاد قوي مزدهر يسيطر على نسبة كبرى من الإنتاج العالمي. أما الاتحاد السوفيتي فقد استطاع – في ظل سياسات رأسمالية الدولة البيروقراطية – أن يخرج من الحرب كثالث أقوى اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة وبريطانيا.

وبينما كانت الولايات المتحدة تعتمد بالأساس على قوة اقتصادها في السيطرة على المعسكر الغربي، فإن الاتحاد السوفيتي في السيطرة قد أعتمد قوته العسكرية التي بناها على حساب معيشة جموع العمال والفلاحين في إطار سباقة المحموم من أجل حيازة قصب السبق في التنافس الضاري مع القطب الأمريكي. وتكرست على هذا الأساس مرحلة جديدة من مراحل الإمبريالية العالمية هي مرحلة الحرب الباردة. ونظرًا للانتعاش الاقتصادي الطويل الذي ساد الاقتصادي العالمي في الفترة من الأربعينات وحتى السبعينات، فقد اتسمت هذه المرحلة بوجود مساحة اقتصادية واسعة تدور داخلها المنافسة بين الرساميل دون أن يؤدي ذلك إلى صراعات عسكرية كبرى من النوع الذي كان مزمنًا فبل 1945. وهكذا رأينا العالم منقسمًا إلى كتلتين تتنافسان على السيطرة على العالم في ظل ردع نووي مرعب لا مجال فيه لخوض حروب عالمية، ولكنه يعج بحروب إقليمية تدخلها دول أصغر بالوكالة عن القوى العظمى.

الإمبريالية الجديدة:
لم تسفر نهاية الحرب الباردة – تحت وطأة المنافسة الطاحنة التي لم يتحملها الاقتصاد السوفيتي – عن نهاية الإمبريالية، بل أسفرت عن ميلاد ما يمكن أن نطلق عليه الإمبريالية الجديدة. فقد حملت سنوات الحرب الباردة من التغييرات في بناء الاقتصاد العالمي ما أفضى إلى نشوء نظام جديد من التنافس الإمبريالي نرى اليوم مظاهرة في كل أركان الكرة الأرضية.

في سنوات الانتعاش الكبير (1945 – 1974)، ثم في السنوات حتى انهيار الاتحاد السوفيتي، تغيرت خريطة العالم الاقتصادي والسياسة تغيرًا كبيرًا. فقد تراجعت قوة الولايات المتحدة الاقتصادية نسبة إلى منافسيها مثل اليابان وألمانيا، وسقط الاتحاد السوفيتي اقتصاديًا وسياسيًا، بل وماديًا، وحققت الصين معجزتها الاقتصادية لتدخل العام الحالي إلى نادي الدول التي يزيد ناتجها القومي عن تريليون دولار. كل هذا التحولات كان لها أثرها الدامغ على مسار الإمبريالية العالمية.

انهيار إمبراطورية بحجم الاتحاد السوفيتي خلف فراغًا هائلاً في القوة كان لابد وأن تسعى القوى الإمبريالية لملئه. من ناحية أخرى أضعف هذا الانهيار الأساس الذي ارتكز عليه الحلف العربي: مقاومة ودحر المنافس السوفيتي. وهكذا توفرت الأرضية لعهد جديد من عدم الاستقرار والصراع العالمي غذتها بشدة حالة الأزمة الاقتصادية الممتدة في العالم الرأسمالي.

ولكن هذا الأساس الاقتصادي – السياسي لتصاعد الصراع بين قوى الرأسمالية العالمية الكبرى، لابد أن يجد لنفسه ذراعًا عسكريًا ليتحقق عمليًا. فلا يمكن لتناقض المصالح فقط أن يشعل حربًا بين القوى الكبرى. لابد أيضًا أن تتوفر الماكينة العسكرية التي تسمح بتحدي تقسيم مناطق النفوذ السائد. وهنا يظهر أصل وأساس الهيمنة الراهنة للولايات المتحدة. فبالمقارنة بالولايات المتحدة، نجد أن كل القوى الرأسمالية الكبرى لا تملك ذراعًا عسكرية يمكنها منافسة الجبروت الأمريكي.

هذا الوضع المتناقض – بين التقارب الاقتصادي، واختلال التوازن العسكري – هو الذي يفسر الشكل الذي خيضت به الحروب الإمبريالية في العقد الأخير. ولنأخذ حرب أفغانستان كمثل. فجوهر الصراع الدائر بين الدول والكتل المختلفة هو من أجل إحكام السيطرة الإمبريالية على منطقة وسط آسيا. ولكن هذا الصراع لم يأخذ شكل معركة مفتوحة مثلاً بين حلف روسي – صيني، وحلف أمريكي – أوروبي، ولكنه على العكس أخذ شكل تحالف انضوى تحت لواءه الجميع. والتفسير أنه بالرغم من وجود مصالح متعارضة – بل ومتناقضة – بين مختلف القوى إلا أنه ليس في مقدور أحدهم حتى اليوم أن يتحدى السيطرة العسكرية الأمريكية. على الجانب المقابل، احتاجت الولايات المتحدة بسبب ضعفها الاقتصادي النسبي، وبعد ضغوط القوى الكبرى الأخرى، إلى التحالف الدولي (بالرغم من هشاشة وتناقضاته) من أجل خوض الحرب الأفغانية. وهكذا اجتمع المتنافسون تحت لواء تحالف واحد، ليحاول كل منهم اقتناص أوسع مجال للنفوذ ممكن في صراعهم العالمي الضاري على الأسواق والأرباح.

خاتمة:
الحرب والإمبريالية سمات ملازمة للنظام الرأسمالي. قد تختلف الأدوات والوسائل وموازين القوى، ولكن الجوهر واحد: الرأسمالية تغذي التنافس بين القوى الاستعمارية الكبرى، وتدفع الشعوب الثمن الفادح. وفي عصرنا الراهن لم تخفت حدة التوحش الإمبريالية بل على العكس اشتعلت النار على نطاق أوسع من ذي قبل. وفي منطقتنا يمكننا أن نفهم هذا تمامًا. فالصهيونية حصلت من زعيمة الإمبريالية بل على تصريح بالقتل، والعراق هدف قادم لا محالة، ولبنان تحت التهديد، والصومال في القائمة، وهلم جرا. وربما ليس هناك اليوم أصدق من مقولة الاشتراكية الثورية البولندية روزا لوكسمبورج “العالم يواجه اختيارين: إما الاشتراكية أو البربرية”. ونحن بالطبع نقف في صف الخيار الاشتراكي. فلنناضل من أجله، ولنقف بوجه كل أشكال القهر الاستعماري من الشيشان إلى أفغانستان إلى فلسطين.