بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

لماذا لا يمكن إصلاح الرأسمالية؟

التكنولوجيا والفقر
شهد العالم خلال 160 عام الماضية تطورات تكنولوجية مذهلة، جعل إنتاج احتياجات البشر من الغذاء والكساء وغيرها من الاحتياجات تتم في وقت أقصر وبشكل أكثر وفرة، مما جعل الكثير يأمل في مستقبل أفضل للبشرية. إلا أن معاناة البشر، في الواقع، في تزايد مستمر.

ووفق بيانات منظمة الأمم المتحدة للغذاء والزراعة ، يتضح أن كمية الغذاء عالمياً زادت، بنسبة جعلت نصيب كل فرد من الغذاء أكبر بنسبة 17%، خلال الثلاثين عام الماضية، إلا أن عدد الجوعى في العالم في تزايد مستمر ، وفي عام 2010، وصل عدد الجوعى950 مليون نسمة).

الأغنياء يزدادون غناً ويزداد الفقراء فقراً
فإذا كان الوضع في عام 1950 أن الــ 20% الأغنى في العالم يمتلكون 30% من الدخل ، فاصبحوا في عام 1992 يمتلكون 60% من الدخل، في الوقت الذي أصبح الـــ20% الأفقر لا يمتلكون سوى 4.5% من الدخل، اما في 2007 الــ 20% الأفقر لا يمتلكون حوالي 2% من الدخل

أما في مصر ، التي افتخرت فيها حكومة نظيف أنها حققت معدل نمو قياسي، حيث ارتفع معدل النمو الاقتصادي وفقا للأرقام الحكومية من 3.4 عام 2002 إلى ما يزيد عن 7% عام 2007-2008، لكن في الوقت نفسه تزايد عدد الفقراء ليرتفع بشكل مطرد من 16% من السكان عام 2000 إلى حوالي 25 % من السكان عام 2010 وفق لتقرير لجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء .

أبلغ وأدق وصف لهذا الوضع المتناقض هو مقولة كارل ماركس، التي قال منذ أكثر من قرن ونصف: “كلما زاد إنتاج العامل، كلما قل استهلاكه، كلما خلق قيما أكثر، أصبح بشكل أكبر بلا قيمة … إنه نظام (الرأسمالية) ينتج أشياء مذهلة للسادة و ينتج الحرمان للعمال، ينتج القصور من جهة، والأكواخ من جهة أخرى، بنتج الجمال، لكنه يشهوه العامل”

إن فهم هذه التناقضات مهم لكل ثوري راغب في تغير العالم، إلى عالم أفضل، خالي من الفقر والمعاناة. وسلاحنا هو علم الاقتصاد، وتحديداً النظرية الاقتصادية الماركسية، حيث أن علم الاقتصادي التي يدرس في الجامعات والمعاهد يساهم في تزييف الوعي وإخفاء تناقضات الرأسمالية، وإن تحدث عنها فعلى استحياء شديد. خلال هذا العرض سنحاول العرض لأهم آليات عمل النظام الرأسمالية، وطبيعة الأزمات الدورية، التي تجتاح النظام.

الاقتصاد السلعي
المحرك الرئيسي في الرأسمالية هو السعي نحو تحقيق الأرباح، عبر إنتاج سلع للبيع في السوق، إنه إنتاج من أجل السوق، وليس بهدف تلبية احتياجات البشر، إن كان يلبي بعض الاحتياجات لبعض الناس، فقط هؤلاء الذين يملكون المال الكافي لشراء هذه السلع ( القدرة الشرائية – الطلب الفعال) .

هكذا تتم مبادلة السلع بالنقود ، التي يتم ميادلتها بسلع مرة اخرى، خلال هذه المبادلة تنشأ الصلة بين الجهد الذي يبذله شخص ما في إنتاج سلعة وبين جهد الملايين اﻷخرين من البشر في إنتاج سلع أخرى.

كيف يتحدد سعر السلعة في السوق؟
تساءل ماركس في “رأس المال” عن ما هو الشيء المشترك بين سلعتين مختلفتين تماماً، من حيث الاستخدام والمواد المستخدمة في إنتاج كلاً منهما، مثلاً رغيف الخبز والقلم الرصاص، مما يجعل لهما نفس السعر في السوق؟ وكانت إجابة ماركس أن ما تشترك فيه السلعتان هو كمية العمل المبذول في انتاجهما، بمعنى أن لهما نفس السعر لأن كمية العمل المبذول في إنتاجهما هي ذات الكمية. مما بعني أيضا ان سعر أي منتج يعبر عن كمية العمل المبذول في إنتاجه.

يدعي الاقتصاديين الرأسماليين أن سعر السلع خاضع لقاعدة العرض والطلب. هذا يدفعنا لتساءل إذا كان العرض والطلب متساويين تماما (بمعنى ان كل منتج ينتج له مشتري واحد، ليس هناك منتجات معروضة أكثر او اقل من الطلب) فكيف يتحدد السعر في هذه الحالة. ستجد من يجيب بانه سعر المنتج يتحدد وفق اجور العمال و تكلفة الاﻵت والمباني وسعر المواد الضرورية لانتاج هذا المنتج. ويمكن توضيح ذلك بالمعادلة التالية

سعر المنتج = أجور العمال مقسومة على عدد المنتجات التي انتجوها + سعر المواد الضرورية لانتاج المنتج + قيمة إهلاك الآلات والمباني أثناء إنتاج المنتج.

لكن سعر المواد الضروية لإنتاج المنتج يتحدد أيضا بالمعادلة السابقة أيضاً، وبالتالي هذا السعر يتضمن سعر مواد أخرى أبسط، وهكذا دواليك إلى أن نتهي إلى سعر مواد خام (موجودة في الطبيعة) وليس للإنسان في فضل في إنتاجها، ويقتصر دور الإنسان على إستخراجها. ويتحدد سعر تلك المواد الخام أيضاً على كمية العمل الضروري أجتماعياً لاستخراجها حتى تكون قابلة للاستخدام.

سعر المواد الضرورية = كمية العمل المبذولة (مقاسة بوقت العمل الضروري إجتماعياً) لانتاجها أو زراعتها أو إستخراجها.

قيمة إهلاك الآلات أثناء إنتاج المنتج = القيمة الكلية للآلات (كمية العمل المبذولة ﻹنتاجها أو لصيانتها) مقسومة على عدد المنتجات التي ستنتجها قبل أن تخرج من الخدمة (بسبب تلفها الكامل أو بسبب أنها أصبحت قديمة).

هكذا يتحدد سعر أي منتج في التحليل النهائي بكمية العمل الضروري اجتماعياً لإنتاجها (وفق المتوسط التكنولوجيا والمهارات المتوفرة في المجتمع). أما العرض والطلب، الذي يتحدث عنه منظري الرأسمالية باعتباره المحدد الرئيسي لسعر منتج ما، كل ما يستطيع ان يفعله في الواقع هو تذبذب الأسعار صعودا وهبوطاً حول السعر “الحقيقي” الذي يتحدد بكمية العمل الضروري اجتماعياً لإنتاج هذا المنتج.

العمل الحي والعمل الميت
فكرة أن “العمل هو مصدر القيمة” ليست من اكتشاف ماركس، فقد تحدث عنها من قبل جون لوك، وديفيد ريكاردو، وأدم سميث، وهم من أهم منظري الرأسمالية. لكن الاختلاف عند ماركس كانت في الإجابة على التساءل التالي: إذا كان العمل هو مصدر القيمة، إذا كان الرأسمالي سيدفع القيمة الفعلية لكل مدخلات العملية الإنتاجية، فكيف سيتأتى الربح؟

كانت إجابة أدم سميث “أن الرأسمالي يحصل على الربح كعائد مقابل استثماره في الآلات ومباني المصانع، حيث ان هذه الأشياء تجعل العمل أكثر إنتاجية، لكن الآلات والمباني، كما ذكرنا، هي أيضا نتاج عمل سابق، لذلك سماها ماركس “العمل الميت” مقابل العمل الحالي الذي سماه “العمل الحي”. لهذا يمكن الرد على حجة أن الربح كعائد الاستثمار في الاﻵت والمباني بأنه لماذا إذاً يستحوذ الرأسمالي على الربح بينما من انتجوا تلك الاﻵت والمباني من كدهم لا يحصلون إلا على أجور زهيدة. هذه النقطة اﻷخيرة تنقلنا إلى السؤال عن كيف يتحدد أجر العمال و ما هو علاقة ذلك بالأرباح؟

الأجور والأرباح
يدعي بعض الرأسماليين أن الربح يأتي نتيجة “تضحية” الرأسمالي بجزء من أمواله لتوظيف العمال، بدلاً من استهلاكه الشخصي لتلك الأموال. هذا التوظيف يتضمن شراء صاحب رأس المال لقوة عمل العمال (باعتبار قوة عمل العمال سلعة)، ونتيجة هذا الشراء يتحقق للرأسمالي الربح. هذا الوضع جعل ماركس يتساءل إذا كان الرأسمالي يحصل على ربح لشراءه سلعة (قوة العمل) فلماذا لا يحصل أي مشتري أخر لسلعة أخرى، خلاف قوة العمل، على ربح نتيجة شراءها من السوق؟

الحد الأدنى للأجور
قيمة قوة عمل العامل يمكن أن تحدد بعدد الساعات الضرورية اللازمة لتجديد قوة عمل العامل: التى تحدد في الطعام والراحة والنوم (الاحتياجات الأساسية للإنسان لاستعادة قوة بعد يوم عمل مرهق)، تلك الاحتياجات يتم الحصول عليها في العالم الرأسمالي بمقابل نقدي، وبالتالي يحرص الرأسمالي على دفع الحد الأدنى للأجر للعمال، حتى يتمكن العمال من تجديد قوة عملهم، ومواصلة العمل في اليوم التالي، كما أكتشف الرأسماليين أنه لابد أن يتضمن الحد اﻷدنى للأجر أيضاً مصاريف تنشئة جيل جديد من العمال، حتى تتمكن الرأسمالية من الاستمرار في العمل.

في بداية الرأسمالية كان أصحاب العمل يدفعون الحد اﻷدني الذي يكفي العامل بالكاد ليقيم أود العامل فحسب، مما دفع الأسر إلى أرسال النساء و الأطفال للعمل، لكن ترتب عليه نتائج كارثية بالنسبة للرأسمالية، حيث تناقص عدد العمال على المدى الطويل، لذلك أكتشف الرأسماليين انه لابد أن يدفع للعامل يكفي احتياجاته واحتياجات أسرته الضرورية.

من أين يأتي الربح؟
السر يكمن في أن هناك خداع (سرقة -استغلال) أثناء عملية شراء قوة العمل، حيث يدفع الرأسماليين أجور للعمال أقل كثيراً من القيمة الفعلية لساعات العمل المبذولة. حيث أن الإنسان ينتج أكثر مما يستهلك، (قديماً كان العبيد ينتجون ما يلبي احتياجاتهم الرئيسية ويحقق رفاهية لمالك العبيد)، وبفضل التكنولوجيا أصبحت القدرة الإنتاجية للعمال أكبر.

مثلاَ يمكن القول أن احتياجات العامل هو وأسرته قد تتطلب ما يوازي أريع ساعات أو أقل من العمل الضروري اجتماعياً يوميا، لكن أصحاب رؤوس يجبرون العمال على العمل ثمان ساعات، ويعطونهم الحد الأدنى للأجر (الذي يوازي أربع ساعات)، وهذا يعني أن مالك المؤسسة يحصل على أربع ساعات عمل من كل عامل يومياً، وهذا هو مقدار الربح الذي يتحصل عليه الرأسمالي.

فالأرباح في ظل الرأسمالية تأتي في الواقع من استيلاء الرأسمالي جزء من عمل العمال، دون أي مقابل، كما كان مالك العبيد والسيد الإقطاعي يعيش في رفاهية من عمل العبيد والفلاحيين الأقنان في المجتمعات ما قبل الرأسمالية. ما يخفي حقيقة الاستيلاء (هو فكرة الأجر)، حيث يروج الرأسماليين أن العامل يحصل على مقابل عادل وهو الأجر مقابل ما يقدمه من عمل. وإذا شعر العامل أنه لا يأخذ حقه كاملاً، فيمكنه ترك العمل، فالعامل حر في بيع قوة عمله لمن يشاء، بخلاف العبيد أو القن.

العمل المأجور (عبودية الأجر)
بالفعل يستطيع العامل أنم بترك العمل عند هذا الرأسمالي أو ذلك الرأسمالي، لكنه مجبر على العمل عند أحد أبناء طبقة الرأسماليين، حتى يتمكن من العيش فقط عن طريق بيع قوة عمله، إنه ليس عبدا لدى هذا الرأسمالي أو ذلك، لكنه يخص الطبقة البرجوازية ككل.

كلا من الرأسمالي والعامل لديه القدرة على العمل، ولكن العامل فحسب المجبر على العمل، ذلك أن العامل لا يملك إلا قوة عمله، فليس أمامه سوى الاختيار بين الجوع أو العمل لدى الرأسماليين محتكري أدوات الإنتاج في المجتمع.

إن افتقار العمال لأدوات الإنتاج (بخلاف الحرفيين) واحتكار طبقة الرأسماليين لملكية أدوات الإنتاج هي التي تجبر العمال على القبول بالعمل بأجور أقل من القيمة الفعلية للمنتجات التي ينتجونها.

التراكم البدائي لرأس المال
قبل أن توطدت الرأسمالية كان معظم الناس لديهم القدرة على امتلاك وسائل إنتاج احتياجاتهم، الفلاحون يزرعون غذائهم، الحرفيون ينتجون المنتجات في ورشهم الصغيرة. لكن نمو نمط الإنتاج الرأسمالي تتطلب استخدام القوة المباشرة من قبل الدولة أو قوة الاحتلال لخلق “تراكم بدائي لرأس المال”، الذي يعني أمرين: أولاً تركيز ثروات ضخمة في يد طبقة محدودة العدد نسبياً من الرأسماليين الأغنياء. ثانياً تجريد جماهير السكان من أي سبيل للسيطرة على وسائل إنتاج عيشهم (بمعنى انهيار وإفلاس معظم الحرفين المستقلين والفلاحين حتى يتحولوا إلى عمال مأجورين لا يملكون إلا قوة عملهم.

تحقق التراكم البدائي لرأس المال في كثير من البلدان بفضل قوة الدولة وجبروت الحكام، الذين سنوا قوانين أجبرت الفلاحين على ترك الأرض (المشاع)، التي كانوا يزرعونها لمئات من السنين، وفي المقابل ووضعت الدولة يدها عليها، ومنحتها لمن الأعيان، أو بفرض ضرائب باهظة على الحرفيين تجبرهم على الإفلاس، أو استخدام العبيد، كما حدث في القارة الأمريكية لتحقيق هذا التراكم البدائي.

بعد أن توطدت دعائم الرأسمالية، أصبحت لم تعد تحتاج تدخل القوة المباشرة للدولة أو القوة العسكرية وأصبحت لها ديناميكية ذاتية تدفعها أكثر فأكثر نحو زيادة تركيز رأس المال في أيدي قليلة. هكذا بلغ الوضع في عام 2008، أن نجد ألفين شركة على مستوى العالم تستحوذ على نصف الإنتاج العالمي.

ديناميكية النظام الرأسمالي
المحرك الرئيسي لنظام الرأسمالية، كما ذكرنا هو السعي نحو الربح، لكن هذا السعي يتم تحت وطأة تنافس شرس بين الرأسماليين الأفراد، للاستحواذ على السوق وطرد المنافسين خارجه، وبالتالي تعظيم الأرباح. قد تدفع هذه المنافسة الرأسمالي باستمرار إلى محاولة تقليل التكاليف، حتى يتمكن من بيع منتجه بسعر أقل، بالتالي يستحوذ على السوق، فيتمكن من طرد المنافسين خارج السوق بعد إفلاسهم.

لكن كيف يمكن تقليل التكاليف؟ إن أي محاولة لتقليل التكاليف عبر استخدام مواد خام أقل جودة سيؤثر على جودة المنتج، وبالتالي لن بقبل علبها المشترين، وسيكون هو الخاسر في النهاية.

كما انه شراء الرأسمالي لآلات أقل كفاءة يعني أنه سينتج السلع في وقت أطول من المنافسين، وبالتالي ستزيد تكلفة السلعة، بالعكس الذي يحدث هو أن كل رأسمالي يسعى جاهداً لشراء أحدث اﻷجهزة، التي تنتج كميات أكبر من المنتجات في وقت أقل، وباستخدام عدد اقل من العمال، وبالتالي ينجح في تقليل التكاليف بالمقارنة بالمنافسين الذين ما زالوا يستخدمون الآلات الأقدم. قدرة هذا الرأسمالي على تكاليف وبالتالي بيع سلعة بأسعار أقل تجبر الرأسماليين المنافسين على تقليده وشراء المكينات الأسرع والأحدث، حتى لو تطلب الأمر الاقتراض من البنوك. هذه المنافسة المحتدمة تدفع باستمرار إلى تثوير أدوات الإنتاج، لا يمكن للرأسمالي الفرد التوقف لالتقاط الأنفاس، لأن المنافسين سيتمكنون من طرده من السوق في أي لحظة توقف. أي أرباح يحققها الرأسمالي لابد أن تدخل فوراً في دورة إنتاجية جديدة، بمعنى تتحول الأرباح (النقود التي حصل عليها في الدورة الإنتاجية السابقة) فوراً إلى رأس مال جديد يضاف في الدورة الإنتاجية الجديدة، هكذا يتوسع الرأسمالي في الإنتاج (زيادة رأس المال المستثمر) عبر ماكينات جديدة، مصانع جديدة، حتى يتمكن من جعل حصته من أرباح السوق أكبر، وبالتالي تزيد قدرته التنافسية.

هذا التثوير المستمر لأدوات الإنتاج يعني زيادة وتيرة إحلال الآلة محل العامل، يعني تحول العمل الحي إلى عمل ميت.

تزايد حدة الاستغلال
هذا التثوير المستمر لأدوات الإنتاج يزيد من حدة المنافسة وبالتالي تظهر رغبة الرأسماليين في تقليل التكاليف عبر طرق أخرى، الشيء الوحيد الفعال الذي يمكن الرأسمالي من تقليل التكاليف هو زيادة فائض القيمة المسروق من العمال. وهناك ثلاث طرق تستخدمها الطبقة الرأسمالية لتحقيق ذلك:

الإفقار: التخفيض المباشر للأجور
فائض القيمة المطلق: عن طريق زيادة عدد ساعات العمل دون زيادة الأجور.

فائض القيمة النسبي: عن طريق تكثيف العمل، عبر زيادة وتيرة أنتاجية العمال، أي أن ينتج العمال أكثر في وقت أقل. وكان فكرة خطوط الإنتاج والتجميع (التيلورية) أفضل تعبير عن رغبة أصحاب رؤوس الأموال في زيادة كثافة الإنتاج، عبر تقسيم العمل إلى مجموعة من الأعمال التفصيلية و تحديد توقيت لكل عمل تفصيلي صغير، ويتم تخصيص وظيفة كل عامل وفقاً لمكانه في خط الإنتاج، هذا التخصص يجعل المطلوب من العامل فقط أن يتقن وظيفة صغيرة جداً (كان يكون مكلف فقط بالضغط على زر معين بوتيرة محددة أو يقوم بربط مسمار معين باستمرار-كما في الفيلم الشهير لشارلي شبلن) ، إن زيادة فائض القيمة النسبي (تكثيف العمل) يحقق للرأسمالي مجموعة مزايا منها إنتاج قيمة أجور العمال في وقت أقل، ثانيا يحقق أكبر استهلاك للماكينات قبل أن تصبح قديمة وقبل تظهر ماكينات أحدث ( عدد كبير من المصانع تعمل ورديات طوال 24 ساعة، وطوال أيام الأسبوع أحياناً، بهدف إعادة إنتاج قيمة الآلة قبل أن تخرج من العمل).

إنها ليست أزمة ضمير أو أخلاق
يتحدث البعض، من مروجي أسطورة الافتصاد الإسلامي، عن أن مساوئ الرأسمالية، من فقر و استغلال ومعاناة، تنبع في الأساس من غياب الدين والضمير والأخلاق، في المعاملات الرأسمالية، وإنه يمكن إصلاح النظام عن طريق إعادة الاعتبار للدين والأخلاق، لكن أغلب هؤلاء يتجاهل أو لا يعلم أن المشكلة لا تتوقف على جشع هذا الرأسمالي الفرد أو ذلك، إنما تكمن في طريق عمل الرأسمالية، التي تجبر أي رأسمالي (سواء كان متدين أو لا ) على زيادة وتيرة الاستغلال عند تحتم المنافسة الاقتصادية ذلك، سواء كان راغب في ذلك أم لا. فكما أن ديناميكية النظام تجبر العمال على العمل لدى الرأسماليين وفقاً للأجور التي يحددها الرأسماليين، أم اختيار البطالة وحياة الفقر (الموت جوعاً)، كذلك تجبر الرأسمالية أصحاب رؤوس الأموال إما استغلال العمال إلى أقصى درجة ممكنة أو الخروج من السوق وخسارة رأس المال و التحول من رأسماليين إلى عمال يمارس عليهم الاستغلال طالما لا يمكون إلا قوة عملهم فحسب. إن عبثية وعدم إنسانية النظام الرأسمالي لا علاقة بمشاعر أو أخلاق الرأسماليين الأفراد، ذلك أن للرأسمالية قوانين صارمة، حيث لا يستطيع مديري الشركات اختيار عدم استغلال العمال أو حتى تقليل درجة الاستغلال إلا إذا أرادوا أن يفلسوا.

هذا النظام لا يمكن إصلاحه من داخله، طالما استمرت الملكية الخاصة لأدوات الإنتاج في المجتمع، بمعنى أحتكار الرأسماليين لأدوات الإنتاج في المجتمع وطالما يجبر العمال على العمل لدى هؤلاء أو الموت جوعــاً سيظل إنتاج الفقر والبؤس والمعاناة.

وكما يقول ماركس “إن السلطة التي يمارسها الرأسمالي على العامل تمثل سيطرة عالم الأشياء على الإنسان، سيطرة العمل الميت على العمل الحي، سلطة المنتـَئج على المٌنتــِج (العامل)، لأن السلع (الأشياء) التي ينتجها العامل تتحول إلى وسيلة سيطرة عليه، أنها عملية “اغترابه” عن عمله الاجتماعي”.

الرأسمالية والأزمة

الأزمات الدورية
اهم ملمح للنظام الرأسمالي اليوم أنها نظام مأزوم، لكن تاريخ الرأسمالية ما هو إلا تاريخ من فترات الرخاء والركود، هذا التتابع يعرف بالدورة الاقتصادية، لكن وتيرة الأزمات الاقتصادية أصحت أكبر من ذي قبل، حيث تتوالى الأزمات على فترات زمنية أقصر، وتستمر الأزمات لفترات أطول مما كان، كما أن فترات الرخاء أصبحت لا تدوم طويلاً.

فإذا كانت أول أزمة اقتصادية في بلد صناعي، كانت في بريطانيا عام 1835، فإن أول أزمة عالمية كانت في الفترة 1847- 1848، ,وبدأت تتوالى أزمات الرأسمالية، إن كان أشهرها، أزمة 1873 (خمس سنوات)، فالكساد الكبير 1929، أزمة البترول 1973 السبعينيات، و أزمة شرق أسيا 1997، الأزمة الاقتصادية الحالية التي بدأت في 2007 ولا نعلم متى سيتم الخروج منها.

كيف تحدث الأزمة؟
إن السوق في ظل الرأسمالية هو الرابط بين ما ينتجه شخص و ما ينتحه أخر، بين ما ينتج في مصنع وما ينتج في مصانع أخرى، يتسع مفهوم السوق اليوم ليشمل العالم بأكمله، بعدما كان محصوراً داخل الحدود القومية للبلدان، إن الإنتاج في أي موقع في عالم اليوم يؤثر و يعتمد في الوقت نفسه على ما ينتج في كل موقع أخر. النظام الرأسمالي قائم على سلسلة متصلة من عمليات الإنتاج و البيع والشراء، فإذا انقطعت تلك السلسلة عند أي نقطة، يمكن أن يبدأ النظام بالكامل في التفتت والتوقف، عندها تحدث الأزمة. يحب الإشارة إن الأزمات الاقتصادية تحدث بشكل مفاجئ لا بمكن التنبؤ به.

فوضى الإنتاج

مراحل الدورة الاقتصادية
تسعى كل الشركات إلى تحقيق أقصى ربح، إذا كانت الفرصة سانحة لذلك، مما يدفع كل الشركات على مستوى النظام الرأسمالي إلى زيادة إنتاجها بأقصى سرعة ممكنة، ويترتب على ذلك افتتاح مصانع ومكاتب جديدة، يتم شراء آلات جديدة، وينضم عمال جدد، الذي يحصلون على أجور لشراء احتياجاتهم من بضائع استهلاكية، مما يترتب عليه افتتاح مصانع جديدة لتلبية هذا الطلب المتزايد على البضائع، كما يتم افتتاح مصانع جديدة لصناعة الآلات التي تحتاجها الصناعات الجديدة، تحتاج مزيد من العمال، الذين يزيدون الطلب على البضائع المعروضة في السوق، تستمر هذه الدائرة ( استثمارات جديدة-توظيف مزيد من العمال- شراء العمال للبضائع- تحقيق أرباح- مزيد من الاستثمار- وهكذا)- تلك المرحلة من الدورة الاقتصادية تعرف بفترات “الرخاء”، التي تنخفض فيه البطالة بمقدار كبير.

فوضى الإنتاج والأزمة
لكن الرخاء لا يستمر طويلاً ذلك أنه في إطار المنافسة بين الرأسماليين والسعي نحو الربح، لا بتم التنسيق بين الرأسماليين، مما بترتب عليه انقطاع في سلسلة البيع والشراء، في قد يحدث عجز في المواد الخام (أزمة البترول 1973)، أو قد يحدث أن تتكدس البضائع وتتراكم بشكل كبير جداً أكبر من الطلب (القدرة الشرائية)، مما يترتب عليه انخفاض أسعار البضائع، إفلاس شركات، وإغلاق مصانع، طرد عمال وموظفين، الذين لم يعد لديهم أجور لشراء احتياجاتهم من السوق، مما يقلل من الطلب على البضائع الاستهلاكية، مما يسارع من إغلاق المصانع والشركات المرتبطة بتلك البضائع، مما يترتب عليه توقف إنشاء مصانع جديدة أو شراء آلات إنتاج جديدة، وبالتالي تفلس وتغلق مزيد من المصانع ويطرد مزيد من العمال، ويقل الطلب على شراء البضائع ويقل الطلب على الشقق والملابس ويصيب الركود (أو الكساد) قطاعات اقتصادية مختلفة.

تعتقد كل شركة أنها تستطيع البقاء في المنافسة من خلال سياسة تخفيض أجور العمال، أو تقليل العمال، لكن هذه السياسة قد تؤدي إلى تقلص سوق منتجاتها هي نفسها. وفي ظل الأزمة تزداد معاناة الفقراء حيث يتم تشريد الملايين من العمال، بعد أن تغلق الآلاف من المصانع والشركات أبوابها، ويحدث إهدار وتدمير هائل للموارد، بينما أبسط حاجات البشر لا تلبى. فعلى سبيل المثال خلال الكساد الكبير 1929-1933 تم إتلاف 10 مليون طن من مزروعات القطن.

في ظل الأزمة رغم وجود وسائل الإنتاج كما هي قبل الأزمة، ورغم توفر العمال القادرين على العمل، رغم أن احتياجات البشر للمنتجات تظل متجددة، لكن آليات نظام السوق هي التي توقف الدورة الاقتصادية عن العمل لأن النظام لم يعد مربحاً كما كان من قبل.

النظريات الاقتصادية والأزمة

المدرسة النيوكلاسيكية
تقول المدرسة النيوكلاسيكية بأن التوازن بين العرض والطلب يحدث بشكل تلقائي، في حالة عدم تدخل الحكومات في الاقتصاد، وفي إطار غياب الاحتكارات، تعتبر تلك المدرسة حدوث الأزمة أمر مستحيل نظرياً. فشل تلك النظرية يكمن، في الواقع، في تجاهل أن عملية الإنتاجية تستغرق وقت، فإذا كان السعر مؤشراً، في الوقت الحاضر، لما يجب أن ينتجونه الرأسماليين، وما لا يجب إنتاجه. إلا أن المشكلة تكمن في إن تلك المؤشرات سابقة لعملية الإنتاج، التي قد تستغرق وقت طويل نسبيا، ( بناء مصانع، شراء وتركيب آلات، استيراد مواد خام، وغيرها)، ربما تستغرق تلك العمليات شهور، أو سنين في حالة الاستثمارات الضخمة. لكن عندما يبدأ الإنتاج بالفعل، ونظراً لفوضى الإنتاج وعدم التنسيق بين الرأسماليين في ظل التنافس، فربما يكتشف الرأسماليين أن السوق تم إغراقه بالسلعة، التي انتجوها، أصبحت سلعهم لا لزوم لها، بالرغم من المؤشرات السابقة.

المدرسة الكينزية
دفعت أزمة الكساد الكبير (1929-1933) بعض الاقتصاديين ومن أشهرهم جون ماريناد كينز، إلى رفض النظرية التي تقول بأن إذا توقفت الحكومات عن التدخل في الاقتصاد فإنه سيزدهر تلقائياً. ولكنه أعتقد العكس بأن دور الحكومات التدخل لمنع حدوث أزمات فوضى الإنتاج. وظلت أفكار كنز هي السائدة ومطبقة طوال اﻷربعينيات والخمسينيات والستينات، على مستوى النظام الرأسمالي.

واعتقد الكثير من الاقتصاديين إن حدوث اﻷزمة مستحيل في ظل تطبيق الكينزية، لكن الأزمة حدثت بالفعل في منتصف السبعينيات (1974-1976)، دفعت تلك الأزمة عدد من الاقتصاديون والسياسيون إلى التراجع عن أفكار كينز، تم ترديد مرة أخرى مقولة “إن الحكومات يجب ألا تتدخل في الاقتصاد”، وان اليد الحفية للسوق ستقود دائماً إلى التوازن بين العرض والطلب، سيحدث التوزيع الأمثل للموارد.

يربط البعض بشكل خاطئ بين الأزمة وانهيار النظام الرأسمالي، حيث يعتقد البعض أنه لا يمكن أن يحدث انتعاش بعد الأزمة، تلك الأفكار خاطئة بسبب أنه حتى في أشد الأزمات يظل هناك عدد من الرأسماليين، الذين يستطيعون تحمل الأزمة، حيث لا يفلس كل الرأسماليين، بل بالعكس يستطيع عدد من الرأسماليين تحقيق أرباح خلال الأزمة، إذا أحسنوا الاستفادة من المعاناة التي تولدها الأزمة، حيث يمكن لبعض الرأسماليين شراء الشركان التي أعلنت إفلاسها بسعر رخيص، كذلك شراء المواد الخام بأسعار أقل، كما يمكن توظيف العمال بأجور زهيدة وفي ظروف سيئة للغاية، بسبب انتشار البطالة الواسع، التي تشكل ضاغط على العمال فيقبلون بتلك الأوضاع السيئة. ليس بالضرورة أن تؤدي الأزمة الاقتصادية إلى تصاعد النضال العمالي.

الماركسية والأزمة
لقد توصل ماركس إلى السبب الرئيسي وراء الأزمات الرأسمالية، وهو أنه هناك اتجاه طويل المدى داخل النظام الرأسمالي إلى ميل معدل الربح إلى الانخفاض على مجمل النظام. السبب في ذلك يرجع إلى التنافس الرأسمالي الشديد الذي يدفع الرأسماليين الأفراد باستمرار إلى إدخال مكينات جديدة، تنتج كمية أكبر من السلع في وقت أقصر، وباستخدام عدد قليل من العمال، ويتضمن هذا كميات أكبر من العمل الميت.

لكن توفير العمالة يؤدي إلى زيادة الجزء المستثمر من رأس المال في شراء الماكينات بالمقارنة بالجزء المستثمر في توظيف العمالة، التي تصبح أقل مع تطور التكنولوجيا، هذا الأمر لا يعد مشكلة في بداية الأمر، حيث ينجح الرأسمالي الفرد، الذي اشترى أحدث الآلات إلى تخفيض التكاليف وبالتالي تعظيم الأرباح، لكن عندما يبدأ الرأسماليون المنافسين في شراء نفس التكنولوجيا، عندها تصبح هناك مشكلة للنظام ككل، حيث يزداد ضغط التنافس ويندفع الرأسماليين إلى شراء تكنولوجيا أحدث. ولأن العمال وليس الآلات هم من يخلقون القيمة، يحدث ميل لانخفاض معدل الأرباح لمجمل النظام الرأسمالي.

ويمكن توضيح الفكرة بمثال دعونا نفترض أن العاملين بصناعة النسيج يقدرون بـــ4 مليون شخص في مجمل النظام، في وقت ما، فإذا كان هناك تكنولوجيا تسطيع تخفيض عدد العمالة بنسبة 40% وتنتج نفس الإنتاج الحالي، فإن أي رأسمالي ينجح في شراء تلك التكنولوجيا، يستطيع أن تقليل الأجور بنسبة 40%، بالتالي سينجح في تقليل وبالتالي في زيادة أرباحه مقارنة بمنافسيه الذين ما زالوا يستخدمون التكنولوجيا القديمة. لكن إذا فعل كل المنافسين الأمر ذاته، فإن مجمل أرباح صناعة المنسوجات ستقل بنسبة تناسب مع نسبة نقصان عدد العمال.

هذا الاتجاه نحو انخفاض معدل للربح، يزيد الضغط التنافسي، ويجعل النظام أكثر هشاشة في مواجهة أي انقطاع لسلسة الإنتاج والبيع والشراء تجعل النظام أكثر عرضة للأزمات، التي زادت وتيرتها في السنوات القليلة الماضية.

تتغلب الرأسمالية على الأزمة عن طريق أن تأكل بعض الشركات بعضها الأخر “الكانيبالية”، مما يعني أن تستحوذ بعض الشركات على وسائل إنتاج بسعر أقل من قيمتها الأولى، ويساعد هذا في تخفيض تكلفة الاستثمار بالنسبة لقوة العمل، مما يخفف الضغط على الأرباح. كما أن الأزمة تقلص عدد الشركات المتنافسة، عن طريق إفلاس عدد كبير منها، كل هذا قد يساعد في ارتفاع معدل الربح جزئيا، مما يشجع على الاستثمار مجدد ويحدث الانتعاش. لكن بعد أن تكون الأزمة أحدثت تأثيرا مدمراً في قطاعات إنتاجية واسعة.