بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

لماذا المنظمة؟

يسعى كل المنتمين للتيار الاشتراكي الثوري – وهو اليوم في مصر أقلية هامشية لا تتعدى عشرات قليلة – إلى بناء “حزب عمالي ثوري”. يرى هؤلاء – نعني الاشتراكيين الثوريين – أن بناء حزب ثوري، على غرار الحزب البلشفي الذي قاد ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا عام 1917، هو المهمة المركزية التي عليهم في الوقت الراهن، ولمرحلة طويلة مقبلة، أن يركزوا كل طاقاتهم من أجل القيام بها.

يقابل الاشتراكيين الثوريون في موقفهم هذا – ضرورة الحزب العمالي الثوري، وحتمية الشروع في بنائة الآن وفورًا – بالنقد، وحتى بالتهكم والسخرية، من جانب من الأعداء وعدد من الأصدقاء على حد سواء. ففى الظروف الراهنة لتطور النضال الطبقي في مصر – والتي تتصف بتراجع النشاط الكفاحي للعمال ولكافة المضطهدين وبضعف تشتت المقاومة الجماهيرية للهجمة الرأسمالية – نجد أن “الحجج” ضد العمل الثوري المنظم، وضد بناء الحزب، تتعش – حتى بين صفوف عدد من الثوريين الذين يقبلون بالمبادئ العامة للاشتراكية الثورية.

إن هذا الواقع – انتشار نزعة المعاداه (أو على الأقل اللامبالاة) تجاه مهمة بناء الحزب الثوري في صفوف بعض المنجذبين إلى تيار الاشتراكية الثورية _ يتطلب منا أقصى الإنتباه. فهو يدل، في جانب منه على الأقل، على تقاعسنا من أداء مهمة “الشرح الصبور” لهؤلاء حول الأسباب التي تدعونا، ليس فقط إلي الأعتقاد بضرورة الحزب الثوري وإنما إلي الإعتقاد بضرورة الشروع في بنائة الآن وفورًا بالرغم من كل المعقبات والمصاعب التي تضعها مرحلة الجزر الراهنة في وحه مهمة كهذه.

عندما يقول الثوريون أنهم يسعون لبناء حزب عمالي ثوري على غرار الحزب البلشفي الذي قاد ثورة أكتوبر الاشتراكية إلى النصر، فهم بهذا يسعون لبناء تنظيم يضم فقط الطليعة الثورية النشطة للطبقة العاملة. يعارض الثوريين بمفهومهم هذا مفهومين آخرين أساسيين عن الحزب: المفهوم الاستبدالي، والمفهوم الإصلاحي.

يرفض الثوريون المفهوم الإستبدالي عن الحزب الذي يرى أن المنظمة الثورية هى فقط منظمة مثقفين ثوريين محترفين تعمل كطليعة خارج الطبقة العاملة ومهمتها هى الإستيلاء على السلطة بالنيابة عن الطبقة. يرى الثوريون أن هذا التصور يتعارض على طول الخط مع طبيعة الاشتراكية التي لابد أن تأتي كنتيجة لنشاط الجماهير ذاتها (مبدأ التحرر الذاتي للطبقة العاملة)، ويرون ايضًا أنه يؤدي بالضرورة – هذا إن نجح – إلى مجرد تغيير في رموز النظام لا في مضمونة الطبقي… وهذا لأن سلطة الطبقة العاملة لا تتحقق إلا مع سيطرتها “هي” على القرار الإقتصادي والسياسي.

ويرفض الثوريون أيضًا المفهوم الأصلاحي الذي يرى أن الحزب العمالي ينتغي أن يضم كل العمال الذين يقبلون الإنضمام اليه بغض النظر عن مدى تبنيهم للأفكار الثورية أو مدى أتساق المواقف التي يأخذونها في النضالات المختلفة مع التكتيكات الثورية. يتمسك الثوريون في مواجهة هذا المفهوم بمبدأ “حزب الطليعة العمالية الثورية” لأنهم يرون أن التصور المضاد عن الحزب الواسع الذي يضم كل العمال يؤدي – بسبب تفاوت الوعي بين القطاعات المختلفة للطبقة العاملة ما بين أغلبية تقبل ببعض أو كل الأفكار التي تروج لها الطبقة الحاكمة، وأقلية أقتنعت بالأهداف وبوسائل النضال الاشتراكية – الى خلق منظمة عير فاعلة ثوريًا لأنها تضم تيارات متصارعة حتى حول الأهداف الأساسية. هذه المنظمة ليس يمقدورها توسيع وتعميق النضال ضد الرأسمالية، بل بالعكس تؤدي إلى إخضاع العمال الثوريين النشطين للأغلبية غير الثوريين من أعضائها.

في مواجهة هذين المفهومين يناضل الثوريون – كما ذكرنا – من أجل بناء حزب يضم في صفوفه القطاع الثوري المتقدم من الطبقة العاملة. يهدف الثوريون من هذا إلى تحقيق وحدة العمال الثوريين (وحدة الفكر ووحدة الممارسة) كطريق وحيد لتوسيع نفوذهم في صفوف العمال، ولمحاربة نفاذ الإفكار البرجوازية للطبقة العاملة، ولدعم النضالات العمالية اليومية من منظور ثوري، وأخيرًا لخلق القيادة المطلوبة للطبقة العاملة في المراحل الثورية.

تأكيد الثوريين هنا على الحزب الذي يقتصر على تنظيم الطليعة العمالية النشطة التي تتبنى مبادئ وسياسات الاشتراكية الثورية، ينطلق بالأساس من التفاوت الحادث في وعي الطبقة العاملة وفي درجة يضاليتها، الذي هو نتيجة في الحقيقة لشروط الإنتاج الرأسمالي ذاتها. لا يمكن الحديث عن تسبيد وعي إشتراكي ثوري داخل صفوف الجماهير العمالية إلا في لحظات الثورة، أما ما قبل ذلك فإن الوعي السائد داخل صفوف العمال سيكون خاضعًا إلى درجة كبيرة لتأثيرات الدعاية البرجوازية الصغيرة. لكن ذلك لا يمنع من وجود اقلية تفرزها النضالات العمالية وتلعب دورًا طليعيًا داخلها، يمكنها أن تتبنى الأفكار الإشتراكية الثورية والمشروع التاريخي للطبقة العاملة. ولا يمكن تحديد هذه الطليعة بشكل مسبق، فوجودها من ناحية خاضع لعمليات فرز مستمرة تتم في الواقع، ومن ناحية أخرى وجودها يتأثر بظروف عديدة مرتبطة بالإنتاج الرأسمالي. فدرجة تقدم صناعة بعينها عن باقي الصناعات ودرجة تقدم قطاعات بعينها من العمال في الصناعة الواحدة النضالية في مواقع أخرى، جميعها عوامل تؤثر في ظهور وتشكل هذه الطليعة العمالية. وعملية كسب هذه الطليعة العفوية إلى الاشتراكية الثورية وتنظيمها، تبدأ بخلق منظمة اشتراكية ثورية قادرة من ناحية على التفاعل من كافة النضالات التي يقدمها الواقع، ومن ناحية أخرى قادرة على تحليل وإدراك طبيعة الحركة العمالية في منعطفاتها المختلفة وإمكانياتها المتفاوتة، وبالتالي قادرة على تقديم مواقف وتكتيكات صحيحة تمكنها من التفاعل الإيجابي مع الحركة والتحول إلى قطب يجذب في إتجاهه جزء من الطليعة النشطة.

من الحقائق الثابتة والواضحة، التي يستطيع أن يستنتجها كل من ينجذبون إلى تيار الاشتراكيين الثوريين، أن الثوريين في مصر لا يزالون في مرحلة أولية جدًا من عملية بناء الحزب الثوري. الاشتراكيون الثوريون يسمون هذه المرحلة “مرحلة التراكم البدائي للكوادر” (مرحلة التوسيع الأولى لعدد الكوادر الثورية، وبدايات خلق جذور في صفوف أجزاء من الطبقة العاملة)، وهو مايعني أنهم يعترفون أنهم لا يزالون في نقطة بعيدة عن الحزب العمالي الثوري الذي يضم في صفوفه “الطليعة الثورية النشطة للطبقة العاملة”.

ليس هذا فقط، بل إن الثوريين يفهمون تمامًا أنهم يشرعون في القيام يهذه المهمة فى ظل ظروف شديدة الصعوبة: قمع بوليسي، تراجع في الحركة العمالية والجماهيرية، سيطرة للأفكار المعادية للاشتراكية في صفوف الجماهير (جزئيًا بسبب نجاح البرجوازية النسبي في دعايتها الكاذية بأن الدول المنتمية للكتلة الشرقية كانت دولاً اشتراكية). هذه الظروف الصعبة تجعل من مهمة بناء الجزب مهمة تيسر “ضد التيار”. إذ أنه من العسير في ظروف تراجع الحركة العمالية إقناع جمهور المنظمة – من العمال المثقفين – بالأهداف وأساليب النضال الاشتراكية، وبأنه في مقدور العمال القيام بثورة تطيح بسلطة البرجوازية. وهو مايعني بالتبعية أن مهمة إقناع هذا الجمهور بضرورة الإنضمام للمنظمة – بكل مايعنية هذا من تضحيات – تصبح شاقة جدًا.

إن مهمة بناء الحزب تسير ضد التيار ليس فقط بسبب إفتقاد المنظمة الإشتراكية الثورية الصغيرة لأي نفوذ أو تأثير سياسي ذو قيمة وسط جماهيرها المستهدفة، لكن أيضًا لأن التجربة اليومية لهذا الجمهور تجربة بها قدر كبير من الإحباط والهزيمة. فحالة الجزر في الصراع الطبقي تخلق خبرات خماهيرية مشوشة ومحبطة وشعور عام نعدم القدرة على الإنتصار حتى في المعارك الجزئية أو في ومضات المد القصيرة. وعندما يدافع الثوريون وسط هذا الجمهور عن ضرورات وإمكانيات النضال الجماعي وعن قدرة الطبقة العاملة على تغيير العالم، سيحاضر بأسئلة من نوع: أين الطبقة العاملة؟ وأين الاشتراكية؟.. إلخ. إن وعي الناس يتطور عبر حركتهم الجماعية، في لحظات المد يتحذر هذا الوعي في إنجاه إيجابي ويخلق حالة عامة من الثقة، أما في حالات الجزر فالهدف النهائي يصبح بعيدًا جدًا وتصبح مهمة جلب متعاطفين على هذا الهدف مهمة صعبة إلى درجة كبيرة.

لكن على الرغم من حالة الجزر، فالمنظمة الاشتراكية الثورية يجب أن تبني. فالثوريون يعرفون تمامًا أن هذا الجزر ليس ممتدًا إلى مالا نهاية، وأن هناك بالضرورة مد مقبل في الصراع الطبقي، وأن النضالات العمالية ستنفجر بصورة واسعة في مواقع عديدة وفي هذه الحالة ستتاح أمامهم فرصة موضوعية لتنظيم أعداد واسعة من الطليعة العمالية في حزب عمالي ثوري. لكن قدرتهم على الإستفادة من هذه الفرصة في هذا الإتجاه، متوقفة على توافر عدد بعينه من الشروط السياسية التي تسمح لهم بآداء المهمة التي يجب تحقيقها في مرحلة الجزر السابقة. أول هذه الشروط وجود آليات دعاية اشتراكية ثورية سرية وعلنية منتظمة وفاعلة سياسيًا وسط جمهورها. وثانيًا وجود تراكم من الكوادر الثورية النشيطة والمتدخلة في النضالات القائمة، وهذا التراكم ليس فقط توسعًا في عدد الكوادر، ولكنه أيضًا وبشكل رئيسي توسع للتأثير السياسي لهؤولاء الكوادر وشط الجمهور العمالي – مهما كانت محدودية هذا التأثير – وقدرتهم على تحقيق بعض الصلات السياسية العضوية مع الطبقة العاملة. وثالثًا وهو الشروط هو وجود تراث سياسي جماعي يصهر ويوحد هؤلاء الكوادر على خبرات بعينها. فهم يكتسبون في سنوات الجزر خبرات واسعة في إطار حركتهم، في إنعطافاتها المختلفة وانحرافاتها وأخطائها ونقد هذه الأخطاء أيضًا. وهذا التراث ليس تراكمًا عدديًا لخبرات الكوادر، لكنه خبرة نوعية مختلفة، وهو تراث لا يمكن لثوري فرد أن يخلقه يمفرده لأنه عملية جماعية تنصهر فيها كل الخبرات الفردية.

إن العملية السياسية لتحقيق هذه الشروط الثلاثية، هي ذاتها عملية بناء المنظمة الاشتراكية الثورية. لكن لأن هذه العملية تتم في أوقات الجزر في إتجاه معاكس للتيار السائد، فإنها ستواجه إنتعاش لأفكار برجوازية صغيرة وسط العديد من العناصر الثورية، التي يمكن أن تتفق على مبادئ الإشتراكية الثورية وعلى الهدف النهائي، ولكنها ترفض مهمة وضرورة بناء منظمة ثورية في اللحظة الراهنة، بدعوى أن العمل على بناء حرب ثوري يجب ويمكن أن يتحقق فقط في أوقات المد في الصراع الطبقي. وهذه الفكرة تدفع أصحابها إلى أن يروا أن المهمة المطلوب آدائها الآن هى دعاية التنويرية والنضال العلني، وينتهي يهم الأمر إلى الإنجراط في أطر أصلاحية مبتذلة مثل المجتمع المدني وخلافه. ويمكن مع النظر بعمق لهذه الأفكار أن نكتشف أفقها الإستبدالي وطابعها الطبقي البراجوازي الصغير (لقد تناولنا هذا الأمر في “الشرارة” في أكثر من مرة سابقة). لكن المهم في الأمر أن هذه الأفكار تنتعش بسبب صعوبة البناء وبعد الهدف النهائي، وتخلق حالة من التشوش تدفع العديد من العناصر التي يمكن كسبها للمنظمة الثورية بعيدًا عن النضال الثوري.

إن مواجهة هذه الافكار وفضح طابعها الطبقي والتشهير بالتكوينات السياسية التي تقوم على أساسها، هو جزء من عملية خلق التراث الثوري للمنظمة، فبناء المنظمة الثورية في مرحلة الجزر ضرورة من وجهة نظر مشروع الثورة، بسبب قدرتها على صهر وتوحيد الكودار الثورية ومحاربة التشوش والإحباط والإنحرافات السياسية وسطهم، وخلق الخبرة الجماعية الثورية لهم. هذه الخبرة تترجم نفسها عبر تفاعل هؤلاء الكوادر مع النضالات الجزئية التي يطرحها الواقع، وتتحول إلى مواقف سياسية وتكتيكات واساليب للنضال، تربط بوعي ثوري مابين النضالات الجزئية والهدف النهائي.

الحقيقة أن تفاعل المنظمة الصغيرة مع النضالات القائمة يعرضها لخطر تذيل التأثيرات البرجوازية أو البرجوازية الصغيرة على الحركة، وذلك بسبب صغرحجمها وضعف نفوذها. والطريق الصحيح للإبتعاد عن هذا الخطر يتحقق أولاً بإستقلالية المنظمة داخل الحركة، وثانيًا بمحاولة التأثيرًا عليها بمواقف سياسية نتطلق من رؤية اشتراكية ثورية مناقضة للتأثير الأخرى. وبالطبع بتيجة لصغر حجم المنظمة فإنها ستكون قادرة فقط على التفاعل مع جزء من الحركة الذي يتناسب مع حجمها وتأثيراها سيكون محدودًا للغاية وفي بؤر قليلة جدًا، لكن مع نمو حجمها تدريجيًا في مرحلة التراكم البدئي سينمو تأثيرها بالتبعية. وتأثير المنظمة هذا على النضالات القائمة يجب أن يكون في إتجاه تجذير هذه النضالات ودفعها بإتجاهات أكثر قاعدية وأكثر ديموقراطية. وهي عندما تؤدي هذا الدور تصبح منتفخة على الخارج تشد في إتجاهها جزءًا هامًا من الطليعة العفوية التي تفرزها النضالات المحدودة في مرحلة الجزر. فالإنفتاح على الخارج جزء جوهري من عملية البناء في مرحلة التراكم البدائي. وهو إنفتاح على القطاعات الإجتماعية المستهدفة وعلى النضالات الجزئية القائمة، وعدم حدوث ذلك يدفع المنظمة في إنحراف عصبوي حيث تنظر إلى مهمة التراكم البدائي بطريقة مثالية، أي على أنها توحيد على الأفكار العامة المجردة بإنفصال عن الصراع الطبقي.

إن بناء المنظمة اللينينية التي تبدأ بحفنة صغيرة من الثوريين على هذه الأسس، هو في جوهرة نقد على الارض وداخل الحركات السياسية لكل من الإصلاحية والإستبدالية. وهو نقد للإصلاحية لأن المنظمة تصهر وتكثف خبرتها وتعكسها في الممارسة ولا تقوم بالتوفيق بين الإفكار. وهو نقد للإستبدالية لأن المنظمة منفتحة على الخارج قادرة على التفاعل مع كل النضالات وعلى التحول إلى قطب جاذب يشد في إتجاهه جميع المناضلين الذين تفرزهم الحركة. إن تكثيف الخبرة الثورية والإنفتاح على الخارج في سنوات الجزر في الصراع الطبقي هو الطريق لخلق منظمة ثورية قادرة على تجاوز الوعي المجزأ القائم بين الجماهير العمالية، ومؤهلة لدمج الطليعة العمالية النشطة عندما يتحرك الصراع الطبقي في موجة مد جديدة.