بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

لماذا الطبقة العاملة؟

ربما كان السؤال الذي وضعناه عنوانًا لهذا المقال هو أحد أهم الأسئلة التي تطرح نفسها دائمًا بقوة على الثوريين. فلماذا يصر الاشتراكين الثوريون على أن الطبقة العاملة بالذات، من دون كل الطبقات أو الفئات، هي التي تستطيع قيادة الثورة التي ستطيح بالمجتمع الرأسمالي: الثورة الاشتراكية؟ ولماذا يرون أن هذه الطبقة هي أكثر الطبقات ثورية في المجتمعات الحديثة؟ للوهلة الأولى تبدو الإجابة على هذه الأسئلة سهلة من وجهة نظر الثوريين، خاصة وأن ترسانة هائلة من النصوص الكلاسيكية لماركس وإنجلز ولينين وغيرهم أشارت مرات ومرات إلى الدور المركزي للطبقة العاملة وإلى قوتها السياسية الهائلة. ولكن النصوص وحدها لا تكفي، مهما كانت أهمية أو سطوة قائليها. ذلك أن المسألة في جوهرها سياسية وليست نظرية فقط. وما نحتاجه هنا هو تشريح سياسي لوضعية الطبقة العاملة في المجتمعات الرأسمالية الحديثة ولإمكاناتها السياسية التنظيمية مقارنة بغيرها من الطبقات، وذلك حتى نستطيع اكتشاف دورها في التغيير الثوري.

وقبل أن نبدأ هذا التشريح علينا أن نشير سريعًا إلى ما نعينه عندما نتحدث عن “الطبقة العاملة”. الطبقة العاملة -البروليتاريا- في المجتمع الرأسمالي في طبقة العمال الذين يضطرون لبيع قوة عملهم مقابل أجر نقدي ويخضعون لسلطة رأس المال في موقع الإنتاج حتى يتمكنوا من البقاء على قيد الحياة. وبالطبع فإن مصدر اضطرار العمال لبيع قوة عملهم هو عدم امتلاكهم لأية وسائل إنتاج على الإطلاق (قطعة أرض زراعية، مشغل أو ورشة صغيرة، وبالتأكيد مصنع أو شركة كبيرة). ووفقًا لهذا التعريف المبسط فإن العمال المكتبيين (ذوي الياقات البيضاء كما يسمونهم)، وعمال الخدمات والنقل والسياحة…. الخ، هو جزء لا يتجزأ من الطبقة العاملة الحديثة. ولهذه النقطة الأخيرة أهميتها الشديدة حيث إن هناك الكثيرين- حتى من بين صفوف اليسار- الذين يرون خطأ أن من يستحق وصف العامل هو فقط العامل الصناعي وليس غيره.

الطبقة العاملة والاشتراكيون الثوريون الأوائل:
كان مركس وإنجلز هو أول الاشتراكيين الذي اكتشفوا بشكل واضح ومنهجي الدور المركزي للطبقة العاملة في تحقيق الاشتراكية. سبق ماركس وإنجلز وعاصرهم عدد كبير من الاشتراكيين ذوي النفوذ والتأثير الفكري، ولكنهما- أي ماركس وإنجلز- تميزا عن غيرهم بقراءتهم العلمية والثورية للتاريخ ولأحداث عصرهم (أواسط القرن التاسع عشر). فلم تنشأ فكرة أن الطبقة العاملة هي الطبقة المركزية القادرة على قيادة الثورة الاشتراكية بشكل نظري في أذهان هؤلاء القادة الاشتراكيين الثوريين الأوائل، وإنما نشأت نتيجة فهمهم العميق لتطورات الصراع الطبقي في المرحلة الفاصلة في منتصف القرن الماضي.

كان لاتصال ماركس بحلقات العمال الثوريين في باريس في أواخر 1843 أكبر الأثر على نظرته للمجتمع ولإمكانيات تغييره. بدأ ماركس (وإنجلز أيضًا) في هذه الآونة هي بلورة نظرة أشمل لمصدر البؤس والفاقة والتناحر الذين يلفون المجتمع الحديث، واستطاع أن يكتشف الطاقة الثورية لدي الطبقة العاملة التي خلقها هذا المجتمع والتي سلبها حريتها واستغلها لمصلحة قلة من المالكين الرأسماليين. وعندما أتت ثورات 1848 العاصفة، تأكدت بشكل عملي أفكار ماركس حول مركزية الدور السياسي للبروليتاريا. فقد كانت البروليتاريا المسلحة هي الطبقة الأكثر نشاطًا وثورية قيادية في معركة إسقاط الملكية في فرنسا. ليس هذا فقط بل أن أحداث 1848 أوضحت عمق ومركزية التناقض بين العمال والرأسماليين. فبينما حاول العمال تعميق الثورة وتوسيع نطاقها، حاول الرأسماليون إيقاف عجلتها فقط عند حدود إسقاط الملكية. وعندما حدثت مذبحة العمال على يد البرجوازية أصبحت الصورة واضحة تمامًا: التناقض الرئيسي في المجتمعات الحديثة هو التناقض بين الطبقة العاملة والبرجوازية.

وقد تعمقت النظرية الثورية لكارل ماركس في سياق استخلاص تجربة كومونة باريس 1871. ففي هذا العام استطاع عمال باريس الاستيلاء على السلطة وتأسيس دولتهم لمدة شهرين. وبالرغم من قصر المدة، إلا أن أهمية التجربة كانت في كشفها عن طبيعة الدولة التي يمكن وينبغي أن ينشأها العمال لتحقيق سيطرتهم السياسية والاقتصادية. ومرة أخرى في هذه التجربة برزت حقيقة أن حرية العمال الاقتصادية والسياسية رهينة بتحطيمهم لسلطة رأس المال.

لماذا الطبقة العاملة؟
تثبت القراءة المادية للتاريخ الدور المركزي للطبقة العاملة في قيادة الثورة الاشتراكية العالمية، ليس لأن أعضاء الطبقة العاملة أكثر شجاعة أو مهارة من أناس آخرين، وليس لأنهم بالضرورة أكثر فقرًا من غيرهم (المعدمون، والفلاحون الصغار، والمتعطلون عادة ما يكونون أكثر فقرًا)، ولكن لأن وضع هذه الطبقة في المجتمع الحديث وتنظيمها وخبرتها يجعلونها الأكثر تأهلاً للعب هذا الدور.

فبسبب طبيعة وضعها تلتحم الطبقة العاملة بشكل يومي بمعركة النضال الطبقي ضد رأس المال في موقع الإنتاج والمعارك الصغيرة والكبيرة حول معدل الاستغلال (طول يوم العمل، مستوى الأجور، شروط العمل…. إلى آخره) تجبر العمال على النضال الجماعي المنظم أكثر من غيرهم. ويفهم العمال من خبرة حياتهم اليومية المعنى الحقيقي والمباشر للاستغلال، فما يأخذه الرأسمالي هو مجهودهم وعرقهم، ومحاولاته- مثلاً- لإطالة يوم العمل هي محاولات لزيادة معدلات نهبهم. إذن فالموقع الموضعي للعامل في علاقات الإنتاج- الموقع الذي يضعه في مواجهة مباشرة مع الرأسمالي- يفرض عليه خبرة وسياق خاصين لا تعيشهما أي طبقة أخرى، حتى تلك الطبقات التي تعيش في ظروف مادية أسوأ من طبقة العمال.

وبالنظر لتاريخ الرأسمالية نجد أن الطبقة العاملة هي الطبقة الوحيدة من بين طبقات المنتجين المباشرين (كالفلاحين، والحرفيين مثلاً) التي تتوسع باستمرار والتي يرتبط توسعها بشكل تام مع توسع الرأسمالية. فكلما أنتصر رأس المال في فرع من فروع الإنتاج وقضى- ببطء أحيانًا وبقسوة أحيانًا- على المنتجين البرجوازيين الصغار. ومع كل “انتصار” لرأس المال كانت الطبقة العاملة تتوسع: من الصناعة، إلى الخدمات، إلى الأعمال المكتبية وهلم جرا. هذا التوسع للطبقة العاملة (الذي يتباطأ أحيانًا، والذي يأخذ مسارات معقدة، ولكن الذي يحدث باستمرار) هو وجه من أوجه قوتها. فتلك هي الطبقة التي يخلقها ويعزز وجودها نظام الاستغلال الرأسمالي، بينما كل الطبقات المنتجة الأخرى تتآكل وتعرب شمسها، وبالتالي يدب فيها الانحلال السياسي ولا تستطيع مواجهة سلطة رأس المال.

والطبقة العاملة، على عكس جميع الطبقات الأخرى التي لديها دائمًا شيء تحافظ عليه في المجتمع القائم (هذا الشيء هو الملكية الخاصة)، ليس لديها ما تخسره سوى أغلالها وقيودها. فمثلاً وهم الملكية يقيد الفلاحين المالكين لا تجلب عليهم سوى مزيد من البؤس والفقر (ديون، ضرائب، رهونات….). ولذلك فإن البروليتاريا هي الطبقة الثورية الأولى حقًا بين جميع الطبقات التي تعادي البرجوازية. فالمنتج الصغير والحرفي والتاجر الصغير وغيرهم يخوضون حربهم ضد البرجوازية بنصف قلب إذا جاز التعبير. ذلك أن هناك خيطًا يشدهم إلى المجتمع القائم، وهو خيط الحفاظ على الملكية الخاصة. وكقانون عام فإن كل الطبقات الوسيطة بين رأس المال والعمل المأجور ليست ثورية حتى النهاية، وذلك يحكم مواقعها في عملية الإنتاج بين الطبقتين الرئيسيتين. وهي لذلك تتذبذب بينهما وتتردد، ولا تصبح شرائحها الدنيا ثورية إلا في لحظة مد ثوري وبفعل قيادة عمالية حازمة.

وتمتلك الطبقة العاملة دونًا عن كافة الطبقات الأخرى سلاحًا اقتصاديًا وسياسيًا رهيبًا بسبب وزنها ودورها في عملية الإنتاج. فهذه الطبقة، بما تملكه من قوة كعصب لعملية الإنتاج، مهيأة لتحطيم النظام الاجتماعي القديم وبناء نظام آخر على أنقاضه. فمع توسع الرأسمالية وسيطرتها المتزايدة، أصبح العمال هم أكبر وأهم الطبقات المنتجة في المجتمع، وأصبحت حياة المجتمع بأسره، وأرباح الرأسماليين أيضًا، تعتمد تمامًا عليهم. ولذلك فإن إضراباتهم العامة الجماهيرية -نقصد العمال- هي حلقة مفصلية من حلقات تحطيم المجتمع القائم. فحيثما تنشأ أغلال الرأسمالية ينبغي تحطيمها، وتلك الأغلال تنشأ في لمصنع. وعندما يقرر العامل التوقف عن العمل، وعندما يتحول الإضراب إلى نشاط جماهيري واسع وله طابع سياسي، فإن الأساس الاقتصادي للرأسمالية يصاب بالشلل، بينما تتجلى إمكانيات حركة العمال والروابط بين جانبيها السياسي والاقتصادي. وهذا بالضبط ما تثبته أحداث الثورات الكبرى في تاريخ المجتمعات الحديثة، إذ كانت الإضرابات الجماهيرية واحدة من الحلقات الأساسية في العملية الثورية. ولا تعتمد أهمية هذه الإضرابات وتأثيرها، كما يدعي بعض ضيقي الأفق، على نسبة العمال إلى مجموع السكان أو على عددهم المطلق سواء كان صغيرًا أو كبيرًا، وإنما تعتمد على جملة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية من أهمها الوزن الاقتصادي للعمال بغض النظر عن عددهم. فعلى سبيل المثال عمال استخراج البترول في بعض الدول، بالرغم من أنهم لا يتجاوزون آلاف محدودة، يمكنهم بإضراباتهم أن يصيبوا دولة كاملة بالشلل بسبب أهمية النقط في اقتصاد هذا البلد، وهكذا.

وتنعكس كل جوانب القوة السياسية لطبقة العمال وترتبط بشكل جوهري بقوتهم التنظيمية. وأرقع أشكال التنظيم العمالي وأكثرها برهنة على خصوصية هذه الطبقة وثوريتها العميقة هو مجالس العمال الثورية (السوفييتات كما أسماها العمال الروس في أوائل القرن الحالي). وقد ظهرت أشكال مختلفة من هذه المجالس في كل ثورة حدثت على مدار القرن العشرين الحافل بالثورات وبالبروفات الثورية. وتمزج هذه المجالس العمالية المنتخبة والمشكلة في مراحل المد الثوري بين الديمقراطية المباشرة- التي تضمن لكل كادح أن يختار مندوبه المباشر من موقعه وأن يراقبه ويحاسبه ويعزله- وبين المركزية التي تضمن عدم اضطراب الصفوف وانتشار الفوضى.

على أن الإمكانية التنظيمية للطبقة العاملة لا تقتصر على السوفييتات، التي تعتبر أرقى وأرفع الأشكال، وإنما تبدأ من التنظيم العمالي الأدنى في المصنع، وفي الفروع الإنتاجية المختلفة. فوضع الطبقة العاملة داخل علاقات الإنتاج الرأسمالي يعلمها قبل غيرها ضرورة التنظيم. حيث يجد العمال أنفسهم، في ظل نظام المصنع، في داخل وحدات إنتاج كبيرة تضم أعداد غفيرة تحت سقف واحد يواجهون نفس السلطة ونفس شروط الاستغلال، وهو ما يدفعهم إلى التضامن والوحدة. ويشرح ذلك ماركس فيقول: “إن الصناعة الضخمة جمعت عددًا كبيرًا من العمال غير المعروفين لبعضهم البعض، وبرغم محاولة الرأسمالي لتفتيت وحدتهم، وفي خضم محاولتهم الخلاص من الاستغلال الرأسمالي والمحافظة على أجورهم، يجدون أنفسهم مدفوعين إلى هدف ضرورة التنظيم أهم من هدف الدفاع عن الأجور، لأنه الوسيلة الرئيسية للوصول إلى هذا الهدف الثاني. وهكذا يبين ماركس الصلة الوثيقة بين خبرة العمال في معاركهم ضد رأس المال وبين اكتشافهم لأهمية وضرورة التنظيم. ومن الضروري أن نشير هنا إلى أن القدرات التنظيمية داخل صفوف الطبقة العاملة هي حقيقة مادية، بالرغم من أن درس وخبرة التنظيم لا يصلان بشكل متساوي لكافة قطاعات البروليتاريا. فهناك قطاعات متقدمة تكتسب هذه الخبرة بشكل أعمق وأوسع، وهناك قطاعات متأخرة تفتقد لهذه الخبرة بسبب ظروفها الاقتصادية، أو حداثة نشأتها أو غير ذلك من الظروف.

وبمقارنة قوة العمال السياسية والتنظيمية بقوة وإمكانيات غيرهم من الطبقات نستطيع أن نلمس الفوارق الكبيرة والحاسمة. فالفلاحون مثلاً أثبتوا أن بمقدورهم لعب دور إيجابي هام في صراعات اجتماعية كبرى، ولكنهم أثبتوا أيضًا أنهم لا يستطيعون القيام بمبادرات سياسية وقيادة طبقات أخرى، بل أنهم يحتاجون إلى الانتظام وراء قيادة طبقة أخرى وإلا دبت الفوضى والتذبذب في صفوفهم. ذلك أن الفلاحين بتناقضاتهم الداخلية، وبأسلوب إنتاجهم الخاص الذي يعزلهم عن بعضهم البعض، يكونون جمهورًا واسعًا يحيا أعضاؤه في علاقات متعددة أو روابط متينة فيما بينهم. ولذلك يصعب على الفلاحين خلق تكوين سياسي متجانس ومنظم، ويصعب عليهم طرح هدف سياسي استراتيجي واضح وموحد، هذا ناهيك عن التأخر والجهل الذين تفرضهما الحياة في الريف وهو ما جعل الثورات الكبرى دائمًا تبدأ من المدن ثم تنتشر إلى الريف.

وإذا كانت صفة التذبذب السياسي وعدم التجانس تصدق على الفلاحين فهي تصدق أكثر وأكثر على المهمشين (معدمو المدن، سكان العشش من الأرزقية، والمتعطلون….. الخ) الذين اعتقد بعض اليساريين أنهم هم الذين سيكونون الوقود الأساسي للثورات المقبلة! فالمهشون (من يمكن أن نطلق عليهم أيضًا البروليتاريا الرثة) لا يلعبون- بسبب طبيعة وضعهم- أي دور هام في عملية الإنتاج الرأسمالي، بل أنهم- وهذا معنى الاسم- على هامشها. ثم أنهم فئة غير متجانسة لم تصهرها أي خبرات نضالية جماعية، ولم تصقلها دروس الصراع الطبقي اليومية. وبالرغم من الحقد الدفين الذي يكنه المهمشون للرأسمالية والأغنياء، إلا أن حقدهم لا يصب أبدًا في اتجاه محاربة مصدر البؤس والفاقة الذين يعانون منهما، ولذلك نجد أن انتفاضاتهم تأخذ دائمًا طابع محلي وقصير مضمونه الأساسي هو الشغب الفردي عير المنظم.

الطبقة العاملة اليوم:
في بدايات هذا القرن وحتى الثلاثينات، أثبتت سلسلة من التجارب والخبرات النضالية أن الطبقة العاملة لها دور مركزي في العملية الثورية: روسيا 1905، روسيا 1917، ألمانيا 1918، إيطاليا 1919-1920، المجر 1918، الصين 25_1927، إسبانيا 1936. وغيرها. وفي النصف الثاني من القرن لعبت الطبقة العاملة مجددًا الدور المركزي في الحريف الثوري في موجة 1968. أما اليوم فيعتقد كثير من الثوريين السابقين أن عهد الطبقة العاملة ولى إلى غير رجعة وأننا لن نرى نشاطًا ثوريًا لهذه الطبقة في المستقبل القريب أو البعيد. وبالرغم من أن هذا البقال ليس هو المكان المناسب لتنفيذ ادعاءات هؤلاء الانتهازيين، إلا أنه من الجدير بنا أن نشير إلى أن ما يقولونه يعبر عن أوهامهم الذاتية وليس عن حقائق الصراع الطبقي في أواخر القرن العشرين فتطورات السنوات الأخيرة تدفع الطبقة العاملة مرة أخرى إلى مقدمة المشهد، واليوم تمتلئ الصفحات الأولى في الصحف العالمية بأخبار الإضرابات العمالية المؤثرة. والأمثلة كثيرة: الإضراب العام في فرنسا في ديسمبر 1995، إضراب عمال الشحن الفرنسيين 3 مرات في عام واحد (1996-1997)، إضرابات عمال الشحن في سبع دول أوروبية تابعة للاتحاد الأوروبي في 1998، الإضرابات العامة في كندا في 1994- 1995، إضرابات عمال جنرال موتورز في الولايات المتحدة في 1998. هذا إضافة إلى الإضرابات العامة منتصف التسعينات في كل من إيطاليا وإسبانيا والدانمرك واليونان، وإلى الدور المركزي الذي لعبه عمال جنوب إفريقيا في إنهاء نظام الفصل العنصري، وإلى بروز أدوار عمال كوريا وجنوب شرق أسيا عمومًا في خضم الأزمات السياسية والاقتصادية التي عصفت بهذه الدول على مدى العامين الماضيين.

بالطبع لا تعني عودة النضالات العمالية وزيادة تأثيرها أن الحركة العمالية في العالم اليوم في أتم صحة، أو أن هناك موجة مد ثوري كتلك التي سادت في أوائل العشرينات أو حتى في 1968، إلا أنها تعني أن كل معركة طبقية كبرى تجري اليوم هي معركة يلعب العمال فيها- كما في السابق وأكثر- الدور المفصلي. وتعني هذه الأحداث أيضًا أن الحركة العمالية اليوم في وضع أفضال من عشر سنوات مضت، وبالتأكيد في وضع أفضل من أيام الثلاثينات السوداء عندما انتصر هتلر وموسوليني وستالين وحطموا الحركة العمالية الثورية في روسيا وفي أوروبا.

وأهم الأمور في هذا السياق هو ما تشير إليه هذه التطورات بالنسبة للمستقبل. قراءة المستقبل تنبئنا بأن الصراع الطبقي في طريقه إلى الاحتدام. فمع تفاقم أزمة الرأسمالية العالمية، ومع بروز حركات عمالية ناهضة في دول كانت زراعية فقط قبل ثلاثين عامًا، يبدو أن معاركًا طبقية كبرى تلوح في الأفق. وليس من شأننا أن نرسم صورًا للمستقبل وتفاصيله، ولكن الأكيد أن الطبقة العاملة ستلعب دورًا مركزيًا في هذه المعارك، لتثبيت- بطريقتها العملية- للانتهازيين أنها لازالت الطبقة الثورية الأولي في المجتمعات الحديثة والمعاصرة.