بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

نظرية

سلسلة اضطهاد المرأة وتحررها:

المجتمع الطبقي واضطهاد المرأة

* نشر المقال لأول مرة في فبراير 2012 بجريدة العامل الاشتراكي البريطانية، يصدرها حزب العمال الاشتراكي

نناقش في الحلقة الأولى من سلسة مقالاتنا الجديدة حول “اضطهاد المرأة وتحررها” الاعتقاد الخاطئ بأن الطبيعة هي السبب في التمييز على أساس الجنس.

تختلف حياة المرأة اليوم بشكل كبير عما كانت عليه قبل عقود قليلة مضت. لقد خاضت المرأة تحديات كبيرة خاصة فيما يتعلق بالتمييز الجنسي، وتمكنت المرأة بفضل نضالاتها المتواصلة من تحقيق المزيد من الاستقلال الاقتصادي، والحرية الاجتماعية، مع ضمان تلك المكتسبات بوضعها في أطرها القانونية الملزمة.

ولكن رغم كل هذه الامتيازات، التى وصلت إلى الدرجة التي جعلت البعض يردد أن النساء الآن “يملكن كل شئ”، نجد أن الانحياز الجنسي وعدم المساواة أموراً لا تزال قائمة. فإلى الآن تتفاوت أجور العاملين وفقاً لجنسهم، وحتى الآن لايزال عبء رعاية الأطفال والأعمال المنزلية يقع على كاهل المرأة وحدها.

وبينما يزداد الضغط من قبل النساء داخل مجتمعاتهن لتحطيم النمط المفروض عليهن، نجد أن معدل الإدانة في جرائم الاغتصاب متدنٍ بصورة مخزية للغاية. ولفهم هذه التناقضات بشكل أوضح، نحن بحاجة أولاً إلى التعرف على جذور اضطهاد المرأة. يرى البعض أن اضطهاد المرأة يرجع لأسباب بيولوجية، أي وفقاً للنوع. تلك المعتقدات التي تُرجع اضطهاد المرأة لأسباب بيولوجية يرفضها الاشتراكيون تماماً. ولكن إن لم تكن الطبيعة هي المتسببة في هذا التمييز والاضطهاد، ترى هل تكون التنشئة هي التي تقف وراءه؟!

من السهل ملاحظة الدور الذي تلعبه التنشئة الاجتماعية في تشكيل التوقعات والسلوكيات لكل من الفتيات والفتيان، ومن ثم النساء والرجال. ولكن لما تلجأ المجتمعات لعملية التنشئة الاجتماعية؟! من أي مكان تأتي تلك الأفكار حول دور كل من المرأة والرجل؟! ومتى بدأ كل هذا؟ لقد حاول الاشتراكي الثوري “فريدريك إنجلز” الإجابة عن تلك التساؤلات في كتابه “أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة”.

لقد رصد “إنجلز” دور المرأة عبر التاريخ، بدءاً من المجتمعات البشرية الأولى، تلك المجتمعات التي يشير إليها الباحثين بوصفها مجتمعات “بدائية” أو مجموعات الصيد، لكن إنجلز أسماها مجتمعات “الشيوعية البدائية”. لقد ظهر هذا الشكل من المجتمعات بنسبة 90% من تاريخ البشرية. داخل تلك المجتمعات، أنتج الناس احتيجاتهم بطرق شتى ومتعددة، آنذاك لم يكن لمفاهيم مثل “الثروة” و “الملكية الفردية” أية وجود. عاش الناس في تجمعات صغيرة وقاموا بإنتاج ما يحتاجونه.

بالطبع كان هناك تقسيم للأدوار بين الرجل والمرأة، ولكن لم تكن هناك نظرة تفضيل بينهما، فليس هناك من هو أسوأ أو أفضل من الآخر. لقد تغير النمط الذي يحيا عليه البشر، عندما تغيرت طريقة إنتاجهم للأشياء. في الزراعة على سبيل المثال، التغييرات التي طرأت في مجال الإنتاج الزراعي زادت من كفائته وإنتاجيته. ولأول مرة في تاريخ البشرية، أصبح من الممكن إنتاج ما هو أكثر من حاجة الناس الفعلية.

في مجتمعات “الشيوعية البدائية” كانت المرأة هي محور المجتمع، وكان لديهن سلطة على الرجال في كثير من الأحيان، لأن العمل الذي كن يقمن به كان هو المصدر الرئيسي لغذاء المجموعة. وكان لدخول فنون الزراعة المستحدثة مثل “الحرث الثقيل”، واستخدام الحيوانات المستأنسة دوراً في مضاعفة إمكانية زيادة الإنتاج ووفرته. ولكن كان من الصعب على الحوامل من النساء والأطفال المشاركة في هذا النوع من العمل.

وبالتالي فإن مسئولية الرجال عن هذا العمل المثمر تزايدت بشكل كبير. تلك التحسينات والتغيرات التي طرأت على التقنيات الزراعية، كانت تعني بالضرورة أيضاً الحاجة إلى المزيد من العمال. كما أصبح إنجاب المزيد من الأطفال أمراً مقبولاً من الناحية الاقتصادية. وهكذا بمرور الوقت، أصبح الرجل هو المسئول حصرياً عن الإنتاج، وأصبح دور المرأة الرئيسي هو إنجاب الأطفال.

وهناك تغييرات اجتماعية أخرى حدثت، فرعاية الأطفال في المجتمعات “الشيوعية البدائية” كانت من مسئولية المجموعة ككل. ولكن بظهور الملكية الخاصة والطبقية، تطورت بنية العائلة وظهرت الخصوصية. وبمرور الوقت سيطرت نخبة أصغر وأصغر على فائض الإنتاج، وأصبحت عملية الاحتفاظ بالثروة وتمريرها جيلاً بعد جيل هي الأهم على الأطلاق، وأصبحت الأسرة هي الآلية الرئيسية للقيام بذلك.

وانقسمت عملية الإنتاج وإعادة الإنتاج إلى مجالين عام وخاص، وكان دور المرأة فيها ثانوياً بالمقارنة بدور الرجل. ولم يكن للطبيعة دوراً في هذا التمييز، ولا يمكننا فهم هذا التمييز إلا من خلال فهم الكيفية التي تطور بها المجتمع وصولاً إلى الملكية الخاصة ومن ثم المجتمع الطبقي. بالطبع، تغيرت طبيعة الأسرة عبر المجتمعات الطبقية المختلفة، لكن تظل الاسرة هي الوحدة الاقتصادية والاجتماعية الأساسية لاستمرار العمل. وطالما أنها لا تزال باقية، فستظل هي التي تشكل دور المرأة في المجتمع.