بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الماركسية والدين

“الدين أفيون الشعوب” هذه العبارة الشهيرة لماركس كثيرًا ما يتم تشويهها من جانب خصوم الماركسية من المتدينين وغير المتدينين معًا. والنتيجة تكون عادة تبسيط واختزال ذلك النقد العميق للدين الذي طرحه ماركس وإنجلز. ولعل المدخل المناسب لتجنب هذا التبسيط الخل هو أن نتذكر أن سهام النقد الماركسي للدين كانت في الواقع موجهة لا للدين ذاته فحسب، وإنما أيضًا لموقف فلاسفة ومفكري التنوير البرجوازيين من الدين.

شن فلاسفة التنوير في القرن الثامن عشر، في فرنسا على وجه الخصوص، حربًا لا هوادة فيها ضد الدين (المسيحي على وجه الخصوص)، إذ رأوا فيه عقبة تحول دون التقدم الإنساني نحو آفاق الحرية والعقل. ويمكن تلخيص هذا النقد التنويري للدين في جانبين مختلفين، وإن كانا متكاملين: الجانب الأول هو النقد الفكري أو المعرفي الذي تم توجيهه إلى الدين نفسه، والجانب الثاني هو النقد الأخلاقي والسياسي الموجه للكنيسة الكاثوليكية.

رأى رجال التنوير أن أصول الدين تكمن في خوف الإنسان البدائي من الطبيعة التي وقف أمامها عاجزًا بسبب جهله بقوانينها. إن هذا الجهل دفع المجتمعات البدائية لعدم تمييز نفسها عن مظاهر الطبيعة المختلفة، حيث أضفوا على هذه المظاهر الصفات الحيوية للإنسان، واعتقدوا أن كل شيء في الطبيعة له “روح” تنطوي على أفكار ورغبات تشبه أفكار الإنسان ورغباته. ولما كان هذا الإنسان يفتقد للقدرة الموضوعية على السيطرة على الطبيعة من خلال العلم والتقدم التقني، فقد راح يستعيض عن ذلك بسيطرة وهمية على الطبيعة يتيحها كل من السحر والدين. فبواسطة السحر سعي الإنسان للسيطرة على “أرواح” الظواهر الطبيعية أما بدفعها لتقليده (كأن يقذف بالماء من فمه استدعاءً للمطر) أو لنقل قواها إليه (كأن يرتدي قناع النمر لكي تنتقل إليه قوته). وفي مرحلة تالية فإن الدين، بتصوره لوجود خالق قادر على كل شيء وتسع رحمته كل شيء قام بتمييزه الإنسان وخلقه على صورته، قد منح الإنسان شعورًا وهميًا بالأمان إزاء قسوة الطبيعة.

ولكن إذا كان الدين، مثله مثل السحر، قد نشأ بسبب الجهل، فإنه بدوره، كما أكد التنويريون، يغذي الجهل ويعمل على تكريسه. فالدين ينطوي على أساطير وخرافات غيبية كثيرة لا يمكن للعقل قبولها، وهو يطالب المؤمنين به بالتسليم الذي لا يرقى إليه شك بعقائد لا يوجد دليل على صحتها، وهو ما يؤدي إلى الشلل الفكري وغياب الحس النقدي لدى الإنسان.

لقد أخذ رجال التنوير على عاتقهم أن ينشروا على أوسع نطاق “الثورة العلمية” التي ظهرت خلال القرن السابع عشر، بحيث يخرجوا بها من دائرة خاصة المتخصصين والمثقفين إلى دائرة عامة القراء والمواطنين. وقد لاحظوا بالطبع أن الدين يناصب العلم الحديث العداء، ليس فقط على مستوى هذه الحقيقة العلمية أو تلك، وإنما أيضًا على صعيد منهج الوصول إلى الحقائق. ففي حين أن العلم يحاول الوصول إلى الحقائق عن طريق الملاحظة وإعمال العقل على أساس هذه الملاحظة، فإن الدين يعتبر أن الطريق إلى هذه الحقائق يكمن في الرجوع إلى النصوص المقدسة. ومن ثم اعتبر رجال التنوير أن نقد الدين جزء لا يتجزأ من مسعاهم لنشر الثقافة العلمية وترويجها.

يتمثل إذن الجانب المعرفي من نقد التنويريين للدين فيما يلي: الدين يقوم على الجهل ويغذي بدوره الجهل، إنه يحول دون التفكير العقلاني الحر ويعادي العلم والمنهج العلمي في التفكير. أما الجانب الآخر من النقد التنويري للدين فتمثل في النقد الأخلاقي / السياسي الذي ركز على دور الكنيسة الكاثوليكية في المجتمع الأوروبي.

رأى التنويريون في الكنيسة مؤسسة رجعية متحالفة مع الملكيات المستبدة ومؤيدة باستماتة للنظام الإقطاعي المتداعي. وهي مؤسسة تستخدم الدين في توطيد سلطة رجال اللاهوت في المجتمع، وتقوم بإرهاب العلماء والمفكرين الأحرار، وتناصب حرية الفكر العداء. كما أنها تقيد رعاياها بأغلال الفكر الغيبي الخرافي وتمنحهم أملاً زائفًا في النعيم في الحياة الأخرى يلهيهم عن تغيير ظروف حياتهم في هذه الحياة.

وبالطبع وجد التنويريون علاقة وثيقة بين هذين الجانبين من نقدهم للدين. فإذا كانت العقيدة الدينية تدعي تقديم إجابة يقينية ثابتة للأسئلة الجوهرية المتعلقة بحياة الإنسان ومصيره، فإنها بذلك تدفع أنظار المؤمنين دائمًا للوراء وتحول بينهم وبين السعي لاكتشاف حقائق جديدة واكتساب معارف جديدة، أو التطلع لحياة أفضل. ومن هنا فإن الدين يعمل على تعزيز الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية القائمة، فلا غرابة إذن في الدور الرجعي الذي تلعبه الكنيسة – تجسيد العقيدة الدينية – في دعم استقرار المجتمع الإقطاعي. لقد رأى التنويريون في الدين مؤامرة من جانب الملوك والكهنة والارستقراطيين للإبقاء على أغلال المجتمع، واعتبروا أن محاربة “الظلامية الدينية” هي الشرط الأساسي لتحرير الإنسان وتحقيق التقدم.

نظر ماركس وإنجلز لفلاسفة التنوير الفرنسيين على أنهم أحد الروافد الأساسية لفكرهما، وتعاطفا مع جوانب عديدة من النقد التنويري للدين. إلا أن النقد الماركسي للدين يختلف كثيرًا عن النقد التنويري الذي لخصنا أبرز معالمه. ويمكن القول بأن نقد الماركسية للدين يتسم بأنه أكثر عمقًا وجذرية وفي الوقت ذاته أكثر تفهمًا وتسامحًا من النقد التنويري للدين، كما سنرى.

إن الإنسان المتدين يعتبر التمسك بالدين (دينه هو لا الديانات الأخرى بالطبع) طريق الخلاص الإنساني. أما التنويري المعادي للدين، فإنه على النقيض يعتبر أن محاربة تأثير المؤسسات الدينية الأفكار الظلامية الدينية هو طريق التحرر الإنساني. والماركسية ترفض كلا الموقفين إذ ترى فيهما معًا عجزًا عن فهم العلاقة بين الدين والمجتمع. فالدين ليس قوة تاريخية مستقلة في حد ذاته، وإنما هو نتاج للمجتمع ولا يمكن التعامل معه بمعزل عن بقية جوانب الواقع المادي والاجتماعي.

تتفق الماركسية مع التنويريين في أن البذور الأولى للعقيدة الدينية ترتد إلى خوف الإنسان من الطبيعة وجهله بها. إلا أن الدين كظاهرة ناضجة ومكتملة يجد جذوره لا في عجز الإنسان إزاء قوى الطبيعة وإنما في افتقاده السيطرة على قوى المجتمع بفعل ظهور الاستغلال وانقسام المجتمع إلى طبقات. الدين إذن نتاج اجتماعي. وتحديدًا لأن الإنسان لم يستطع تجاوز القيود التي يفرضها المجتمع الطبقي على وجوده وحياته، فإنه مغترب اجتماعيًا ووجوديًا. أما الدين فإنه تعبير عن هذا الاغتراب حيث يطرح الفكرة الزائفة القائلة بأن مصير الإنسان يكمن خارج نطاق سيطرته، بين يدي الله الجبار ذي القوة المطلقة.

ومادام الدين انعكاسًا للاغتراب الإنساني ونتاجًا للمجتمع الطبقي، فإنه يميل أيضًا لتكريس هذا الاغتراب وتبرير هذا المجتمع الطبقي. هكذا فإن الدور الرئيسي للدين عادة ما يكون هو إضفاء الشرعية على العلاقات الاجتماعية القهرية القائمة في المجتمع والحفاظ على المؤسسات التي تجسد هذه العلاقات. إلا أن الأمر أعقد كثيرًا من اختزال الدين في مؤامرة لأولى الأمر تهدف إلى الحفاظ على الوضع القائم. ففي مجتمع يستحوذ فيه الدين على تأييد جماهير المضطهدين، يمكن لحركات التمردية أو حتى الثورية أن تتخذ صبغة دينية عن طريق تطويع الأيديولوجيا الدينية السائدة ذاتها بما يتلائم مع مصالح الجماهير.

الدين كأيديولوجيا إذن قوة فاعلة، لكنه قوة فاعلة داخل المجتمع، داخل الصراع الطبقي، وليس في الفراغ. وإذا كان دوره الأساسي هو تدعيم واستمرار الأوضاع القائمة فإنه قد يتحول في أحوال بعينها إلى قوة ثورية في المجتمع. وفي كل الأحوال، ينبغي أن نفهم الدور الذي يلعبه الدين في المجتمع بشكل ملموس وفقًا لكل حالة على حدة. فالمسيحية كما لاحظ ماركس وإنجلز كانت في الأصل حركة للمضطهدين ظهرت في أوساط العبيد والفقراء المحرومين من أية حقوق في الإمبراطورية الرومانية. وإذا كانت قد تحولت إلى قلعة الإقطاع في أوربا القرون الوسطى، فإن ذلك لم يمنع حركات التمرد الفلاحية من اتخاذ صبغة دينية. وينطبق الأمر ذاته على الإسلام أيضًا وكذلك على مختلف الأديان.

نستطيع الآن أن نتفهم ما قصده ماركس بتعبير “الدين أفيون الشعوب”. إن هذه العبارة تفهم عادة بمعنى أن الدين مخدر يسمح للناس بتحمل بؤسهم عن طريق الغرق في أحلام تحرمهم من القدرة على التمرد. وهذا كما رأينا هو المفهوم الذي تبناه فلاسفة التنوير، وهو بالطبع جزء (ولكن جزء فقط) مما عناه ماركس. إن الجملة السابقة مباشرة على تعبير ماركس الشهير تقول: “البؤس الديني هو في الوقت ذاته تعبير عن البؤس الحقيقي واحتجاج على البؤس الحقيقي”. إن أحلام الأفيون إذن قد تخدر الناس بما يحول دون الفعل والحركة، كما أنها قد تثير الخيال وتدفع نحو الاحتجاج والصراع. إلا أن الأفيون في الحالتين لا يؤدي إلى إدراك سليم للواقع. وقد صاغ ماركس تعبير “الدين أفيون الشعوب” في معرض تحليله للحركة الفلاحية الثورية المعادية للإقطاع في القرن السابع عشر والتي اتخذت شكل الهرطقة الدينية. وتحديدًا لأن الشيوعية لم تكن ممكنة موضوعيًا في ذلك الوقت، ولأن الصراع من أجلها بالتالي لم يكن ممكنًا أن يكون بشيرًا للمستقبل، فإن النزوع نحوها اتخذ ذلك الشكل الخيالي الديني.

الموقف الماركسي من الدين أكثر تفهمًا وتسامحًا إزاء الدين من الموقف التنويري من جانبين إذن: إنه أولاً لا يعتبر معركته الرئيسية مع “الظلامية الدينية” وإنما مع العلاقات الاجتماعية الاستغلالية والقهرية التي هي أساس هذه الظلامية. وهو ثانيًا يفهم أن الدور المعقد للأيديولوجيا في المجتمع قد يجعل الدين أحيانًا قوة تمردية، بل وثورية، في أوضاع محددة. إلا أنه في هذا المفهوم تكمن تحديدًا جذرية الموقف الماركسي من الدين، ذلك الموقف الذي يضع الدين داخل سياق الأوضاع الاجتماعية التي تفرزه وتعمل على استمراره، الموقف الذي يزيل عن الدين قداسته ويبين أن الإنسان هو الذي خلق الله وليس العكس.

كما أن الموقف الماركسي من الدين أكثر جذرية من موقف التنويريين من جانب آخر. فعلى الرغم من حدة عدائهم للدين أفكارًا ومؤسسات كما رأينا، فإن أغلب مفكري التنوير لم يكونوا ملحدين، بل إلهين أي مؤمنين بالله ولكن ناكرين للوحي والأديان. والسبب الرئيسي في إيمان أغلبهم بالله يعود إلى المنطلق الفلسفي الذي انطلقوا منه، وهو المادية الميكانيكية التي كان لنيوتن الفضل الأول في إرساء دعائمها.

ليس هذا بالطبع المجال لمناقشة مستفيضة حول الفارق بين كل من المادية الميكانيكية والمادية الجدلية في فهم الكون وتطوره، ولكن نقول باختصار شديد أن الاكتشافات العلمية العظيمة في القرن السابع عشر، والتي توجتها نظرية الجاذبية الأرضية لنيوتن، قد أفرزت تصورًا ماديًا للكون حل محل التصور الديني السابق، لكنه لم يرفض فكرة “الله” وإن كان قد قدم مفهومًا جديدًا له أقل تواضعًا من المفهوم الديني التقليدي. لقد ذهب نيوتن في تصوره عن الكون إلى وجود ما أسماه بالمكان المطلق (الوعاء الشامل الكلي الذي يحتوي على جميع الأجسام في الكون)، والزمان المطلق (الوعاء الشامل الكلي الذي يحتوي على جميع الأحداث في الكون). ورأى نيوتن أن المادة تتكون من ذرات مفردة، هي الوحدات البسيطة التي لا تتجزأ إلى ما هو أبسط منها. وكل ذرة من هذه الذرات توجد في نقطة معينة من نقاط المكان المطلق، كما تحدث في لحظة من لحظات الزمان المطلق.

ورغم أن نيوتن رأى أن العالم المادي في حركة دائمة تخضع لقوانين صارمة، فإن فهمه لهذه الحركة اقتصر على ما يطرأ على الذرات المفردة من تبديل في مواقعها داخل المكان المطلق، أما الذرات ذاتها فإنها لا تخضع لأي نوع من التحول الداخلي أو التغير العضوي. كانت مادية نيوتن “ميكانيكية” لأن الحركة الوحيدة التي تصورتها للذرات المادية هي حركة آلية محضة تخضع لقانون الجاذبية، كما كانت هذه المادية “ساكنة” لأنها رفضت إمكان حدوث أي تطور داخلي على الذرات المفردة ذاتها.

قدم نيوتن إذن فهمًا علميًا ماديًا لحركة الكون، إلا أن الطابع “الساكن” لماديته اضطره لقبول فكرة الله كمحرك أول لهذا الكون الذي تتسم مكوناته الأساسية بالسكوت والثبات. هكذا آمن نيوتن ومعه أغلب فلاسفة التنوير بإله مختلف عن إله الأديان. إن الله هنا لا يشبه الملك المستبد الذي يحكم الكون بكل تفاصيله كما فعل سليمان في مملكته، ولكنه أقرب إلى الملك الدستوري حيث أنه خلق العالم ثم لم يتدخل بعد ذلك في عمل قوانين الطبيعة.

أما المادية الجدلية، فقد رفضت هذا المفهوم السكوني عن العالم واستبدلته بفهم تطوري للكون ومكوناته استبق كثيرًا من التطورات العلمية اللاحقة في القرن العشرين. وعلى أساس هذا التصور الديناميكي عن المادة، استطاعت الماركسية أن تنظر للكون بأسرة كوحدة واحدة دائمة الحركة والتطور. يقول إنجلز في هذا المجال “في مفهومنا التطوري عن الكون، لا يوجد مجال إطلاقًا لخالق أو لحاكم، والحديث عن “كائن أعلى” منفصل عن العالم القائم بأسره يفترض تناقضًا لفظيًا”. (حول الدين، ص 295 – النسخة الإنجليزية).

هكذا قدمت الماركسية ليس فقط رؤية اجتماعية ناضجة لنشأة الدين وتطوره وعلاقته بالصراع الطبقي، وإنما أيضًا رؤية مادية ديناميكية للكون تستغني عن فكرة الله وتمثل أساسًا فلسفيًا راسخًا للعلم الحديث.

يبقى أن نختتم هذا المقال بتناول ما ينبغي أن يكون عليه مسلك الماركسيين إزاء الدين والمؤمنين به. يتعين هنا أن نفرق بين الحزب الماركسي، حزب البروليتاريا الثورية، والدولة البروليتارية من الدين في أعقاب ثورة ظافرة يتلخص في الفصل الكامل بين الدين والسياسة، وهو ما يعني إتاحة الحرية المطلقة للاعتقاد الديني، أي حرية اعتناق هذا الدين أو ذاك، أو رفض الديانات جميعًا. الدولة البروليتارية إذن محايدة إزاء الدين.

ولكن هذا الموقف لا يمتد للحزب الثوري. وفي حين أن لينين أكد أن على الدولة أن تتيح حرية دينية مطلقة (وكان هذا بالفعل هو موقف الدولة العمالية في السنوات القليلة التي تلت ثورة أكتوبر)، فإنه رأى أن على الحزب الثوري – قبل الثورة وبعدها – أن يخوض نضالاً أيديولوجيًا مبدئيًا ضد الدين. يقول لينين: “إن حزب البروليتاريا يطالب بأن تعلن الدولة أن الدين مسألة شخصية، لكنه لا يعتبر للحظة أن مسألة النضال ضد أفيون الشعوب – النضال ضد الخرافات الدينية، إلخ – مسألة شخصية. لقد شوه الانتهازيون هذه المسألة بحيث يبدو أن الحزب الاشتراكي الديمقراطي يعتبر الدين مسألة شخصية”.

ولكن كما عارض لينين الانتهازيين الذين يريدون أن يتوقف الحزب الثوري عن النضال الأيديولوجي ضد الدين، فقد عارض أيضًا الموقف اليساري الطفولي الفوضوي الذي يطالب بإعلان الحرب على الدين كهدف سياسي للحزب البروليتاري. إن صراع الماركسيين مع الدين هو صراع أيديولوجي ينبغي أن يكون خاضعًا للمتطلبات الملموسة للصراع الطبقي. وعلى سبيل المثال، فإذا أقامت مجموعة من العمال المتأثرين بالدين نقابة مسيحية أو إسلامية وأضربوا عن العمل تحت راية هذه النقابة، فعلى الماركسيين أن يعتبروا نجاح الإضراب أهم من القيام بدعاية إلحادية بين العمال المضربين. ذلك أن تفتيت صفوف العمال على أساس الاعتقاد الديني لن يخدم سوى مصالح رأس المال.

إن إخضاع النضال ضد الدين لمتطلبات الصراع الطبقي يعني أيضًا قبول عضوية العمال المؤمنين بالحزب ماداموا يقبلون برنامجه السياسي، وترك هؤلاء الأعضاء يواجهون التناقض بين قناعاتهم الدينية وموقفهم السياسي بالشكل الذي ينسجم مع تطورهم الفكري وتعلمهم من مدرسة الصراع الطبقي. إلا أن ذلك لا يعني أبدًا تخلي الحزب عن صراعه الأيديولوجي المبدئي مع الدين.

إن الماركسي، كما قال لينين، “يجب أن يكون ماديًا، أي عدوًا للدين. ولكنه يجب أن يكون ماديًا جدليًا، أي أن يحارب ضد الدين لا في المجرد، لا بواسطة الدعاية المجردة، المحض نظرية، وإنما بشكل ملموس، وعلى أساس الصراع الطبقي الدائر بالفعل – وهو صراع يعلم الجماهير أفضل من أي شيء آخر”.