بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الماركسية والإمبريالية المتغيرة

كارل ماركس

مع انهيار الكتلة الشرقية ونهاية الحرب الباردة، انتشرت مقولات “النظام العالمي الجديد” القائم على الحرية والعدالة واحترام القانون وتسوية المنازعات بين الدول سلميًا، و”نهاية التاريخ” بمعنى نهاية الصراعات التاريخية الكبرى بانتصار الأيديولوجيا الليبرالية. وقيام “القرية العالمية” بفعل العولمة الاقتصادية وثورة الاتصالات والمواصلات. وعلى النقيض تمامًا من هذه المقولات جاءت سنوات ما بعد الحرب الباردة لتبين أننا نحيا في عالم لا يقل دموية – إن لم يزد – عما سبق. إن الحروب الأهلية والإقليمية تحتدم في عالمنا بشكل يصعب حصره. كما أن مذبحة حرب الخليج الثانية التي تعرض لها العراق في عام 1991 وتوابعها يؤكد أن الإمبريالية بمعناها الفج وشكلها المباشر المتمثل في استخدام القوة الغاشمة في فرض إرادة القوى العظمى على الدول الأصغر لا تزال في أوج الانتعاش.

إن النظرية الماركسية حول الإمبريالية، التي أسهم في تطويرها في العقدين الثاني والثالث من هذا القرن ماركسيون أبرزهم لينين وبوخارين، قد أكدت العلاقة العضوية بين الرأسمالية والإمبريالية، حيث بينت أن الإمبريالية هي في الواقع مرحلة تطور إليها النظام الرأسمالي العالمي، بل أنها أعلى مراحله، وأن القضاء على الإمبريالية بالتالي يقتضي القضاء على الرأسمالية عن طريق الثورة الاشتراكية العالمية. وخلال العقود التي تلت ظهور هذه النظرية. شهد عالمنا تحولات اقتصادية وسياسية هائلة دفعت البعض للحديث عن نهاية الإمبريالية. وفي هذا المقال نحاول أن نفند هذا الادعاء مؤكدين أننا لا نزال نحيا في عالم إمبريالي. وفي الوقت ذاته، نبين أن إمبريالية اليوم تختلف في جوانب هامة عن إمبريالية بدايات القرن العشرين. وسوف يناقش المقال التحولات التي شهدتها الإمبريالية بالتركيز على نقطة واحدة أساسية وهي علاقة الإمبريالية بالاقتصادات الرأسمالية المتقدمة، أي باقتصادات الدول الإمبريالية ذاتها.

الرأسمالية الغربية والإمبريالية:

شهد النصف القرن السابق على قيام الحرب العالمية الأولى زيادة كيفية في التوسع الاستعماري الأوروبي، حيث زادت الممتلكات الاستعمارية الأوربية من 27 مليون ميل مربع إلى 29 مليون مربع، كما زاد السكان الخاضعون للاستعمار الأوروبي من 148 مليون نسمة إلى 568 مليون نسمة، وذلك خلال الفترة بين 1860 و1914. فإذا تذكرنا أن عملية التوسع هذه لم تكن قد اكتملت بعد حيث لم يتم تقسيم غالبية البلدان العربية الخاضعة للإمبراطورية العثمانية بين بريطانيا وفرنسا سوى مع نهاية الحرب العالمية الأولى، فإننا نستطيع أن نفهم لماذا اعتبر لينين هذه الفترة – العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر والأول من القرن العشرين – تدشينًا لمرحلة جديدة في تطور الرأسمالية العالمية. في مرحلة الإمبريالية. وقد لاحظ لينين التزامن بين هذا التوسع الإمبريالي الكبير من جانب، وانتقال الرأسمالية داخليًا إلى المرحلة الاحتكارية من جانب آخر. وتضمن تعريف لينين الشهير للإمبريالية العناصر الخمسة التالية:

1- تركيز الإنتاج والرأسمال قد تطور إلى حد خلق احتكارات تلعب دورًا حاسمًا في الحياة الاقتصادية؛ 2- اندماج الرأسمالي البنكي مع الرأسمالي الصناعي، وخلق صفوة مالية على أساس هذا “الرأسمال المالي”؛ 3- تصدير الرأسمال على خلاف تصدير السلع أصبح يكتسب أهمية خاصة؛ 4- خلق احتكارات رأسمالية دولية تسيطر فيما بينها على العالم، وأخيرًا، 5- تقسيم أراضي العالم بين القوى الرأسمالية العظمى.

ينطوي هذا التعريف اللينيني للإمبريالية على بعض نقاط الضعف، لعل أبرزها أنه يعدد خصائص الإمبريالية المختلفة دون تحديد الأهمية النسبية لكل منها. وقد صار واضحًا بعد ذلك أن بعض هذه الخصائص أقل أهمية من غيرها. فعلى سبيل المثال: كان الرأسمال المالي، أي اندماج الرأسمال البنكي مع الرأسمال الصناعي، أكثر تطورًا كثيرًا في ألمانيا عنه في إنجلترا. ورغم أن لينين كان محقًا في الارتباط بين التوسع الاستعماري وتصدير الرأسمال، حيث زادت الاستثمارات الأوروبية في المستعمرات من 2 بليون جنيهًا استرلينيًا في 1862 إلى 44 بليون في 1913، إلا أن بعض البلدان الإمبريالية كالولايات المتحدة واليابان ظلت حتى 1914 في الإجمالي مستوردة وليس مصدرة للرأسمال. وأخيرًا فرغم صحة الارتباط التاريخي بين نمو الاحتكارات داخليًا والتوسع الإمبريالي خارجًا، إلا أن العلاقة بين الجانبين قد اتسمت باللاتكافؤ. ففي أواخر القرن التاسع عشر كانت الاحتكارات قد نمت في الاقتصاد الألماني بشكل فاق كثيرًا نموها في الاقتصاد الإنجليزي في حين أن إنجلترا كانت أكثر “تقدمًا” كثيرًا من ألمانيا على صعيد التوسع الاستعماري. أن هذا التفاوت كان في قلب الأسباب التي أدت بعد ذلك إلى نشوب حربين عالميتين. وإنصافًا للينين، ينبغي أن نذكر أنه لم يعتبر كتابه الإمبريالية: أعلى مراحل الرأسمالية دراسة علمية دقيقة وإنما، كما جاء في عنوان الكتاب الفرعي، “عرض شعبي” اعتمد فيه لينين أساسًا على العمل الهام “الإمبريالية” للاقتصاد الليبرالي الراديكالي هوبسون.

ومع ذلك، فإن تصور لينين الأساسي عن الإمبريالية يظل سليمًا. فهو أكد أن السمة الأكثر أهمية وحسمًا للإمبريالية هي سيطرة الاحتكارات على الحياة الاقتصادية (النقطة الأولى في تعريفه). يقول لينين: “من حيث جوهرها الاقتصادي، الإمبريالية هي الرأسمالية الاحتكارية”. لم يكن لينين هنا على صواب فحسب، إنما استطاع أيضًا أن يضع الإمبريالية في سياقها التاريخي كجزء من تطور الرأسمالية، وأن يفهمها باعتبارها نتاجًا لقوانين حركة النظام الرأسمالي. وتتضح هذه النقطة الأخيرة أكثر عندما نطل على الصيغة الأكثر دقة وصرامة للنظرية الماركسية حول الإمبريالية التي طرحها بوخارين، الذي اعتبره لينين أعظم مفكر اقتصادي بين قادة ومنظري البلاشفة.

اعتبر بوخارين أن الإمبريالية تنطلق من قانون أساسي للنظام الرأسمالي، وهو اتجاه وحدات الرأسمال نحو مزيد من التركيز والتمركز بشكل متزايد. فالمنافسة الشديدة داخل النظام الرأسمالي تدفع عملية التراكم قدمًا، ويؤدي إفلاس المشاريع الأضعف والأقل كفاءة واندماجها في المشاريع الأكبر إلى زيادة حجم وحدات الرأسمال (تركيز الرأسمال) وانخفاض عددها (تمركز الرأسمال) حيث يتكون الاقتصاد “القومي” بشكل متزايد من عدد محدود من الشركات العملاقة. ورأى بوخارين أن الامتداد المنطقي لهذه الظاهرة، أي سيطرة حفنة قليلة من الشركات الكبرى على الاقتصاد القومي، يتمثل في رأسمالية الدولة، حيث يتزايد الدور الاقتصادي المباشر للدولة البرجاوزية في التنسيق بين أنشطة الشركات “القومية” الكبرى وتوجيه قراراتها الاستثمارية، وربما أيضًا في الملكية المباشرة للمشروعات من خلال التأميم وإنشاء القطاع العام.

في الوقت ذاته، أكد بوخارين أن (عملية تطور القوى الإنتاجية للاقتصاد العالمي تدفع هذه الأنظمة “الوطنية” نحو النزاعات الأكثر حدة في صراعهم التنافسي على السوق العالمي). يمثل الاقتصاد العالمي إذن، والذي يعرفه بوخارين بأنه (نظام من علاقات الإنتاج وعلاقات التبادل المقابلة لها على صعيد العالم) الساحة التي تتنافس عليها رأسماليات الدولة الوطنية. ينطوي تزايد تركيز الرأسمال إذن على نزعتين أساسيتين: نحو رأسمالية الدولة، ونحو تدويل الرأسمال.

يستخلص بوخارين نتائج هذه التحولات داخل النظام الرأسمالي حيث يقول (مع تكون احتكارات رأسمالية الدولة، تكاد المنافسة تتحول بالكامل إلى البلدان الأجنبية؛ وبديهيًا فإن أدوات الصراع الذي يتم شنه خارجيًا، قوة الدولة بالأساس، تنمو بالتالي بشكل هائل). أن المنافسة بين الرساميل في مرحلة الإمبريالية تميل لأن تتخذ شكل الصراعات العسكرية بين دول قومية. وفي التحليل الأخير، يعتمد حل هذه الصراعات بين الدول الإمبريالية على توازن القوة العسكرية فيما بينها، والذي يعتمد بدوره على القاعدة الصناعية التي تمثل دعامة القوات المسلحة. وهكذا فإن الحروب الإمبريالية تنطلق بشكل عضوي من طبيعة الرأسمالية في على مراحلها. فالإمبريالية بالمعنى العام للكلمة المتمثل في خضوع الدول الأضعف للدول الأقوى عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا هي نتاج لتكون اقتصاد عالمي منقسم إلى رأسماليات دولة متنافسة.

يمكن إذن أن نلخص النظرية الماركسية. حول الإمبريالية فيما يلي: الإمبريالية هي مرحلة في التطور الرأسمالي يتسم بهاتين السمتين: 1- يميل تركيز وتمركز الرأسمال نحو الدمج بين الرأسمال الاحتكاري الخاص والدولة؛ 2- يؤدي تدويل الرأسمال لإجبار الرساميل على المنافسة على الأسواق والاستثمارات والمواد الخام على مستوى العالم. وتتمثل أهم استتباعات هاتين السمتين فيما يلي:

1. المنافسة بين الرساميل تتخذ شكل الصراعات العسكرية بين دول قومية.

2. يؤدي التطور المركب واللامتكافئ للرأسمالية إلى التفاوت في القوة بين الدول بما يسمح لعدد محدود من الدول الرأسمالية المتقدمة (البلدان الإمبريالية)، بفعل مواردها الإنتاجية وقوتها العسكرية، بالسيطرة على بقية العالم.

3. كما يؤدي هذا التطور المركب واللامتكافئ في ظل الإمبريالية إلى تشديد المنافسة العسكرية واندلاع الحروب، سواء كانت حروف بين القوى الإمبريالية ذاتها أو حروب ناشئة عن نضالات الأمم المقهورة ضد السيطرة الإمبريالية.

تمثل السنوات السبعين تقريبًا السابقة على نهاية الحرب العالمية الثانية في 1945 مرحلة ما يمكن تسميته بالإمبريالية الكلاسيكية. أتسم العالم الإمبريالي خلال هذه الفترة بتعدد الأقطاب اقتصاديًا وسياسيًا. فبريطانيا التي كانت أول من خاض الثورة الصناعية في أواخر القرن الثامن عشر لم تعد، بعد قرن من الثورة الصناعية، القوة الصناعية الوحيدة في أوروبا. ولما كانت القوة العسكرية للدول ترتبط مباشرة بمستوى التصنيع، فإن انتشار الرأسمالية الصناعية قد فاقم النزاعات السياسية والعسكرية بين القوى العظمى، وإذا كانت هذه الفترة إجمالاً قد اتسمت بالتوسع الاستعماري الكبير، فإن النصف الثاني منها – حرب الثلاثين سنة الممتدة بين 1914 و1945 – شهد تصاعدًا كيفيًا في النزوع نحو رأسمالية الدولة وهو ما استمر حتى أوائل السبعينات. بلغ هذا النزوع قمته في روسيا الستالينية منذ نهاية العشرينات، إلا أنه كان، بدرجات متفاوتة، سمة عامة في الاقتصاد الرأسمالي العالمي. يقول الماركسي الثوري البريطاني كريس هارمان في فقرة تستحق الاقتباس رغم طولها:

… لم يكن الميل إلى سيطرة الدولة على الاقتصاد كله شيئًا انفردت به الستالينية كان ذلك شيئًا حدث بدرجات متفاوتة في كل مكان في العالم الرأسمالي، وبوجه خاص في عناصره القومية الأضعف، في الفترة التي امتدت من الحرب العالمية الأولى وأزمة 29 – 1933 حتى السبعينات.

لقد وجد أولئك الذين رغبوا في إقامة صناعات جديدة في بلدان كانت الرأسمالية فيها متأخرة في نموها أن الطريقة الوحيدة التي يمكنهم أن يقفوا بها في ذلك في مواجهة المنافسة من جانب القوى الرأسمالية الراسخة تتمثل في استخدام قوى الدولة لتركيز الموارد المتاحة. وقد لعبت الدولة فعلاً في منعطف القرن دورًا رئيسيًا في نمو الصناعة الكبيرة في اليابان وروسيا القيصرية. وقادت الحربان العالميتان وأزمة الثلاثينات إلى درجة هائلة من الاندماج بين الدولة والمشروعات العملاقة في الرأسماليات المتقدمة: كانت هذه هي النقطة الرئيسية التي لاحظها منذ 1916 بوخارين ولينين في دراساتهما للإمبريالية. ومع أواخر الثلاثينيات كان نطاق سيطرة الدولة على النشاط الصناعي في ألمانيا النازية كبيرًا إلى حد أنه أقنع اقتصادي الماركسية النمساوية الشهير هيلفردنج بأن الرأسمالية قد حل محلها أسلوب إنتاج جديد. وحتى في أكثر البلدان الغربية تميزًا “بالسوق الحر”، الولايات المتحدة، أقامت الدولة وسيطرت على معظم القدرة الصناعية خلال سنوات 41 – 1944.

في الثلاثينات والأربعينات كان الحجم الأكثر فعالية للوحدات الإنتاجية من الضخامة بحيث كانت حفنة من الشركات المحلية تسيطر على السوق في السلع المصنعة في كل بلد من البلدان المتقدمة اقتصاديًا. وقد جعل ذلك من المفهوم إدماج هذه الشركات في بنية واحدة، موحدة مع الدولة الرأسمالية: مع استبعاد المنافسين الأجانب من خلال التعريفات الجمركية والحصص… كانت رأسمالية الدولة منسجمة مع مرحلة تطور قوى الإنتاج التي كان ذلك فيها هدفًا يمكن التفكير فيه.

وقد مضى هذا الاتجاه إلى أبعد حد في بلدان كان التطور الصناعي فيها أضعف ما يكون. ففي الثلاثينات والأربعينات انتقلت الدولة إلى مكان الصدارة في التنمية الاقتصادية لبلدان متباينة تباين إيطاليا موسوليني (حيث كانت أكبر كتلتين اقتصاديتين مملوكتين للدولة)، وأرجنتين بيرون، وبرازيل فارجاس، وهند نهرو (حيث كانت العائلات الصناعية الرئيسية قد اتفقت، قبل الاستقلال، على برنامج اقتصادي يقوم على أساس من الخطط الخمسية محاكاة للنموذج الروسي)، والصين في ظل كل من تشانج كاي تشيك وماو تسي تونج، ثم – بعد ذلك بسنوات قليلة – مصر عبد الناصر، والنظامين البعثيين المتنافسين في العراق وسوريا، وجزائر بومدين، والنظام العسكري في بورما.

كان الأساس المنطقي لمثل هذه التحولات بسيطًا: في هذه المرحلة من مراحل الرأسمالية بدا من الممكن إرساء أساس التنمية الصناعية عبر تدخل الدولة بطريقة لم تكن ممكنة بغير ذلك وقصص النجاح الاقتصادي في العالم الثالث، كانت تلك التي حدث فيها تدخل قوى للدولة، وليس حيث ترك كل شيء للسوق. وهذا هو السبب في أن الأيديولوجيات السائدة، كينزية كانت أم اشتراكية، ديمقراطية أم ستالينية، سلمت بتدخل الدولة…..

شهد النظام الإمبريالي العالمي تحولاً جوهريًا مع نهاية الحرب العالمية الثانية بهزيمة ألمانيا واليابان. وكان طبيعيًا أن يكون النظام الجديد انعكاسًا لموازين القوى الجديدة. فالحرب لم تؤد فقط المنتصرين. خرجت القوتان الإمبرياليتين التقليديتان، فرنسا وبريطانيا، من الحرب في حالة يرثى لها، وحلت محلهما، بفعل القوة الاقتصادية والعسكرية الهائلة القوتين العظميين الجديدتين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. إلا أن هاتين القوتين أيضًا كانت أبعد ما يكون عن التوازي في القوة.

كانت الولايات المتحدة مع نهاية الحرب في وضع اقتصادي غير مسبوق. في 1945 كان الاقتصاد الأمريكي – الذي حقق نموًا هائلاً خلال سنوات الحرب – ينتج بنصف إنتاج العالم من الفحم، وثلاثة أرباع إنتاج العالم من البترول، وما يزيد على نصف كهرباء العالم، فضلاً عن أن الإنتاج الأمريكي من الصلب فاق إنتاج روسيا وبريطانيا مجتمعين. وبالطبع لم تقل القوة العسكرية الأمريكية عن قوتها الاقتصادية. وسرعان ما راحت الطبقة الحاكمة الأمريكية تستخدم هذه القوة الهائلة في صياغة العالم على هواها. قبل انتهاء الحرب كانت الولايات المتحدة قد استطاعت أن تجعل من الدولار الأمريكي أساسًا للنظام النقدي العالمي من خلال اتفاقية بريتون وودز في 1944. ومع نهاية الحرب راحت الولايات المتحدة تفرض هيمنتها على أوروبا الغربية حيث ربطت المعونات السخية التي قدمتها لإعادة إعمار أوروبا بعد دمار الحرب بشرطين هامين: “تطهير” الحكومات الأوروبية من أية تأثيرات يسارية (تم بالفعل تهميش الأحزاب الشيوعية الأوروبية القومية في أواخر الأربعينات). وتراجع القوى الإمبريالية القديمة عن “مهامها” التي لم تعد قادرة على القيام بها، لصالح الإمبريالية الأمريكية.

أما الاتحاد السوفيتي. فرغم أنه خرج من الحرب قوة عظمى، إلا أن الدمار الواسع الذي تكبده خلال سنوات الحرب قد أضعف اقتصاده كثيرًا. وفي حين أن الولايات المتحدة استخدمت قوتها الاقتصادية في تحقيق هيمنتها على أوروبا الغربية، فإن الاتحاد السوفيتي اعتمد أساسًا على قوته العسكرية في فرض سيطرته على أوروبا الشرقية. قدمت الولايات المتحدة رشاوي اقتصادية لإجبار أوروبا الغربية على الخضوع لها سياسيًا وعسكريًا، في حين استخدم الاتحاد السوفيتي سيطرته العسكرية في نهب الموارد الاقتصادية من أوربا الشرقية (تم نقل مصانع كاملة من بلدان أوروبا الشرقية للاتحاد السوفيتي في أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات). تصرفت كلتا القوتين العظميين إذن كقوى إمبريالية، إلا أنهما كانتا قوتين إمبرياليتين متفاوتتين كثيرًا في القوة.

أوجدت الحرب الباردة تغيرًا هامًا في نمط الصراعات بين الدول الإمبريالية. فقد خلقت هذه الحرب معسكرين استراتيجيين كبيرين، وفرضت هذه القطبية الثنائية نفسها على الصراعات العسكرية والإقليمية بين الدول. وحيث أن غالبية الاقتصاديات المتقدمة قد انطوت تحت لواء المعسكر الأمريكي، فقد أدى ذلك إلى خلق مساحة اقتصادية واسعة تدور داخلها المنافسة بين الرساميل دون أن يؤدي ذلك إلى صراعات عسكرية من النوع الذي كان مزمنًا قبل 1945. هكذا حدث انفصال بين المنافسة الاقتصادية بين الرساميل من جانب والصراع العسكري بين الدول من جانب آخر. ومن ناحية أخرى، حرصت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي على الاتفاق ضمنيًا على الأقل على احترام كل منهما لدوائر النفوذ الرئيسية الخاصة بالآخر، بحيث لا يتم “تسخين” الحرب الباردة بينهما.

كانت محصلة ذلك أن الحرب الباردة خلقت قدرًا كبيرًا من الاستقرار على صعيد الصراعات بين الدول في قلب النظام الإمبريالي. ولم يؤدي ذلك بالطبع إلى إيجاد عالم ينعم بالسلام والطمأنينة، حيث اندلعت الحروب بكثافة في أطراف النظام العالمي، وهي في الأغلب حروب بالوكالة في إطار صراعات القوة والنفوذ بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.

تزامنت الحرب الباردة مع ما يسمى بالانتعاش الطويل – فترة طويلة نسبيًا قاربت 25 عامًا من ازدهار الاقتصاد الرأسمالي العالمي بشكل لا تتخلله أزمات كساد جوهرية. والواقع أن الصلة كانت وثيقة بين الحرب الباردة والانتعاش الطويل. ولكي نفهم ذلك نحتاج لإطلالة سريعة على نظرية الأزمة الاقتصادية الماركسية. تؤكد هذه النظرية على أن هناك ميل طويل المدى لانخفاض معدل الربح في الاقتصاد الرأسمالي. والسبب الجوهري في هذا الميل هو أن المنافسة الدائمة بين الرساميل تدفع على نحو متزايد للاستثمار في الآلات بهدف رفع الإنتاجية واقتحام الأسواق. ويؤدي ذلك إلى زيادة التركيب العضوي للرأسمال – أي الزيادة النسبية في حجم الآلات ووسائل الإنتاج بالمقارنة بالعمل الإنساني في العملية الإنتاجية. ولما كان فائض القيمة المنتزع من عمل العمال في مصدر الربح الذي يحققه الرأسمال، فإن انخفاض نسبة هذا العمل داخل عملية الإنتاج يخلق ميلاً لانخفاض معدل الربح. أن إحدى الوسائل البارزة التي يمكن أن تعرقل هذا الميل وأن تحافظ بالتالي على معدل الربح هي تتميز أجزاء مهمة من الرأسمال بفعل أزمات الكساد والحروب، وبالتالي العودة إلى تركيب عضوي منخفض للرأسمال يسمح بمعدلات ربح مرتفعة. وقد لاحظ ماركس أن تدمير الرأسمال هذا يمكن أن يحدث بطريقة ثالثة (غير الكساد والحرب) وهي زيادة الاستهلاك الترفي للطبقة الحاكمة. فهذا الاستهلاك الترفي يؤدي إلى تدمير جزء من الفائض الاقتصادي الذي كان من الممكن استخدامه في توسيع الإنتاج من خلال الاستثمار. وحيث أن الاستهلاك الترفي للبرجوازية لا يدخل مجددًا في العملية الإنتاجية، سواء كاستهلاك ضروري للعمل أو كوسائل إنتاج، فإنه يمثل نوعًا من التسرب من عملية التراكم يؤدي إلى إبطاء وتيرة الاستثمار، وبالتالي عرقلة ميل معدل الربح للانخفاض. لكن ماركس أكد في الوقت ذاته أن الاستهلاك الترفي هذا لا يزيد في الاقتصاد الرأسمالي عن أن يكون عاملاً هامشيًا بلا تأثير كبير.

ما هي علاقة ذلك بالحرب الباردة؟ أن معدلات الإنفاق الهائلة على التسليح من جانب القوتين العظميين خلال الحرب الباردة قد لعبت دورًا مشابهًا لدور الاستهلاك الترفي، ولكن على نطاق مؤثر اقتصاديًا. فقد تم توجيه كميات ضخمة من الرأسمال، التي كان يمكن أن تنتج وسائل إنتاج أو سلع استهلاكية أساسية فتسهم بالتالي في تسريع عجلة الاستثمار، نحو إنتاج أسلحة تظل في الأغلب مكدسة حتى تتعفن أو تتقادم، أو يتم استخدامها في حروب محدودة في العالم الثالث. وكانت النتيجة مماثلة بالتالي لتدمير الرأسمال التي يحدث بفعل الحروب أو الكساد – انخفض معدل التراكم، وانخفض التركيب العضوي للرأسمال وتوقف معدل الربح عن الانخفاض. هكذا استطاع “اقتصاد السلاح الدائم” الذي أوجدته الحرب الباردة أن يحقق انتعاشًا طويلاً للاقتصاد الرأسمالي العالمي.

ولكن اقتصاد السلاح الدائم كان بالطبع ينطوي على تناقضات ما لبثت أن أدت إلى ظهور الأزمة الاقتصادية مرة أخرى في أوائل السبعينات، وهي أزمة لا تزال قائمة إلى يومنا هذا. فمن ناحية لم يكن عبء اقتصاد السلاح الدائم موزعًا بتكافؤ بين كافة القوى الرأسمالية المتقدمة، رغم أنها استفادت جميعًا من الانتعاش الطويل الناتج عنه. وعلى وجه الخصوص ركزت ألمانيا الغربية اليابان على الاستثمار الإنتاجي في حين وجهت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي نسبة عالية جدًا من الدخل القومي لإنتاج السلاح. وأدى ذلك بالطبع إلى فجوة هامة في الإنتاجية والتنافسية لصالح ألمانيا واليابان، وهو ما حدا بالقوتين العظميين إلى التوجه نحو الوفاق في منتصف الستينات بهدف خفض نسبة إنفاقهما العسكري وزيادة تنافسية اقتصادياتهما. ومن ناحية أخرى، فإنه مع الانخفاض النسبي لحجم الاقتصادين الأمريكي والسوفيتي داخل الاقتصاد العالمي بفعل معدلات النمو الأعلى في ألمانيا واليابان، بدأ تأثير معدلات الإنفاق على التسلح في القوتين العظميين يتضاءل من حيث قدرته على الحفاظ على ربحية الاقتصاد الرأسمالي العالمي، في الوقت ذاته الذي كان يتحتم عليهما أن تخفضا هذا الإنفاق من أجل تعظيم تنافسية اقتصادياتهما لقد كان هذا التناقض في صلب الأسباب التي أدت إلى نهاية الانتعاش الطويل ودخول العالم في أزمة حادة منذ أوائل السبعينات. أدى اقتصاد السلاح الدائم إلى تراجع في القوة الاقتصادية لكل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. فعلى الرغم من أن الانتعاش الطويل قد سمح بمعدلات نمو عالية نسبية في كل مكان، إلا أن بعض الاقتصاد نمت أسرع كثيرًا من غيرها. خلال الفترة من 1955 إلى 1970 زاد مخزون الرأسمال الأمريكي بنسبة 57 % في حين بلغت هذه الزيادة 116 % في بلدان أوروبا الغربية و500 % في اليابان. وإجمالاً تراجع نصيب الولايات المتحدة من الإنتاج الصناعي العالمي من ما يزيد عن 50 % في 1945 إلى حوالي 31 % في 1980، واستمر هذا التراجع بعد ذلك. وعكس هذا التراجع الأمريكي نفسه في تراجع الدولار عن مكانته المرموقة في نهاية الحرب وتحول الولايات المتحدة من أكبر دائن إلى أكبر مدين في العالم في ظرف عقود محدودة.

أما الاتحاد السوفيتي فقد كان نراجعه أكثر حدة. خلال فترة الانتعاش الطويل نما الاقتصاد السوفيتي بمعدلات كبيرة فاقت مثيلاتها في الولايات المتحدة، كما نمت بسرعة كبيرة أيضًا اقتصاديات أوروبا الشرقية الدائرة في الفلك السوفيتي. سمح هذا النمو للاتحاد السوفيتي بتعظيم نفوذه الاستراتيجي ومد هيمنته إلى بلدان عديدة تمتد من أمريكا الوسطى والجنوبية إلى جنوب شرق آسيا مرورًا بأفريقيا والشرق الأوسط. إلا أن معدلات النمو انخفضت بحدة في الاتحاد السوفيتي منذ أواخر الستينات، وراحت الأوضاع تتأزم بشكل أفضى في النهاية إلى انهيار الاتحاد السوفيتي ذاته تحت وطأة مشكلات اقتصادية وسياسية كبرى.

لماذا كان التراجع أكثر حدة في الاتحاد السوفيتي عنه في الولايات المتحدة؟ على الصعيد الاقتصادي يعود ذلك لسببين. السبب الأول يتصل بما ذكرناه سابقًا عن عدم التوازي في القوة الاقتصادية بين القوتين العظميين. الاقتصاد السوفيتي الذي كان عليه أن يتحمل عبء سباق تسلح رهيب مع اقتصاد أمريكي يبلغ حوالي ضعف مستوى الإنفاق العسكري الأمريكي من الناحية المطلقة اقتضى منه أن يوجه نسبة من موارده تصل إلى ضعف مثيلتها في الولايات المتحدة للأغراض العسكرية. ولا بد أن نذكر هنا أن إسهام حلفاء الاتحاد السوفيتي في حلف وارسو في تحمل أعباء التحالف العسكري كان أقل كثيرًا من إسهام أعضاء حلف الناتو من الدول الأوروبية الأكثر تقدمًا بكثير.

أما السبب الثاني، والأكثر جوهرية، في الحدة البالغة للتراجع السوفيتي خلال السبعينات والثمانينات فهو دخول الرأسمالية العالمية مرحلة جديدة تتسم بتزايد الاندماج العالمي للرأسمال. كان لهذه “العولمة” المتزايدة أبعادًا عديدة منها تزايد وزن التجارة الدولية وظهور دوائر مالية خارجة عن سيطرة الدول القومية. أما أهم أبعاد العولمة الاقتصادية فهو تدويل عملية الإنتاج الرأسمالي ذاتها على يد الشركات المتعددة الجنسيات. إن الطابع الدولي لهذه الشركات لا يتعلق فقط بالإنتاج للسوق العالمي وتدفق الاستثمارات الخارجية، وإنما أيضًا بتنظيم عملية الإنتاج نفسها على نطاق عالمي. إن تقسيم العمل الجديد الذي يقسم العملية الإنتاجية إلى أجزاء تشمل بلدان عديدة وفقًا للمزايا النسبية لكل منها أدى إلى رفع الإنتاجية بشكل غير مسبوق، ووضع رأسماليات الدولة المغلقة على ذاتها والتي تحصر إنتاجها في حدودها القومية الضيقة في مأزق صعب. وقد كان تأثير ذلك على الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية أكبر منه على الرأسماليات الغربية تحديدًا لأن الميل نحو رأسمالية الدولة قد بلغ ذروته في دول الكتلة الشرقية.

على ضوء ما سبق نستطيع أن نقول أن انهيار الستالينية في أوروبا الشرقية في 1989 ثم تفكك الاتحاد السوفيتي ذاته يعني أن الإمبريالية الأمريكية قد انتصرت في الحرب الباردة، إلا أنه كان انتصارًا من النوع الذي يقضي على المهزوم وينهك المنتصر في الوقت ذاته. ولكن لماذا لم تسفر نهاية الحرب الباردة عن عالم جديد يسود السلام والطمأنينة وفقًا للدعاية البرجوازية الواسعة؟

يعود ذلك لثلاثة أسباب أساسية، ألاً، أن العولمة الاقتصادية التي أسهمت كثيرًا في إنهاء الحرب الباردة لم تكن تعني القضاء على الدور الاقتصادي للدولة وإنهاء إمكانية الصراعات السياسية والعسكرية بين الدول، الناتجة عن المنافسة الاقتصادية بين الرساميل. وكما يوضح كريس هارمان:

(… الانتقال من الرأسمالية القومية إلى الرأسمالية متعددة الجنسيات لا يلغي الدور الاقتصادي للدولة القومية في دعم الشركات “القومية” فلا يمكن لبوينج أن تسيطر على صناعة الطائرات المدنية في العالم إلا بسبب العون الذي تلقاه من الطلبيات العسكرية الأمريكية؛ وقد استخدمت فورد وجنرال موتورز الدولة الأمريكية في توفير بعض الحماية لنفسها ضد سيطرة يابانية كاملة على “سوقهما القومي” في الوقت الذي كانتا توسعان عملياتهما المتعددة الجنسيات وتعقدان بعض الصفقات مع الشركات الأجنبية…).

كبرت الرأسمالية العالمية على مرحلة رأسمالية الدولة. لكن سيكون من الخطأ أن نصف ما حل محلها بأنه “رأسمالية خاصة” أو حتى “رأسمالية سوق” وكأن دور الدولة قد اختفى: ما يوجد الآن هو جمع بين رأسمالية الدولة والرأسمالية المتعددة الجنسيات…

يتصل السبب الثاني بأزمة الاقتصاد الرأسمالي العالمي. إن نهاية الحرب الباردة تحدث في ظل كساد يخيم على الاقتصاد العالمي على مدى ربع قرن بشكل شبه متواصل منذ أوائل السبعينات إلى اليوم. يؤدي ذلك بالطبع إلى تعميق شراسة المنافسة بين الرساميل وكذلك بين الدول القومية الداعمة للرأسمال القومي. وينعكس ذلك في مظاهر عديدة منها الحروب التجارية (رغم الاتجاه نحو تحرير التجارة العالمية) والصراع الحاد على الأسواق ومواقع الاستثمار ذا الربحية العالمية نسبيًا والمواد الخام، وهي كلها صراعات اقتصادية تستخدم القوة السياسية والعسكرية في حسمها. أما ثالث أسباب استمرار، بل تفاقم، التوتر والدموية في عالمنا بعد الحرب الباردة فإنه يتعلق بزوال القواعد التي كانت تحكم العلاقة الدولية في ظل نظام القطبية الثنائية. وعلى سبيل المثال، فإن الولايات المتحدة في ظل الحرب الباردة فرضت الرضوخ السياسي والعسكري على حلفائها في أوروبا الغربية واليابان أما مع نهاية الحرب الباردة، فقد تزايد استعداد هذه الدول على تحدي الهيمنة الأمريكية، خاصة في ظل التراجع الاقتصادي الأمريكي. تتمتع أمريكا بالطبع بتفوق عسكري مطلق، إلا أن قدرتها على فرض هيمنتها تتناقص، في الوقت ذاته الذي يزداد ميلها لاستخدام القوة العسكرية بشكل مفرط في صراعاتها الخارجية في محاولة بائسة للتغطية على تراجعها الاقتصادي.

يمكن إذن أن نلخص السمة الرئيسية لإمبريالية ما بعد الحرب الباردة على النحو الآتي: تحاول الولايات المتحدة استخدام قوتها العسكرية – عنصر القوة الوحيد الباقي لها – للحفاظ على مكانتها الدولية في ظل عالم يتجه بشكل متزايد نحو تعددية الأقطاب سياسيًا وعسكريًا. وفي حين أن العولمة الاقتصادية قد قوضت رأسماليات الدولة المغلقة قوميًا، فإن الدولة يظل لها دورًا اقتصاديًا هامًا في دعم الرأسمال ذي القاعدة القومية وفي محاولة التخفيف من وطأة الأزمة الاقتصادية.

خاتمة:
تنظر الماركسية للإمبريالية كمرحلة بلغتها الرأسمالية بفعل قوانين حركتها الداخلية وليس كسياسة تتبعها بعض البلدان القوية لبعض الوقت. وقد رأينا أن الإمبريالية بهذا المعنى العميق تتضمن نزعتين: نمو رأسمالية الدولة ونمو تدويل الرأسمال. وإذ كانت النزعة نحو رأسمالية الدولة قد هيمنت على الاقتصاد العالمي منذ الحرب العالمية الأولى حتى أوائل السبعينات، فإن الفترة اللاحقة اتسمت بالتزايد الكبير في أهمية النزوع نحو تدويل الإنتاج. لا يعني ذلك اختفاء الدور الاقتصادي للدولة، فنحن كما رأينا نحيا في عالم يتسم بمزيج من رأسمالية الدولة والرأسمال الدولي. وسيظل للدولة دور اقتصادي هام ما بقيت الرأسمالية، ويتمثل هذا الدور في حماية الرأسمال ذي القاعدة الوطنية من آثار المنافسة مع الرساميل الأخرى، وأثار الأزمة الاقتصادية، وبالطبع حمايته من عدوه الطبقي أيضًا – الطبقة العاملة.

لا نزال نحيا في عالم إمبريالي لكنها إمبريالية تختلف عن إمبريالية أوائل القرن ويتضح هذا الاختلاف أكثر في العالم الثالث. وكما يلاحظ كريس هارمان:

.. إمبريالية اليوم عادة ما لا تكون السيطرة المباشرة لدول الغرب على أجزاء من العالم الثالث، ولكن نظامًا عالميًا من الطبقات الرأسمالية المستقلة.. تندمج في سوق عالمي واحد. وبعض الطبقات الحاكمة تمتلك قوة أكبر من الأخرى وكذلك تكون قادرة على فرض شروطها الخاصة في المعاملات من خلال سيطرتها على منافذ التجارة، والنظام البنكي، وأحيانًا استخدام القوة السافرة. وهذه الطبقات الحاكمة تقف على قمة هرم الاستغلال، ولكن تلك الطبقات التي تليها مباشرة هي الطبقات الحاكمة للبلاد الفقيرة، التي تعمل في اقتصادات قومية منفصلة وتستفيد أيضًا من النظام. وتربط نفسها باستمرار بالشركات المتعددة الجنسية.. حتى وإن اختلفت أحيانًا مع من يقفون فوقها..

اليوم، أكثر من أي وقت مضى، فإن النضال ضد الإمبريالية يعني النضال الثوري ضد برجوازيات العالم جميعًا: سواء كانت برجوازيات إمبريالية أو إمبريالية صغرى كتلك الدول التي تطمح إلى أن تمارس النهب – بالتعاون مع الإمبريالية الكبرى أحيانًا، وبالتناقض الثانوي معها أحيانًا أخرى – على المستوى الإقليمي.