بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الماركسية والإرهاب الفردي

تؤكد وقائع التاريخ أن قتل الحكام المتسلطين وأذنابهم ظاهرة قديمة جدًا. فمنذ أن ظهرت مؤسسات السيطرة والحكم المنفصلة عن المنتجين الفقراء إلى الوجود قبل آلاف السنين، ظهر أيضًا رجال – تخلع عليهم الأساطير الشعبية القديمة صفة “الأبطال” – يضعون على عاتقهم مهمة التخلص بالقتل من الحاكم المتسلط. في المجتمعات ما قبل الرأسمالية، وقبل أن تتبلور القوة الكامنة في نضال الجماهير العاملة المنظمة، كان معنى “البطولة” يقترن في الأغلب بأعمال العنف الفردي من قبل مخلّص فرد. وذلك كما نعلم أمر عكس نفسه دومًا في الأشعار والسير في كل العصور والمجتمعات.

غير أنه على الرغم من قدم ظاهرة الإرهاب الفردي ضد السلطة الغاشمة، إلا أن الإرهاب المنظم – كاستراتيجية متبلورة لمواجهة “النظام” من خلال التخلص من رجال الحكم واحدًا تلو الآخر – هو ابن القرن التاسع عشر بدون شك. قبل القرن التاسع عشر كان يوجد إرهاب فردي، ولكن فقط في هذا القرن أصبح الإرهاب الفردي عمل منظم ومتواصل لمنظمات إرهابية لها قوامها وأفكارها وقادتها ورموزها. ومنذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا لا تزال استراتيجية الإرهاب من أجل التغيير الاجتماعي حية في صورة منظمات فوضوية وانقلابية ذات ميول فكرية مختلفة.

في هذا السياق يصبح من المنطقي التساؤل عن السبب وراء بروز الإرهاب المنظمة بالذات في عصر الرأسمالية الحديث. فلماذا تحول الإرهاب – تحت حكم البرجوازية – إلى عمل مؤسسي له منظريه ومؤيديه ومنظماته؟ أليست تعد مفارقة أن يتطور الإرهاب الفردي نوعيًا في نفس الوقت الذي أصبحت الثورة الاجتماعية فيه ممكنة أكثر من أي وقت مضى؟ ما هو التفسير الاجتماعي – الطبقي للتوالد اللانهائي لمنظمات الإرهاب الفردي من الجيش الأحمر الياباني، للألوية الحمراء الإيطالية، للجهاد الإسلامي، والقاعدة، وغيرهم كثير؟

المفارقة هي أن تبلور المجتمع الرأسمالي الحديث هو بالتحديد الذي مهد التربة التي تنامت فيها تيارات الإرهاب الفردي المنظم. فكما أن التطور الرأسمالي قد خلق الطبقة العاملة والأفق العمالي الثوري لتجاوز الرأسمالية من خلال النضال الجماهيري من أسفل، فهو أيضًا قد خلق البنيان الطبقي الحديث بما يضمه من طبقات وسيطة – لا هي عمال ولا هي رأسماليين. القوى الطبقية الوسيطة (التي نطلق عليها البرجوازية الصغيرة) تضم شرائح متعددة: بعضها يميل بقوة من حيث الوضعية الاقتصادية والاجتماعية، وبالتالي من حيث المصلحة، إلى جانب رأس المال، أما البعض الآخر – كالفلاحين الفقراء، البروليتاريا الرثة، المثقفين المتعرضين للإفقار، إلخ – فيجد نفسه في مواجهة حياتية شاملة ضد حكم البرجوازية.

وكما أن الطبقة العاملة لها مشروعها الخاص للتغيير الذي يعكس وضعها في المجتمع ومصالحها الاستراتيجية، فإن البرجوازية الصغيرة المطحونة هي الأخرى تسعى للتغيير. وبمقدار ما تفشل الطبقات الاجتماعية الأساسية في طرح نفسها كقيادة للحركة الثورية في المجتمع، بمقدار بما تفرض البرجوازية الصغيرة أجندتها لتحويل المجتمع. المنتج الصغير، الفلاح الفقير، أو البروليتاري الرث، يجد نفسه – وهو خاضع لاستنزاف بشع، ولكن بدون أي مشروع جذري للتجاوز – وقد تأصلت لديه سياسات انتقامية قائمة على مفهوم الإرهاب الفردي كحل وهمي لأزمته الخاصة.

مثقفو البرجوازية الصغيرة (الأنتجنسيا كفئة اجمتماعية)، بما يحملونه من حساسية شديدة إزاء تعفن الرأسمالية في مراحل تأزمها، هم الذين يقومون بمهمة بلورة الغضب البرجوازي الصغير في صورة نظرية إرهابية متكاملة. ونلاحظ هنا أن فرص سياسات الإرهاب الفردي في الانتعاش والتأثير، ترتبط لا محالة بخط تطور الصراع الطبقي. فالبرجوازية الصغيرة لا تطرح نفسها كبديل إلا عندما تغيب السياسة العمالية. ولذلك فعندما يطل شبح الأزمة في أي من المجتمعات الحديثة، وعندما تتوحش الرأسمالية، ثم عندما تكون الطبقة العاملة، لسبب أو آخر، في حالة سبات نسبي؛ هنا بالتحديد تطرح البرجوازية الصغيرة نفسها كبديل على المجتمع بأسره. والصورة النموذجية للبديل البرجوازي الصغير تكون في أحد شكلين: إما الإرهاب الفردي، وإما حروب العصابات. كلا الاختيارين كما نرى يستبعدان الجماهير من الفعل. المباشر، ويعطيان لحفنة من الثوريين “المخلصين” حق إدارة عملية التغيير الاجتماعي بمعزل عن الطبقات الأساسية في المجتمع.

وهكذا نرى أن بدائل حروب العصابات والإرهاب الفردي – أيًا كان الغطاء الفكري الذي ترتديه – تنتعش في مراحل التراجع فثي الصراع الطبقي، أو بعد هزيمة الثورات الكبرى. رأينا ذلك في الصين مع صعود تيار ما وتسي تونج داخل الحزب الشيوعي بعد هزيمة ثورة 1925 – 1927، ورأينا أيضًا في كوبا، وفي أوروبا الغربية بعد هزيمة موجة المد في السبعينات. على أن الفارق بين سياستي الإرهاب وحروب العصابات أن الأولى تتمتع بعمومية أوسع بكثير من الثانية. فحرب العصابات تحتاج إلى ظروف جغرافية وسياسية خاصة، أما الإرهاب الفردي فسياسة قابلة للتنفيذ – بغض النظر عن آثارها المدمرة – في كل مكان في العالم، في ألمانيا كما في السلفادور!

عندما تبرز قوى الإرهاب الفردي يكون هذا إعلانًا – حتى ولو كان بطوليًا – عن اليأس من إمكانية التغيير الجماهيري. وبالرغم من أن العديدين من منظري الإرهاب الفردي قد أكدوا مرارًا وتكرارًا أن الإرهاب – من وجهة نظرهم – ليس بديلاً عن وإنما محفزًا لـ “حركة الجماهير”، إلا أن الحقيقة هي أن الإرهاب الفردي باستبداله الجماهير بمخلص فرد يُفقد الجماهير الثقة في حركتها وقوتها الذاتية. يقول الاشتراكي الثوري الروسي ليون تروتسكي في هذا الصدد: “في عيوننا (نحن الاشتراكيون الثوريون) الإرهاب الفردي غير مقبول بالضبط لأنه يقلل دول (الفعل) الجماهيري في وعي الجماهير نفسها، ولأنه يهيئها (أي الجماهير) لقبول الشعور بالعجز، ويحول أنظارها وآمالها إلى مخلص ومحرر عظيم سوف يأتي يومًا ما ليتمم مهمته.”

ينبني موقف ليون تروتسكي على التحليل الملموس لنتيجة السياسة الإرهابية: “البلبلة (التي يحدثها الفعل الإرهابي) لا يمكن إلا أن تكون قصيرة الأجل؛ الدولة الرأسمالية لا تؤسس نفسها على وجود وزراء الحكومة، ولا يمكن القضاء عليها بقتل هؤلاء الوزراء. الطبقات التي تقوم الدولة بخدمتها ستجد دائمًا أشخاصًا جدد (ليقوموا بإدارة أعمالها)، والنظام سيظل سليمًا وقادرًا على العمل بكفاءة.” إن الإرهاب الفردي، باعتماده على القنبلة بدلاً من المتاريس في الشوارع، يؤسس لسياسة نتيجتها – بغض النظر عن وعي الإرهابي ذاته – إضعاف الحركة الثورية، وإعطاء النظام ذريعة لتمتين آلته القمعية. هذا بالضبط ما حدث مثلاً في أوروبا في السبعينات مع صعود اليسار الإرهابي، وهذا أيضًا ما حدث في مصر في سنوات التسعينات في المواجهة بين الدولة والإسلاميين.

إن الموقف الاشتراكي الثوري من الإرهاب الفردي لا ينبني على محاكمة أخلاقية للإرهاب بوصفه عمل مشين، وإنما على تقدير فعاليته – أو عدم فعاليته – كسلاح في مواجهة جهاز الدولة الرأسمالية الحديثة. فإذا كان العدو الطبقي ممثلاً في جهاز الدولة يستخدم وسائل إرهابية، كالقتل والتعذيب، في قمع معارضيه بدون أن يؤدي هذا إلى بلبلة أو تشتيت قواه، فذلك لأن الإرهاب بالنسبة للدولة هو مجرد عمل بوليسي تقني تقوم به بيروقراطية خاصة متفرغة. أما بالنسبة للثوريين فالإرهاب سيكون بالضرورة – وبسبب ظروف الحجم والإمكانيات – هو محور تركيز الطاقات الثورية، وذلك بغض النظر عن نوايا ووعود القادة أنفسهم. وعلى هذا الأساس فإن النتيجة الحتمية لتبني خيار الإرهاب الفردي، ستكون هي التخلي تدريجيًا عن كل عمل من أعمال الدعاية والتحريض الجماهيريين. وهو ما يعني النزوع ناحية العصبوية شيئًا فشيء.

على أن هذا ليس كل شيء. فالإرهاب الفردي، في لحظات بعينها، يكون أسوأ اختيار يمكن أن يختاره ثوري. وذلك عندما يتطلب الإرهاب – مع التضييق الذي تمارسه الدولة ومع زيادة نزعتها البوليسية – القيام بعمليات تتضمن بالضرورة وجود ضحايا من بين أبناء الشعب ذاته. في هذه الحالة يكون من السهل على جهاز الدولة، خاصة عندما يظهر أن العمل الإرهابي لم يؤد إلى القضاء على النظام، شن حملات إعلامية على الإرهابيين تحاصرهم وتخلق وعيًا شعبيًا مناوئًا لهم. وذلك ما رأيناه مثلاً في حالة منظمة إيتا التي تناضل من أجل استقلال إقليم الباسك في أسبانيا. فقد فقدت هذه المنظمة في السنوات الأخيرة جزءًا كبيرًا من التعاطف الشعبي الذي كانت تحظى به من قبل، وذلك من جراء تنفيذها لعمليات إرهابية كان من شأنها أن عزلتها عن التيار العام للحركة الجماهيرية بدلاً من أن تخلق لها نفوذًا أوسع في أوساط الطبقات صاحبة المصلحة في مواجهة جهاز الدولة الأسبانية.

الحركة الإسلامية المصرية مثل آخر على تأثير الإرهاب الفردي في خنق الحركات المعادية للسلطة. على أن حالة الحركة الإسلامية المصرية – وأيضًا الحركة الإسلامية في عدد من البلدان الأخرى – تستحق الانتباه لأنها مثل جيد على كيفية تأثر تكتيكات الإرهاب بالأيديولوجيا العامة للحركة السياسية المعنية. إذ تفضح العديد من العمليات الإرهابية للإسلاميين الطبيعة الرجعية العصبوية لهذه القوى السياسية. فهذه حركة قد اختارت – في مراحل معينة – أن تضرب أهدافًا من بين أوسط الجماهير: الأقباط والنساء على سبيل المثال. هذا الاختيار للأهداف يبرهن في حد ذاته على الإفلاس والرجعية السياسيين؛ إذ لم يعد الإرهاب هنا محفزًا للحركة الجماهيرية كما كان يدعي الإرهابيون الكلاسيكيون، وإنما أصبح غاية في حد ذاته – غاية تضع التنظيم الإرهابي في مواجهة المجتمع بأسره!

على أنه من المهم هنا أن نؤكد على أن النقد الاشتراكي الثوري الصارم للإرهاب الفردي ليس بينه وبين النقد البرجوازي للإرهاب أي صلة أو نقاط مشتركة. منظرو البرجوازية يلعبون دائمًا – عند الحديث عن الإرهاب – لعبة التجريد. فبالنسبة لهم أي شكل من أشكال القتل والعنف جريمة! ولكن بغض النظر عن هذه الطنطنة الأخلاقية، فإن النقد البرجوازي ليس أكثر من أكذوبة مفضوحة. فالنفاق البرجوازي يبارك قتل الآلاف في الحروب الاستعمارية بصفته بطولة وطنية، ولكنه يرفض – كاذبًا ومنافقًا – الإرهاب ضد النظام! فأي استقامة فكرية تلك التي تدفع “دعاة الأساليب السلمية” من البرجوازيية لإضفاء هالة من المجد على أعمال القتل المنظم من قبل الدولة، أشرس وأكبر جهاز يحتكر العنف في المجتمع، بينما في نفس الوقت يهيلون التراب على القوى التي تمارس النشاط الإرهابي في مواجهة النهب والاستغلال والاضطهاد من جانب جهاز الدولة؟

إن النضال الاشتراكي الثوري ضد الإرهاب الفردي ليس هروبًا من المعركة كما يدعي المغامرون المتطرفون، وإنما هو إيمان بأن مواجهة الآلة الرأسمالية وتحطيمها يحتاج إلى كفاح جماهيري من أسفل تقف الطبقة العاملة في قلبه. فكما يؤكد ليون تروتسكي: “إن الحساب الذي نحتاج أن نصفيه مع النظام الرأسمالي أكبر كثيرًا من أن يوجه إلى موظف يطلق عليه وزير… (على العكس)، علينا أن نوجه كل طاقاتنا إلى النضال الجماعي ضد النظام – هذا هو الطريق الذي يمكن أن تجد فيه الرغبة الحارقة للانتقام أعلى درجات إشباعها المعنوي.