بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

القيادة في النضال

النظرة البرجوازية للعالم تقسيم البشر إلى “قادة” و”منقادين”، وتضع الرأسماليين وحاشيتهم على القمة وتضعنا نحن في أسفل الدرك. أعداد متزايدة من الجماهير محقة ترفض تلك الصورة الهرمية لمجتمع السادة والعبيد. ونحن نسمع ونرى يوميًا في كل مواقع العمل النكات الساخرة التي يطلقها العمال على المديرين لكسلهم وجهلهم و”كفاءتهم الشديدة” في إلقاء الأوامر، وتوقيع الخصومات والجزاءات وجعل حياة العمال أكثر بؤسًا.

ويكن العمال نفس الشك وعدم الثقة – على مستوى واسع – لـ”قادتهم” النقابيين الصفر في الإتحاد العام لنقابات عمال مصر، أولئك المرتشون، الفاسدون، عملاء الدولة في صفوف الطبقة العاملة.

وقد يكون ذلك مغريًا للكثير من العمال برفض فكرة “القيادة” من أصلها، ولكن هذا سلوك خاطئ، فالقيادة شئ ضروري في كسب المعارك الجزئية التي تخوضها الجماهير ضد مظالم النظام، وشئ لا غنى للإطاحة بالنظام الرأسمالي من جذوره.

إن الرؤية الإشتراكية للقيادة تختلف جذريًا عن النظرة الرأسمالية السابق ذكرها، فهي تبدأ بالتأكيد على الإمكانيات الجبارة التي تمتلكها الجماهير، تلك الإمكانيات التي تحتقر الطبقة الحاكمة وتصفها بالغباء. والتاريخ ملئ بفترات نهضت فيها الجماهير، وتحدت وأطاحت بمن أدعوا التفوق وأنتماءهم للنخبة “القائدة” فلم يطح بشاه إيران في 1978-1979 سوى التحرك الجماعي للعمال الإيرانيين وفقراء المدن، ونجحت الطبقة العاملة المصرية في بث الرعب في قلب السادات وحاشيته بتحركها في إنتفاضة يناير 1977 (ودفعته للهرولة والإستعداد لمغادرة مصر على طائرته الخاصة والهروب إلى الخارج)، وحتى جنود الأمن المركزى – الذين دأبت النخبة الحاكمة على وصفهم بالبلاهة والجهل – زلزلوا قلوب “القادة” الحاكمين بتحركهم الجماعي في إنتفاضة 1986 ضد ظروف تجنيدهم اللاآدمية، ونجحوا في تنسيق قواهم والسيطرة على العاصمة، والتحالف مع فقراء المدن في عمليات النهب الواسعة للمحلات الفاخرة المملوكة لكبار رجال الأعمال، ولم تستطع الدولة قمعهم إلا عن طريق التدخل الوحشي للجيش بطائراته ودباباته. وفي حالة الثورة الروسية نجح العمال والفلاحين بإدارة شئون الدولة حتى أنهارت الثورة بنهاية الحرب الأهلية.

ولا تظهر إبداعات الجماهير في وقت الثورات فقط، بل قد تظهر ايضًا إبان النضلات صغيرة الحجم والتأثير، فنجد في أوقات المد في الصراع الطبقي إنفجار لإبداعات العمال في الإضرابات المصنعية متمثلة في أبتداعهم لطرق مواجهتهم لقوات الشرطة وخلق حركات تضامنية في باقي مصانع منطقتهم. ونفي الشئ بالنسبة للنضال الطلابي، فنضالات الطلبة في مصر وباقي انحاء العالم في 1968 (وما بعدها) فجرت طاقات إبداعية هائلة لهؤلاء الطلبة الذين كان يتم وصف معظمهم – في الإعلام – بالغباء وعدم إهتمامهم بأي شئ تعاطي المخدرات ومطاردة الفتيات – نفس الوصف الذي تطلقة وسائل الإعلام على الطلبة في وقتنا الحالي.

يتضمن كل نضال “قيادة” بشكل أو آخر.. في عام 1989 دعا الديكتاتور الروماني شاوشيسكو إلى تجمع حشد جماهير في مهرجان تأييد لنظامه، ولكن الآية أنقلبت وبدأت جماهير الحشد في إطلاق صيحات أستهجان ضده، وتطورت الأحداث إلى أنتفاضة أطاحت بنظامه الديكتاتوري. لقد بدأ شخص ما بالحشد – في ذلك اليوم – في إطلاق أول صيحة أستهجان مقدمًا بذلك قيادة عفوية للجماهير المحيطة به.

تلك القيادة العفوية موجودة في حياتنا اليومية، في مواقع العمل والجماعات. وفي كل موقف نضالي يظهر بعض الأشخاص برؤية أوضح حول ماذا يجب فعله أو آخرون يتحلون بثقة أكبر في أخذ الخطوة الأولى في النضال فبل الآخرين. وهذا ليس بالضروري نتيجة لصفات خارقة منحتها لهم قوة إلهية، بل قد يكون محصلة لدروس تعلموها من خبراتهم السابقة، أو من نقاشات مع الآخرين، لو من خبرات نضالية تاريخية قرءوا عنها، أو من أي مصدر آخر..

إن القيادة الاشتراكية لا تعني سوى محاولة تجميع هؤلاء الأشخاص ونباء ثقتهم وقدرتهم على تغيير العالم. هذا شئ في غاية الأهمية، فالتفاوت في وعي الجماهير يعني خلافات ومناظرات دائمة في كل حدث نضالي حول الطريقة المثلى التي يمكن أن تأخذ النضال خطوة إلى الأمام. وبالتالي، أولئك الذين يريدون هزيمة الرأسمالية يحتاجون إلى قيادة واضحة لأن المدافعين عن الراسمالية يمتلكون آله مركزية قوية على الإستعداد بالفتك بخصومها هي “الدولة”.

قد تنجح الانتفاضات العفوية في هز دعائم النظام وتحقيق مكاسب ضخمة مثل الإطاحة بديكتاتور إندونيسيا سوهارتو في مايو 1998، ولكن تدمير السلطة الرأسمالية بأكملها وإقامة مجتمع إشتراكي جديد على أنقاضها يحتاج إلى قيادة. ولقد نجح الحزب البلشفي في تقديم هذه القيادة وتوجية دفة الثورة الروسية في أكتوبر 1917. وقد أكد مؤسس الحزب لينين على أن كل عضو في الحزب الاشتراكي الثوري هو قائد في حد ذاته.

إن مقاومة القيادة الرأسمالية إلى أقصى حد ممكن، والإنخراط في مقاومة النظام الحالي الذي يسيطر عليه رجال الأعمال والجنرالات. فالثوري لا يخوض النضال بمنعزل عن الجماهير، أو يترك الجماهير تناضل ويقف هو ليتفرج عليها من بعيد.

وأحيانًا قد يجد الثوريون زملائهم في مواقع العمل، أو جيرانهم، أو المحيطين بهم، ساخطين على النظام بدرجة مذهلة. وقد يجد الثوريون أنفسهم واقعين خلف هؤلاء الذين كان يجب أن يتقدموهم. ولهذا يجب على الحزب الثوري بإستمرار أن يجند ويتعلم من أكثر قطاعي نضالي من الجماهير، وأن يطور فهم أعضاءه للنظام، ويبث الثقة لكل من براعة في مقاومة الرأسمالية في أي موقف من المواقف.