بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الرأسمالية والبيروقراطية النقابية

يبدو مهماً الآن والانتخابات النقابية على الأبواب أن نتحدث عن طبيعة النقابات والدور الذي أصبحت تؤديه اليوم. ترى سوزان حسن أن الانتخابات القادمة هي فرصة مهمة لليسار المناضل لكي يوطد صلاته بالقواعد العمالية.

يرى التصور السائد حول طبيعة وحدود العمل النقابي، أن دور النقابة، هو النضال من أجل رفع مستوى معيشة العمال، وتحسين ظروف عملهم وحياتهم، في ظل علاقات الإنتاج الرأسمالية للطبقة العاملة، وهي تعمل على تحسين شروط الاستغلال الرأسمالي لا للقضاء عليه. ولا يسود هذا التصور داخل صفوف النقابيين التقليديين فحسب، بل يقبل به ويتبناه كذلك غالبية النقابيين اليساريين. وهم عندما ينظرون للنقابة على هذا النحو، فإنهم لا يقتصرون على وصف حال النقابات القائمة في البلدان الرأسمالية المتقدمة فحسب (وهم في هذا الوصف محقون ودقيقون) وإنما يعتبرون أن هذا الوصف يعبر عن الطبيعة الجوهرية للعمل النقابي، وما ينبغي أن يكون عليه في كل مكان.

والمشكلة الكبرى في هذا التصور، هي أنه يتعارض مع حقائق التاريخ. إنه ينظر للنقابات ككيان ثابت لا يتغير ولا يتأثر بالتغيرات في المسار التاريخي. أما إذا نظرنا للتطور التاريخي للنقابات القائمة اليوم في الغرب، فسنجد أن الطابع الحالي لهذه النقابات، هو نتاج لصراع طبقي عنيف استطاعت الرأسمالية من خلاله أن تفرض على النقابات نوعاً من الوفاق التاريخي.

نشأت النقابات في بدايات القرن الماضي في خضم صراعات هائلة خاضتها الطبقة العاملة الناشئة خلال الثورة الصناعية. وكانت هذه النقابات عبارة عن تجمعات قاعدية جماعية ظهرت في صفوف العمال في معترك نضالهم الطبقي، واتسمت في مراحلها المبكرة بثلاث سمات هامة:

1) كانت في الأغلب نقابات عامة تنظم العمال على أساس طبقي، ولا تفرق بينهم تنظيمياً على أساس الحرفة أو الصناعة.

2) كانت البنية التنظيمية للنقابات بسيطة، حيث لم تكن قد تبلورت بعد بيروقراطيات للعمل النقابي منفصلة عن أماكن العمل.

3) كانت النقابات مسيسة، ولم تكن قد عرفت بعد التفرقة المصطنعة، بين النضال الاقتصادي والنضال السياسي، وكان التصور السياسي السائد في أوساطها تصوراً اشتراكياً خيالياً في صبغة نضالية.

وبالطبع شنت البرجوازية حرباً شعواء ضد هذه النقابات، فراحت تنكل بقياداتها، وتهدد العمال المنضمين للنقابات بالحرمان من العمل، وتستخدم أدوات القهر البوليسية في قمع الإضرابات، وفض الاجتماعات النقابية..الخ. ولكن سرعان ما تبين للبرجوازية أن القمع وحده لا يكفي، فراحت تلجأ إلى وسيلة أخرى هي استيعاب النقابات بدلاً من سحقها. هكذا اعترفت البرجوازية بالنقابات وأضفت عليها الشرعية، في مقابل رضوخ هذه النقابات لأهم مطالب البرجوازية، ألا وهو تقليص أهدافها إلى الحدود التي لا تشكل خطراً على استقرار المجتمع البرجوازي، أي تحديداً الاكتفاء بالنضال الاقتصادي الذي يهدف إلى تحسين شروط الاستغلال لا القضاء عليه.

وجنباً إلى جنب مع تفريغ النقابات من توجهها السياسي، فإن تغيرات أخرى لا تقل أهمية لحقت ببنية هذه النقابات. فمن جهة، تبلورت شريحة من “المسئولين النقابيين” ذوي مستوى معيشي، وظروف حياة وعمل مختلفة كلية عن العمال العاديين، يتولون قيادة العمل النقابي والوساطة بين الطبقتين الرئيسيتين في المجتمع الرأسمالي: البرجوازية والبروليتاريا. ومن جهة أخرى، راحت النقابات تنظم العمال على أساس الحرفة أو الصناعة، وبذلك أصبحت النقابات، عامل تجميع للطبقة العاملة في نفس الوقت.

والواقع أن هذه التغيرات ترتبط ارتباطاً وثيقاً ببعضها البعض. فمع تقلص أهداف العمل النقابي إلى التفاوض الجماعي، على الأجر وساعات العمل وما إلى ذلك، تتضاءل أهمية النقابة في أعين أعضائها، وتصبح بالنسبة لهم مؤسسة خدمية ذات طابع تقني، تحتاج للتخصص والخبرة والتفرغ، وبالتالي يزداد الميل للبقرطة، وتتراجع الديمقراطية الداخلية للنقابة. فمع تقلص هدف النقابة، من القضاء على الاستغلال، إلى التفاوض حول الأجر وظروف العمل، يصبح من الطبيعي تقسيم النقابات على أساس حرفي أو صناعي، بحيث تأخذ في الاعتبار الظروف المختلفة لكل فئة أو قسم من أقسام الطبقة العاملة.

استطاعت الرأسمالية إذن أن تروض النقابات التي صارت تلعب دوراً هاماً في لجم سخط الطبقة العاملة، واحتوائه داخل “الحدود الآمنة”. لكن الرأسمالية لم تكن هي المستفيد الوحيد من هذا الوضع، بل استفادت منه كذلك البيروقراطية النقابية. فعلى الرغم من أن عناصر هذه البيروقراطية تأتي في الأغلب من داخل صفوف العمال، فإن وظيفتهم الاجتماعية في الوساطة والتفاوض، ومستوى معيشتهم الذي يرتفع بما لا يقاس، عن مستوى معيشة العمال العاديين، والاستقرار الذي يتسم به عملهم الذي لا يتهدد بتقلبات السوق والعالم الذي يعيشون فيه (عالم المكاتب المريحة والاجتماعات “الهامة” مع الشخصيات “المحترمة”) – كل ذلك يجعل من البيروقراطية النقابية طبقة منفصلة عن الطبقة العاملة. إنها في الواقع إحدى شرائح البرجوازية الصغيرة، على الرغم من أنها تتميز عن بقية شرائح هذه الطبقة بالعلاقة التنظيمية الوثيقة التي تربطها بالطبقة العاملة. البيروقراطية النقابية هي جزء من البرجوازية الصغيرة، يحيا على أساس دوره الوسيط بين البرجوازية والطبقة العاملة. وحيث إن وجودها ذاته يرتبط باستمرار عملية الوساطة، فإن لها مصلحة مؤكدة في استمرار المجتمع الطبقي ذاته.

على أنه من الخطأ أن نتصور أن النقابات وقد تم ترويضها، والبيروقراطية النقابية وقد تم خلقها واستمالتها، فإن ذلك قد أضفى على العمل النقابي سمات ثابتة لا تتغير. فالبيروقراطية النقابية بطبيعة الحال تتعرض لضغوط متناقضة، ضغوط من أعلى وضغوط من أسفل، ضغوط من البرجوازية وضغوط من الطبقة العاملة. وكلما انخفض مستوى الصراع الطبقي في المجتمع، كلما نجحت البيروقراطية النقابية في فرض هيمنتها على العمال وفي لعب دور صمام أمان المجتمع الرأسمالي بامتياز. وبالمثل فكلما ارتفعت وتيرة الصراع الطبقي، كلما تزايدت ضغوط العمال التي تستهدف تحقيق ديمقراطية العمل النقابي وتسييسه. فالعمال عندما يتحدون سيطرة رأس المال، فإنما يتحدون أيضاً جزئياً “مؤسساتهم” التي سرقت منهم، فيعملون على زيادة تأثيرهم ومشاركتهم في اتخاذ القرار داخل نقاباتهم، كما يعملون، في أحيان كثيرة، على تعميق العمل النقابي، وتطوير أهدافه، بما يتجاوز الحدود الضيقة التي تحاول البرجوازية فرضها. وبالطبع يصل هذا التحدي للذروة في قمة المد في الصراع الطبقي، أي في لحظة الثورة العمالية ذاتها. حيث يعلمنا التاريخ أن النقابات آنذاك – سواء كانت النقابات القديمة بعد التعديل أو نقابات بديلة جديدة – يمكن أن تصبح من ضمن أدوات تعبئة الطبقة العاملة في معركتها الشاملة ضد مجتمع الاستغلال والقهر.

عملية الترويض التي تعرضت لها النقابات إذن، على مدى القرن ونصف الأخيرين، كانت مساراً سياسياً واجتماعياً حدث داخل مجرى التاريخ، ولم تكن أبداً تعبيراً عن “الطبيعة الجوهرية” للعمل النقابي. والجدير بالذكر هنا هو أن عملية الترويض هذه في حالات كثيرة – بينها الحالة المصرية – تتجاوز الحدود التي وصفناها في هذه المقال. ففي كثير من البلدان الرأسمالية – وخاصة تلك الأقل تقدماً – لم تتحول النقابات فقط إلى أداة للنضال الاقتصادي الضيق داخل حدود المجتمع الرأسمالي، وإنما تحولت إلى أداة بوليسية في أيدي العدو الطبقي للطبقة العاملة، يستخدمها هذا العدو لإخضاع الطبقة العاملة والهيمنة عليها. فالنقابات العمالية القائمة في مصر اليوم مثلاً ليست أدوات وساطة بين الرأسماليين والعمال – فهي ممنوعة من التفاوض الجماعي على الأجر وساعات العمل، وممنوعة عملياً من استخدام سلاح الإضراب في ظل القيود العديدة التي تحد من القدرة على استخدام هذا السلاح، والعمال مجبرون على الانضمام لنقابة واحدة لا يستطيعون تكوين غيرها. إذن فهي جناح عمالي للطبقة الحاكمة في داخل الطبقة العاملة. والواقع أن هذا الوضع يعكس في أحد جوانبه قوة البرجوازية وقدرتها على البطش بالعمال وحرمانهم من سلاحهم التنظيمي، أي النقابات، إلا أنه يعكس أيضاً ضعف وهشاشة هذه البرجوازية التي لا تستطيع أن تتحمل وجود تنظيم جماهيري أو عمالي مستقل.

إن مهمة اليسار المناضل إزاء النقابات المدجنة والمبقرطة، والتي تضع أسواراً عالية بين النضال الاقتصادي والسياسي، هي الانخراط في النضال القاعدي، مع العمل داخل النقابات بغرض دفع الوعي والتجربة العماليين في اتجاه تحقيق ديمقراطية وتسييس النقابات. أما في ظل النقابات التابعة للحكومة القائمة في مصر وغيرها، فالمهمة أصعب لأن هذه النقابات لا تقوم حتى بمهمة الوساطة بين العمال والرأسماليين لتحسين شروط الاستغلال. لكن في ظل ظروف الصراع الطبقي، يصبح العمل في ظل الأطر الراهنة، أي من داخل النقابات، أمراً ضرورياً من أجل توطيد الصلات بالقواعد العمالية. ومن ثم فإن الانتخابات النقابية القادمة هي فرصة مهمة على هذا الطريق.