بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الرأسمالية والديمقراطية

نُشر المقال لأول مرة باللغة الإنجليزية، في مجلة «سوشياليست ريفيو» البريطانية، يناير 2012..

مع نهاية سنة 2011 تم تنصيب “تكنوقراط” غير منتخبين في مناصب السلطة في كل من اليونان وإيطاليا. يقول جون مولينو في هذا المقال أن الرأسمالية ظهرت إلى الوجود مصحوبة بأبواق دعاية ضخمة للحريات للجميع، فيما يشهد التاريخ أن كل مساحة جديدة تكسبها الديمقراطية لا تتحقق إلا بالنضال، ولا تبقى آمنة أبداً.

في القرن الحادي والعشرين يعلن جميع رجال السياسة – بلا استثناء تقريباً – التزامهم بالديمقراطية. لا يسري هذا القول على أوباما وساركوزي وميركل وكاميرون وأمثالهم فقط، بل يمتد أيضاً إلى نيك جريفين من الحزب البريطاني القومي الفاشي. حتى القوى السياسية والمنظمات الغالب عليها أنها ضد الديمقراطية تقول إنها تؤمن بالديمقراطية. ومن هنا يطلق الفاشست السويديون على أنفسهم “الديمقراطيون السويديون” بينما حزب مبارك في مصر كان يُدعى “الحزب الوطني الديمقراطي”.

هذا الأمر يشهد على القوة الأيديولوجية لمفهوم الديمقراطية في العالم الحديث. الديمقراطية و”الحرية” كرست لهما الأبواق بدعم واسع من الدوائر الأكاديمية والإعلام، كمبرر مركزي لـ “الغرب” أثناء الحرب الباردة: قيل إنها الخط الذي يقسم العالم إلى معسكرين – على حد الزعم – بين الغرب الحر المستند إلى الديمقراطية التعددية وشمولية الشرق الشيوعي. الحق أن الكثير من المثقفين “التبريريين” للنظام – أمثال ميلتون فريدمان وفريدريش هايك – قالوا إن ثمة صلة داخلية وضرورية بين الرأسمالية والديمقراطية.

وعلى مستوى أعمق، كان الإعلان عن الديمقراطية في كل محفل شاهد أيضاً على القوة المتاحة للشعوب في العالم المعاصر، وهي سلطة تنامت كثيراً مع النمو العالمي للطبقة العاملة الحضرية، ومع خشية حُكامنا من تلك السلطة. أن تحكم الشعب معناه أن تحكم “باسم الشعب”.

إلا أن ما يفعله رجال السياسة حقاً – على عكس ما يقولونه – مسألة مختلفة. في 1 نوفمبر أعلن جورج باباندريو رئيس الوزراء اليوناني عن خطة للاستفتاء على “حزمة الإنقاذ” (برنامج التقشف القاسي) الذي تم التفاوض عليه مع البنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي. “الأسواق” (أي أصحاب رأس المال)، والإعلام وميركل وساركوزي وهلم جرّا، ردوا بغضب وسخط بالغين على فكرة منح الشعب حق التصويت على أمر كهذا. تم استدعاء باباندريو وقيل له بكل وضوح أنه ليس مسموحاً باستفتاء على قرار كهذا.

بعد يومين، تم سحب فكرة الاستفتاء، وبعد أسبوع تم استبدال باباندريو بـ لوكاس باباديموس غير المنتخب. وصف الإعلام باباديموس بأنه “تكنوقراط”، لكن مثل أغلب المصطلحات المستخدمة في تلك الأزمة، فهو مصطلح الغرض منه الإبهام وبث الحيرة. باباديموس رجل بنوك. وكان حاكم بنك اليونان من 1994 إلى 2002، ونائب رئيس البنك المركزي الأوروبي من 2002 إلى 2010.

ثم ومع تصاعد حدة أزمة الدين الإيطالي، استقال سيلفيو برليسكوني وحل محله “تكنوقراط” آخر غير منتخب، هو ماريو مونتي. مونتي أستاذ اقتصاد، ومن المفوضين الأوروبيين ومستشار دولي لمؤسسة جولدمان ساش ومؤسسة كوكاكولا. تم تعيينه “نائباً مدى الحياة” من الرئيس الإيطالي في 9 نوفمبر، وبعد أسبوع أقسم قسم رئيس الوزراء بصفته رئيساً لـ”حكومة الوحدة الوطنية”، حكومة رجال البنوك ورجال الأعمال.

في كلتا الحالتين، في ظل أزمة اقتصادية طاحنة، تم ببساطة “تجميد” “حق” الشعب الديمقراطي في انتخاب حاكمه، من أجل ضمان التنفيذ السريع لإجراءات التقشف التي طالب بها رجال البنوك الدوليون، وهي إجراءات متطرفة ربما يمتنع أي سياسي منتخب خاضع لضغوط شعبية عن تنفيذها. بالإضافة إلى هذا، وأنا أكتب هذه السطور، يطالب ساركوزي وميركل الآن بتغييرات في معاهدة لشبونة لتأمين الاندماج المالي وتشديد الرقابة على الميزانية في جميع دول الاتحاد الأوروبي، وهو ما يعني عملاً المزيد من تآكل سلطات الحكومات المنتخبة ديمقراطياً. إذن ما هي العلاقة الحقيقية بين الرأسمالية والديمقراطية؟ من المفيد البحث في خلفية تاريخية لهذه القضية.

السجل التاريخي
تاريخياً هناك صلة ما بين صعود الرأسمالية وصعود الديمقراطية الحديثة، لكن تلك العلاقة تفوق بكثير ما يُنفذ وما يُعلن عنه.

في ظل النظام الإقطاعي كانت البرجوازية خاضعة لحكم الإقطاع المستبد. رغم أن البرجوازية كانت أقلية، فقد كانت طبقة مستغلة ومُلزمة – في نضالها من أجل الوصول للسلطة – بأن تعرض نفسها بصفتها تمثل المجتمع بأسره. كما قال فريدريك إنجلز في “الاشتراكية اليوتوبية والعلمية”: “إلى جانب الخصومة بين نبلاء الإقطاع والعوام، الذين زعموا أنهم يمثلون باقي المجتمع، كانت ثمة خصومة بين المستغلين والمستغلون، بين الأغنياء والعمال الفقراء. هذا الظرف تحديداً هو ما مكّن ممثلي البرجوازية من تقديم أنفسهم كممثلين للإنسانية التي تزرح تحت عبء المعاناة، وليس فقط كممثلين لطبقة واحدة محددة”.

من هنا تخصص البرجواز في الإعلانات المجردة للحقوق، من إعلان الحقوق في إنجلترا في عام 1689، إلى إعلان الاستقلال الأمريكي في 1776، وما ورد فيه من أن “خلق جميع الناس متساوون، وخصهم خالقهم بحقوق لا يمكن تجاوزها، منها الحق في الحياة والحرية والبحث عن السعادة”، ثم وثيقة الحقوق والثورة الفرنسية عندما تبنت شعار “الحرية والمساواة والأخوة” وإعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي أصدرته.

كما أن صعود البرجوازية والثورات البرجوازية مال لأن يكون مصحوباً بالكفاح من أجل الحكم البرلماني كبديل لمختلف أشكال الحكم الملكي والمستبد بشكل عام. من ثم كان دور “مجلس الأقاليم المتحدة في الثورة الهولندية” في القرن السادس عشر، والحرب بين البرلمان والملك في الثورة الإنجليزية عام 1642، ودور المجلس الوطني في الثورة الفرنسية.

لكن عملاً، فإن الالتزام بـ “الإنسانية” و”الحقوق للجميع” يتبين دائماً أنه يضم بعض الاستثناءات والأحكام القانونية متعددة المعاني البعيدة عن “الحقوق للجميع”. قضية الكاثوليك في “وثيقة حقوق” عام 1689 والعبيد السود في الثورة الأمريكية أمثلة كلاسيكية على ذلك، وبالطبع فإن حقوق “الإنسان” لم تضم حقوق النساء. وبالمثل، فلم يتم منح حقوق إنسانية أو سياسية للسكان الأصليين (من أي جنس أو لون) مع صعود الاستعمار، بينما “الحق في الملكية” كان دائماً من الحقوق المقدسة. كما لم يمتد حماس البرجوازية للحكم البرلماني مطلقاً إلى تكريس حق التصويت للجميع.

في مناقشات بوتني عام 1647، أكد هنري إريتون (متحدثاً عن أوليفر كرومويل أمام رينسبورو صاحب الموقف الراديكالي): “أعتقد أنه ليس لأحد الحق في أي نصيب من مسألة التخلص من أسلوب إدارة المملكة، أو في تحديد أو اختيار من يحددون القوانين التي ستحكمنا. ليس لأحد الحق في هذا، إلا وكان له مصلحة قائمة ودائمة في هذه المملكة…”

وكان يقصد بـ “مصلحة قائمة ودائمة” امتلاك ملكية، ويقصد بها الأرض تحديداً. رأيه كان أن من لا يملكون أرضاً لا يمكن السماح لهم بالتصويت بما أنهم سيستخدمون هذا الحق في القضاء على الملكيات، وهو ما يعتبر وبطبيعة الحال غير محل نقاش. هذا المعارضة للتصويت للجميع (أي تصويت الطبقة العاملة) كان موقف البرجوازية البريطانية وغيرهم من البرجواز على المستوى الدولي، حتى نهاية القرن التاسع عشر على الأقل.

“التصويت للجميع”، كما كتب اللورد ماكاولي المؤرخ ربيب القصور في القرن التاسع عشر.. “سيكون مدمراً لأي غرض تقوم من أجله الحكومات”. وأنه “غير متسق مع وجود الحضارة ذاته”. حتى فيلسوف الليبرالية العظيم جون ستيوارت ميل، في مقاله عن الحكومات النيابية، عارض فكرة التصويت للجميع خوفاً من أغلبية الطبقة العاملة.

من ثم آل إلى الطبقة العاملة نفسها النضال حتى تأخذ حقها في التصويت، وكان نضالاً مطولاً، ومر بمعارك قوية كثيرة، مثل مذبحة بيترلو في عام 1819، وحملة 1838 إلى 1859 العظمى، وثورات 1848، وكوميون باريس في 1871، والإضراب البلجيكي العام سنة 1893، وحملات التصويت للنساء، إلى حركة الحقوق المدنية الأمريكية في خمسينيات وستينيات القرن العشرين.

التصويت للجميع ليس للجميع
في مقال نُشر في دورية “نيو ليفت” سنة 1977 بعنوان “حُكم رأس المال وصعود الديمقراطية”، أظهر جوران ثيربورن أن أي من النظم الرأسمالية الـ 17 الأكبر في العالم حققت التصويت للجميع بحلول عام 1900. كانت أستراليا أولى هذه الدول في عام 1903، وتلتها نيوزيلاندا في 1907. الفترة الأساسية لظهور شيء قريب من التصويت للجميع (هناك استثناءات كثيرة، مثل عدم حصول السيدات تحت 30 عاماً على حق التصويت في بريطانيا حتى عام 1928)، كانت من 1917 إلى 1920. النمسا (1918) وكندا (1920) وفنلندا (1919) وألمانيا (1919) والسويد (1918) وبريطانيا (1918).

أي أن حق التصويت لم تحصل عليه الطبقة العاملة إلا كأحد ثمرات الموجة الثورية التي اكتسحت أوروبا نهاية الحرب العالمية الأولى.

حق التصويت – وإن كان يُنظر إليه عادة على أنه أكبر شاهد على الديمقراطية – لا معنى له إلا في سياق انتخابات حرة و”غير مزورة” لبرلمان ذات سيادة، وليس الانتخابات التي دأبت مصر مبارك على تنظيمها أو مثلاً البرلمان التابع للإمبراطور في ألمانيا حتى اندلاع الثورة الألمانية في 1918.

الصوت إذن هو جزء من كل يُسمى الحقوق الديمقراطية، مثل الحق في حرية التعبير وحرية الصحافة والتجمع وتكوين الجمعيات (التنظيم) والعمل النقابي والحق في الإضراب والحق في الاحتجاج، والمساواة أمام القانون، وهي جميعاً تعتبر قوام المعروف بالديمقراطية الآن. ومثل التصويت، فإن كسب هذه الحقوق من الطبقات العاملة تم بعد نضال طويل. اضطروا للنضال مرة تلو الأخرى في مناسبات لا حصر لها، تمتد من واقعة شهداء تولبادل عام 1834 إلى النضال ضد القوانين المعادية للاشتراكية في عهد بسمارك في ألمانيا أواخر القرن التاسع عشر، إلى مقاومة الفاشية في دول عديدة، إلى الصراعات الأصغر على اللحقوق السياسية والنقابية والقانونية التي تشهد عليها شمس كل يوم جديد.

الحق أن وفي العموم، مع جميع هذه الاستثناءات (مثل الصين وأغلب مناطق الشرق الأوسط) تم الانتصار في معارك خرجت بها الحرب الطبقية القائمة بحلول وسط غير مستقرة أو دائمة.

على جانب، هناك انتصارات حقيقية منتزعة من طبقة رأسمالية يجب الاحتفال بها والدفاع عنها. وعلى الجانب الآخر، فهي تعكس حالة فهم تصل إليها الطبقات الحاكمة تدريجياً على المستوى الدولي، أنه نظراً لوجود ظروف عامة مثل قلة الاستقرار الاجتماعي؛ فهذه الطبقات الحاكمة ورأس المال يمكنها أن تتعايش مع “الديمقراطية”، وأنه على النقيض مما تؤكده مخاوفهم، فإن معدومي الملكية يمكن إقناعهم بأن ليس بإمكانهم التصويت على تجريم الملكية الخاصة.

طبيعة الديمقراطية البرجوازية
المعنى الحرفي للديمقراطية هو حكم الشعب، لكن الديمقراطية البرجوازية، حتى في أنقى وأتم أشكالها، لا تؤدي مطلقاً إلى حُكم الشعب. في الواقع تعتبر دائماً، على حد قول ماركس “دكتاتورية البرجوازية”.

هناك أسباب كثيرة لهذا الأمر. حتى البرلمانات والحكومات المنتخبة بشكل ديمقراطي سليم، لا تمتلك أو تسيطر على عناصر الإنتاج والثروة في المجتمع، التي تبقى في أيدي رأسماليين غير منتخبين، يعملون بناء على قوانين التنافس الرأسمالي.

بالتبعية، فإن الحكومات المنتخبة في العادة تحكم في إطار حدود موصوفة ومقبولة للبرجوازية (“الأسواق”، الشركات، إلخ) وحتى الحكومات الأكثر رفضاً لهذه الأطر، فمن الممكن بسهولة في كل الحالات أن تسقط بسبب إضرابات المستثمرين وهروب رأس المال، وعمليات المضاربة على العملة الوطنية وما إلى ذلك.

ثانياً، البرلمان المنتخب هو جزء من آلة الدولة يعمل بالتوازي معها (وآلة الدولة هي قوات مسلحة وشرطة وقضاء وجهاز العاملين بالدولة، إلخ)، وهي أطراف غير منتخبة، وهيراركية بالأساس ومرتبطة بآلاف الخيوط – اجتماعية واقتصادية وتاريخية وعقائدية – مع مصالح البرجوازية.

وبصفة هذه الدولة مالكة لتركز شديد من القوة المادية في المجتمع، فإن في يدها مفاتيح تنفيذ السياسة الحكومية، وكذلك القدرة على ممارسة تأثير هائل على تلك السياسية، وإذا لزم الأمر استبدال الحكومة (مثل انقلاب تشيلي في عام 1973).

ثالثاً، الأفكار الحاكمة في المجتمع هي أفكار الطبقة الحاكمة، كما قال ماركس. العملية السياسية بأسرها مؤطرة بافتراضات أيديولوجية رأسمالية – أولاً الافتراض العلاقات الرأسمالية للإنتاج وأولوية الربح مبادئ محايدة وغير قابلة للتغير – وتُترجم إلى سياسات وسلوكيات معينة (ضرورة الاقتطاع من الرواتب، والنظرة السلبية إلى الإضراب، إلخ) من الإعلام رأس المالي والإعلام الذي تسيطر عليه الدولة. فضلاً عن أن عدم المساواة الكبيرة بين الطبقات الرأسمالية والطبقات العاملة يعني في الصراع السياسي ذاته – بما في ذلك الانتخابات – أن ممثلي الشعب والأحزاب لمختلف الطبقات تدخل المعترك في ظل تباين هائل في الموارد فيما بينها.

فضلاً عن ذلك، فإن التغريب والاستغلال والاضطهاد اليومي تحت رأس المال، يعني أن في الفترات العادية يعاني قطاع كبير من الطبقة العاملة والفقراء ويشعرون بالعزلة عن المجتمع لدرجة أنهم “لا ينشغلون” بالسياسة، ولا يهمتون بها. وترتفع معدلات عدم التصويت كثيراً في الطبقات السفلى من المجتمع، مقارنة بمعدلات عدم التصويت في المستويات العليا منه.

أخيراً، الانتخابات والنظم الانتخابية الديمقراطية البرجوازية – بغض النظر عن مدى تنوعها – تعمل جميعاً على تقويض الديمقراطية الحقيقية لأن الناخبين ينتخبون أفراداً متشظين، مرة كل أربع أو خمس سنوات، عن دوائر جغرافية كبيرة، ويصعب عادة محاسبة النواب أو التراجع عن انتخابهم، وبحكم العادة يرتقون إلى مستوى اقتصادي واجتماعي يفوق كثيراً متوسط معيشة الناخبين من الطبقة العاملة. من ثم، فمن السهل للغاية على هؤلاء النواب أن يفسدوا في الخفاء – أو في العلن – وأن يخونوا وعودهم الانتخابية.

لكن بعد كل شيء تجعل هذه العوامل الديمقراطية البرلمانية واجهة لطيفة لحُكم رأس المال، ولابد أيضاً من التشديد على أن البرجوازية لا تلتزم بأي شكل من الأشكال بالحفاظ على هذه الواجهة سليمة، إذ ثبت ذلك مراراً وتكراراً من تجارب الفاشية في إيطاليا وألمانيا وإسبانيا والبرتغال وحكم العسكر في اليونان (1967 إلى 1974) ونظم دكتاتورية لا حصر لها في أمريكا اللاتينية تمتعت بدعم الغرب، والشرق الأوسط ومناطق أخرى.

توافق بين الطبقات
هذا لأن الديمقراطية البرجوازية حل وسط بين الطبقات… تنازل منتزع من البرجواز. فيها “حقوق” وممارسات، كما سبق الذكر، رغم أنها لا تنهي بأي شكل حكم البرجوازية وتُمكن الطبقة العاملة وغيرها من القوى الشعبية من أن تنظم نفسها ضدها. حُكامنا لن يركنوا بسهولة إلى مسار تمزيق الديمقراطية وهدمها. إنهم يعرفون جيداً بمزايا الحكم “التوافقي” والشرعية المستمدة من قناع الديمقراطية، والمخاطر الجمة التي تنطوي عليها محاولات فرض الديكتاتورية أو الفاشية بلا مواربة.

سوف يسلكون ذلك الطريق فقط إذا دفعهم إليه مزيج من الضرورات الاقتصادية والخوف السياسي والاقتناع بأن بإمكانهم الإفلات بما سيفعلون. من الممكن للغاية أن تظهر انقسامات تكتيكية واستراتيجية في هذه المسألة، قبل أن تلتف كتلة الطبقة الحاكمة الأساسية حول الخيار الفاشي أو اللاديمقراطي.

إذن أين نقف الآن؟ كما يعرف القارئ فإن رأس المال واقع في قلب أزمة عالمية عاصفة تُفرز توترات اقتصادية واجتماعية وسياسية لا حصر لها، منها أزمة منطقة اليورو والمقاومة الشعبية القوية، بما في ذلك حركة “احتلوا” في الولايات المتحدة، وحركة الاحتجاج الإسبانية “إنديجنادوس” والمظاهرات في بريطانيا وإضرابات 30 يونيو/حزيران و30 نوفمبر/تشرين الثاني، وأعلى مستوى من الصراع باستثناء الربيع العربي، من إضرابات ومظاهرات وأعمال شغب مستمرة في اليونان.

في هذا السياق يأتي تنصيب حكومة باباديموس وحكومة مونتي في اليونان وإيطاليا بمثابة تطور خطير. فهو مؤشر على تحول لاديمقراطي في التوازن المتغير دائماً بين القوى المتعارضة المعروفة باسم المؤسسة الديمقراطية البرجوازية. لابد أيضاً أن يُنظر إلى هذه القضية على ضوء تزايد القمع الشرطي ضد المتظاهرين والمحتجين، وفرض عقوبات انتقامية في بريطانيا، يداً بيد مع العمل الشرطي ضد حركة “احتلوا” في الولايات المتحدة.

هذه التطورات في حد ذاتها ليست بادرة على هجر الديمقراطية البرجوازية بما يؤدي إلى تجريم نقابات الطبقة العاملة والتنظيم السياسي وحظر الإضرابات والمظاهرات ووضع حد للتصويت أو حل البرلمانات. لكن، لابد أن تُرى هذه التطورات على أنها تحذير واضح على شكل الأمور في قادم الأيام، أو ما يمكن أن يفعله الواحد في المائة، دون أي تأنيب ضمير، إذا اضطروا. كما يجب أن نرى في هذه البوادر أننا بينما لم ننخدع بالديمقراطية البرجوازية ونسعى لاستبدالها بديمقراطية المجالس العمالية، فعلينا أيضاً أن ندافع عن كل المكاسب الديمقراطية التي ربحتها الطبقة العاملة على مدار نضالها الطويل.