بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الرأسمالية والعلوم

على مدى عقود طويلة احتدم الجدل بين فريقين يؤمن أحدهما بتبعية العلم التامة للمجتمع الرأسمالي الطبقي ويرى الآخر استقلالية العلوم الطبيعية عن علاقات الثروة والسلطة في المجتمع. يرفض محمود عبد اللطيف الرؤيتين في النظر لعلاقة العلم بالمجتمع مشيرًا إلى أنه رغم استقلالية القوانين العلمية إلا أن توجهات عملية البحث العلمي لا يمكن فصلها عن مصالح الطبقات المسيطرة في المجتمع الرأسمالي.

العلوم الطبيعية دائمًا تعامل على أنها النموذج “للموضوعية التامة”، حيث أنها لا تتأثر على الإطلاق بالجوانب الاجتماعية في إنتاجها للمعرفة. وقد تبدو هذه المقولة صحيحة للوهلة الأولى. فالعلوم الطبيعية تمتلك قدرًا كبيرًا من “الموضوعية” غير متاح للعلوم الاجتماعية وذلك لأن الطبيعة بوجودها المستقل عن البشر وقوانينها الخاصة هي موضوع المعرفة في العلوم الطبيعية. أما العلوم الاجتماعية فتركز على دراسة المجتمعات والعلاقات والقوانين التي يضعها البشر. وبينما تتمتع القوانين الطبيعية بالثبات فإن القوانين الاجتماعية تتعرض للتغيير بشكل مستمر. هذه الاختلافات تحكم علاقة البشر بالقوانين الطبيعية والاجتماعية. فبينما يتساوى البشر في علاقتهم بقوانين الطبيعة، يتمايزون في علاقتهم بالقوانين الاجتماعية. فعلى سبيل المثال قانون الجاذبية لا يميز بين فقير وغني أو عامل ورأسمالي، بينما قانون القيمة لا يحمل نفس النتائج للعامل والرأسمالي – حيث الفقر نصيب الأول والثروة نصيب الثاني.

وإذا اتفقنا على أن الهدف من المعرفة العلمية، سواء في العلوم الطبيعية أو الاجتماعية، هي تغيير الواقع، يمكننا أن نفهم أهمية العلوم الطبيعية للرأسمالية ومدى احتياجها له في سعيها الدائم لتغيير العالم الطبيعي بما يضمن تراكم الأرباح. في مجتمعات ما قبل الرأسمالية كانت السمة الرئيسية لعملية الإنتاج هي الركود النسبي وهو ما ينعكس بالضرورة في بطء تطور أدوات الإنتاج. لم يكن هناك أي مجال لتوسع ديناميكي في المعرفة العلمية ولا لوجود فئة كبيرة ونشطة من العلماء. أما في المجتمعات الرأسمالية الحديثة فسمة الإنتاج هي الحيوية والتحول الدائمين، يلعب فيها العلم دورًا هامًا من وجهة نظر التراكم الرأسمالي. إن العلاقة التبادلية بين العلم وعملية الإنتاج تفترض أن التراكم المعرفي وما يرتبط به من طفرات تكنولوجية يفتح الطريق لتطور قوى الإنتاج لكن بالطبع في الحدود الذي يمكن أن يستوعبه المجتمع في لحظة بعينها.

وفي تحليل العلاقة بين المعرفة العلمية وبين المجتمع الطبقي، خاصة فيما يتعلق بمدى موضوعية واستقلالية العلوم الطبيعية، هناك تياران متناقضان: التيار الأول يرى أن العلم مرتبط بل وخاضع لأفكار الطبقة السائدة، وهو بذلك ينفي عنه أية استقلالية، ويرى أن التقلبات والتغيرات في توجهات العلم ليست سوى انعكاسًا للتغيرات والتقلبات في الأيديولوجيا السائدة. أما التيار الثاني فيقف على النقيض من ذلك حيث يؤكد على استقلالية العلم، ويرى أن كل التطورات في المفاهيم العلمية جاءت نتيجة لتراكم داخلي للنظريات والتي لا شأن لها بصراع الأيدلوجيات والأفكار التي تحدث خارج المعامل.

ولا يعبر أي من هذين التيارين بدقة عن حقيقة الأمر. فلا يمكن رؤية العلم بصفته تابع ذليل لضرورات قوى الإنتاج. فنظريات العلوم الطبيعية تتمتع في أساسها ومنطقها الداخلي بقدر عال من الموضوعية والاستقلالية عن الأيدلوجية السائدة. فالمعمل، وليس الصراع الفكري أو الأيديولوجي هو مصدر إثبات هذه النظريات ودحضها. لكن هذا القدر من الموضوعية – المشروط في نهاية المطاف أيضًا – لا يصدق على النظريات الكلية والعامة والتي تجمع خيوط النظريات الجزئية وتوحدها في كل فلسفي متناسق. فإذا كان العلماء قادرين على تحقيق مستوى من الموضوعية مثلاً في فهمهم لخواص المواد وطبيعة التفاعلات الكيميائية، فهم يصبحون أكثر عرضة للتأثر بالانحيازات الأيديولوجية في حال بلورتهم لنظرية عن أصل المادة الحية وطبيعتها.

ليس هناك أي ليس حول الارتباط الوثيق بين تطور العلم ومصالح الرأسمالية. فمن الأكيد أن الديناميكية العالية للعلم، في عصرنا هذا، مرتبطة باحتياجات التراكم الرأسمالي. وذلك لأن الطبيعة التنافسية للرأسمالية وسعيها وراء الربح يجعلان تطوير قوى الإنتاج حدثًا يكاد يكون يوميًا، ولكن نفس هذا النظام الذي يدفع العلم ويشجعه يؤدي من ناحية أخرى إلى تشويه طبيعة العلم وأولوياته. فالهدف من العلم، من وجهة نظر الرأسمالية، هو تحقيق المزيد من الأرباح وليس خدمة البشرية. فالرأسمالية تصرف الملايين على أبحاث علمية تخدم أهدافها وإن تعارضت مع مصالح غالبية البشر، مثال على ذلك مليارات الدولارات التي تنفق على تطوير الأسلحة مع أن النتيجة لهذه العملية هو الدمار والموت للبشر. ولو أخذنا مثالاً آخر، شركات الأدوية التي تنفق الكثير على الأبحاث وتطوير الدواء لتسويقها والكسب من ورائها وتتجاهل تمامًا الأبحاث التي قد تمكنها من القضاء على الأمراض.

إن تشويه الرأسمالية للعلم له أوجه أخرى لا يجب إغفالها، وهي التي ترتبط بمجتمع العلماء نفسه ومدى الاستفادة من منجزات العلم. إن الطبيعة التنافسية تهيمن على المجتمع العلمي، حيث أن الأبحاث تحتاج إلى تمويل ضخم تقدمه المؤسسات الرأسمالية. وهذا بدوره يخلق تنافسًا مستمرًا بين العلماء حول الأسبقية في الوصول إلى نتائج واكتشافات جديدة يمكن تسويقها من أجل الفوز بالأفضلية في الحصول على التمويل اللازم لاستمرار وتحقيق مكانة مرموقة. كما يعاني المجتمع العلمي في ظل الرأسمالية من ميول محافظة تجعله يرفض ويحارب الأفكار المختلفة التي لا تتماشى مع الاتجاه والأفكار السائدة في المجتمع العلمي. أما بالنسبة للاستفادة من منجزات العلم فهي تخضع لمنطق طبقي حيث أن الطبقات الغنية هي التي تستفيد من المنجزات بينما تحرم الطبقات الفقيرة منها.

كان هذا العرض السريع محاولة للإجابة على تساؤل حول مدى موضوعية واستقلالية العلوم الطبيعية في ظل الرأسمالية، ويمكن في النهاية القول: أنه على الرغم من تمتع العلوم الطبيعية بدرجة من الموضوعية. إلا أن القيود التي تفرضها الرأسمالية على العلم والنشاط العلمي لتطويعه لخدمة مصالحها وأغراضها يجعل موضوعية واستقلالية هذه العلوم مشروطًا. إن المعرفة العلمية جزء لا يتجزأ من النشاط الإنساني، وهدفها في الأساس هو تمكين البشر من السيطرة على قوى الطبيعة من أجل بناء مجتمع أفضل وأكثر إنسانية، لكن هذا لا يمكن تحقيقه في ظل المجتمع الرأسمالي الذي يخضع فيه العلم لضرورات الربح والتراكم.