بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الاشتراكية والوطنية والحرب

إن إحدى السمات الأساسية للماركسية هي أنها تبدأ دائمًا من الواقع الملموس وليس من أي افتراضات وهمية أو تصورات خيالية. ولذلك ففيما يتعلق بالمسألة التي نتحدث عنها في هذا المقال – مسألة “الوطن” و”الدفاع عن الوطن” – كان هم الماركسية، قبل أن تقدر هل يجب أن يكون للعمال وطن أم لا، هو أن تؤكد أن الوطن هو فكرة تاريخية وواقع نشأ في مرحلة معينة من الزمن، وأنه ككل شيء تاريخي لم ينشأ منذ الأزل ولن يستمر إلى الأبد.

وحتى نفهم الظروف التاريخية التي في ظلها نشأ الوطن لا بد من أن نعود إلى البرجوازية وإلى الدور الذي قامت به في التاريخ. فبالرغم من أنه صحيح أن فكرة معينة عن الوطن كانت موجودة في عصور تاريخية سابقة على ولادة الطبقة البرجوازية، إلا أن هذه الفكرة كانت غامضة ولا تمت بصلة إلى الفكرة التي لدينا اليوم عن الوطن. عندما نتحدث الآن عن الوطن فإننا نقصد أولاً وأخيرًا “الوطن القومي” الذي ارتبط ارتباطًا مصيريًا في نشوئه بالطبقة الحديثة التي تسمى بالبرجوازية، وبالدور الذي لعبته هذه الطبقة في التاريخ.

ويميز كراس “البيان الشيوعي” الذي كتبه ماركس وإنجلز مؤسسًا النظرية الماركسية في منتصف القرن الماضي بين مرحلتين أساسيتين في تاريخ الدور الذي لعبته البرجوازية في تكوين الأوطان القومية. في المرحلة الأولى عملت البرجوازية بهمة ونشاط على تكوين دولاً قومية – “أوطان” – عن طريق توحيد وصهر السكان في المجتمعات المحلية وربطهم بسوق قومي واحد مندمج يصبح القاعدة التي تنشط فيها الطبقة الرأسمالية القومية وتمارس نفوذها الاقتصادي. وفي هذا الإطار فإن دور جهاز الدولة القومية الناشئة حديثًا كان حماية المصالح الأساسية للرأسماليين سواء في مواجهة الطبقات المحلية المستغلة أو في مواجهة الدول الأخرى. أما في المرحلة الثانية – وهي التي توجت بظهور الإمبريالية – فقد عملت البرجوازية، وبدرجة عالية من الهمة والنشاط أيضًا، على تجاوز حدود الوطن القومي بغرض السيطرة على أسواق أخرى ونهب شعوب الدول الضعيفة. وفي هذا السياق خلقت الرأسمالية سوقًا عالمية مترابطة، أي أنها تحولت إلى نظام عالمي واحد.

ولكن ظهور الظاهرة الإمبريالية وبدء عهد الاستعمار (بشكليه القديم والحديث)، وما يعكسه هذا من اكتساب الرأسمالية لطابع عالمي، لم يكن معناه أبدًا تجاوز الوطن أو الدولة القومية. فلقد ظل للدولة القومية دورها المركزي في تحقيق مصالح كل رأسمالية قومية في المنافسة الدولية، وفي فتح الأسواق، وفي إخضاع الطبقة العاملة. كل ما هنالك أن الرأسمالية في عهدها الإمبريالي أبرزت بشكل غير مسبوق التناقض بين الطابع العالمي للإنتاج – وهو ما يعني إمكانية أن يتعاون جميع البشر في كل أنحاء العالم من أجل تلبية احتياجهم – وبين سمة التنافس والتطاحن والحروب التي تلازم الرأسمالية في كل مراحلها.

وفي ظل العصر الإمبريالي بكل حروبه وصراعاته زادت محاولات البرجوازية لحماية نفسها ولحشد الطبقة الخاضعة، وعلى رأسهم الطبقة العاملة، ورائها في صراعاتها مع البرجوازيات الأخرى. حدث ذلك عن طريق شق صف العمال وتفتيت تضامنهم بالعديد من الوسائل ومنها الحديث الذي لا ينقطع عن “الوطن والوحدة الوطنية”. في الوقت الذي اكتسبت فيه الرأسمالية طابعًا عالميًا، زادت محاولاتها لتخدير العمال ومنع تضامنهم واتحادهم على النطاق العالمي عن طريق تأجيج القومية والوطنية في صفوفهم. ولكن الواقع هو أن العمال لا وطن لهم.

العمال لا وطن لهم لا لأنهم بطبيعتهم ضد الوطنية أو مجردين من المشاعر الوطنية، ولا لأنهم عدميون أو لأن الماركسية تريدهم كذلك، وإنما لأن البرجوازية سلبتهم وطنهم وفكرة الوطن أساسًا عندما وظفته لإخضاعهم ونهبهم ولإخضاع ونهب المستغلين في دول أخرى. وليس أمام العمال في هذه الحالة إذن إلا أن يواجهوا الجبهة العالمية المتحدة لبرجوازيات العالم بجبهة عمالية عالمية. ولذلك، فإن شعار “يا عمال العالم اتحدوا” الذي يتبناه الاشتراكيون الثوريون في كل العالم لا بد أن يُفهم على أنه شعار يعبر عن المقاومة الثورية للعمال ضد النهب والاستغلال والحروب والصراعات التي تشعلها البرجوازيات أي ضد سلطة البرجوازية.

إن الوطن هو واقع تاريخي وليس طبقًا سحريًا فوق التاريخ أو خارج الزمان والمكان. هذا الواقع التاريخي قابل لأن يأخذ، تبعًا لكل مرحلة تاريخية، مضمونًا متغيرًا. فعلى سبيل المثال، من واجب الاشتراكيين أن يكونوا وطنيين – بمعنى أن يدافعوا عن الوطن – إذا ما كان لهذا الوطن معنى ديمقراطي أو تقدمي. ومن واجبهم أن يكونوا ضد الوطنية – بمعنى أن يرفضوا خدعة الوطن – حينما يصبح للوطن معنى رجعي. وفي كل الأحوال فإن المبدأ الاشتراكي هو أن على الثوريين أن يحددوا موقعهم من مسألة الدفاع عن الوطن تبعًا لمصالح النضال الطبقي للطبقة العاملة عالميًا.

وحتى نفهم هذا المبدأ بصورة أوضح قد يكون مفيدًا أن نرجع لبعض الأمثلة التاريخية على المواقف التي اتخذها الاشتراكيون في مسألة الدفاع عن الوطن. فلنأخذ مثلاً موقف ماركس من الحرب التي اشتعلت بين ألمانيا وفرنسا في عامي 1870 و1871. عندما اندلعت هذه الحرب في يوليو سنة 1870 أصدر الأعضاء الفرنسيون في “الأممية الأولى” (وهم التنظيم الدولي للتيارات الاشتراكية) بيانات أكدوا فيها على إدانتهم للحرب التي شنتها فرنسا بغرض التوسع وفرض السيطرة وذلك باعتبارها حرب لتوسيع مناطق النفوذ من جانب السلالات المالكة. أما بالنسبة للعمال الألمان فقد رأى ماركس أن الحرب في حالتهم هي حرب دفاعية وأن من واجبهم الوقوف – للأسف – ضد الغزو الفرنسي بشرط أن لا يسمحوا أن تتحول الحرب إلى حرب هجومية من ناحية ألمانيا. وبالفعل وبمجرد هزيمة الفرنسيين أعلن ماركس بجلاء تام أن الحرب من جانب ألمانيا فقد طابعها الدفاعي وأن من واجب الطبقة العاملة الألمانية أن نناضل ضد برجوازيتها وفي سبيل وضع حد لها. وإذا أردنا تلخيص موقف ماركس لقلنا: حتى هزيمة فرنسا، لم يكن للعمال الفرنسيين وطن وكان يجب على العمال الألمان أن يدافعوا عن وطنهم، وبعد هزيمة فرنسا، أصبح من واجب العمال الفرنسيين (وقد أصبحوا وقتها لفترة في السلطة في ظل كميونة باريس) أن يدافعوا عن وطنهم في حين أصبح من واجب العمال الألمان أن يكونوا بلا وطن.

وقد يكون في هذا الموقف ما يدعوا إلى الاستغراب، خاصة من جانب بعض المفكرين والساسة القوميين الذين يضعون حول فكرة الوطن هالة من القدسية والخلود مما يجعل منها وثنًا معبودًا يموت الناس ويحيون من أجله. ولكن علينا أن لا ننسى أن الموقف الذين يتبناه القوميون والذي يبدو مثاليًا، والذي لا يهتم بالطابع الطبقي للحرب، ينتهي عمليًا إلى تأييد كل أنواع الحروب بما فيها الحروب الاستعمارية! وبالمقابل فإن موقف ماركس الذي يبدو متقلبًا والذي يربط مسألة الدفاع عن الوطن بمجمل المصالح الحقيقية للطبقة العاملة، هو الموقف الإنساني والثوري الصحيح. وذلك لأنه يتيح لنا أن نميز بين حرب تضعف البرجوازية وتقوي العمال – كحروب الأمم المضطهدة ضد الإمبريالية – وبين حرب أخرى تؤدي إلى إخضاع العمال للرأسمالية.

المثل الثاني الذي يمكن أن نرجع إليه لفهم الموقف الاشتراكي الثوري من مسألة الوطن هو الحرب العالمية الأولى وموقف الأممية الثانية منها ومعارضة لينين لهذا الموقف. تأسست الأممية الثانية كشكل دولي لتنظيم الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية في العالم بعد تفكك الأممية الأولى. فقد بادر إنجلز بالدعوة لتأسيسها في عام 1889 بمناسبة الذكرى المئوية للثورة الفرنسية الكبرى (1789). وقد دفنت هذه الأممية نفسها وأظهرت انتهازيتها يوم خانت قياداتها المبادئ الاشتراكية الثورية الأممية وأعلنت تأييدها لدولها ولفكرة الدفاع عن الوطن في الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918)، وهي حرب إمبريالية قامت من أجل إعادة توزيع مناطق النفوذ بين الدول الاستعمارية. أي أن الأممية الثانية عندما وضعت في محك الاختبار العملي – مع اندلاع شرارة الحرب – كشفت عن حقيقة أنها ضد مبدأ الأممية وضد مصالح العمال الذين لا تفيد الحرب إلا سادتهم. ولم يكن هناك إلا أقلية ضئيلة فقط من الاشتراكيين تقف ضد هذا الموقف الانتهازي ومع معارضة الحرب، وكان من هذه الأقلية – وعلى رأسها – لينين قائد الجناح الثوري في الحزب الاشتراكي الروسي.

قبل الحرب بسنوات كان لينين يدافع عن المواقف الثوري الصحيح الذي يجب اتخاذه في حالة نشوب حرب بين الدول الاستعمارية الكبرى بغرض إعادة توزيع المستعمرات بالقوة. ففي المؤتمر السابع للأممية الثانية في شتوتجارت بألمانيا (1907) كان للينين الفضل، مع الثوري الروسي مارتوف والثورية البولندية روزا لوكسمبورج، في دفع المؤتمر إلى تبني مشروع قرار موحد ينص على النقاط الأربعة الآتية:

1. إن مصدر الحروب هو التنافس الإمبريالي الاقتصادي.
2. من واجب الطبقة العاملة أن تناضل بجميع الوسائل التي تبدو لها مناسبة لمنع نشوب الحرب.
3. إذا نشبت الحرب على الرغم من ذلك فإن من واجب الطبقة العاملة لا أن تتدخل لوضع حد لها فحسب، بل أيضًا أن تستغل الأزمة السياسية والاقتصادية التي تخلقها الحرب لتثير الجماهير الشعبية وتعجل بسقوط الرأسمالية.
4. إن واجب الاشتراكيين في كل الظروف أن يؤكدوا الحاجة إلى تربية الشباب بروح الاشتراكية والأممية العمالية والتضامن الطبقي.

وبعد المؤتمر قدم لينين في عدد من المقالات نقدًا عميقًا للتيارات الاشتراكية الرجعية التي تتبنى الأفكار الوطنية “وتدوس بقدميها المبدأ الأساسي للاشتراكية الأممية الذي يؤكد أن العمال لا وطن لهم في الحروب الرأسمالية”. وقدم أيضًا نقدًا للتيارات اليسارية المتطرفة التي ترى بأن البروليتاريا عليها ألا تبالي بأي نوع من الوطن تعيش فيه سواء ألمانيا الملكية أم فرنسا الجمهورية أم تركيا الاستبدادية. وذلك لأن اليساريين المتطرفين ينسون أنه “في نضال الطبقة العاملة يمثل الوطن – أي الوسط السياسي والثقافي والاجتماعي – عاملاً بالغ الأهمية.. والطبقة لا يمكن أن تكون لا مبالية بالشروط السياسية والاجتماعية الثقافية لنضالها، وبالتالي لا يمكن أن تكون لا مبالية بمصير بلادها. ولكن إذا كان هذا المصير يهمها ويعينها فإن هذا يكون فقط بمقدار ما يؤثر على نضالها الطبقي، وليس بدافع الوطنية البرجوازية التي لا يخجل بعض الاشتراكيين الديمقراطيين من تأييدها”.

أما في المؤتمر الثامن للأممية في كوبنهاجن بالدنمارك (1910) فقد تم التأكيد على قرارات المؤتمر السابق، وأضيف لها – بدعم من لينين – قرار عام يدعو الاشتراكيين إلى التصويت في البرلمانات ضد كل وأي اعتماد في الميزانية للتسلح والنفقات الحربية، وإلى المطالبة بالقبول بالتحكيم الإجباري في المنازعات الدولية، وإلى الدعوة إلى نزع السلاح عمومًا وإلى إلغاء الديبلوماسية السرية وإلى نشر جميع المعاهدات الحالية والمستقبلية بين الدول.

وعندما نشبت الحرب بالفعل كان موقف لينين هو أن يعلن بأعلى صوت له أن العمال لا وطن لهم، وأن هذا معناه أن واجبهم في هذه الحرب “ليس الدفاع عن أوطانهم وإنما تحويل الحرب إلى حرب أهلية”. لماذا؟ لأن الحرب الأوربية والعالمية الأولى “حرب برجوازية، إمبريالية، سلالية”، ولأن مضمونها الوحيد ودلالتها الحقيقية هو الصراع على الأسواق وعلى سلب الدول الأخرى، ولأن نتائجها لن تكون سوى الاستيلاء على الأراضي واستعباد الأمم الأجنبية، وتدمير الأمم المنافسة ونهب ثرواتها، وتحويل الأنظار عن الأزمات السياسية الداخلية في روسيا وألمانيا وإنجلترا وسائر البلدان، وإيقاع الفرقة في صفوف العمال وخداعهم بالأكذوبة القومية!!

وقد انتصرت الثورة العمالية في روسيا قبل انتهاء الحرب العالمية الأولى (1917). وقد كان للسياسة الثورية الحازمة التي انتهجها البلاشفة (الحزب الذي كان يقوده لينين) في مسألة الحرب دورًا كبيرًا في تحويل الحرب في الحالة الروسية إلى حرب أهلية بين الطبقات حقق العمال فيها الانتصار. وقد أعطى هذا الأمر الدليل على صلابة البلاشفة الأممية الثورية عندما وضعوا في محك الاختبار العملي للحرب. فقد وقف هؤلاء الأخيرين ضد الحرب، وحرضوا الجماهير على معارضتها، وألبوا الجنود على هجر ساحة القتال، واستغلوا الأزمة السياسية الناشئة في صفوف الطبقة الحاكمة من جراء الحرب استغلالاً يفض إلى تأجيج الصراع الطبقي وإلى الثورة. وعندما انتصرت الثورة أوقفوا الحرب من جانب روسيا، ونشروا المعاهدات السرية، وناضلوا من أجل دفع عمال الدول الأخرى – وعلى رأسها ألمانيا – لإتباع نفس الطريق البلشفي: طريق تحويل الحرب الإمبريالية إلى ثورة عالمية ضد الطبقات الرأسمالية الحاكمة. وفي نفس الوقت الذي كان فيه البلاشفة ينتهجون نهج نشر الثورة عالميًا، كانوا يرفعون شعار الدفاع عن السلطة العمالية الوليدة – أي الدفاع عن الوطن – ضد الغزو الخارجي، وذلك لأن هذا الوطن بالذات – روسيا السوفيتية – أصبح موطن قدم للسلطة العمالية وطالما هو عرضة للغزو والاعتداء من قبل برجوازيات الدول الأخرى فالدفاع عنه هو واجب ثوري بنفس المقدار الذي يعد به تأجيج الثورة في الدول الغازية واجبًا ثوريًا.

إن ما نستطيع أن نستنتجه من هذه الخبرات التاريخية هو ضرورة نقد النزعة الوطنية التي تجد لنفسها صدى واسع أحيانًا في صفوف الاشتراكيين. فهذه النزعة تنحرف بالثوريين عن هدفهم الأصيل والأساسي: الثورة العمالية العالمية. غير أن هذا لا يعني – كما رأينا – الوقوف ضد كل وأي حرب قومية أيًا كان مضمونها الطبقي. فهناك حروب تقدمية يؤدي انتصار طرف محدد فيها إلى تقوية شوكة الطبقات العاملة وإضعاف الطبقات الحاكمة. والمثل على ذلك هو حروب التحرر الوطني التي تشن ضد المستعمر والتي يؤدي انتصار الحركات الوطنية فيها إلى إضعاف الإمبريالية عالميًا. هناك يكون للوطنية – مؤقتًا – معنى تقدمي على الثوريين القيام بدعمه (وفي نفس الوقت نقده وتبيين حدوده السياسية). أما في حالة الحروب العالمية أو الحروب الإقليمية بغرض توزيع مناطق النفوذ أو غيرها من الأغراض، فإن الحرب هنا لا تؤدي إلا إلى مزيد من الإخضاع للعمال والمضطهدين، ولذلك فلا بد من معارضتها ومن فضح طبيعتها.. وفي أحيان بعينها يكون هذا هو نقطة البدء في تصاعد الغليان الثوري وفي تحويل التناحر القومي إلى تناحر طبقي.