بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الصهيونية

منذ 52 عامًا أعلن بن جوريون – أول رئيس إسرائيل. وعلى الفور شنت العصابات اليهودية في فلسطين ما أطلقت عليه آنذاك “حرب الاستقلال”. وقبل انعقاد الهدنة بين إسرائيل وجيوش مصر والأردن وسوريا في 1949 كانت إسرائيل قد أجبرت أكثر من 750 ألف فلسطيني على الهرب من منازلهم وحولتهم إلى لاجئين داخل بلادهم التي يسيطر عليه الآن الجيش الصهيوني. وتوج إعلان تأسيس إسرائيل بحملة استمرت خمسين عامًا شنتها الحركة الصهيونية من أجل إقامة دولة لليهود.

ادعى الصهاينة أنهم يعبرون عن حنين يهود العالم إلى “التحرر الوطني” ومع ذلك إذا كانت الصهيونية حركة تحرر وطني فهي أغرب حكومة من نوعها. فبدلاً من أن تسعى للتخلص من الإمبريالية – ما تحاول حركات التحرر الوطني عمومًا – سعت بقوة إلى أن تكون تحت حماية القوى الإمبريالية وقامت بطرد الشعب الفلسطيني من أراضيه.

ما هي الصهيونية؟
إن الصهيونية هي النظرية التي انطلقت من افتراض عدم التوافق بين اليهود وغير اليهود وتبنت الهجرة الواسعة إلى بلد متخلف بهدف إقامة دولة يهودية، وقد تطورت كرد فعل لتصاعد موجة العنصرية ضد اليهود (معاداة السامية) في أوربا الغربية مع نهاية القرن الماضي. وجاء تأسيس أحزاب سياسية معادية علنا للسامية في أوروبا الغربية ليدمر الأفكار التي شاعت لدى كثير من اليهود من الطبقة الوسطى حول إمكانية الذوبان في مجتمعات غير يهودية. وفي الإمبريالية الروسية. حيث كان يعيش غالبية يهود العالم، وقع اليهود ضحية للتطور من النظام الإقطاعي إلى النظام الرأسمالي. فمع الانهيار الإقطاعية فقد اليهود دورهم المميز كتجار ومرابين في الاقتصاد الإقطاعي. ومع خروجهم من الاقتصاد الإقطاعي دخل. الحرفيون وأصحاب المحلات اليهود في منافسة مع نظرائهم من غير اليهود. في نفس الوقت كان التطور الرأسمالي يدمر النظام الحرفي محولاً الحرفيين وأصحاب المهن إلى عمال إجراء. ساهمت هذه العملية. أي تدمير الاقتصاد الإقطاعي والقضاء على النظام الحرفي – في خلق طبقة عاملة واسعة من اليهود في أوروبا الشرقية في أقل من خمسين عامًا. هذه التغيرات المؤلمة في الوضع الاجتماعي لليهود دفعت الملايين منهم إلى الهجرة من أوروبا الشرقية، ومن بقي منهم غالبًا ما واجه مذابح وأحداث عنف ضد اليهود. فمن أجل الاستفادة من تصاعد موجه معاداة السامية بين أعضاء الطبقة الوسطى من غير اليهود والسعي للحفاظ على الانقسام بين الطبقة العاملة اليهودية وأخوتهم وأخواتهم من الطبقة العاملة غير اليهودية، شجع البوليس القيصري قيام المذابح ضد اليهود.

هذا الجو من الإحباط والاضطهاد أثار العديد من ردود الفعل لدى السكان اليهود، بما في ذلك تزايد النزعة القومية. إن القومية اليهودية، خاصة في شكلها الصهيوني، كانت مفهومًا حديثًا تمامًا نتج عن التطور السياسي والاجتماعي في أوروبا الشرقية في القرن التاسع عشر. ولعدة قرون كانت فكرة العودة إلى “صهيون” (الأرض المقدسة في فلسطين) تحتل مكانة هامة في اليهودية، ولكن لم يكن لهذا الاعتقاد أي معنى سياسي، ولم تكن تحية الأعياد والمواسم الدينية (العام القادم في أورشليم) تتضمن الرغبة في إقامة دولة يهودية “عاصمتها الأبدية” هناك. فقد هاجر الحجاج اليهود إلى فلسطين في أواخر القرن الثامن عشر لتكوين طوائف دينية وليس لإقامة دولة. ومع ذلك فإن الحركة الصهيونية وضعت هذا الهدف بالذات نصب عينيها.

جاء أقوى تعبير عن الصهيونية في عام 1896 في كراس “دولة اليهودية” الذي كتبه صحفي نمساوي يهودي يدعى تيودور هرتزل المعروف بـ”أبي الصهيونية” كان هرتزل رجل كثير السفر وقد غطى أحداث محاكمة الكولونيل ألبرت دريفوس بسبب اتهام السلطات الفرنسية له بالجاسوسية. كشفت محاكمة دريفوس بعنف عن مضاهر معاداة السامية لدى السلطات الرسمية في المجتمع الفرنسي. ومن ناحية أخرى أثارت كذلك حملة دولية ضد العنصرية تزعمها الصحفي والأديب غير اليهودي إميل زولا. وقد أجبر الضغط الجماهيري – الذي ساهمت في تنظيمه الحركة الاشتراكية – الحكومة الفرنسية على إعادة محاكمة دريفوس. وخلال إعادة المحاكمة “اكتشفت” المحكمة “ظروفًا قهرية” وراء الجريمة لتخفيف الحكم على دريفوس. وقد وجهت الحملة العلنية ضج محاكمة دريفوس ضربات حادة لليمين الفرنسي ومؤسسات مثل الجيش والكنيسة الكاثوليكية التي أشعلت حركة معاداة السامية. ونستطيع أن نأخذ قضية دريفوس كمثال على إمكانية توحد اليهود وغير اليهود في النضال معًا ضد معاداة السامية. ولكن هرتزل لم يفعل ذلك. فقد كتب بعد ذلك في يومياته “في باريس… كان لي موقفًا مستقلاً من حركة معاداة السامية والتي بدأت الآن أفهمها تاريخيًا وألتمس فيها العذر. وأهم من ذلك أنني أدركت خواء وعبثية محاولة مقاومة معاداة السامية”.

إن التماس هرتزل “العذر” لمعاداة السامية يعكس افتراضًا جوهريًا لدى الصهيونية – هو الاعتقاد بأن كل من ليس يهوديًا هو معادي للسامية. كتب أحد الصهاينة المعاصرين لهرتزل يدعي ليو بنسكر أن معاداة السامية “كالمرض النفسي وأنها وراثية كمرض استعصى على العلاج منذ ألفي عام”. وإذا كان الاضطهاد والموت هو ما ينتظر اليهود الذين يحاولون الذوبان في مجتمعات ذات أغلبية من غير اليهود، فالحل الوحيد أذن “المسألة اليهودية” هو انفصال اليهود ماديًا عن غير اليهودية هي وحدها التي يمكن أن تقدم لليهود ملاذا من الاضطهاد. وعند هذه النقطة التقي الصهاينة وأعداء السامية، فكلاهما صادق على أن وجود اليهود غريب في المجتمعات غير اليهودية تتحسن أحوالها بدون يهود.

وفي عام 1897 عقد هرتزل أول مؤتمر صهيوني في بازل بسويسرا. ووافق مائتي مندوب من 17 بلد على تكوين المنظمة الصهيونية العالمية للمطالبة “بوطن معترف به ويتمتع بالحماية القانونية في فلسطين”. وفي وقت لاحق أعلن هرتزل بتواضع: “إذا اختصرنا ما حدث في مؤتمر بازل في عبارة واحدة يمكنني القول بأنني في بازل أسست الدولة اليهودية.” ومع ذلك اكتشف هرتزل مشكلة كبيرة في إقامة الدولة اليهودية في فلسطين وهي أنه لم يهتم بهذه الدولة سوى عدد ضئيل جدًا من اليهود. ففي الفترة بين 1880 و1929 هاجر ما يقرب من أربعة ملايين يهودي من روسيا والنمسا وبولندا ورومانيا وبلاد أخرى. ولكن لم يهاجر منهم إلى فلسطين سوى 120 ألف فقط. وأكثر من ثلاثة ملايين منهم هاجروا إلى الولايات المتحدة وكندا. وفي عام 1914 كانت المنظمات الصهيونية في الولايات المتحدة تضم 12 ألف عضو فقط. في نفس الوقت كان الحزب الاشتراكي يضم نفس العدد من اليهود في مدينة مانهاتن بنيويورك وحدها.

الاشتراكية والنضال ضد معاداة السامية على خلاف ما فعل هرتزل دافع الاشتراكيون عن اليهود عندما تعرضوا للاضطهاد. كذلك قام الاشتراكيون العنصرية ضد اليهود كأحد السموم الموجهة ضد الحركة العمالية. ففي تلك الفترة استنكر أو جست بيبل، أحد قادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، معاداة السامية وأطلق عليها “اشتراكية الحمقى” لأنها تضلل العمال عن عدوهم الحقيقي وهو الطبقة الحاكمة وتدفعهم إلى التضحية باليهود. وأوضح كارل كاوتسكي، أحد زعماء الحزب الاشتراكي الألماني، أن انقسام اليهود إلى طبقات يعني أن أوضاع اليهود ترتبط ارتباطًا وثيقًا بحركة الطبقة العاملة ككل. وأصبح الربط بين النضال من أجل السلطة العمالية أساسًا للرؤية الماركسية للنضال ضد معاداة السامية. ولأن الاشتراكية أكدت على ضرورة الكفاح ضد معاداة السامية في البلاد التي يعيش فيها اليهود، ضمت الحركة الاشتراكية عددًا كبيرًا منهم.

ولعب كثير من اليهود دورًا نشطا كمؤسسين وقيادات ومناضلين داخل الأحزاب الاشتراكية في أوروبا. وذات مرة اشتكى الكونت ويت إلى هرتزل بأن اليهود “يشكلون 50% من عضوية الأحزاب الثورية” بينما يشكلون فقط 5% من سكان الإمبراطورية الروسية. أحد هذه الأحزاب الذي حاز كراهية الكونت كان الجمعية العامة للعمال اليهود المعروفة باسم البوند. بدأ الحرب في عام 1897 وهو نفس العام الذي انعقد فيه المؤتمر الصهيوني وأصبح أول منظمة اشتراكية جماهيرية في روسيا، وقاوم بشدة الدعاوي الصهيونية من أجل دولة يهودية. وعلى مدار العقد التالي تزايدت عضوية البوند بين العمال اليهود لتصل إلى 40 ألف عضو في روسيا خلال ثورة 1905. وفي الفترة الثورية تولي الاشتراكيون اليهود – من البوند والأحزاب الاشتراكية الأخرى – قيادة الطبقة العاملة ولجان المناطق في الأحياء اليهودية.

عارض البوند الحركة الصهيونية، ولكنهم تبنوا النزعة القومية لدى اليهود. ولهذا السبب وجه لينين وثوريون آخرون في روسيا انتقادات لاذعة إلى قيادات البوند. ففي المؤتمر التأسيسي لحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي الذي انعقد في 1903 طالب القادة البوند بحق التمثيل الرسمي والتحدث باسم العمال اليهود داخل الحركة الاشتراكية في روسيا. لكن لينين وعدد من الاشتراكيين اليهود البارزين مثل تروتسكي ومارتوف عارضوا البوند. قال لينين أن البوند يخطئون “بإضفاء الشرعية على عزلة اليهود بالترويج لفكرة القومية اليهودية.” وكتب بعد ذلك “أن مهمة الاشتراكيين هي توحيد العمال من كل القوميات وليست تقسيم القوميات.” وأن “رايتنا لا تحمل شعار الثقافة القومية ولكنها تحمل شعار الثقافة الأممية.” لم يستطع البوند جذب الأصوات لتمثيل العمال اليهود وبالتالي تركوا الحزب.

وبينت الثورة الاشتراكية عام 1917 مغزى الإستراتيجية الاشتراكية لتحرير اليهود في الممارسة. ففي بلد استغل فيه القيصر وإتباعه معاداة السامية من أجل تقسيم العمال، انتخب العمال الروس للمواقع القيادية في الحكومة الثورية بلاشفة يهود مثل تورتسكي، وزينوفييف، وكامينيف وسفيردلوف. وأعلنت الثورة حرية العقيدة وألغت العقبات التي فرضتها القيصرية أمام تعليم وإقامة اليهود. وخلال الحرب الأهلية (فيما بين 1918 و1922) ضد الجيوش المضادة للثورة والتي ذبحت الآلاف من اليهود، طبق الجيش الأحمر الثوري عقوبات صارمة – بما فيها الإعدام – ضد مرتكبي المذابح في صفوفه. وقامت الحكومة العمالية بالمساواة بين لغة اليهود وجميع اللغات الأخرى. وعملت قوميسارية شئون اليهود ولجنة يهودية خاصة داخل الحزب البلشفي جنبًا إلى جنب من أجل انخراط اليهود في شئون الدولة العمالية وكسب جماهير اليهود للاشتراكية. وقد شهدت السنوات الأولى للثورة ازدهارًا للحياة الثقافية لدى اليهود لم يسبق له مثيل. ففي 1926 كان أكثر من نصف اليهود في من التعليم يذهبون إلى مدارس تستخدم اللغة اليهودية التي استخدمت كذلك في عشرة مسارح تملكها الدولة. ومع أواخر العشرينات كان حوالي 40% من العاملين اليهود موظفين بالحكومة. هكذا بحلول العشرينات تم تهميش الصهاينة على كل المستويات. كشف غالبية يهود العالم بوضوح عن رغبتهم في الهجرة إلى البلاد الغربية. وآلاف اليهود الذين ظلوا مقيمين في أوروبا الشرقية ناضلوا من أجل حياة أفضل بكسب تضامن إخوانهم من غير اليهود. وبحلول عام 1927 كان عدد اليهود الذين غادروا فلسطين يساوي عدد من هاجروا إليها.

عندما بدأ الصهاينة حملتهم من أجل وطن لليهود لم يدعوا أي ارتباط أيديولوجي بفلسطين يعيق طريقهم. وفي الحقيقة، في السنوات الأولى التي تلت تكوين هرتزل للمنطقة الصهيونية العالمية، ناقش الصهاينة عددًا من البلاد كهدف للاستيطان مثل أوغندا وأنجولا. وفي 1903 وافق هرتزل على اقتراح الحكومة البريطانية بتوطين اليهود في أوغندا. وهذا القرار أثار جدلاً واسعا في صفوف الصهاينة. لكن موت هرتزل في عام 1904 وضع نهاية لبرامج الاستيطان خارج فلسطين. ومع ذلك فالجدال حول مواقع بديلة للدولة اليهودية فضح المؤسسات الصهيونية في أمرين. أولاً، أوضح أن الحركة الصهيونية وضعت المشروع الاستيطاني في منزله أهم من أي شوق استمر ألفي عام لدى الشعب اليهودي “للعودة” إلى فلسطين. ثانيًا، بين أن الصهيونية منذ بدايتها اعتمدت على مساعدة القوى الأوروبية في أهدافها الاستيطانية الاستعمارية.

لم يخف الصهاينة الأوائل أملهم أن تكون الدولة اليهودية كما قال هرتزل: “جزءًا من الحصن الدفاعي لأوروبا ضد آسيا، وموقعًا قويًا للحضارة في مواجهة البربرية.” وكانت كتابات هرتزل تمتلئ بالمديح للقوى الإمبريالية الكبرى في أوروبا، وكشف عن إعجابه بديكتاتورية القيصر الألماني حين كتب: “إن الحياة في ظل حماية ألمانيا القوية العظيمة ذات الحكومة الرائعة والمنظمة له تأثير مؤكد وجيد على الطبيعة القومية لليهود”. وفي 1902 كتب إلى روتشيلد، وهو صهيوني بريطاني ذو علاقات واسعة بالقيادات العليا للدولة البريطانية،: “طالما لا زال لديكم (يقصد الإمبراطورية البريطانية) مساحة واسعة للحركة، بل من الممكن أن تحقق الكثير من خلال حكومتكم إذا دعمتم النفوذ البريطاني في الشرق الأدنى من خلال الاستيطان الواسع من قبل شعبنا للمنطقة الإستراتيجية حيث تلتقي المصالح المصرية والفارسية والهندية.” لقد روج مؤسسو الصهيونية العنصرية الموالية للإمبريالية ضد ما اعتبرتهم “شعوبًا متخلفة” في آسيا وأفريقيا.

وأثناء سعيهم إلى التمتع برعاية الإمبريالية لم يكن لدى الصهاينة أي تحفظات على التعامل مع أي نظام بغض النظر عن مدى تعفنه أو معاداته للسامية. فقد تفاوض هرتزل نفسه على زيادة الهجرة اليهودية إلى فلسطين مع وزير داخلية القيصر الروسي ومهندس أحد أسوأ المذابح في التاريخ في روسيا في 1903. وأثناء الحرب العالمية الأولى تودد القادة الصهاينة إلى الإمبريالية البريطانية. وأملوا في أن تكافئهم بريطانيا بعد انتصارها على الإمبراطورية العثمانية التي كانت تسيطر على فلسطين. وتحقق هدفهم في عام 1917 بوعد اللورد بلفور. فقد أعلن وعد بلفور تأييد بريطانيا “لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين” تحت الحماية البريطانية. وكون اللورد بلفور نفسه قد أعد تشريعًا لمنع هجرة اليهود من بريطانيا في 1905 لم يثر أي غضب لدى الصهاينة.

جاء وعد بلفور نتيجة لمفاوضات بين فرنسا وبريطانيا حول تقسيم أراضي الإمبراطورية العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى. وفي 1915 أقترح رئيس الوزراء البريطاني هربرت صموئيل أن تقيم بريطانيا محمية يهودية في فلسطين. وعارض غالبية الأعضاء هذه الخطة. وقتها كتب صموئيل: “من الغريب أن أكثر المؤيدين تمسكا بهذا الاقتراح هوليود جورج الذي لا أحتاج إلى بيان أنه لا يهتم قيد أنملة بأمر اليهود أو بماضيهم أو مستقبلهم، ولكنه يرى أن ترك الأراضي المقدسة لتقع تحت سيطرة وحماية الفرنسيين الملاحدة هو بمثابة فضيحة.” ولكن بعد سنتين أصدرت بريطانيا وعد بلفور، فما الذي تغير في حسابات بريطانيا؟ أحد علامات هذا التغير هو أن بريطانيا أعلنت وعد بلفور بعد أيام من ثورة أكتوبر في روسيا. فكل من بريطانيا والصهاينة رأوا أن إقامة دولة يهودية يعد حصنا للإمبريالية ضد انتشار الثورة. وبعد ذلك أوضح وينستون تشرشل، رئيس وزراء المحافظين، دوافع بريطانيا في تلبية طموحات الصهاينة: “.. إن دولة يهودية تحت حماية التاج البريطاني.. ذات فائدة ومتوافقة مع المصالح الحقيقية للإمبراطورية البريطانية.” وأهم هذه المصالح هو وقف “خطط الثوري الروسي ليون تروتسكي في إقامة دولة شيوعية عالمية تحت سيطرة اليهود..” وهكذا قدم تشرشل نفسه كصهيوني متعصب وكمعاد للسامية في نفس الوقت.

الصهيونية: يمين ويسار:
من خلال وعد بلفور وعدت بريطانيا الصهاينة بفلسطين ولا أردن. ولكن الضغوط من البلاد العربية أجبرت بريطانيا على التراجع عن وعدها بخصوص الأردن عام 1922، وقبلت غالبية قيادة الحركة الصهيونية بقيادة بن جورويون ووايزمان قرار بريطانيا، وبعدها قبلوا قرار بريطانيا بالحد من هجرة اليهود إلى فلسطين. وأدى ذلك إلى انقسام كبير داخل الحركة الصهيونية، حيث اعترضت أقلية بقيادة الكاتب البولندي فلاديمير جابوتنسكي على سياسات بن جوريون الواقعية. رأى جابوتنسكي أن الصهاينة عليهم أن يصروا على الاستيلاء على كلا جانبي نهر الأردن وأن يرفضوا الالتزام بأية حدود تفرضها بريطانيا. ولتهدئة الرأي العام العربي، أطلقت المنظمة الصهيونية العالمية اسم “الوطن” على مستعمرتهم في فلسطين، ولكن جابوتنسكي أصر على أن يتحدث الصهاينة علنا عن هدفهم في بناء دولة يهودية في فلسطين. ووصل برنامج جابوتنسكي إلى الدعوة إلى مراجعة إستراتيجية منظمة الصهيونية العالمية وبالتالي وصف أتباعه “بالمراجعين” في الحركة الصهيونية العالمية، وكتب جابوتنسكي بفجاجة في مقال له عام 1923 بعنوان “السور الحديدي”:

نحن لا نستطيع تقديم أي تعويض لفلسطين أو للفلسطينيين ولا العرب الآخرين. ولذا فإن التوصل إلى اتفاق طوعي أمر مستحيل، يجب أن يستمر الاستيطان حتى في أقل الحدود، تحديا للسكان الأصليين.. وبالتالي يمكنه أن يستمر ويتطور فقط تحت حماية درع القوة الذي يشمل سورًا حديديًا لا يستطيع السكان المحليين اختراقه.. هذه هي سياستنا مع العرب، وأي محاولة لصياغتها بشكل مختلف ليست إلا نفاقًا

طرح جابوتنسكي أول تحد كبير لسيطرة الصهيونية السائدة في أيديولوجية “الصهيونية العمالية”. فقد سيطرت الصهيونية العمالية، والتي استمدت جذورها من الحركة الصهيونية البولندية في أوائل القرن العشرين، على كل المؤسسات الصهيونية الكبرى وعلى جمعية المستوطنين اليهود في فلسطين. وإذا كان البوند يمثلون الاشتراكيين الذين لجأوا للقومية، فإن أنصار الصهيونية العمالية يمثلون القوميين الذين يستخدمون خطابًا شبيهًا بالاشتراكية لإبعاد جمهورهم عن الأحزاب الاشتراكية الحقيقية.

كانت المؤسسات الأساسية للصهيونية العمالية في فلسطين هي الهستدروت أو الاتحاد العام للعمال في أرض إسرائيل، والكيبوتزيم أو شبكة اتحادات المستوطنين والتي قارنها البعض بمجموعات الاشتراكيين المثاليين، وهاتين المنظمتين انتقلتا إلى دولة إسرائيل. وكثير من مؤيدي إسرائيل يعتبرونها تجليا للاشتراكية في المؤسسة الصهيونية ولكن هذا جانب آخر من قصة الصهيونية حيث تصطدم الأسطورة بالواقع.

فمنذ بدايته قصر الهستدروت عضويته على العمال اليهود، ولم يسمح بضم الفلسطينيين العرب ذوي الجنسية الإسرائيلية إلا في عام 1960. وبعد عام واحد من تأسيسه امتلك الهستدروت شركة قابضة وبنك. لم يأت رأس مالها من عضويته البالغة 5000 عضو ولكن من الوكالة اليهودية للحركة الصهيونية العالمية. بكلمات أخرى عاش الهستدروت ولازال على دوره كنافذة لاستثمارات الصهيونية العالمية. وشكل العمود الفقري في التحضير للدولة اليهودية، فقد أشرف على أغلب الجهود الاستيطانية الصهيونية والإنتاج والتسويق والتوظيف وكذلك الدفاع (الهاجاناه). وقد وصفه أحد قادته الأوائل بنحاس لافون والذي أصبح فيما بعد وزير للدفاع: “إن الهستدروت منظمة عامة تقع في القلب من مجتمعنا.. إنه ليس نقابة عمالية رغم أنه يتعامل بكفاءة مع احتياجات العمال.”

وبدورها قصرت الكيبوتزيم عضويتها على اليهود فقط وأعلنت أراضيها كممتلكات للأمة أو الشعب اليهودي. لذا لا يمكن أن يقبل عربي في عضويتها. وقبل إعلان دولة إسرائيل عملت الكيبوتزيم كطليعة عسكرية في الخطة الإستراتيجية للاستيطان الصهيوني ولعبت دورًا كبيرًا في تحديد مصير مناطق عديدة في فلسطين، كما هاجمت فرق الهاجاناه الفلسطينيين من قواعد الكيبوتزيم.

وحتى عام 1977 عندما أصبح مناحم بيجين – الذي وصف نفسه ذات يوم بالإرهابي – أول رئيس وزراء إسرائيلي من المراجعين (أتباع جابوتنسكي)، كان أنصار الصهيونية العمالية يعبرون أفضل تعبير عن الصهيونية في أذهان غالبية الناس. لكن حزب العمل، أو اليسار الصهيوني، والمراجعين، أو اليمين الصهيوني، اختلفا فقط في الوسائل وليس في الأهداف. فكلاهما يتبنى مشروع الدولة اليهودية الخالصة. فمثل حكام جنوب إفريقيا العنصريون كان المراجعون يرغبون في استخدام السكان الفلسطينيين في العمل. بينما سعى حزب العمل إلى استبدال العمال الفلسطينيين بعمال يهود. وكان كلاهما يتطلع إلى تأييد الإمبريالية، فبينما اتجه صهاينة العمل إلى الإمبريالية البريطانية والأمريكية، قام المراجعون بالتفاوض مع الفاشية الإيطالية والألمانية.

احتلال فلسطين:
حاول الصهاينة إقناع العالم بأن فلسطين أرض بلا شعب، ولكن لأكثر من 1300 عام كان يعيش فيها غالبية من العرب المسلمين جنبًا إلى جنب مع اليهود والمسيحيين. وفي عام 1882 كان سكان فلسطين ينقسمون بين 500 ألف من العرب و24 ألف يهودي. وبحلول عام 1922، وبعد 20 عامًا من بدء الهجرة الصهيونية كان سكان فلسطين 760 ألف نسمة وكان 89% منهم من العرب الفلسطينيين.

اشترى الصهاينة موضع قدم في فلسطين من كبار الملاك العرب المتغيبين في العشرينات، ثم باع الأغنياء الفلسطينيون بعض أراضيهم خلال الثلاثينات. إلا أن تكل الأراضي لم يشتريها اليهود الأفراد، بل قامت المنظمات الصهيونية – مثل الصندوق الوطني اليهودي – بشرائها لوضع الأساس للاستيطان اليهودي في البلاد. وضمنت السلطات البريطانية نصيبًا متميزًا للصهاينة من المياه والموارد الأخرى.

وبعد تدعيم وضعهم في فلسطين بدأ الصهاينة في تأسيس اقتصاد يهودي مستقل وحكومة تحت إشراف الانتداب البريطاني. وتحت شعار “أرض يهودية، عمل يهودي، منتج يهودي” بدأ الهستدروت والكيبوتزيم والتعاونيات الزراعية في طرد الفلسطينيين من أعمالهم، وكان أعضاء الهستدروت هم الأعنف في مواجهة الفلسطينيين.

وناضل الفلسطينيون ضد نزع ممتلكاتهم وضد الخطر الصهيوني الصاعد. وفي عام 1936 أعلنوا إضرابًا عامًا ضد تزايد الفقر وضد الصهاينة ومؤيدهم الإنجليز. واستمر الإضراب والانتفاضة المسلحة التي نتجت عنه قرابة الثلاث أعوام حتى أجهضا بسبب القمع الصهيوني والبريطاني. وأظهر الدور الذي لعبه الصهاينة في قمع الانتفاضة أن الصهيونية العمالية ليست لها أي علاقة بالتضامن بين العمال. فقد تعاون الصهاينة مع البريطانيين لكسر الإضراب بإحلال عمال يهود محل العمال العرب في ميناء حيفا والسكك الحديدية. كما أمد البريطانيون الميليشيات الصهيونية بالسلاح لتحطيم الانتفاضة الفلسطينية، ووصلت نسبة القوات البريطانية إلى 10 أضعاف الفلسطينيين المنتفضين ومع ذلك استمرت الانتفاضة ثلاث سنوات.

كان عنف الانتفاضة ناتجًا عن اتضاح التهديد الصهيوني لفلسطين، فعلى مدى الثلاثينات تزايد عدد السكان اليهود بمعدلات عالية. فقد توجه آلاف اليهود إلى أوروبا هربًا من الاضطهاد في وسط وشرق أوروبا خاصة وأن بريطانية والولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية لمن تسمح لهم بالدخول إليها. وفما بين 1931 و1945 تضاعف عدد اليهود من 174 ألف إلى 608 ألف. ولكن حتى وقتها لم يكن اليهود يمثلون أكثر من ثلث السكان، وعندما أعلن قيام الدولة في 1948 كانوا أقلية قوية وجيدة التسليح. ومع تزايد السكان اليهود تزايد كذلك التحريض والاستفزاز الصهيوني ضد الفلسطينيين.

الطريق إلى النكبة:
ربما بدون الهولوكوست (المحرقة أو القتل الجماعي لليهود على أيدي النازي) لما قامت إسرائيل. فقد جذب المهاجرين إلى إسرائيل من بين الآلاف الذين نجوا من الهولوكوست بعد دمار مجتمعاتهم في أوروبا. ولكن الأهم من ذلك أن الصهاينة استغلوا الهولوكوست لتبرير إقامة دولة يهودية فقد أدعوا الآن الهولوكوست برهن على أن كل غير اليهود هم ضمنيا معادين للسامية. ولذا فاليهود الذين يعيشون في مجتمعات غير يهودية معرضين دائمًا للإبادة. ومع نهاية الحرب تبني أكثر اليهود وجهة النظر الصهيونية، فقد كان قضاء النازية على كافة الرؤى السياسية غير الصهيونية في المجتمعات اليهودية وراء التأييد الكاسح الذي اكتسبته الصهيونية. فعندما بدأت المساومات بين الصهاينة والنازيين في بداية الأربعينات كان النازيون يعكفون على قتل كل شيوعي أو اشتراكي أو مناضل يهودي تقع عليه أيديهم.

وأجبرت الحرب بريطانية على الجلاء من الكثير من مستعمراتها بما في ذلك فلسطين، وتركت للأمم المتحدة تقرير مصير فلسطين. وفي نوفمبر 1947 وافقت الأمم المتحدة على خطة للتقسيم أعطت الصهاينة 55% من الأرض من أنهم مثلوا ثلث عدد السكان. وأعلنت الخطة القدس مدينة عالمية يكون لليهود والمسلمين والمسيحيين حقوقًا متساوية فيها.

وافق الزعماء الصهاينة على خطة التقسيم في العلن فقط، ومن ناحية أخرى خططوا للاستيلاء على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي الفلسطينية بالطرق العسكرية. واتحد الصهاينة “اليساريون” و”اليمينيون” على هدف اغتصاب البلاد، واستخدموا في ذلك الإرهاب والحر النفسية والمذابح لإثارة الذعر بين السكان الفلسطينيين، وفي أشهر المذابح، قامت الميليشيات الإسرائيلية بقيادة مناحم بيجين واسحق شامير – وكلاهما احتل فيما بعد منصب رئاسة الوزراء – بإبادة قرية دير ياسين، ووصفت بعثة الصليب الأحمر المذبحة بأن العصابات أوقفت الرجال والنساء والأطفال ووجوههم للحائط وأطلقت عليهم الرصاص. وفي أعقاب المذبحة استغل الصهاينة التهديد بالمذابح لإجبار الفلسطينيين على ترك ديارهم وأراضيهم والهرب.

ومع نهاية الحرب سيطر الصهاينة على 77% من أراضي فلسطين وبها 95% من أجود الأراضي الزراعية في البلاد، واستولت “دولة” إسرائيل على 80% من الأراضي المملوكة للفلسطينيين وطردت أكثر من 750 ألف فلسطيني من ديارهم وأحلت اليهود مكانهم، لقد تم تدمير المجتمع الفلسطيني تمامًا.

على أساس الحرب والقتل قامت الدولة إسرائيل، وحققت الصهيونية هدفها الذي انتظرته طويلاً – الدولة اليهودية.

ولكن هذه الدولة لم تحقق الأمان حتى لليهود، فقد أنتجت الصهيونية دولة تتميز بالفوارق الاجتماعية الواسعة وبالتمييز العنصري. وتعتمد في بقاءها على السلاح القادم من الولايات المتحدة والمساعدات الهائلة التي تتلقاها من الإمبريالية العالمية. لقد وعدت الصهيونية بتحقيق الأمان لليهود، ولكن الدولة التي قامت هي أخطر مكان على الأرض لليهود أنفسهم ناهيك عن باقي شعوب المنطقة. وسوف يظل الوضع كذلك مادام هناك الاستيطان واللاجئين ومادامت إسرائيل تلعب دورها كأداة للإمبريالية. لن يتحقق السلام مادامت توجد إسرائيل.