بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الاستغلال الرأسمالي

كان ظهور الاستغلال في تاريخ المجتمعات البشرية مرتبطًا بظهور الملكية الخاصة والدولة، ومع انقسام هذه المجتمعات إلى طبقات مالكة (مستغلة) وأخرى كادحة منتجة (ومستغلة). فقد كانت المجتمعات المشاعية القديمة خالية من الاستغلال، تلك المجتمعات التي كانت قائمة على الملكية المشتركة والعمل المشترك والإرادة المشتركة التي كانت تنظم الإنتاج. فقد كان الإنتاج في هذه المجتمعات المشاعية جماعيًا، كما كان الاستهلاك يقتصر على توزيع المنتجات مباشرة داخل الجماعة المشاعية، المتفاوتة الحجم. كان المنتجين أنفسهم، في هذه المجتمعات، يديرون عملية الإنتاج ويسيطرون على حاصل الإنتاج. كما كان هؤلاء المنتجون يعرفون كل ما يحدث لإنتاجهم، الذي يستهلكونه كله معًا، فلا يبيعونه ولا يخرج من أيديهم.

هذا المجتمع الخالي من الاستغلال انقلب حاله رأسًا على عقب بعد تطور وسائل الإنتاج. فهذا التطور قد جاء ليفرض نوعًا جديدًا من علاقات العمل ويفجر ما كان يحدث من جماعية الامتلاك والاستهلاك. كان تطور ونمو الإنتاج في كل الفروع. تربية المواشي، الزراعة، الحرف المنزلية، قد منح قوة عمل الإنسان القدرة على إنتاج كمية من المنتجات تزيد عما يحتاج إليه للعش والبقاء. وذلك بعد أن كان ينتج جماعيًا ما كفيه فقط للعيش. وزادت في الوقت نفسه كمية العمل الذي يجب على كل من أعضاء العشيرة أو العائلة المنفردة أن يبذله يوميًا. وظهرت الحاجة إلى استعمال قوة عمل جديدة. وكانت الحروب هي الطريق المثالي لجلب هذه القوة. أصبحت الحروب بين القبائل المصدر الأساسي لأسرى الحروب الذين تحولوا إلى عبيد، وبمعنى آخر قوة عمل إضافية للقبيلة المنتصرة.

ومع نمو إنتاجية العمل وبالتالي الثروة وتوسع ميدان النشاط الإنتاجي، ظهر أول تقسيم اجتماعي كبير للعمل الذي نشأت عنه العبودية. وفي هذا التقسيم ظهر أول انقسام كبير للمجتمع البشري إلى طبقتين، هما الأسياد والعبيد، المستثمرين المستَثمرين. وكان التقسيم الكبير الثاني للعمل هو انفصال الحرف المختلفة عن الزراعة، وأصبحت العبودية نظامًا رئيسيًا داخل المجتمع. وظهر لأول مرة الإنتاج، ليس من أجل الاستهلاك، وإنما من أجل التبادل مباشرة، أي تبادل الإنتاج البضاعي الذي ظهرت معه التجارة. من هنا ظهر الفرق بين الأغنياء والفقراء، وكان انبثاق أول شكل للاستغلال.

وبينما كان المجتمع المشاعي لا يعرف أي تناقضات داخلية، فلم تكن هناك أي وسيلة للقسر فيه إلا الرأي العام، لكن هذا المجتمع الطبقي الجديد، وجد نفسه أمام خياران وحيدان لكي يستطيع التوفيق بين طبقاته المتناقضة. هذان الخياران كانا هما: أن يعيش في صراع دائم لا انقطاع فيه بين هذه الطبقات، والثاني هو اختراع القوة التي تقوم بدور الحكم الشكلي بين الطبقات. هذه القوة التي خلقها المجتمع الطبقي كانت الدولة، التي لم تكن أبدًا سوى حكمًا صوريًا خاضعًا بصفة دائمة للطبقة السائدة اقتصاديًا. واستطاعت هذه الطبقة، عبر سيطرتها على جهاز الدولة، الاستحواذ على السيطرة السياسية بعد تلك الاقتصادية. وأصبحت الدولة هي الأداة التي تستخدمها الطبقة السائدة لقمع الطبقات الأخرى، وقبل كل شيء ضمان استمرار استغلال هذه الطبقات.

منذ هذا الوقت تغير اسم طبقة المنتجين الحقيقيين وتغير شكل استغلالها مع تغيرها من عصر لآخر حسب تغير شكل الإنتاج السائد. وأصبح الصراع الطبقي والنضال ضد الاستغلال هو محرك العملية التاريخية. وكان الاستغلال يعني أن كل خطوة إلى الأمام في مضمار الإنتاج، تعني في الوقت نفسه خطوة إلى الوراء فيما يتعلق بأوضاع الطبقة المظلومة، وهي الأغلبية الهائلة. وأصبح كل خير لبعض هؤلاء هو بالضرورة شر للبعض الآخر، كما أصبح كل تحرر جديد لطبقة يعني اضطهادًا جديدًا لطبقة أخرى.

يقول ماركس وانجلز في البيان الشيوعي أن: “ليس تاريخ كل مجتمع إلى يومنا هذا سوى تاريخ صراع الطبقات. فالحر والعبد، والنبيل والعامي والإقطاعي والقن، ومعلم الحرفة والصانع، وباختصار الظالمون والمظلومون. المتصارعون دومًا، خاضوا صراعًا لا ينتهي، صريحًا تارة ومستترًا تارة أخرى، صراعًا كان ينتهي دائمًا إما بتغيير المجتمع كله تغييرًا ثوريًا وإما بانهيار كلتا الطبقتين المتصارعتين. في العصور الأولى للتاريخ، سنجد في كل مكان تنظيمًا للمجتمع يقوم على طبقات تقع في مستويات مختلفة عن بعضها البعض حسب أوضاعها الاجتماعية. ففي روما القديمة مثلاً سنجد النبلاء، ثم الفرسان، ثم العامة، ثم العبيد؛ وسنجد في العصور الوسطى الإقطاعيين الأسياد ثم الأتباع، ثم معلمي الحرفة، ثم الصناع، ثم الأقنان، وفضلاً عن ذلك سنجد دائمًا في كل واحدة من تلك الطبقات مراتب مختلفة”.

وعلى أنقاض المجتمع الإقطاعي جاء المجتمع البرجوازي، ليحقق شكلاً للاستغلال أكثر قسوة وشمولاً، وذلك عن طريق القدرات الإنتاجية الهائلة التي تخلقها الرأسمالية. فمن ناحية أصبح المجتمع ينقسم أكثر فأكثر إلى طبقتين كبيرتين: البرجوازية (الطبقة المالكة أو المسيطرة على وسائل الإنتاج) والبروليتاريا (الطبقة العاملة). ومن ناحية أخرى، اجتازت الرأسمالية كل الحدود الجغرافية والدينية والثقافية لتخلق أكبر نظام للاستغلال في التاريخ يشمل الكرة الأرضية بأسرها ويسرق ناتج عمل المليارات من البشر. وعلى عكس الاستغلال في أيام النبيل والإقطاعي، حيث كانت هناك حدود لهذا الاستغلال، لعدم وجود وحشية المنافسة وحيث كان كل هدف استغلال فائض العمل من العبيد والأقنان هو الاستهلاك أو الحياة المترفة. على عكس ذلك، أصبح الاستغلال مع المجتمع البرجوازي في منتهى الوحشية هدف الدائم هو المزيد من الأرباح، والمزيد من الاستغلال.

لكن كيف تحدث عملية الاستغلال في ظل الرأسمالية؟
تأخذ علاقات الإنتاج الرأسمالية ودورة السوق فيها شكلاً معقدًا، نرى فيها استثمار الرأسمالي لنقوده من أجل إنتاج سلع يتم تبادلها بعد ذلك في مقابل نقود جديدة. والنقود التي يأخذ الرأسمالي بعد انتهاء الدورة تكون أكبر بكثير من تلك التي استثمرها. هذه النقود الزائدة، أو الربح، هو ما أطلق عليه ماركس فائض القيمة. فمن أين يأتي هذا الربح؟

حاول الاقتصاديون البرجوازيون الإجابة على هذا السؤال بطرق مختلفة. دافيد ريكاردو على سبيل المثال أكد إن العمل هو مصدر الفائض. وأنه ينقسم إلى أجور يحصل عليها العمال وأرباح يحصل عليها الرأسماليون. لكن هذا أوقعه في تناقض ظاهر. فإذا كان العمل (جهد العمال) هو مصدر الفائض فلماذا تبقى الأجور أقل بكثير من إجمالي هذا الفائض؟ لم يجب ريكاردو على هذا السؤال، بينما حاول البعض الآخر من الاقتصاديين البرجوازيين تفسير هذا بأنه نتيجة للتضحية والمخاطرة التي يتعرض لها الرأسمالي نتيجة استثمار أمواله. وأن الأرباح عائد يستحقه للرأسمالي في مقابل استخدام ثروته في توظيف عماله بدلاً من استخدامها في استهلاكه الشخصي.

لكن الحقيقة إن تلك الإجابة ليست إلا وهمًا فالرأسمالي لا يضحي بثروته الحالية عندما يستثمرها. والحقيقة أيضًا أن استثماره لها يحفظ قيمتها. بينما تكون الأرباح شيئًا إضافيًا يحصل عليه بدون عمل. وفي نفس الوقت هذه الإجابة لا تفسر هذا الانقسام بين الأجور والأرباح.

أما ماركس، ومن أجل الإجابة على هذا السؤال، فيستند على العلاقة بين الرأسمال والعمل المأجور ويفرق بين العمل وقوة العمل. فما يبيعه العامل مقابل الأجر ليس عمله وإنما قوة عمله. فقوة العمل هي سلعة مثلها مثل أي سلعة أخرى بالنسبة للرأسمالي. أي إن قيمتها التبادلية – أي سعرها في السوق – يتحدد بمقدار ما يحتاجه العامل من أجل الإبقاء على حياته وإنجاب الأطفال وتربيتهم. وبالتالي فهذه القيمة التي تتحدد قبل أن تبدأ العملية الإنتاجية نفسها. أما قيمتها الاستعمالية – أي القيمة الحقيقية لاستخدام قوة العمل – فهي العمل نفسه، أي المجهود الذي يتحول إلى منتجات مادية هي السلع المنتجة. وبالتالي فإن المهم بالنسبة للرأسمالي هو أن تكون القيمة الاستعمالية لقوة عمل العمال أكبر من قيمتها التبادلية أي أن تصبح مصدرًا لقيمة مضافة أكبر مما تحمله هي ذاتها.

على سبيل المثال، لو افترضنا أن عامل يعمل لثماني ساعات في أربعة منها مثلاً، سيعوض قيمة قوة العمل التي دفعها الرأسمالي كأجر له، أما الأربعة ساعات المتبقية – التي هي أيضًا جزء من قيمة عمل العامل – فستذهب قيمتها إلى جيوب الرأسمالي. إن هذا التحليل هو الذي قاد ماركس للربط بين فائض القيمة هذا وبين الاستغلال الذي يتعرض له العامل على يد الرأسمالي. كما أظهر ماركس بهذا التحليل إن هذا الاستغلال ليس نتاجًا لخدعة يقوم بها الرأسمالي وتنطلي على العالم حيث يعطيه أقل مما ينتج بالفعل. لكن الاستغلال هو شيء طبيعي وجوهري في نظام الإنتاج الرأسمالي. وينتج عن الفارق بين القيمة التي تخلقها قوة العمل بمجرد بدئها لعملية الإنتاج وقيمة قوة العمل نفسها.

إن هذه الرؤية وحدها هي التي تفسر لماذا تبدو عملية الاستغلال غير مرئية في السوق. فالعامل والرأسمالي على السواء يتعاملان كمالكي سلع، الأول يملك قوة عمله والثاني يملك النقود وبالتالي فهي عملية تبادلية عادلة. لكن بمجرد تجاوز عملية التبادل هذه والدخول لعملية الإنتاج الحقيقية تختلف المسألة. حيث ينتج الاستغلال بسبب ظهور القيمة الاستعمالية لقوة العمل بمجرد بدء الإنتاج فتصبح مصدرًا للقيمة وفائض القيمة. ويتمتع الرأسمالي بامتيازه هذان الذي يفضح المساواة الشكلية بينه وبين العامل والتي توحي بها عملية التبادل، فقط لأنه يسيطر على الأدوات والمواد الضرورية لاستمرار العمل.

ومن الطبيعي أنه كلما نجح الرأسمالي في أن يحصل من العامل على أقصى إنتاجية زاد معدل الاستغلال. فلو أن الوقت الضروري لإنتاج قيمة قوة العمل هو أربعة ساعات الأربع ساعات الأخرى لإنتاج فائض القيمة فإن معدل فائض القيمة (معدل الاستغلال) يصبح 4: 4 أي 100 %. وكلما زاد يوم العمل كلما زاد هذا المعدل (معدل الاستغلال، وفائض القيمة). لكن هذه العملية لها حدود، فهي من ناحية تضعف وترهق قوة العمل وبالتالي تؤثر على قيمتها الاستعمالية على المدى الطويل، ومن ناحية أخرى تؤجج إمكانيات التمرد العمالي أي أن الرأسمالية تعمل ضد نفسها على المدى البعيد.

ومن هنا تسعى الرأسمالية لزيادة فائض القيمة عن طريق زيادة إنتاجية العامل دو زيادة في ساعات عمله، وذلك بالتطوير التكنولوجي للآلات التي يعمل عليها. ولو نجح في تخفيض أسعار السلع الاستهلاكية فإن سعر قوة العمل سوف ينخفض متيحًا الفرصة بالتالي لاقتناص المزيد من فائض القيمة وهذا يحدث بالضبط لأن تكلفة إنتاج قوة العمل، أي ما يحتاجه العامل من أجل الإبقاء على حياته والاستمرار في العمل، تصبح أرخص وبالتالي كلما أنتج العامل كلما انخفضت قيمة قوة عمله، وزادت الأرباح في جيوب الرأسمالي.

والنتيجة الرئيسية لذلك هي أن عملية العمل تصبح أكثر اتساعًا وشمولاً في إطار تقسيم للعمل يتعقد يومًا بعد يوم، وتطور الرأسمالية يقودها دائمًا لاختلاق أشكال جديدة للربح واستغلال فائض القيمة، مثل خلق العمل الجماعي حيث يصبح العمال الأفراد أدوات تتجمع معًا من أجل فائض القيمة الاجتماعي. وهكذا فأن مهمة الرأسمالية كنظام هي الزيادة الدائمة لمعدلات الاستغلال لأقصى حد ممكن.

وبسبب هذا التناقض بين الاتساع المتزايد لعملية الإنتاج وبين انتقال فائض القيمة – الذي يتزايد دومًا – إلى جيوب أقلية ضئيلة من البشر، تقع الرأسمالية يومًا بعد يوم في الأزمات، ويعيش بسببها مليارات البشر في فقر وبطالة ومرض إلى الدرجة التي تصبح فيها الرأسمالية ذاتها عائقًا مباشرًا للإنتاج. كما يستفحل الاستغلال بسببها يومًا بعد يوم.

ويصبح الأمل الوحيد للمستغلين هو ذلك المجتمع هو تحطيم المجتمع الرأسمالي، وقيام المجتمع الاشتراكي الذي ينظم الإنتاج تنظيمًا جديدًا على أساس اتحاد يقوم بين المنتجين بحرية، وتزول فيه الطبقات ويكون الجميع على قدم المساواة، في الواقع المادي وليس حسب زيف القانون أو السوق. وفي هذه الحالة ستذهب آلة الدولة – كما يقول انجلز – إلى مكانها في المتحف بجوار المغزل البدائي والفأس البرونزية. وليس من طريق لتحقيق ذلك المجتمع إلا عبر القوة الاجتماعية صاحبة المصلحة في إنجازه، والتي تستطيع وحدها، بسبب قدرتها التنظيمية ووزنها الاجتماعي، على قيادة جميع المضطهدين للوصول إليه. هذه الطبقة هي الطبقة العاملة.