الثورة والعنف
من الطبيعي أن تتضمن الثورة بعض العنف، لسبب بسيط هو أن الطبقة الحاكمة لن تتنازل عن ثروتها وسلطتها بالطرق السلمية. ولنفس السبب يكون رفض الثورة على أساس أنها تتضمن عنفا مرادفا لرفض إمكانية التخلص من الرأسمالية. ورغم ذلك، فمهما كان حجم العنف الذي تمارسه الثورة، فهو لا يساوي شيئا إذا ما قورن بالعنف الذي يمارس حتى تستمر الرأسمالية.
إن الرأسمالية لا يمكن فصلها عن العنف، بل أن آلياتها تنتج العنف في كل مراحلها. هكذا مثلا نجد أن عملية الإنتاج الرأسمالي تعرض العمال يوميا للإصابات والأمراض، بل والموت، وكل ذلك لمجرد تحقيق الربح. وهناك العنف الذي يتمثل في الحكم على آلاف الملايين بالفقر المدقع، ومئات الملايين بالموت جوعا، في عالم يفيض بالثروات. وهناك عنف الديكتاتوريات العسكرية — وهي الشكل الوحيد الذي تستطيع الرأسمالية أن تعيش به في أجزاء كثيرة من العالم. وكذلك عنف الإمبريالية التي تدعم تلك الديكتاتوريات وتحافظ عليها. وهناك عنف الحروب الرأسمالية، والتي بلغ ضحاياها على الأقل مائة مليون شخص خلال هذا القرن، والتي تهدد بحدوث عنف أشد في شكل مذبحة نووية.
لا يمكن لنظام يقوم على استغلال الغالبية العظمى من قبل الأقلية أن يستمر بدون العنف. ولا يمكن لنظام يقوم على الصراع التنافسي من أجل الربح، بين شركة وأخرى، وبين شركات دولة ما وشركات دولة أخرى، أن يتجنب الحروب. والسبيل الوحيد لإنهاء هذا العنف الدائم هو أن تستخدم الطبقة العاملة عنفها الجماعي المتمثل في الثورة للإطاحة بالرأسمالية. ولكن مع ذلك، يظل ضروريا أن نفند الصورة التي صنعتها الرأسمالية عن الثورة وكأنها حمى جنونية من سفك الدماء.
إن الثورة عنيفة، فهي فرض قسري لإرادة قطاع من السكان — أي الغالبية العاملة — على قطاع آخر — وهم الأقلية الحاكمة. ولكن بالذات لأنها تتعلق بفرض إرادة الغالبية على الأقلية (وليس العكس)، لهذا السبب بالذات، تتضمن الثورة نسبيا قليلا من العنف.
إن البرجوازية لا تستطيع أن تخوض معاركها الخاصة بنفسها، فهي ضعيفة عدديا. إنها تعتمد على آخرين في القتال نيابة عنها، يكونون أساسا عمال في ملابس الجنود. فكل أشكال العنف الذي تمارسه الطبقة الحاكمة ضد الطبقة العاملة يقوم به قطاع من العمال ضد القطاع الآخر. ولكن حركة عمالية قوية وموحدة، مستعدة للنضال، وتحت قيادة سليمة، يمكنها أن تمنع ذلك، فتستطيع تحطيم قوة الطبقة الحاكمة بكسب الجنود العاديين في الجيش إلى صفوفها، وعندما يحدث ذلك تعجز الطبقة الحاكمة عن الصمود أمام المقاومة التي ستواجه استخدام العمال للعنف على نطاق واسع. ولأن هذا السيناريو هو ما حدث بالضبط في الثورة الروسية عام 1917، شهدت انتفاضة أكتوبر في سان بطرسبرج عددا قليلا جدا من القتلى.
ومن الضروري أيضا أن نتذكر أن الثورات لا تبدأ بأعمال عنف من قبل الثوريين، فهذه الأعمال تنشأ عن الصراع الطبقي نفسه وتتفجر عندما تصل العداءات الطبقية داخل الرأسمالية إلى حد الغليان.
ومع ذلك، إذا عجزت الطبقة العاملة عن استخدام القوة الضرورية في اللحظة الحاسمة، فإنها بذلك تعرض نفسها لعنف أشد بما لا يقارن بسبب القمع الرأسمالي. هكذا نجد أنه خلال كوميونة باريس في 1871 تم ذبح حوالي 30 ألف من مؤيدي الكوميونة خلال أيام قليلة. بينما أهدر أعداء الثورة الفاشيون في إيطاليا وألمانيا وأسبانيا حياة الملايين، كما حدث نفس الشيء خلال انقلاب شيلي في عام 1973، وانقلاب بولندا في عام 1981. في كل هذه الحالات كانت الحرب الأهلية من جانب واحد والتي تمثلت في استخدام العنف البشع والبربرية هي العقاب الذي يطبق في حالة فشل العمال في إنجاز الثورة.
إن أي شخص يؤجل الثورة بسبب ذلك “العنف” المزعوم الذي تتضمنه يكون ببساطة مخدوعا بأفكار السياسيين البرجوازيين المنافقة التي تدعو العمال إلى “عدم العنف” ولا يلزمون أنفسهم بذلك.





