بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

لينين.. دور الصحافة في بناء الحزب الثوري

الصحافة الثورية هي أحد أهم القضايا المركزية الملقاة على عاتق الثوريين. وأهميتها هذه قائمة في جميع الظروف، إلا أن قضية الصحافة الثورية تصبح محورية في لحظات البناء الأولي في تحديد جوهر وهدف المشروع الثوري.

والحقيقة أن الدور المركزي للصحافة في العملية السياسية ليس اختراع خاص للحركة الماركسية الثورية، فالصحافة لعبت دور مركزي في الحركات الثورية عمومًا منذ الثورة الفرنسية الكبرى. وأيضًا حتى الحركات السياسية البرجوازية والبرجوازية الصغيرة الغير ثورية، دائمًا ما اعتمدت على الصحافة في فرض هيمنتها وخلق شعبيتها وسط الجماهير. لكن ذلك لا ينفي أن الماركسية الثورية اشتقت لنفسها أدوارًا بعينها لصحافتها، وصبغتها بطابع خاص يتوافق مع مضمون مشروعها السياسي والتنظيمي، وخلقت بذلك تراث مستقل لصحافتها ارتبط بصلة وثيقة بالعملية السياسية لبناء الأحزاب الماركسية الثورية. ومن المؤكد أن لينين في مطلع هذا القرن لعب الدور الرئيسي في خلق هذا التراث وتدشينه.

لقد وضع لينين مهمة تأسيس صحيفة ثورية مركزية على رأس جدول أعمال الاشتراكيين الديمقراطيين الروس في مطلع القرن العشرين. وخاض نضالاً شديدًا ضد الاقتصادويين النشاطويين ومقدسي الحركة العفوية المعارضين لهذا المشروع. والحقيقة أن السياق السياسي والطبقي الذي خاض فيه لينين نضاله هذا، كان له ملامحه المحددة التي صبغت وعيه هو ذاته في تلك الآونة فالحركة الاشتراكية في روسيا كانت واسعة وممتدة وتضم آلاف الكوادر، لكنها كانت مفتتة ومنقسمة وغارقة حتى النخاع في تذيل النضالات العفوية المحلية. والصراع الطبقي كان في صعود واحتدام خلال السنوات السابقة ويحمل في داخله إمكانيات انتفاضات عفوية عمالية ذات شأن، على الرغم من ذلك، فهذا التراث “اللينينية” الذي قام على مهمتين رئيسيتين: المنظمة المركزية والجريدة الناظمة، تجاوز الفعل عبر التجربة البلشفية خصوصية عصره. وأصبح من غير الممكن بالنسبة للماركسيين الثوريين فيما بعد العودة إلى ما قبل اللينينية، إذا ما طرحوا على أنفسهم ممة تأسيس حزب عمال ثوري.

ومن قلب التراث النضالي الذي أخلقه لينين، اشتق الثوريون والحركات الثورية التالية المحددات الرئيسية للصحافة الماركسية الثورية. أي ما يتعلق بطبيعة مضمونها ودورها السياسي والتنظيمي. وفي هذا المقال سنحاول استعراض المواقف الرئيسية للينين المتعلقة بهذا الأمر، والتي تشكل من وجهة نظر الاشتراكيين الثوريين في مصر اليوم، التراث البلشفي الذي يستندون إليه في إنتاجهم لصحافتهم الثورية.

مواقف لينين الرئيسية:
في مقالة “مهمتنا العاجلة” المنشورة في 1899 حدد لينين المضمون الرئيسي للصحافة الثورية: في نقل المثل الاشتراكية إلى الحركة العفوية، وصهر الحركة العفوية داخل نشاط الحزب الثوري. (.. أن مهمة الاشتراكية – الديمقراطية هي نقل المثل الاشتراكية الأساسية إلى حركة الطبقة العاملة العفوية، وربط هذه الحركة بالمعتقدات الاشتراكية التي ترقى إلى مستوى العلم المعاصر، وربطها بالنضال السياسي المنتظم من أجل الديمقراطية كوسيلة لبلوغ الاشتراكية – باختصار لصهر هذه الحركة العفوية في كل واحد غير قابل للتدمير في نشاط الحزب الثوري. أن تاريخ الحركة الثورية والديمقراطية في أوروبا الغربية، وتاريخ الحركة الثورية الروسية، وخبرة حركة طبقتنا العاملة هذه هي المادة التي ينبغي استيعابها لخلق منظمة هادفة وتكتيكات هادفة لحزبنا. وينبغي أن يتم “تحليل” هذه المادة بصورة مستقلة طالما لا توجد نماذج جاهزة يمكن العثور عليها في أي مكان…).

وفي النص الأصلي شدد لينين على لفظ “تحليل”، ليؤكد على ضرورة تحليل الخبرات وليس سردها من أجل الوصول إلى تكتيكات صحيحة للثوريين بصدد الحركة. وفي فقرات تالية من ذات المقالة فصل المهمة الرئيسية العاجلة للمجلة، على أنها الطريق الوحيد لحل المعضلات والمسائل الرئيسية التي تواجه الاشتراكيين الديمقراطيين في روسيا في ذلك الوقت. وقام بتحديدهم في مسألتين رئيسيتين هما:

1. الحاجة إلى الربط بين حريكة النشاط الاشتراكي المحلي في التفاعل مع الحركة العفوية للطبقة العاملة؛ وبين ضرورة تأسيس حزب مركزي يقوم بتنظيم وقيادة لاصراع الطبقي للبروليتاريا.

2. الربط ما بين تطلع الحركة الاشتراكية لكي تصبح حزبًا ثوريًا يجعل النضال من أجل الحرية السياسية (إسقاط النظام القيصري) هدفه الرئيسي، وبين رفض الحركة حبك المؤامرات السياسية (الخطط المغامرة لمجموعات الثوريين).

ويضيف هنا (.. أن للاشتراكية الديمقراطية الروسية الحق في أن تعتقد بأنها قد قدمت الحلول النظرية لهذه المسائل، أما الرجوع لها تارة أخرى فأنه يعني تكرار لما سبق قوله في مقالة “برنامجنا”: فالمسألة المطروحة الآن هي وضع الحل العملي لهذه القضايا. إلا أنه ليس حلاً يمكن لشخص واحد أو مجموعة واحدة أن تقوم به، بل حلاً لن يستطيع تأمينه إلا النشاط المنظم للاشتراكية – الديمقراطية بمجموعها. ونعتقد أن أكثر المهمات إلحاحًا في اللحظة الراهنة يتلخص في تنفيذ حل هذه المسائل، ولهذا الغرض، ينبغي أن يكون هدفنا الفوري إنشاء صحيفة للحزب تظهر بانتظام وترتبط بصلات وثيقة بكل المجموعات المحلية..).

لقد أكد لينين في أكثر من موضع تالي المهمة الرئيسية المنوطة بالمجلة الناظمة، أي حل معضلات الحركة أمام الثوريين وتقديم إجابات عملية واقعية وملموسة لسؤال ما العمل؟ ونقد في هذا السياق الميول النشاطوية التي تحقر من دور النظرية والتحليل السياسي، وتؤدي بالتالي إلى قطع الصلة ما بين الاشتراكية والحركة العفوية. وفي البيان التأسيسي للإيسكرا الذي كتبه عام 1900، قال (.. أن الممارسة الضيقة، المنفصلة عن الوضوح النظري للحركة ككل، قد تدمر الصلة بين الاشتراكية والحركة الثورية في روسيا من جهة والحركة العفوية للطبقة العاملة من جهة أخرى..).

وفي موضع تالي في البيان كتب في سياق تحديده لمهام المجلة (.. واحدة من المهام الأساسية تلك هي تحليل هذه الحركة العفوية – بين جماهير العمال وبين الانتلجينسيا على حد سواء – وعلينا أن نحاول فهم الحركة الاجتماعية للمثقفين تلك الحركة التي ميزت أواخر التسعينات في روسيا وضمت تيارات مختلفة وأحيانًا متعارضة. علينا أن ندرس بعناية أشكال وظروف يقظة العمال والنضالات المحتدمة الآن لكي نتمكن من توحيد حركة الطبقة العاملة والنضالات المحتدمة الآن لكي نتمكن من توحيد حركة الطبقة العاملة الروسية مع الاشتراكية الماركسية التي بدأت تضرب جذورها في الأرض الروسية، في كل واحد متكامل لكي يكون بمقدورنا ربط الحركة الثورية الروسية بالنهوض الجماهيري العفوي للجماهير الشعبية. وعندما يتحقق هذا الارتباط وحسب يمكن تأسيس حزب الطبقة العاملة الاشتراكي الديمقراطي في روسيا، لأن الاشتراكية الديمقراطية لا تقوم لمجرد خدمة حركة الطبقة العاملة العفوية مثلما يميل إلى الاعتقاد بعض “عمالنا العمليين” اليوم أحيانًا – بل دمج الاشراكية بحركة الطبقة العاملة وهذا الدمج وحده هو الذي سيمكن البروليتاريا الروسية من تحقيق مهمتها السياسية العاجلة – تحرير روسيا من الاستبداد والأوتوقراطية..).

كانت المهام الأساسية للإيسكرا في رأيه وقتها، هي تحليل الحركة العفوية، وفهم الحركات الاجتماعية للمثقفين، والدراسة المعتنية للأشكال التي تتخذها النضالات العمالية المحتدمة في ذلك الوقت، وهذا كله بهدف أداء المهمة الثورية الرئيسية أي دمج الاشتراكية بحركة الطبقة العاملة. فهو لم يكن يتفق مع النشاطويين “عمالنا العمليين” في الاعتقاد بأن مهمة الحركة الاشتراكية هي خدمة الحركة العفوية للطبقة العاملة!! وبعد سطور قليلة أكد مجددًا على أهمية أن تقوم الإيسكرا “المجلة الناظمة” بالتحليلات النظرية للظواهر الملموسة وطرح القضايا السياسية والتنظيمية، معارضًا بذلك التصور القائل بإحالة هذه القضايا إلى مطبوع دوري آخر مستقل (.. نود أن نؤكد بشكل خاص معارضتنا للتصور القائل بأن على أي صحيفة عمالية أن تكرس صفحاتها للشؤون الآتية المتعلقة مباشرة بالحركة العفوية للطبقة العاملة فقط، وتترك كل شيء يتعلق بالنظرية الاشتراكية والعلم والسياسة وقضايا التنظيم الحزبي، إلخ إلى مطبوع دوري موجه للمثقفين. أن الضرورة تتطلب على العكس من ذلك، فعليها أن تربط كل الحقائق والظواهر الملموسة لحركة الطبقة العاملة بالقضايا المشار إليها. أن نور النظرية ينبغي أن يسلط على كل حقيقة قائمة بذاتها، أما الدعاية للقضايا السياسية والتنظيم الحزبي فينبغي أن تقوم به وسط أوسع جماهير الطبقة العاملة…).

جانب آخر للإيسكرا، أكد لينين على أهميته وضرورته في البيان التأسيسي، وهو أن على الإيسكرا أن تكون ذات اتجاه مستقل وموحد ومحدد تمامًا في جميع القضايا، وألا تتحول إلى خليط من الآراء المتضاربة (.. وهنا تبرز بالطبع، هذه المسألة: إذا كانت المطبوعات المقترحة تستخدم أهداف توحيد كل الاشتراكيين الديمقراطيين الروس وتدمجهم في حزب واحد، فلا بد لها أن تعكس كل ألوان الرأي، كل الخصائص المحلية المحدودة، وكل الطرائق – العملية على اختلافها. ولكن كيف نستطيع الجمع بين وجهات النظر المختلفة والحفاظ على سياسة تحرير منسجمة لهذه المطبوعات؟ أتكون هذه المطبوعات مجرد خليط من وجهات نظر متضاربة؟ أم ينبغي أن يكون لها اتجاه مستقل ومحدد تمامًا؟ أننا نتمسك بالرأي الثاني، ونأمل أن تبرهن الصحيفة ذات الاتجاه المحدد على أنها ملائمة تمامًا لغرض التعبير عن مختلف وجهات النظر وللنقاش الرفاقي بين المساهمين فيها..).

ربط لينين بين ضرورة أن يكون للصحيفة اتجاه موحد ومستقل وبين مهمة توحيد المواقف المختلفة للاشتراكيين. وذلك بأن تحافظ الصحيفة على استقلالية ووحدة مواقفها وبين أن تسمح على صفحاتها بالمساجلات بين الرفاق. وبعد سطور قليلة كتب (.. أننا لا ننكر وجود الاختلافات، ولن نحاول إخفاءها أو طمسها بل على العكس من ذلك نريد لمطبوعاتنا أن تصبح منبرًا لمناقشة كل القضايا من قبل جميع الاشتراكيين الروس على اختلاف وألوان آرائهم. أننا لا نرفض المساجلات بين الرفاق، بل نحن على العكس من ذلك، مستعدون لأن نخصص لهم مجالاً واسعًا على أعمدة صحفنا..).

وفي البيان التوضيحي لهيئة تحرير الإيسكرا الذي صدر ككراس مستقل عام 1901 أكد لينين على أهمية أن تناقش المجلة جميع القضايا من وجهة نظر مستقلة وموحدة وأن تضع حدود فاصلة ومميزة لمواقفها. وذلك لكي تكون قادرة على النضال ضد التشوش السائد، وتوحيد مواقف الاشتراكيين. إلا أن عليها أن تخصص مساحة للمساجلات، على أساس كونها مساجلات وليست كمواقف للمجلة. (.. وكما سبق وقلنا، فإن الوحدة الأيديولوجية للاشتراكيين الديمقراطيين الروس مازالت بانتظار خلقها وفي سبيل ذلك فإن من الضروري في تقديرنا الشروع بنقاش مفتوح وشامل للقضايا الجوهرية المتعلقة بالمبادئ والتكتيكات التي يطرحها اقتصاديو ونقاد اليوم البيرنشتانيون ولا بد لنا، قبل أن يكون بوسعنا أن نتوحد ومن أجل أن نكون قادرين على التوحيد، أن نضع حدود ثابتة وفاصلة متميزة. وإلا فإن وحدتنا ستكون وحدة موهومة تمامًا وستخفي البلبلة السائدة وتعرقل عملية اجتثاثها من جذورها. من الواضح أننا لا ننوي تحويل مطبوعاتنا إلى مجرد مستودع للآراء المتضاربة. بل على العكس، أننا عازمون على أن نوجهها بروح الاتجاه المحدد بوضوح تام.. ورغم أننا سنناقش جميع المسائل من وجهة نظرنا الواضحة إلا أننا سنخصص مساحة كافية في صحافتنا للمساجلات التي تدور بين رفاقنا..).

جانب آخر للمجلة الناظمة أكد عليه لينين في أكثر من موضع بتشدد، وهو ضرورة انتظام صدورها حتى تكون قادرة على أداء المهام المنوطة بها. لكنه لم ير أن مهمة الانتظام مهمة مستقلة عن المهمة السياسية أو فوقها، أي لم يتعامل بصنمية مع فكرة انتظام الإصدار. على العكس كان يأخذ في اعتباره المشكلات العملية التي قد تؤدي أحيانًا لعدم الانتظام. وفي نهاية البيان التوضيحي لهيئة تحرير الإيسكرا كتب (.. سيتراوح حجم الجريدة بين ملزمة إلى ملزمتين مطبوعتين. وبسبب الظروف التي على الطباعة السرية في روسيا أن تعمل في ظلها، فلن يكون هناك موعد ثابت لصدورها..) وبالفعل خلال العام الأول من صدور الإيسكرا تراوحت مواعيد الصدور، فصدر العدد الأول منها في ديسمبر 1900 وصدر العدد العاشر في يناير 1902، وكان العدد العاشر هو أول عدد يتم طباعته في مطبعة إيسكرا السرية. بعدها تواترت أعداد المجلة بانتظام وبمعدل أسرع ليصدر العدد 52 منها في ديسمبر 1903، وهو أول عدد لم يعد يتولى فيه لينين رئاسة التحرير بعد أن استولى المناشفة على المجلة.

وفي العدد الرابع من الإيسكرا كتب لينين مقالته الشهيرة “بم نبدأ؟” هذه المقالة التي عرفها بعد ذلك في كراسة ما العمل؟ بأنها (الخطة – التكتيك).

وكان لينين قد بدأ مع العدد الأول من الإيسكرا طرح، والدفاع عن ضرورة تأسيس منظمة مركزية للاشتراكيين الديمقراطيين الروس، تقوم بالتدخل في النضالات الاقتصادية الجارية المعتادة بهدف قيادتها ودفعها في اتجاه النضال السياسي. ناقدًا بذلك الاتجاهات الاقتصادية السائدة التي تحاول تضييق العمل في حقل التنظيم والتحريض السياسيين. وكانت هذه الاتجاهات وقتها تعبر عن نفسها وسط الاشتراكيين الديمقراطيين الروس من خلال مجلة “رابوتشي ديلو” (قضية العمال). وخلال احتدام بعض النضالات الطبقية في شهري فبراير ومارس 1901، غيرت “رابوتشي ديلو” موقفها سريعًا مقتدية بشعار الماركسي الثوري الألماني ليكنخت (إذا تغيرت الظروف في 24 ساعة تعين تغيير التكتيك أيضًا في 24 ساعة). وأصبحت تطرح شعارات مثل (.. تنظيم كفاحي قوي وسط الجماهير من أجل الهجوم المباشر للعصف بالأوتوقراطية.. تنظيم أوسع تحريض سياسي ثوري بين الجماهير.. على الاشتراكيين الديمقراطيين تشكيل طوابير الهجوم.. إلخ).

وناقدًا ومهاجمًا لهذا الميل كتب لينين في “بم نبدأ؟” أنه كان بوسعه الإعراب عن ارتياحه بسبب تغيير “رابوتشي ديلو” من موقفها بصدد التدخل السياسي في النضالات الجارية بهدف التأثير عليها ومحاولة قيادتها للإطاحة بالنظام القيصري. إلا أن تغيير المبادئ هذا في 24 ساعة لا يعبر عن أي تدبير عقلاني وليس إلا ميل غامر حماسي ارتباط باحتدام النضالات. فضرورة بناء تنظيم مركزي والتدخل السياسي في النضالات الطبقية هو مهمة يجب ألا نقتصر على فترات المد في الصراع الطبقي، لكنها قائمة كضرورة في لحظات المد والتراجع على السواء (.. أن رابوتشي ديلو تستخدم اسم ليبكنخت بلا طائل. ففي 24 ساعة يمكن تغيير تكتيك التحريض حول قضية خاصة أو التكتيك المتعلق بأحد تفاصيل التنظيم الحزبي، ولكن أولئك الذين لا مبدأ لهم على الإطلاق هم وحدهم الذين يسعهم أن يغيروا، لا في 24 ساعة وحسب ولكن أيضًا في 24 شهرًا، آرائهم حول الحاجة – عمومًا وعلى نحو ثابت ومطلق – إلى تنظيم للنضال والترحيض السياسي بين الجماهير. ومن المضحك الاستشهاد باختلاف الأحوال وبتعاقب المراحل: فأن العمل على بناء تنظيم كفاحي والقيام بالتحريض السياسي أمر لا بد منه في أية ظروف رتيبة سلمية. وفي أي مرحلة مهما اتسمت بتداعي الروح الثورية ناهيك بأن هذا العمل ضروري تمامًا وخاصة في مثل هذه المراحل والظروف طالما أن الوقت سيكون متأخرًا تمامًا لإيجاد مثل هذا التنظيم.. ولا بد للحزب أن يكون في وضع الاستعداد لكي يقوم بنشاطه على الفور. “يجب تغيير التكتيك في 24 ساعة” ولكن، لأجل تغيير التكتيك يجب أولاً أن يكون هناك تكتيك، وبدون تنظيم قوى متمرس بالنضال السياسي في جميع الظروف والأوقات فلن يكون هناك أي معنى للحديث عن أي خطة منظمة للعمل، تضيئها المبادئ الثابتة وتنفذ بإخلاص والتي تستحق وحدها اسم التكتيك…).

لقد فهم الكثيرون هذا الموقف للينين، على أنه يرى أن مهمة طرح خطط وتكتيكات داخل النضالات الجماهيرية هي مهمة لا يستطيع ولا يجب أن يقوم بها إلا أحزاب كبيرة متمرسة في النضال. وهذا ما كان يقصده بالفعل وقتها. لقد طرح لينين – ناقدًا شعار “إلى الهجوم” الذي رفعته “رابوتشي ديلو” – شعار آخر اعتبره هو التكتيك الصحيح لللحظة “حاصروا قلعة العدو” ورأى أن الطريقة الصحيحة لتحقيق هذا الحصار، والتي ستسمح للثوريين بطرح تكتيكات ثورية داخل النضالات الطبقية تنهض على مهمتين رئيسيتين: بناء منظمة مركزية، وإصدار جريدة ناظمة. (.. الدعوة لإيجاد منظمة ثورية قادرة على توحيد كل القوى وقيادة الحركة في الواقع العملي لا بالاسم فقط، أي منظمة مستعدة في أي وقت لدعم كل اتجاج وانفجار واستخدامها لتصعيد وتعزيز القوى القتالية المناسبة للنضال الحاسم.. أن نقطة الانطلاق في نشاطنا والخطوة الأولى نحو خلق التنظيم المنشود أو بتعبير آخر الخيط الرئيسي الذي إذا تمسكنا به سيمكننا بانتظام من تطوير وتعميق وتوسيع ذلك التنظيم هو إيجاد صحيفة سياسية لعموم روسيا..).

لقد ربط لينين تمامًا في ذلك الوقت ما بين اتساع الحركة الاشتراكية الديمقراطية الثورية في روسيا وصعود الصراع الطبقي هناك، وبين ضرورة تأسيس منظمة مركزية وجريدة ناظمة يعملان على توحيد وعي وحركة الثوريين بهدف التدخل السياسي وقيادة النضالات الطبقية. (.. أننا اليوم في وضع يسمح لنا بتأمين منبر للصنع الحكومة القيصرية أمام الشعب كله: وهذا المنبر ينبغي أن يكون صحيفة اشتراكية ديمقراطية. أن الطبقة العاملة الروسية. خلافًا لسائر الطبقات وفئات المجتمع الروسي، تبدي اهتمامًا ثابتًا بالمعرفة السياسية وتعبر عن طلبها المستمر والواسع، (لا في فترات الاضطرابات المكثفة فقط) على الأدبيات السرية. وعندما يكون مثل هذا الإقبال الجماهيري واضحًا وعندما يكون تدريب القادة الثوريين المجربين قد بدأ، وعندما يجعل تمركز الطبقة العاملة منها السيد الفعلي في الأحياء العمالية بالمدن الكبرى وفي المستوطنات والمجمعات العمالية، يضحي تأسيس جريدة سياسية أمرًا في مقدور البروليتاريا تمامًا، وبواسطة البروليتاريا ستتغلغل الجريدة إلى صفوف البرجوازية الصغيرة في المدن والحرفيين والفلاحين في الريف وتصبح جريدة سياسية شعبية حقًا. بيد أن دور الجريدة لا يقتصر على مجرد نشر الأفكار، على مجرد التربية السياسية واجتذاب الحلفاء السياسيين. أن الجريدة ليست فقط داعية جماعية ومحرضًا جماعيًا، بل هي في الوقت نفسه منظم جماعي..).

كتب لينين في “بم نبدأ” أنه سيقوم بتقديم شرح مفصل لخطته هذه في كراس تالي، بنشره قريبًا. وبعد نشر المقالة سرت موجة من العداء الشديد لها في صفوف الاقتصادويين “رابوتشي ديلو” وبعض المجموعات الثورية المغامرة غير الاشتراكية الديمقراطية. وتدفق في مواجهاتها سيل من الاتهامات، أوردها لينين بعد ذلك في كراسة “ما العمل؟” على غرار: هذه الخطة (تؤدي إلى الفصل بين النظرية والممارسة)، وأن طرحها يعني (إشاعة الأفكار المكتبية والعمول المكتبي)، وأنها في جوهرها (مظهر للمكتبية)، وأنها تحاول خلق نوع من (التحكم الفوقي).. إلخ. وفي مقدمة الكراس كتب: أنه لم يعد أمامه الآن من مفر، إلا بشرح خطته في إطار سجالي. أي عبر نقد وتفنيد مختلف الادعاءات.

وفي الكراسة كتب شارحًا مشروع الصحيفة التي يدعو إليها مؤكدًا على آراءه السابقة (.. هل يمكن الاقتصار على الدعاية لفكرة عداء الطبقة العاملة للأوتوقراطية؟ كلا، طبعًا. فليس يكفي أن نبين للعمال أنهم يضطهدون سياسيًا – مثلما لا يكفي أن نبين لهم أن مصالحهم تتناقض مع مصالح أصحاب الأعمال – أن من الضروري أن نقوم بالتحريض بصدد كل مظهر ملموس من مظاهر هذا الاضطهاد – مثلما شرعنا بتحريضنا ضد مظاهر الاضطهاد الاقتصادي الملموسة – ولما كان هذا الاضطهاد يمس شتى طبقات المجتمع على اختلافها، ويتجلى في ميادين الحياة والنشاط: المهنية والعامة والخاصة والعائلية والدينية والعلمية. إلخ، أفليس من الواضح أننا لن ننجز مهمتنا، في تطوير وعي العمال السياسي، إن لم نأخذ على عاتقنا أمر تنظيم الفضح السياسي للأوتوقراطية بصورة شاملة. ولغرض القيام بالتحريض على أساس مظاهر الاضطهاد الملموسة، لا بد من فضح هذه المظاهر – مثلما يقضي التحريض الاقتصادي بفضح الانتهاكات في المصانع..).

وعلى لسان العمال المتقدمين “جمهور الصحيفة المنتظر” يتحدث محددًا ما يحتاجونه من الصحيفة (.. نحن نريد أن نعرف كل ما يعرفه الآخرون، نريد أن نتعلم تفاصيل كل مناحي الحياة السياسية، وأن نساهم بنشاط في كل حدث سياسي مهما كان وهذا يتطلب من المثقفين أن يقللوا من تكرار ما نعرفه نحن أنفسنا ويحدثونا أكثر عما لا نعرفه حتى الآن وما لا نستطيع أبدًا أن نتوصل إلى معرفته عبر تجربتنا المصنعية والاقتصادية ونعني المعرفة السياسية. تستطيعون أنتم معشر المثقفين أن تحصلوا على هذه المعرفة، وأنكم لملزمون بأن تقدموها لنا بأ:ثر مما فعلتم اليوم بمائة ألف بل بألف ألف مرة..).

ويكتب ساخرًا من النشاطويين الذين يتصورون أن كل شيء هو النشاط العملي (.. ويقدم للنشاط العملي خدمة رديئة حقًا أولئك الصحفيون الذين يعتبرون أنفسهم قريبين جدًا من العمال ذوي النزعة العملية والذين لا يرو نما في هذا الأمر من الوهم. والذين يؤكدون بحجج فارغة ورخيصة تمامًا على الحاجة إلى صحف محلية، وإلى صحف للمناطق، وإلى صحف لعموم روسيا. واضح أن كل هذا ضروري بوجه عام، ولكن ما أن نجد الحل لمسألة ذات طابع تنظيمي ملموس، فلا بد أن يؤخذ في الحسبان الوقت والظروف..).

وكتب مفندًا ترهات المغامرين والنشاطويين على السواء (.. لن تتعلم الجماهير أبدًا القيام بالنضال السياسي، ما لم نساعدها على تدريب القادة لهذا النضال من العمال المتنورين ومن المثقفين سواء بسواء وهؤلاء القادة لا يمكن أن يتدربوا إلا على أساس التقييم المنتظم لجميع أوجه النشاطات اليومية لحياتنا السياسية، وعن طريق التقييم المنتظم لجميع محاولات الاحتجاج والنضال التي تقوم بها مختلف الطبقات ومن مختلف المنطلقات. ولذلك فإن الكلام عن “خلق منظمات سياسية” وفي الوقت نفسه معارضة العمل “المكتبي” للصحيفة السياسية بـ”العمل السياسي الحي في النطاق المحلي”. هو بكل بساطة أمر مضحك.. قولوا لنا من فضلكم: عندما يضع البناؤون في مختلف الأماكن حجارة عمارة كبيرة لا سابق لها أبدًا، ألا يقومون بعمل “مكتبي” إذ يمدون خيطًا يساعدهم على إيجاد المكان الصحيح للرص ويبين لهم الهدف النهائي لعملهم المشترك، ويمكنهم من الاستفادة لا من كل حجر وحسب، بل أيضًا من كل قطعة من الحجر الذي بتلاصقه مع سابقه ولاحقه يعطي الخط النهائي الكامل؟ ألا نجتاز نحن في حياتنا الحزبية هذا الظرف الذي توجد فيه الحجارة ويوجد البناؤون، ولا نجد بالضبط ذلك الخيط الذي يستطيع الجميع أن يروه وأن يتمسكون به؟…).

ويكتب في النهاية ناقدًا الموقف النشاطوي المغامر، ومؤكدًا على طبيعة المهمة التي يراها صحيحة (.. يرى القارئ مما تقدم أن “تكتيكا – الخطة” يتلخص في رفض النداء المباشر إلى الهجوم وفي المطالبة بتنظيم “حصار محكم حول حصن العدو” أو بعبارة أخرى، في المطالبة بتوجيه كل الجهود لتنظيم وتعبئة جيش دائم. وعندما سخرنا من “رابوتشي ديلو” لقفزها من الاقتصادوية إلى الصراخ بالهجوم. انهالت على رأسنا طبعًا متهمة إيانا “بالجمود العقائدي” وعدم فهم الواجب الثوري، وأننا ندعو إلى الحذر.. إلخ. ومن الواضح أن هذه الاتهامات لا تدهشنا بتاتًا وهي تقال على لسان أناس لا مبادئ لهم الذين يتحصنون بتكتيك الحركة – العميقة الغور… منطق عجيب حقًا! الصراخ بـ”الهجوم على الفور هو نوع من الغباء والخطل، والسبب هو بالضبط أن “الجماهير ليست إلى جانبنا” فالهجوم هو حملة يشنها جيش نظامي وليس مجرد نهوض جماهيري عفوي. ولأن الجماهير قد تجتاح الجيش النظامي، لذا علينا أن لا نتأخر في الارتفاع بمستوى النهوض العفوي، عن طريق خلق تنظيم دقيق للغاية داخل الجيش النظامي. وكلما نجحنا في خلق هذا التنظيم كلما أصبح من المحتمل ألا تجتاح الجماهير هذا الجيش، بل يأخذ مكانه في مقدمتها وعلى رأسها..).

اللينينية أوسع من تجربة البلاشفة:
لقد ربط لينين بشكل واضح في خطته التي طرحها في مطلع هذا القرن: ما بين اتساع وتشعب الحركة الاشتراكية الديمقراطية في روسيا والاحتمالات المتزايدة لانتفاض الجماهير الروسية، في انتفاضات عفوية، وبين ضرورة تنظيم الأقسام المتقدمة من الطبقة العاملة الروسية في تنظيم اشتراكي محكم ومتماسك ومنصهر سياسيًا، بما يمكنها – تلك الأقسام – من قيادة جماهير البروليتاريا الروسية إلى الثورة والانتصار. وكانت الترجمة المباشرة التي قدمها لتلك الفكرة: هي ضرورة التدخل السياسي من قبل الاشتراكيين الديمقراطيين الروس في النضالات الاقتصادية الجارية بهدف قيادتها وتسييسها ودفعها في اتجاهات أكثر جذرية، بما يمكنهم من جذب وتنظيم العمال الطليعيين المتقدمين على مشروع سياسي مكتمل بأهدافه النهائية. ولأداء هذه المهمة قدم استنتاجين عمليين يمثلان من وجهة نظره في تلك اللحظة الخطوة الضورية لتحقيق الهدف وهما: المنظمة المركزية التي تقوم على مبادئ المركزية الديمقراطية، والجريدة السياسية الناظمة لعموم روسيا.

وعبر تحقق التجربة البلشفية والحيوية التي صاحبتها والتي توجت بانتصار الطبقة العاملة الروسية في أكتوبر 1917، تجاوزت اللينينية بهذا المعنى خصوصية اللحظة التي طرحها فيها لينين. أي أن لينين والبلاشفة فيما بعد 1917 أصبحوا مقتنعين تمامًا، بالخطأ الجسيم في العودة إلى ما قبل اللينينية عند الشروع في تأسيس أحزاب عمالية ثورية في البلدان التي لا توجد بها تلك الأحزاب. العودة إلى ما قبل اللينينية بمعنى البدء من نقطة سابقة، مثل تلك التي انطلق منها الماركسيين الروس الأوائل في ثمانينات القرن التاسع عشر، أي تغيير وعي العمال الروس عن طريق نشر الأفكار الاشتراكية، حيث رأوا – البلاشفة – أن ذلك سيؤدي في النهاية إلى الغرق في النشاط المحلي وتذيل الحركة العفوية. لقد أصبحوا الآن – بعد 1917 – مدركين تمامًا أن تسييس الحركة العمالية وتطوير الوعي السياسي لدى العمال بما يمكنهم من تنظيم الأقسام الطليعية في الطبقة العاملة، لا يمكن أن يتحقق عن طريق نشر الأفكار الاشتراكية مع المشاركة في النضالات. أن ذلك لا يمكن أن يتحقق إلا بالتدخل السياسي في النضالات ومحاولة قيادتها مهما كانت شروط اللحظة أمام الثوريين. أي بصرف النظر عن الصعود أو التراجع في الصراع الطبقي، وبصرف النظر عن حجم التكوينات الشيوعية ومدى اتساعها في أي بلد من البلدان. ولهذا السبب أصبحت المهمة التي طرحها لينين والبلاشفة ما بعد 1917 على جميع الشيوعيين في البلدان المختلفة، هي ضرورة تأسيس منظمات مركزية ديمقراطية وإصدار جرائد سياسية ناظمة، بالتحديد ومن أجل التدخل السياسي في النضالات الجارية ومحاولة قيادتها.

وكانت إحدى الأطروحات التي أقرها المؤتمر الثالث للأممية الثالثة في مرحلتها الثورية (عام 1921 قبل وفاة لينين) والتي تتعلق بمسألة التكتيك (..لا يمكن للأحزاب الشيوعية أن تتطور إلا في النضال. حتى أصغر الأحزاب الشيوعية لا ينبغي أن تقيد نشاطها بحدود الدعاية والتحريض المحضين، ينبغي أن تشكل (هذه الأحزاب) رأس الحربة في المنظمات الجماهيرية للبروليتاريا، موضحة للجماهير المتخلفة والمترددة. من خلال طرح اقتراحات عملية للنضال، ومن خلال التشديد على النضال من أجل كل الاحتياجات اليومية للبروليتاريا – كيف يمكن للنضال أن يخاض؟ وبهذا تستطيع أن تفصح للجماهير الطابع الخائن لكل الأحزاب غير الشرعية..).

إن أصغر الأحزاب الشيوعية – مهما كان حجمها – لا يمكن أن تناضل ضد تفاوت الوعي في صفوف الطبقة العاملة، وتفضح الإصلاحية وتنظم العناصر المتقدمة من الطبقة العاملة على مشروع ثوري يسعى إلى تحقيق الأهداف النهائية للاشتراكية، بمجرد الدعاية (نشر الأفكار) والتحريض (المشاركة في النضالات) وفقط. لا يمكن لها أن تفعل ذلك إلا بمحاولة قيادة النضالات، وبتقديم إجابة ملموسة للجماهير على سؤال: كيف يمكن للنضال أن يخاض؟ ولهذا السبب، ولهذا السبب فقط. لا بد لتلك الأحزاب من أن تبنى على مبادئ المركزية الديمقراطية وتسعى لإصدار جرائد سياسية مركزية ناظمة.

لقد سحق ماركس الاتجاهات الفوضوية المغامرة في أوساط الحركة العمالية، ومن بعده بسنوات قام لينين بدفن النشاطويين ومقدسي الحركة العفوية. لكن لأن الأساس الاجتماعي الموضوعي لتلك الاتجاهات لا زال قائمًا ولم ينته بعد، فأنها تعود إلى الحياة دائمًا. لكن الخطير في الأمر هو أنها تعود إلى الحياة مجددًا تحت عباءة الماركسية. وعندما ننظر إلى ساحة الماركسيين المصريين اليوم، سنجد انتعاش واضح لكل تلك الاتجاهات. سنجد أعداء اللينينية يطرحون أنفسهم اليوم في مصر من تحت عباءة الماركسية في اتجاهين رئيسيين: الأول، يطرح عداءه بوضوح قولا وفعلا، حيث يدافع عن ضرورة البدء من نقطة نشر الأفكار (التنوير) ويحاول أن يؤسس ذلك كحركة فعلية. وهذا الاتجاه يضم الكثيرين من المنفرطين عن المنظمات الستالينية المنحطة أو المنهارة، محاولين بطرحهم هذا تبرير انتهازيتهم وإصلاحيتهم المبتذلة. والثاني، وهو الأخطر – لأنه يقدم نفسه منتسبًا إلى اللينينية ومن تحت عباءة الماركسية الثورية – يطرح عداءه هذا فعلاً لا قولاً. فهو في القول يرفع شعارات البلشفية، وفي الفعل يقتصر على الدعاية للأفكار والنشاط المتذيل للحركة العفوية. هذا الاتجاه يدعو إلى تأسيس منظمة مركزية وإصدار جريدة ناظمة، لا ليتدخل في النضالات الاقتصادية الجارية بهدف تسييسها ومحاولة قيادتها وطرح مهام ملموسة عليها، ولكن فقط لأن تلك هي المهمة “الصحيحة”!! وهو بذلك يفصل ما بين الوسيلة والهدف ويحول المنظمة والجريدة إلى صنم فارغ بلا أي مضمون أو محتوى سياسي ثوري.

أن الحركة الاشتراكية الثورية في مصر اليوم – وهي الفصيل اليساري الوحيد، برغم حداثة نشأته وصغر حجمه الذي يطرح مهمة الثورة الاشتراكية – منقسمة، كما يعلم كل المطلعين على أحوالها. ونتج عن هذا الانقسام وجود منظمتين ثوريتين هما “تيار الاشتراكيين الثوريين” و”جماعة تحرير العمل”، ومجلتين ناظمتين هما “الاشتراكية الثورية” و”الشرارة”. ومن وجهة نظرنا في “الشرارة”، فأن هذا الانقسام في مضمونه الجوهري يدور حول كل ما تناولناه في هذا المقال. ونحن في “جماعة تحرير العمل” نتبنى وننتهج – في القول والفعل – مشروعًا سياسيًا قائم على اللينينية كما طرحناها هنا، ونحن نناضل أيضًا من أجل توحيد الحركة الاشتراكية الثورية في مصر – في القول والفعل – على هذا المشروع. وفي مقال تالي لمسائل ثورية سنحاول استخدام اللينينية في تحليل وتقييم، اتجاهات الصحافة الاشتراكية الثورية والحركة الاشتراكية الثورية الآن في مصر.