ماذا نعني بـ: التحرر الذاتي للطبقة العاملة
“إن تحرير الطبقة العاملة لا بد أن تقوم به الطبقة العاملة نفسها.” هكذا يبدأ البند الأول من ميثاق الأممية الأول التي صاغها ماركس. ويتصور الكثيرون في اليسار أن هذا الشعار الذي تتبناه مجلتنا هو إبداع حديث لتيارنا. ولكنه في واقع الأمر أحد المبادئ الأساسية للماركسية منذ الأممية الأولى. المسألة ببساطة شديدة هي أن هناك نوعين من الاشتراكية. الاشتراكية من أعلى والاشتراكية من أسفل.
الاشتراكية من أعلى وهي التصور الأكثر انتشارًا خاصة بعد التجارب الستالينية هي أن تقوم أقلية منظمة، عادة من المثقفين الثوريين، بالاستيلاء على السلطة السياسية بتأييد من الجماهير. تقوم هذه الثورة من أجل الجماهير وتبدأ من خلال السيطرة على جهاز الدولة في تنفيذ مشروعات لصالح الجماهير فتقوم بتصفية البرجوازية وتأميم أدوات الإنتاج وتركيز السلطة الاقتصادية والسياسية في أيدي الدولة.
أما الاشتراكية من أسفل هي كما وصفها ماركس في البيان الشيوعي “الحركة الواعية ذاتيًا والمستقلة للغالبية العظمى من أجل مصالح الغالبية العظمى.”
إن المعنى السياسي لمبدأ الاشتراكية من أسفل هو أنه لن يستطيع تحرير العمال إلا العمال أنفسهم ويعني ذلك أن الثورة الاشتراكية ليست استيلاء حزب أو تنظيم على السلطة السياسية حتى لو كان ذلك الحزب هو حزب الطبقة العاملة. فالثورة الاشتراكية هي استيلاء مجالس العمال المنتخبة مباشرة من قبل القاعدة العريضة للطبقة العاملة على السلطة السياسية، ليس من خلال الاستيلاء على أجهزة الدولة البرجوازية واستخدامها ولكن من خلال تدميرها واستبدالها بالمجالس العمالية كشكل جديد من السلطة السياسية.
هذا ببساطة ما نعنيه بالتحرر الذاتي للطبقة العاملة. ولكن إذا كان العمال هم الذين سيحررون أنفسهم وهم الذين سيبنون دولتهم الجديدة أي دولة المجالس العمالية، فما هو إذن دور المثقفين الثوريين؟ وهل يعني ذلك أنه ليست هناك ضرورة لبناء حزب ثوري؟ وهل يتناقض بالتالي شعار التحرر الذاتي للطبقة العاملة مع التصور اللينيني في التنظيم؟
نحن نرى أن مشروع التحرر الذاتي لا يتنافى على الإطلاق مع عطية بناء الحزب الثوري ومبادئ البلشفية على الرغم من أن الصراع الطبقي هو الذي يحل الوعي الثوري لدى العمال فهذا الوعي لا يمكن أن يتطور تمامًا بشكل عفوي وذلك بسبب التقسيم الحاد بين العمل الذهني واليدوي والطبيعة غير المتكافئة لتطور القطاعات المختلفة للطبقة العاملة وهيمنة الأيديولوجية البرجوازية على الطبقة العاملة في فترات الهدوء النسبي للصراع الطبقي. ولهذه الأسباب كلها هناك ضرورة لبناء حزب عمالي ثوري يقوم بعملية تنظيم وقيادة تبلور الوعي الثوري في الطبقة العاملة. ولكن هذا الحزب الثوري الذي نحتاجه هو حزب عمالي بالفعل ونعني بذلك ليس فقط أنه يحول أيديولوجية الطبقة العاملة وليس أيضًا أنه يمثل المصالح التاريخية للطبقة العاملة ولكن أنه حزب تكون أغلبية أعضائه من العمال الثوريين. حزب يوحد في صفوفه طليعة الطبقة العاملة.
ليس مطروحًا في مشروع التحرر الذاتي للطبقة العاملة أن يصل هذا الحزب إلى الحكم أي شكل من الأشكال التي لم كان حزب الطليعة العمالية. إن دور الحزب الثوري كما طرحه ماركس ببراعة وببساطة في البيت الشيوعي كالتالي:
· “إن الشيوعيين لا يشكلون حزب مستقل ومناهض لأحزاب الطبقة العاملة الأخرى”.
· ليس لهم مصالح مستقلة ومختلفة عن مصالح البروليتاريا ككل؛
· لا يشكلون أي مبادئ خلقية خاصة بهم يستخدمونها لتشكيل وتحرير الحركة البروليتارية.
فالذي يميز الشيوعيين عن أحزاب الطبقة العاملة الأخرى هو فقط:
· في الصراعات القومية لعمال البلدان المختلفة يوضحون ويشيرون إلى المصالح المشتركة للبروليتاريا ككل بشكل مستقل عن كل القوميات.
في المراحل المختلفة التي لا بد أن يمر فيها صراع الطبقة العاملة ضد البرجوازية يمثلون دائمًا وفي كل مكان مصالح الحركة ككل. إن الشيوعيين إذًا هم من الجانب العملي الفصيل الأكثر تقدمًا وقوة في أحزاب الطبقة العاملة لكل بلد، الفصيل الذي يدفع كل الآخرين إلى الأمام. ومن الجائز النظري لديهم ميزة عن الغالبية العظمى من جماهير البروليتاريا وهي ميزة الفهم الواضح لخط سير وظروف والنتائج العامة النهائية للحركة البروليتارية.”
إن الحزب العمالي الثوري ليس مؤسسة مستقلة عن الطبقة العاملة تعمل باسمها. هذا الحزب هو الجزء من الطبقة العاملة الذي يستطيع بلورة وفهم الظروف التي تسمح بنجاح الحركة العمالية وناضل من أجل أوسع وحدة ممكنة للعمال محاربًا لكل الانقسامات القومية والعنصرية والجنسية التي تحاول فرضها الرأسمالية.
أما دور المثقفين الثوريين، من وجهة نظرنا، فيقوم أساسًا على الدعاية السياسية لمشروع التحرر الذاتي للطبقة العاملة والعمل على تبني الطليعة العمالية لهذا المشروع والمساهمة في بناء الحزب العمالي الثوري.





