بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ماذا نعني بـ”الطبقة العاملة”؟

في العالم الذي نعيشه اليوم نستطيع أن نلمس بأيدينا، بل وأن ندرك بجميع حواسنا، أن نمط الإنتاج الرأسمالي دخل في طور الانحطاط والأزمة الممتدة. ففي نفس الوقت الذي هيمن فيه هذا النمط على أركان العالم من أقصاه إلى أقصاه أصبحت التناقضات والأزمات الاجتماعية الحادة والصراعات القومية والحروب الأهلية هي العادة اليومية التي لا فكاك منها والتي يفرضها علينا الاستغلال الرأسمالي لقوة العمل الحية.

في ظل هذا الوضع المزري – والذي يجمله أيديولوجيو البرجوازية المحلية والعالمية صباح مساء مبشرين بنظام عالمي جديد يصبح الجميع فيه أخوة رغم أنف، وبل وبفضل، هيمنة الرأسمالي العالمي – لم يفقد الاشتراكيون الثوريون إيمانهم الذي لا يتزعزع بالدور التاريخي للبروليتاريا العالمية في انتشال العالم من مأساة الرأسمالية مرة وإلى الأبد.

إن الاشتراكيين الثوريين يرون بوضوح الثورة الاشتراكية لائحة في الأفق ويعلمون، بالتأكيد، أن الطبقة العاملة هي التي ستقوم بهذه الثورة لتحرر نفسها ذاتيًا من سلطة الرأسمالي عليها. وفيما تحرر هذه الطبقة ذاتها من استغلال الرأسماليين سوف تمحي كل أشكال الاستقلال والاضطهاد وكل أشكال المجتمع الطبقي. فالبروليتاريا هي أداة التاريخ لتحرر الإنسانية في مجموعها.

ولأن الموقف الثوري الحق يعلم تمام العلم أن هذه الرؤية ليست طوباوية أو دوجماتية، ويعلم أن هذا الفهم والتصور للمستقبل هو تعبير عن إمكانية حقيقية – وواجبة التنفيذ، فإن علينا نوضح ما هي الطبقة العاملة التي نعنيها، ولماذا نرى أنها هي – دون غيرها – المناط بها هذا الدور التاريخي. إن من واجبنا أن نثبت زيف وهشاشة ادعاءات من يرون أن عصر الطبقة العاملة ولي أو من يرون أن الطبقة العاملة في مصر – مثلاً – هي طبقة لها خصوصية فلاحية تجعلها ليست طبقة ثورية.

ما هي الطبقة العاملة؟
الماركسي الحق – أي الثوري – لا يعرف الطبقة العاملة بأنها كل من يعمل بأجر، أو كل من يؤدي عملاً نافعًا (أي ضروريًا من وجهة نظر الإنتاج الرأسمالي). إن التعريف الماركسي الثوري للطبقة العاملة يرى الطبقة العاملة على حقيقتها بعد رفع الغطاء عن ظاهر وجودها. التعريف الماركسي الثوري للطبقة العاملة هي أنها تتكون ممن يدخلون في علاقة إنتاج – رأسمالية – لإنتاج فائض القيمة. إن عملية الإنتاج الرأسمالي هي العملية التي ينفصل فيها العامل عن أدوات إنتاجه، أي هي العملية الإنتاجية التي يدخلها العامل كما يقول ماركس متحررًا من قيود العبودية والإقطاع ومتحررًا أيضًا من الملكية فالطبقة العاملة تتكون من أولئك الذين لا يملكون إلا قوة عملهم ليبيعوها للرأسمالي الذي يخضعها للرأسمالي: أي يستخدمها في إنتاج فائض القيمة في التراكم، في توسيع الرأسمال. إن العامل في عصر الرأسمالية يعمل لينتج فائض القيمة – العمل غير المدفوع – الذي يواجهه فيما بعد في شكل رأسمالي.

والطبقة العاملة ليست هي حاصل الجمع الجبري للعمال المنفردين. إن الطبقة العاملة في حد ذاتها هي كل عضوي يعد جزءًا من كل عضوي أكبر منه وهو المجتمع الرأسمالي في كليته. إن الوحدة الرئيسية للبروليتاريا ليست أي فرد منفصل بل هي مجموع العمال الداخلين في عملية إنتاج رأسمالي بعينها.

إن أولئك الذين يرون أن الطبقة العاملة تتراجع وأنها كقوة اجتماعية أصبحت أقل أهمية أكثر فأكثر مؤسسين أيديولوجيتهم تلك على حقيقة أن الوزن النسبي للعمال الصناعيين يتراجع في بعض البلدان الرأسمالية المتقدمة وأن واقع أن الحركة العمالية تتراجع في بعض الدول لا يفهمون مضمون مفهوم الطبقة العاملة إلا فهمًا سطحيًا ساذجًا. أنهم يعكسون أزمتهم الشخصية كمثقفين انتهازيين على الواقع فيفهمون الواقع حسبما يرتأون، فإذا ارتأوا أن الثورة مستحيلة في لحظة معينة اصطنعوا لها حيلاً نظرية لمحو وجود الطبقة العاملة في الواقع.

والحقيقة، ورغم أنوف أولئك المتبجحين – فإن الطبقة العاملة مازالت هي القوة الرئيسية في المجتمع المعاصر (في الدول المتقدمة والمتخلفة على حد سواء) إن تغيير الطبقة العاملة لبنيتها وشكلها تبعًا لتطورات التراكم في المجتمع الرأسمالي لا يعني اختفاء تلك الطبقة.. في نفس الوقت الذي شهدنا فيه انخفاض نسبي في حجم عمال الصناعة شهدنا توسعًا في حجم عمال المكاتب، أولئك الذين يعملون عملاً ذهنيًا ويخضعون لاستغلال رأس المال بنفس القدر الذي يخضع به العمال الصناعيون له.

إن مفهوم الطبقة العاملة أوسع بكثير من أن يتقلص ليصبح فقط أولئك الذين ينتجون القيم المادية فقط. فعمال النقل والمواصلات وعمال الخدمات الإنتاجية بكافة أنواعها، وعمال المكاتب (الكاتبين على الآلة الكاتبة.. إلخ) الذين يعملون بالمؤسسات الرأسمالية (ومن ضمنها قطاع رأسمالية الدولة) هم جزء لا يتجزأ من الطبقة العاملة. فهم خاضعون لسلطة رأس المال يبيعون قوة عملهم الحية التي لا يملكون غيرها والتي يستغلها الرأسمالي في زيادة وتوسيع قيمة رأسماله.

إن كل ذي عينين يستطيع أن يرى أن نضالات تلك القطاعات من الطبقة العاملة كانت علامات مضيئة في تاريخ كل الطبقات العاملة في العالم، إن نضالات عمال النقل في مصر في مطلع القرن، ونضالات رفاقهم عمال السكك الحديدية في الثمانينات لم تكن إلا أمثلة على نضالية تلك القطاعات التي تنتمي قلبًا وقالبًا للطبقة العاملة.

كل من يساهم في تحقيق فائق القيمة هو عامل. فالسلع تعجز عن أن تكون كذلك حتى توجد في السوق. ولذلك فإن عمال النقل والاتصالات وعمال المكاتب ومن يساهمون بدور حيوي في تحقيق فائض القيمة للرأسمالي. إن هؤلاء العمال يمثلون الأطراف في علاقتها بالقلب الذي هو العامل الصناعي. فإذا كان العامل الصناعي ينتج فائض القيمة – قلب عملية الإنتاج الرأسمالي – فإن عمل النقل والمواصلات والعمال الذهنيين في المكاتب يساهمون في تدوير السلعة في السوق وهي العملية التي بدونها لا يصبح للقلب معنى وبالتالي لا يصبح له وجود.

إن شكل عملية العمل التي يقوم بها كل قطاع من قطاعات الطبقة العاملة في مرحلة معينة من تاريخ الرأسمالية وأيضًا الوزن النسبي لكل قطاع في هذه المرحلة يؤثر أيما تأثير على طبيعة الحركة العمالية وتوزيع الأدوار فيها فيما بين القطاعات. فرغم أن عمال الصناعة كانوا غالبًا هم القطاع القائد لنضالات الطبقة العاملة في معظم الدول ومعظم المراحل التاريخية، إلا أنه من الممكن في حالات ومراحل معينة أن يكون لعمال النقل دورًا قياديًا أو أن يحظى بهذا الدور القيادي قطاع آخر تبعًا لتاريخ نضالات الطبقة في البلد المعني وتبعًا لطابع عملية التراكم الرأسمالي التي تدمر وتخلق دومًا الوظائف في دورات تاريخية متتابعة.

لماذا الطبقة العاملة؟
بالقطع لن يجدينا أن نسير وراء أولئك المثاليين الذين يرون الطبقة العاملة بوصفها طبقة تتجمع فيها كل صفات النبالة والخير والذكاء. فأولئك بينما هم يبنون تصوراتهم الوهمية حول واقع الطبقة العاملة – يجنحون دومًا إلى تشيئ تلك الطبقة واعتبارها كيانًا مجردًا وميتافيزيقيًا لا يتغير. فالطبقة العاملة – كجزء من كل عضوي وهو المجتمع الرأسمالي – كيان تاريخي يتطور وينمو، ويتراجع ويتقدم ويتعلم من تاريخه وينسى – أحيانًا – ما تعلمه. أن أولئك الذين وصفناهم قبل قليل يكونون دائمًا هم أول المحبطين والمتراجعين حينما يتلفتون حولهم باحثين عن الطبقة التي رسمتها لهم الخيالات المريضة لعقولهم فلا يجدونها. إن أول الانتهازيين يظهر في كل مرحلة تراجع حركة الطبقة العاملة من بين فئة أكثر الطوبايين فاليسارية الطفولية والانتهازية هما وجهان لعملة واحدة يجمع بينهم التناقض على طول الخط مع المادية الديالكتيكية.

إن الماديين الديالكتيين يؤسسون فهمهم للطبقة العاملة – وإيمانهم بدورها في صنع المستقبل – على إدراكها ماديًا كطرف في علاقة الاستغلال الرأسمالي (أي علاقة إنتاج فائض القيمة) وعلى إدراكها دياليكتيكيًا كجزء من كل عضوي هو مجتمع رأسمالي يخضع لصيرورات تطور وتحول تاريخي تؤثر فيه وتتأثر به تلك الطبقة ذاتها.

إذن فالاشتراكيون الثوريون يرون أن الطبقة العاملة تنمو وتتطور تاريخيًا ويرون أن انتقالها من أشكال التنظيم والنضال الأدنى إلى الأشكال الأعلى وأن تحولها من أشكال الوعي الاقتصادي إلى الوعي الثوري وأن ارتداد حركتها وهزيمتها في لحظات تاريخية معينة هي سيرورات مرتبطة ارتباطًا دياليكتيكيًا لا ينفصم بالتطورات التاريخية التي تجري دومًا في الأساس المادي للصراع الطبقي (أي في عملية الإنتاج والتراكم الرأسمالي).

بيد أن الاشتراكيون الثوريون يعلمون تمام العلم أن التناقض بين العمل والرأسمالي – الذي ينتج عن استلاب العمل في شكل العمل المأجور – هو جوهر كل الصراعات الطبقية في المجتمع الرأسمالي وهو أساس كل التحولات التاريخية في عصر الرأسمالي فأي تحول وتغير طالما لا يلغي شكل الاستلاب الرأسمالي لا يعد تغيرًا ثوريًا وإنما هو فقط تجميل للنظام القاتم.

ولذلك، ولأن الاشتراكيون الثوريين يفهمون تمام الفهم المجتمع “المعاصر” و”الحديث” على حقيقته، فهم يرون أن النفي الثوري للرأسمالية لا يمكن أن يحدث إلا بفضل ثورة عمالية تفجر الأساس الذي يقوم عليه المجتمع الرأسمالي وتبني بدلاً عنه دولة ديكتاتورية البروليتاريا. ويعلم الاشتراكيون الثوريون أن الطبقة العاملة هي الذات التاريخية الوحيدة المناط بها قيادة عملية التحول الثورية تلك، فهي الطبقة التي تمثل اكتمال أشكال الاستغلال الطبقي والتي لا ترتبط – بسبب طبيعتها – بأية أوهام حول المجتمع الرأسمالي.

إن المسألة كما يطرحها ماركس ليست في الواقع هي الحالة الراهنة للطبقة العاملة في أية دولة، أي ليست مدى اكتسابها للوعي الثوري أو مدى تنظيمها الراهن، وإنما هي في ما تمثله تلك الطبقة في إمكانية تاريخية: “المسألة ليست مرتبطة بالأهداف التي يرتبط بها هذا العضو أو ذاك من البروليتاريا في الوقت الراهن ولا حتى في تلك الأهداف التي تتبناها الطبقة ككل مؤقتًا. إن المسألة هي في الواقع: ما هي البروليتاريا وما هي سبل الفعل التي سوف تُجير على إتباعها تاريخيًا لكي تصبح في اتساق مع طبيعتها (ماركس – العائلة المقدسة).

ولذلك فإن الاشتراكيين الثوريين يدركون مدى أهمية مسألة الوعي الثوري. فهي بالنسبة لهم ليست مسألة نظرية، فالاشتراكيون الثوريون ليس لهم مصلحة في تحويل الماركسية إلى علم “محايد” يفهم الواقع ويتأمله بروح المثقف البرجوازي المتعالم إنما المسألة بالنسبة لنا هي في أساسها مسألة عملية. فالوعي الثوري هو الحلقة المفقودة لتحول الطبقة العاملة من طبقة في ذاتها إلى طبقة لذاتها، أي تحولها إلى ذات وموضوع للتاريخ. إن الوعي الثوري هو وعي الطبقة العاملة بالطبيعة الجوهرية للمجتمع الرأسمالي بما يمثله من استغلال لقوة العمل الحية وبالتالي هو في نفس اللحظة وعي هذه الطبقة بدورها التاريخي في نفي وتحطيم هذا المجتمع عبر تحويل الصراع الطبقي من أشكاله الأكثر عفوية إلى أشكاله الواعية والثورية. إن هذا يعني اكتساب الصراع الطبقي – بقصدية ووعي – لطابعه السياسي أي طابعه الذي يهدف إلى تدمير سلطة الدولة البرجوازية والاستيلاء عليها لصالح مجموع المستغلين.

إن العملية التاريخية لتطور الوعي الثوري لدى العمال ليست عملية ميكانيكية. ففي مجرى التاريخ يتعلم العمال عفويًا ضرورة وأهمية النضال النقابي الاقتصادي ضد الرأسمالية. وبسبب من طبيعة عملية العمل الرأسمالية – بانضباطها وجماعيتها – فإن نضالات العمال تكون ذات طابع مختلف تاريخيًا عن كل أشكال النضال الطبقي للمستغلين في أنماط الإنتاج قبل الرأسمالية. فالرأسمالية تعلمهم ضرورة وأهمية النضال الجماعي. فالنضال بالنسبة للطبقة العاملة ضرورة حياتية تفرضها شروط وودها الموضوعية. وعبر النضال يتعلم العمال خبرات ضرورية في حربهم ضد الرأسمالية. ورغم أن هذه النضالات العفوية لا تؤدي بالعمال بشكل ميكانيكي إلى اكتساب وعي ثوري، إلا أنها تعتبر جزءًا حيويًا من عملية تطور البروليتاريا ونضوجها للقيام بمهمتها التاريخية.

إن الوعي الثوري، الذي نركز عليه ونعطيه أهمية قصوى باعتباره ضرورة من ضروريات الثورة الاشتراكية، ينمو من اندماج العنصرين الذاتي والموضوعي في مجرى عمليات الصراع الطبقي بين البرجوازية والبروليتاريا فمن ناحية، ليس هناك وعي ثوري بدون طبقة ثورية، طبقة ينتجها الرأسمال كنقيض “موضوعي” له: الطبقة العاملة. ومن ناحية أخرى ليس هناك حركة ثورية بدون نظرية ثورية، بدون تنظيم ثوري تتمثل شروط وجوده الموضوعية في ضرورة الثورة العمالية. إن التقاء العنصرين الذاتي والموضوعي المتمثل في نمو حركة الطبقة العاملة ووجود التنظيم الثوري الذي يقطر خيرات ونضالات الطبقة ويوجهها في الاتجاه الثوري هو الشرط الضروري لتحول وعي الطبقة العاملة إلى وعي ثوري: وعي بضرورة وإمكانية قلب الدولة الرأسمالية وتحقيق ديكتاتورية البروليتاريا.