بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

من الذي يصنع التاريخ؟

في الأوقات التي يكون فيها الصراع الطبقي خاملاً نسبيًا، والتي تكون فيها سلطة الطبقة البرجوازية مستقرة بهذا القدر أو ذاك، والتي تنحسر فيها الطاقات الثورية لدى الطبقة العاملة ولدى الجماهير على وجه العموم؛ في مثل هذه الأوقات دائمًا ما تنتشر الأفكار والنظريات الحتمية والميكانيكية والقدرية، حتى في أوساط الماركسيين المؤمنين بالثورة أنفسهم. وبالرغم من أن هذه النوعية من الأفكار تأخذ أشكال وتعبيرات متنوعة، إلا أن مضمونها يكون – في الغالب – واحدًا: التشكيك في إمكانية التأثير في مسار التاريخ بإرادة وفعل البشر؛ الادعاء بأن أحداث التاريخ تسير في مجراها الموضوعي وفق قوانين (حتمية / ميكانيكية) مستقلة تمامًا عن إرادة البشر الواعين؛ والاعتقاد بأن الجوانب الذاتية في العملية التاريخية (وهي الإنسان، إرادته، وفعله) هي مجرد انعكاسات سلبية مباشرة للقوانين الموضوعية الحاكمة.

ويفسر أنطونيو جرامشي – وهو أحد أهم الماركسيين الثوريين في القرن العشرين – هذا الانتشار للأفكار الحتمية والميكانيكية في ظروف انحسار الحركة الجماهير على النحو الآتي: “على المرء بالقطع أن يؤكد كيف أن القدرية ليست إلا الرداء الذي ترتديه الإرادة الحقيقية والفاعلة عندما تكون في وضع ضعيف”. المعنى الذي يقصده جرامشي بهذا هو أن القدرية (وهي التصور الذي يرى أن هناك قوى خارج سيطرة الإنسان هي التي تصنع التاريخ) تنبع كفكرة سلبية تنفي إمكانية أن يسيطر الإنسان على مصيره – بالذات في الأوقات التي يؤدي فيها خمول الحركة الجماهيرية إلى الاعتقاد بأن القضاء على علاقات الاستغلال والسيطرة الطبقيين سيحدث – إن كان ممكنًا أن يحدث من الأصل – من وراء ظهر الطبقات الخاضعة…، أي بدون وعيها بمهامها وتنظيمها لصفوفها.

وترجع أهمية التفسير الذي يطرحه جرامشي للقدرية والميكانيكية إلى أنه يضع أيدينا على مسألتين في غاية الأهمية. أولى هاتين المسألتين هي الطبيعة اللاعلمية، بل وأيضًا الغيبية، للقدرية والمادية الميكانيكية. فوراء كل الأقنعة العلمية الزائفة، ووراء كل المحاولات الفاسدة للإقناع بأن القوانين الاجتماعية والاقتصادية تماثل القوانين الطبيعية في حتميتها وقدرتها التامة على التنبؤ.. وراء كل هذا من الممكن ببساطة أن نكتشف أن المادية الميكانيكية تعكس تصورًا مثاليًا وغيبيًا عن العالم وعن المجتمع الإنساني. وهذا بسبب أنها تفترض أن هناك شيء ما اسمه “القوانين الاجتماعية الموضوعية”، وأن هذه القوانين توجد مستقلة عن الإنسان! وبالطبع فإن هذا الافتراض يتناقض مع الحقيقة الملموسة التي تقول أن وعي البشر (الطبقات في المجتمع الطبقي) وإراداتهم وتنظيمهم لأنفسهم هو جزء لا يتجزأ من الظروف الموضوعية التي تؤثر تأثيرًا حاسمًا في الصراع الطبقي وبالتالي في تطور المجتمع. وبصياغة أخرى، فإن العوامل الذاتية (النضج السياسي للطبقات، تماسكها الفكري والتنظيمي، تكثيفها لطاقاتها.. إلخ) تمثل مكونًا أساسيًا من المكونات التي تدفع الصراع الاجتماعي في هذا الطريق أو ذاك.

أما المسألة الثانية التي يثيرها تفسير جرامشي فهي الانعكاسات السياسية للرؤية القدرية. وفي هذا الصدد يقول الثوري الإيطالي أنه عندما يتم تبني القدرية: “كفلسفة مدروسة ومتكاملة من جانب المثقفين، فإنها تصبح مبررًا للسلبية، وللاكتفاء الذاتي الغبي”. وهذا أمر يمكن فهمه تمامًا. فالفلسفة التي تقول أنه لا مجال للفعل البشري الواعي، وأن التغيير سيحدث بمعزل عن إرادتنا، لا يمكن لها أن تؤدي إلا إلى السلبية، أو إلى انتظار “القوانين الاقتصادية الحتمية”، أو أي قوة غير إنسانية أخرى لتحدث التغيير المنتظر. هذه الفلسفة مناسبة تمامًا للبرجوازية ومصالحها. فمن الممكن بواسطتها توقيف مسيرة أي نضال ثوري لأنه لا طائل من ورائه.. “فسلطة البرجوازية باقية وعلى الجماهير المقهورة والمستغلة أن تتقبل هذا الوضع المهزوم لأن أحداث التاريخ تحدد بمعزل عن الإرادة البشرية ولا يمكن التدخل الفاعل لتوجيه مسارها”.

وفي مواجهة الحتمية والمادية الميكانيكية تطرح الماركسية كنظرية للتغيير الثوري تصورًا ماديًا جدليًا لطبيعة المجتمع الإنساني وكيفية تغييره. وقد لخص ماركس تصوره عن هذه المسألة في الكلمات القليلة الآتية: “إن الناس يصنعون تاريخهم بيدهم، ولكنهم لا يصنعونه على هواهم. أنهم لا يصنعونهم في ظروف يختارونها هم بأنفسهم بل في ظل ظروف يواجهون بها وهي معطاة ومنقولة لهم من الماضي”. ونستطيع أن نرى بوضوح أن ماركس في هذه العبارة المكثفة لا يواجه فقط الحتمية (“أن الناس يصنعون تاريخهم بيدهم”)، وإنما يواجه أيضًا الميول المغرقة في ذاتيتها ومثاليتها (“ولكنهم لا يصنعونه على هواهم”). فكما أن الماركسية تنتقد من يرون أن وعي الإنسان وفاعليته ليس لهم أي دور في صناعة التاريخ، فهي أيضًا تنتقد من يعتقدون أن إرادة الإنسان مطلقة وغير مقيدة.

ترى الماركسية أن وعي الطبقات الخاضعة (الطبقة العاملة أساسًا) بمصالحها الإستراتيجية وقدرتها على تنظيم صفوفها هو حلقة أساسية في عملية التطور التاريخي، ولكن هذه الحلقة تكتسب أهميتها فقط من كونها “حلقة واحدة” في سلسلة مركبة ومرتبطة من التفاعلات والقوى. ترتبط هذه الحلقة بسابقاتها في السلسلة وتؤدي إلى الحلقات اللاحقة. هذا بالضبط ما كان يعنيه ماركس عندما قال “أن الناس يصنعون تاريخهم بيدهم؛ ولكنهم لا يصنعونه على هواهم”. فبرغم أن اكتساب الوعي الثوري هو تطور ضروري بدونه تصبح الثورة (أي التغيير الجذري للعلاقات الاجتماعية) مستحيلة، إلا أن اكتساب هذا الوعي لا يصبح ممكنًا بالتمنيات أو بالإرادة المطلقة، وإنما بنشوء طبقة ثورية إلى النهاية (هي الطبقة العاملة) أوجدها التطور الموضوعي لعلاقات الإنتاج الرأسمالية، وبتوفر جملة من الظروف المتشابكة التي لا يمكن رؤيتها بمعزل عن بعضها البعض، أو بمعزل عن تسلسل الأحداث التاريخية.

والحقيقة أن التفسير الماركسي للتاريخ ولحركته ولقواه المحركة لم يسلم أبدًا من التشويه والابتذال. فقد فهم الكثيرون من الماركسيين المبتذلين وغيرهم، عبارة ماركس التي يقول فيها: “في سياق عملية إنتاجهم الاجتماعي لحياتهم، يدخل البشر في علاقات محددة لا مفر منها ومستقلة عن إرادتهم، هي علاقات إنتاج تتناسب مع مرحلة محددة من تطور قوى إنتاجهم المادية”.. نقول أن عدد من الماركسيين المبتذلين فهموا هذه العبارة بطريقة ميكانيكية، وأولوها على أنها تعني أن البشر لا يد لهم على الإطلاق في تحديد العلاقات الإنتاجية التي يدخلون فيها (عبودية، إقطاع، أو رأسمالية)، وأن تحديد هذه العلاقات يرجع فقط إلى تطور قوى الإنتاج (المستوى التكنولوجي.. إلخ)، وأن الاشتراكية بالتالي ستتحقق من تلقاء ذاتها ومن وراء ظهر البشر عندما تتطور قوى الإنتاج إلى مستوى يتطلبها ويسمح بوجودها!

ولكن من الواضح بالطبع أن هذا التأول المبتذل لعبارة ماركس يتناقض مع كل تراث الماركسية الثوري، ويتناقض أيضًا مع الحقيقة الموضوعية. كل الذي أراد ماركس أن يدافع عنه في هذه العبارة (وهذا في نضاله ضد المفكرين والفلاسفة المثاليين الألمان الذين كانوا يعتقدون بأن العالم الواقعي هو أساسًا وليد الأفكار التي تنبت في ذهن البشر وليس العكس) هو أن هناك علاقات إنتاجية مادية يدخل فيها البشر، وأن هذه العلاقات تحدد وعي البشر وحركتهم (“الناس لا يصنعون تاريخهم على هواهم”)، وأن هذه العلاقات لا يمكن لها أن تتجاوز مستوى تطور القوى المادية للإنتاج (وهل يمكن مثلاً أن ينشأ المجتمع الطبقي من دون أن تتطور قوى الإنتاج إلى حد يصبح معه من الممكن توفير فائض إنتاجي مستقر؟).

ولكن بالطبع لا يمكن أن يفهم من هذا أن تطور قوى الإنتاج وحده كافيًا لإحداث التحول من نظام إنتاج إلى آخر. إذ لا بد أن تنشأ طبقة اجتماعية داخل نظام الإنتاج القديم يكون في مقدورها وفي مصلحتها التغيير عن طريق الإطاحة بالطبقة القديمة ثم الأخذ بزمام الأمور.. أي عن طريق الصراع السياسي الطبقي ضد الطبقات المالكة القديمة الآخذة في الأفول.

إذن فالماركسية ترى أن الصراع الطبقي، وليس الحتمية الاقتصادية، هو محرك التاريخ. فالتعارض بين قوى وعلاقات الإنتاج الذي ينشأ داخل نمط إنتاجي معين لا يؤدي بشكل آلي وميكانيكي إلى تقويض هذا النمط واستبداله بنمط جديد قادر على تطوير قوى الإنتاج. لا بد من أن تكون هناك قوة اجتماعية (طبقة) جديدة وحيوية مستعدة لخوض صراع من أجل الاستيلاء على السلطة. فلنأخذ الرأسمالية على سبيل المثال. منذ القرن الماضي وحتى الآن خلق تطور قوى الإنتاج في ظل الرأسمالية الإمكانية لبناء مجتمع اشتراكي. ولم يكن هذا فقط بسبب أن هناك تعارضًا بين الطابع الاجتماعي المتزايد لعملية الإنتاج (أصبح الإنتاج عملية اجتماعية معقدة يتشارك فيها عدد أوسع فأوسع من البشر) وبين الطابع الفردي للملكية والسيطرة على قوى الإنتاج، وإنما أيضًا بسبب الرأسمالية خلقت طبقة ثورية حتى النهاية في مقدورها أن تعي بمصالحها الإستراتيجية، وأن تقود غالبية المجتمع في معركة ثورية للإطاحة بسلطة البرجوازية.

وترى الماركسية أن تحقيق الإمكانية الاشتراكية ليس أمرًا محسومًا مسبقًا، بغض النظر عن جملة العوامل والتشابكات التي يسير وفقًا لها الصراع الطبقي. لا تتحقق الاشتراكية كنتيجة تلقائية لتطور قوى الإنتاج، أو لوجود طبقة عاملة كبيرة الوزن والعدد، أو حتى كنتيجة تلقائية لحركة جماهيرية واسعة وجذرية. وهذه حقيقة تؤكدها أحداث التاريخ: لم يؤد تطور قوى الإنتاج في بلاد كالولايات المتحدة وبريطانيا إلى الاشتراكية، ولم تؤد الثورات العمالية في عدد من الحالات (كالحالة الألمانية في سنة 1918) إلى انتصار العمال على الثورات المضادة.

إن انتصار الثورة العمالية ينجم عن توافر جملة من الظروف الموضوعية والذاتية، ولا ينجم عن وجود علاقة آلية بين الصراع الطبقي وتطور قوى الإنتاج. فكما يقول تروتسكي “المجتمع لا يسير بهذا الشكل الجامد، ولا تأتي اللحظة المناسبة لديكتاتورية البروليتارية تمامًا في لحظة وصول الظروف الاقتصادية والثقافية إلى النضج اللازم للاشتراكية. ولو كان تطور الإنسانية يتم بمثل هذا الانتظام لما كان هناك ضرورة للديكتاتورية أو للثورة بصفة عامة”. ولذلك نجد أنه بينما كانت هناك دول مهيأة – من وجهة نظر التصور الأحادي المبتذل – للسلطة العمالية (الدول الرأسمالية المتقدمة على سبيل المثال) إلا أنها لم تتحقق في هذه الدول وتحققت في دولة أخرى هي روسيا توفرت فيها الظروف الموضوعية (طبقة عاملة ممركزة وقوية سياسيًا) والذاتية (حزب ثوري استطاع اقتناص اللحظة الثورية وقيادة الطبقة العاملة إلى السلطة). وهذا ما يؤكد أن العنصر الذاتي هو حلقة أساسية وحاسمة في حركة التاريخ، وما يؤكد أيضًا أن تجاهله والانتظار “حتى تتطور قوى الإنتاج” هو موقف برجوازي في الصميم لأنه يهمل الحقيقة الأساسية الآتية: وهي أن التاريخ لا يتطور بشكل متوازن ومنسجم، وإنما من خلال تبدلات وتحولات عنيفة تنجم عن انفجار تناحرات متراكمة سابقة.

هذا الفهم المادي الجدلي لصناعة التاريخ يظهر أهمية وضرورة وجود الحزب العمالي الثوري. يقول تروتسكي في هذا الصدد “لا تشكل الأحزاب والقادة عنصرًا مستقلاً، ولكنها تشكل مع ذلك عنصرًا هامًا من عناصر التطور: فإذا انعدم التنظيم القيادي تبددت قدرة الجماهير كبخار خارج اسطوانة المكبس. علمًا بأن الحركة لا تأتي من الاسطوانة أو المكبس ولكنها تنجم عن البخار”. ففي كل موقف أو وضع اجتماعي محدد يوجد حد على ما يمكن لنا بأفعالنا الواعية تحقيقه، ولكن في نفس الوقت توجد قوى وأفعال تساهم في جعل تحقيق الشيء الممكن أكثر احتمالاً. وبالنسبة لمسألة الانتصار الثوري للطبقة العاملة – وهي مسألة ممكنة تمامًا – فقد أثبتت الخبرة والتجربة التاريخية أن أكثر العناصر فاعلية وتأثيرًا هو تجميع وتنظيم الجهود في حزب سياسي يوحد الطليعة الثورية للطبقة، ويعمل على دفع الصراع الطبقي إلى أقصى درجة، ويحضر في نفس اللحظة للمواجهة الحاسمة المنتظرة في المستقبل؛ وذلك حتى يدعم من إمكانية انتصار الطبقة العاملة، وهو أمر لا تضمنه على أية حال الظروف المادية المعطاة وحدها.

ودائمًا ما ترتبط مسألة الحزب بمسألة القادة الثوريين. أي بمسألة دور الفرد في التاريخ. في بعض الأحيان يجنح المثاليون إلى النظر لدور الأفراد بمعزل عن سياق الحركة الجماهيرية والتطور التاريخي. ينسب المثاليون الأحداث التاريخية الكبرى إلى الأفراد، وكأنهم صنعوها “بطاقاتهم الفردية الخلاقة”. وغالبًا ما تنبع هذه الرؤية المثالية من الرغبة في خلق أبطال أسطوريين ومخلصين قادرين على الإتيان بالمعجزات. وبهذا المنطق فإن هذه الرؤية تناسب أعداء الثورة لأنها تستبدل دور الجماهير الضروري للتغيير الثوري (“على الطبقة العاملة أن تحرر نفسها بنفسها”)، بدور أفراد معزولين.

وفي الرد على هذا المنظور المثالي كتب تروتسكي – في معرض تحليله لدور لينين في ثورة أكتوبر 1917 الاشتراكية – يقول: “لينين لم يكن خالق التطور الثوري، ولكنه انتظم في سلسلة القوى الإيجابية فكان حلقة كبرى في هذه السلسلة، وجاءت ديكتاتورية البروليتاريا من الوضع كله، ولكن لما كان من الضروري توجيهها. لم يكن سيصبح للينين دور أو وجود دون حركة جماهيرية ثورية كان هو قادرًا على دعمها وقيادها، ولكنه لم يكن خالقها”.

خلاصة كل ما يبق هي أن انتصار الثورة العمالية لن يكون نتيجة تلقائية للظروف الموضوعية، ولن يكون نتيجة لإرادة بشرية فردية أو حزبية معزولة عن سياقها وغير مرتبطة بحركة جماهيرية واسعة النطاق. الأمر كله يعتمد في الحقيقة على التقاء إرادة سياسية موحدة وحازمة وذات خبرة (حزب الطليعة العمالية الثورية)، بطبقة عاملة في وضع ثوري متفجر.