بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ماركس والعولمة

كارل ماركس

“لقد كتب ماركس كتابات في القرن الماضي والاقتصاد العالمي قد تغير جذريًا ومر بتحولات كثيرة منذ ذلك الحين”. تعد تلك العبارة أحد أكثر الاعتراضات شيوعًا على الماركسية. ونضيف أناس أننا نعيش في عصر “العولمة” حيث تتمتع الشركات العملاقة بقوة اقتصادية هائلة في السوق العالمي وبالتالي فإن الكثير من أفكار ماركس لا تناسب العصر الحالي.

بدون شك تتواجد الآن شركات ضخمة ذات ثقل اقتصادي كبير حيث تفوق مبيعات (جنرال موتورز) الإنتاج الاقتصادي لتركيا، وتعد (فورد) أكبر حجمًا من جنوب أفريقيا، و(آي بي إم) للإليكترونيات أكثر ثراءًا من الاقتصاد الباكستاني. ولكن نمو الشركات المتعددة الجنسيات ما كان ليأتي كمفاجأة لماركس، فقد رأى ماركس الرأسمالية نظامًا حركيًا للغاية. ففي ظل بحثهم الدءوب عن الأرباح وفي ظل التعرض لضغوط من أجل التوسع لاستغلال الموارد التكنولوجية الجديدة بكفاءة تحاول بعض الشركات التوسع خارج قاعدتها المحلية لأخرى أكبر على المستوى القومي. وانسياقا وراء الرغبة للتراكم الرأسمالي تحطم الشركات الحدود القومية وتصبح من اللاعبين العالميين.

كتب ماركس في أحد أعماله الأولى (البيان الشيوعي عام 1848): “تكتسح البرجوازية مدفوعة بحاجتها الأبدية إلى أسواق جديدة الأرض بأسرها. فلابد لها من أن تعشش في كل مكان، وأن تستغل في كل مكان، وأن تقيم العلاقات في كل مكان. أعطت البرجوازية من الصناعة قاعدتها القومية. فالصناعات القومية القديمة دمرت، ويلحق بها يوميًا مزيد من الدماء. وحلت محلها صناعات جديدة أصبح تبنيها- من جميع الأمم المتحضرة- مسألة حياة أو موت، ولم تعد هذه الصناعات تستخدم المواد الأولية المحلية، بل مواد أولية آتية من أكثر المناطق بعدًا، وتستهلك منتجاتها لا داخل البلد وحسب بل في جميع أنحاء العالم. وعلى أنقاض الحاجات القديمة التي كانت تلبيها المنتجات الوطنية، تلد حاجات جديدة يتطلب إشباعها استيراد منتجات البلدان والأقاليم النائية. وعلى أنقاض الانعزال القطري والقومي القديم- القائم على الاكتفاء الذاتي- تنمو تجارة عالمية وتبعية متبادلة بين الأمم.

ويظهر هنا جليًا مدي سبق ماركس لعصره بمراحل كثيرة، ففي الوقت الذي كتب فيه البين لم تتأسس الرأسمالية الصناعية سوي في بريطانية وبلجيكا. ولكن ماركس قد لاحظ الميل للتوسع بداخل الرأسمالية وتوصل لاستنتاجات عبقرية حول مستقبل النظام نراها اليوم بوضوح تام، فلقد امتدت أذرع الإخطبوط الرأسمالي لتصل جميع الأمم وجذبتها قسرًا أو بمشيئتها للسوق العالمي.

عندما توفي ماركس في 1883 لم تكن أفريقيا- باستثناء أجراء صغيرة- قد اندمجت في النظام العالمي، ولكن الآن لا يوجد مهرب أو مكان للاختباء من السوق العالمي وضغوط الشركات العملاقة ومطالبها. وقد أشارت الإحصائيات إلى أن أكبر مائة اقتصاد في العالم يتضمن خمسون شركة عملاقة. ويتناسى المتحدثون عن العولمة أربع نقاط مهمة أشار إليها ماركس.

أولاً: إن التوسع العالمي للرأسمالية لم يتم بصورة متناغمة مبنية على اختيار عقلاني لمآثر النظام، فقد وقع التوسع من خلال المنافسة الاقتصادية العنيفة وفي معظم الأحوال بحد السيف وإسالة الدماء. أشار ماركس في عام1867 إلى أن “الفجر القرمزي للإنتاج الرأسمالي” كان معناه “الاستبعاد والدفن في المناجم للشعب الأبورجيني (سكان أستراليا الأصليون)، وبداية غزو ونهب الهند الشرقية، وتحويل أفريقيا إلى أرض صيد من أجل تجارة الجلود السوداء”.

ثانيًا لم يقلل انتشار الرأسمالية العالمي حدة المنافسة بين الدول القومية، فمن أجل زيادة قدراتهم التنافسية تلجأ الشركات لطلب المعونة من دولهم القومية للتغلب على منافسيهم. وقد أدى ذلك إلى صدامات عنيفة بين الدول وصراعات دموية على المستعمرات والأسواق مثل الذي حدث في الحرب العالمية الأولى. ومثل حرب الخليج عام 1991 عندما حاربت أمريكا العراق بالتحالف مع دول أخري (ومن بينها نظام مبارك) للهيمنة على مصادر البترول. نحن نعيش في عصر أكثر عولمة من عصر ماركس ولكنه أيضًا عالم أكثر خطورة وأقل استقرارًا وتلعب فيه الدول القومية دورًا لا يمكن الاستغناء عنه لحماية رأس المال “المعولم”.

ثالثًا: لم تقضي العولمة على احتمالية وقوع أزمة رأسمالية. وعلى العكس تقع الأزمة الآن على نطاق أوسع وتضم شركات ضخمة مؤثرة في الاقتصاد العالمي، فقد خلق السوق العالمي مرة أخرى كل مشاكل الشركة الرأسمالية على مستوى أكبر.

أخيرًا: لم يؤمن ماركس بأن عصر الإنتاج العالمي يمنع نضال العمال وهزيمة الطبقة الرأسمالية. على العكس فقد رأى ماركس الرأسمالية تسوق العمال للمصانع الضخمة بأعداد كبيرة وتصلهم ببعض عبر العالم خالقة “حفاري قبورها” فاندماج الاقتصاد العالمي يجعل وقع النضال مسموعًا ومؤثرًا في باق أنحاءه.