بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ماركس وأسطورة الطبيعة البشرية

• تم نشر المقالة لأول مرة باللغة الإنجليزية في 19 نوفمبر 1999 بجريدة العامل الاشتراكي الأمريكية، تصدرها منظمة الاشتراكيين الأمميين بالولايات المتحدة

لو أن الطبيعة البشرية ثابتة، فلما إذن اختلفت المجتمعات البشرية عن بعضها البعض بشكل جذري إلى هذا الحد؟ ولماذا يتصرف الناس بالطريقة التي يتصرفون بها؟

إن الإجابة الشائعة على هذا السؤال هي أن السلوكيات البشرية يحددها شيء ما في “طبيعتنا البشرية”، وعليه فإن الجشع والأنانية والعنف والحرب تعود أسبابها لسلوك فطري لدينا جميعاً. ولكن بالطبع فإن في مقابل كل مظهر من مظاهر الجشع والأنانية والعنف، هناك العديد من الأمثلة عن التعاطف والمشاركة.

دعونا نضع هذا جانباً للحظة، إن مشكلتنا مع وجهة النظر الشائعة عن الطبيعية البشرية هي: لو أن طبيعة الإنسان ثابتة، فلماذا اختلفت المجتمعات البشرية اختلافاً كبيراً فيما بينها على الصعيدين الجغرافي والتاريخي على حد سواء؟!

على سبيل المثال، في مطلع القرن السابع عشر، قام اليسوعيون(1) بالتبشير بين هنود الإينو(2) في كندا. في ذلك الوقت اعتبر اليسوعيون غرس الطاعة في نفوس الأطفال عن طريق الضرب أمراً صحياً، بينما اعتبر الهنود ضرب الأطفال أمراً وحشياً يصعب تخيله.

في كتابها “أسطورة سيطرة الذكور”، وصفت “إليانور يكوك”(3) هذا الحادث:
“ذات يوم، اعتدى صبي فرنسي يعمل طبالاً بالضرب على صبياً من الإينو وتسبب في إصابته بالجروح، وطالب الإينو المذعورين بتعويض الصبي الجريح. ولكن، بدلاً من أن يقدم المبشرون الفرنسيون التعويض الملائم، قاموا بمعاقبة الصبي الفرنسي بأن شرعوا في عقابه بالجلد علناً أمام الإينو”.

وجاء في أحد تقارير المبشرين اليسوعيين الخاص بنفس الواقعة:
“تجرد أحد الهمج – المقصود به أحد رجال الإينو – من ملابسه تماماً، وألقى بردائه على الصبي الفرنسي، وصرخ موجهاً حديثه للرجل الموكل بتنفيذ عقوبة الجلد: إذا كنت لابد فاعلاً، فلتجلدني بدلاً منه. وهكذا نجا الصبي من العقوبة”.

عبّر قائد “سيوكس العظمى” زعيم الهنود الحمر “سيتينج بول” أو “الثور الجالس”(4) عن ازدرائه للممارسات الأخلاقية والاقتصادية للمستوطنين البيض أمام المجلس المحلي عام 1877 قائلاً:
“إن هدفهم هو الأرض، إنهم مرضى بحب التملك. هؤلاء الناس وضعوا العديد من القواعد التي يمكن للأغنياء كسرها، أما الفقراء فلا يجوز لهم ذلك. إنهم يفرضون الضرائب على الفقراء والضعفاء لدعم الحكام الأثرياء. إنهم يزعمون أن أمنا جميعاً، الأرض، هي ملكية خاصة لهم، وهكذا يطردون جيرانهم بعيداً”.

لقد كانت “سيوكس العظمى” عبارة عن مجموعات بدوية تعيش على صيد الجاموس، لم تشهد فيما بينها أية تقسيمات طبقية، كما تجنبوا الزراعة. وبالمثل، عاش هنود الإينو، في وقت العقد الأوروبي، في مجموعات صغيرة. ووفقاً للمبشر اليسوعي “بول لوجون” فلم يكن لدى تلك المجموعات “أي تنظيم سياسي أو مكاتب ولا أية كرامة أو سلطة، إنهم فقط يطيعون زعيمهم عبر إظهار الولاء التام له. لذلك، فأنهم لم يتناحروا فيما بينهم أبداً رغبة في هذا المقام الرفيع.”

إن نظرة “الطبيعة البشرية” للعالم تفترض أن للبشر طبيعة ضمنية تتشكل وراثياً اعتماداً على خصائصهم الجسدية، تماماً كما في الحيوانات، حيث تتحكم طبيعتهم الجسدية في سلوكهم. ولكن السمات الجسدية للبشر – خاصة اعتدال القامة، وكبر حجم الدماغ، الأنامل المتحركة والمهارات اللغوية – منحتهم القدرة على خلق أدوات للتعامل مع بيئتهم وتمرير تلك المهارات إلى ذريتهم.

كما كتب كارل ماركس:
“يمكنك التمييز بين الإنسان والحيوان من خلال الوعي، أو الدين، أو أي شيء آخر تريد. لقد بدأ البشر في تمييز أنفسهم عن الحيوانات بمجرد أن بدأوا في إنتاج وسائل معيشتهم، من غذاء ومأوى وملبس”.

وراثياً، لم يتغير البشر على مدى الثلاثين ألف عام الماضية إلا بمقدار ضئيل جداً. ولكن، تغيرت تماماً أشكال التنظيم الاجتماعي، أي الطريقة التي ينظمون بها أنفسهم من أجل الحصول على الغذاء والمأوى والملبس وغيرها من الضروريات. وهذا ما يفسر الطبيعة المتغيرة للبشر من مجتمع إلى آخر. فكل شكل من أشكال التنظيمات الاجتماعية يتحلى بمجموعة من القواعد والمعايير الأخلاقية والسلوكية، أو ما يسمى بـ “الأعراف”.

منذ آلاف السنين، عاش الناس على ما تقدمه الطبيعة لهم. لم يكن لدى تلك المجتمعات الحاجة ولا القدرة على إنتاج فائض أكبر من إحتياجاتهم اليومية. ولكن منذ حوالي 5 أو 10 آلاف عام مضى، بدأ الناس في مناطق مختلفة من الأرض في تدجين الحيوانات وزراعة المحاصيل.

بدورها هيأت هذه العملية الفرصة لتكوين تجمعات بشرية أكبر حجماً وأكثر تركيزاً، وتطوير مستوطنات أكثر دواماً. وتلك التغيرات التي أطلق عليها ماركس اسم “قوى الإنتاج” للمجتمع غيرت بدورها شكل التنظيم الاجتماعي لتصبح ما يُعرف بـ “العلاقات الاجتماعية” في المجتمع.. بعبارة أخرى، بتغيير بيئتهم، يغيّر البشر أنفسهم.

هوامـــش:

1- اليسوعيون: هي رهبنة كاثوليكية أسسها إجناطيوس دي لويولا عام 1540. يعرف عضو هذه الجماعة باليسوعي نسبة ليسوع المسيح، ويبلغ عدد أعضاء هذه الجماعة حوالي 20 ألف فرد منهم أكثر من نصفهم يحملون الرتبة الكهنوتية، وبهذا يكون اليسوعيون أكبر جماعة رهبانية كاثوليكية للذكور في العالم. (المترجمة)

2- هنود الإينو: هم السكان الأصليين في كل من أمريكا الشمالية وكندا، والذي يضم معظم الأجزاء الشمالية الشرقية من مقاطعات كيبيك وبعض الأجزاء الغربية من لابرادور. عدد السكان في عام 2003 حوالي 18 ألف نسمة، منهم 15 ألفاً يعيشون في كيبيك و ثلاثة آلاف في لابرادور. (المترجمة)

3- إليانور يكوك: 1922-1987 عالمة أمريكية في الأنثروبولوجي، عملت على قضية المساواة بين الجنسين من خلال الحركة النسوية. (المترجمة)

4- الثور الجالس: محارب من الهنود الحمر عاش بين 1834 – 1890 وهو زعيم قبيلة هونكبابا. انتصر على خيالة الولايات المتحدة في معركة ليتل بيجهورن. تميز بفخره واعتزازه بنفسه وعدم ثقته بالرجل الأبيض وعزمه الشديد على طرد الأغراب ولم يوقع أي معاهدة مع الحكومة الأمريكية ولم يقبل الهدايا التي قدتمها الهنود الآخرون. (المترجمة)