بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

مستقبل اشتراكي

تصحو من نومك مكبلاً بالأغلال، الالتزامات تحاصرك والديون تخنقك رغم أنك تعمل طول اليوم أو تسعى للعمل الكريم ليل نهار، تدرس وتكافح وتملئ عشرات الاستمارات وتحتمل المهانة والقلق الدائم حتى تؤمن عيشاً إنسانياً لأطفالك، تخاف المرض لارتفاع كلفة العلاج، تخاف الاصطدام برؤسائك ولو كنت على حق، تخاف الشرطة –التي تصرف مرتباتها من عرقك- رغم أنك لم ترتكب أي جرم.. فأي مجتمع هذا؟

يتصور البعض أنه ناموس الكون، وأن الفقر والقهر قدر لا فكاك منه، ولكم بينما يرضخ المستضعفون ويتواكلون تصنع قلة من البشر أرباحها الدموية وتكتنز ثروات الأمم غير عابئة بوصايا الأديان وبالمثل النبيلة التي تحث على التكافل والتراحم بين البشر. هذا البؤس الذي يعيشه إنسان اليوم ليس بؤس القدر ولكنه البؤس الرأسمالي بعينه.

أقلية من الملاك ومليارات من العبيد بناءاً على تقسيم ظالم لا أساس له إلا الخديعة والعنف. نعم أنت محق فيما تشعر به من افتقاد للعدل والحرية في الأرض، ولكنك مخطئ إذا تصورت أنه قدر لا يمكن تغييره أو أنك غير قادر على تغيير هذا الوضع الخانق بيديك، لقد أسقطت الثورات الدينية مجتمعات العبودية، وأسقطت ثورات البرجوازية مجتمعات الإقطاع، وحان الآن إسقاط مجتمعات رأس المال التي أقامتها البرجوازية، نعم كانت كل مرحلة هامة لدفع البشرية للأمام على طريق الحضارة، ولكن حينما يستبد التناقض في جسد المجتمع القائم يشتعل الصراع بين أقطابه ويولد المجتمع الجديد.

جنة رأس المال.. جحيم البشر
لقد سقطت جنة الرأسمالية الكاذبة، عصفت بها الأزمات التي تصنعها بيديها، وتحول النظام “الحر” إلى فوضى مرعبة تهدد الفرد والمجتمع والبيئة، تحولت المنافسة الحرة إلى احتكارات خانقة وتقلص التقدم في الجوانب الروحية وفي علاقات البشر ببعضهم على حساب التقدم المادي. تكدست الثروات واختل التوزيع، ولأول مرة في التاريخ البشري يعاني الإنسان لا من الندرة بل من الوفرة نفسها. ملايين المواطنين يعيشون في عراء القاهرة بلا سكن، بينما يغلق الملاك ملايين الوحدات السكنية الفاخرة، ويتركوها خالية ليحافظوا على ارتفاع أسعارها!! تماماً كما ينتج ملاك الغذاء في العالم أضعاف أضعاف احتباجات جمبع البشر في العالم من الطعام، بينما يجوع خمس سكان الأرض ويتعرض مئات الملايين من الأطفال لسوء التغذية!! ويجني ملاك شركات الأدوية أرباح خيالية من الدواء الذي يوجه للقادرين على دفع الثمن وحدهم، بينما يموت بقية البشر مرضاً!!

يتشدق الرأسماليون بالديمقراطية بينما هم يحكمون الأرض بديكتاتورية لئيمة. يمنحونك الحق في اختيار من يقمعككل بضع سنين، بينما القرار متخذ سلفاً خارج البرلمان في دهاليز البنوك والبورصات. الرأسماليون يحكمون حركة المال فيشترون الذمم ليس لأنها طبيعة البشر ولكن لأنها طبيعة المجتمع الرأسمالي، الذي لا رقابة شعبية فيه على الانتاج والتوزيع ولا تحكم للجماهير في أرزاقها ولا سيطرة لها على حاكميها فيما يتخذونه من قرارات تمس أرواحهم سواء في العالم المتخلف أو “المتحضر” الذي نتابع فيه منذ عدة سنوات نمو الحركة المضادة للعولمة الرأسمالية، لم تعد للرأسمالية جنة الأرض لأنها توحد الآن العالم في جحيم الابتزاز.

واقعية الحل الاشتراكي
نريد ديمقراطية حقيقية وملكية عامة لوسائل الانتاج واقتصاداً مخططاً وتوزيعاً عادلاً للثروات وحق الجميع في العمل والراحة والسكن ومجانية في التعليم والعلاج وسلاماً عادلاً بين البشر.. هل يبدو هذا كلاماً مكرراً؟ نعم.. وكذلك الحرية والعدل.. لقد استشهد الملايين هنا وهناك دفاعاً عن هاتين الكلمتين ولازالتا جديرتين بأن يدافع عنهما المرء بكل قواه.. ليس تقديساً لهما ولكنلأن البديل هو الموت ظلماً وقهراً.

ولكنك ترى تجارب فاشلة “للاشتراكية” في الاتحاد السوفيتي وفي أوروبا الشرقية وفي مصر.. أنت محق في كونها فاشلة.. ولكنك مخطئ إذا تصورت أنها اشتراكية، فالاشتراكية ليست مجرد كلمة خيرة يطلقها الطغاة على نظمهم فتغدو حقيقة، فهي أيضاً قابلة لأن تكون كلمة فارغة بلا معنى مثل كلمة الديمقراطية على الطراز الرأسمالي، ولهذا فما يهمنا هو المعنى لا اللفظ.

الاشتراكية التي ندافع عنها هي سيطرة جماهير العمال والفلاحين على السلطة والثروة في المجتمع، عبر مجالسها الجماعية الديمقراطية. وذلك كانت له محاولات جادة عديدة على مدار القرن العشرين: روسيا في 1905 و1917، وألمانيا في 1919، وإيطاليا في 1921، والصين 1923، والمجر في 1956، وفرنسا في 1968، وتشيكوسلوفاكيا 1969، وتشيلي في 1972، والبرتغال في 1974، وإيران في 1979. أما التجارب التي سمت نفسها “اشتراكية” (الفاشلة منها، أو التي تدعي النجاح) الممتدة من الإمبراطورية السوفيتية إلى الديكتاتوريات العسكرية في العالم الثالث مروراً بالصين وكوبا ومصر الناصرية وغيرها، فهي ليست إلا نوعاً من الرأسمالية معروف باسم رأسمالية الدولة. حيث استخدم القطاع العام كآداة للنهب، مع استمرار الاستغلال وبقاء المجتمع الطبقي بأشكال مختلفة، وغاب أيمعنى للديمقراطية أو لسيطرة المؤسسات الجماهيرية، التي تعبئ وتنظم الطبقات الشعبية صاحبة المصلحة الحقيقية في المجتمع الجديد.

هذه الاشتراكية المزيفة هي لباس بلا جسد، فإذا كان غير وارد وجود ديمقراطية بلا اشتراكية أي بلا ديمقراطية اجتماعية، فإنه من المستحيل تحقق الاشتراكية بلا سيطرة فعلية للجماهير الكادحة على خطة الانتاج وتوزيع الثروة. وفي رأسمالية الدولة تكدح الجماهير دون أن تسيطر على حياتها، مجرد قوة عمل مأجورة يُلقى برأيها فيمزابل السلطة. ولهذا فهي مجرد محاولة لإحداث تنمية المجتمع المتخلف وتنمية استغلاله وبالتالي كما حدث بالفعل.

لكن هناك إرهاصات لاشتراكية أخرى تأتي على أكتاف الكادحين. إنها المحاولات التي تمت الإشارة إليها منذ قليل فيما حولته الرأسمالية وكتًابها غلى تاريخ منسي. اشتراكية المجالس العمالية التي جاءت منها كلمة سوفييت، هي الاشتراكية التي نقصدها. ليست اشتراكية الاتحاد السوفيتي من عام 1928 وحتى انهياره المنطقي في 1990 بل اشتراكية الدولة العمالية. السوفيتات من ثورة 1917 حتى بداية الثورة المضادة التي مضت في خط عكسي.

أهمية الطبقة العاملة
في الدستور المصري نص يحرم إنشاء الأحزاب على أساس فئوي. فمن الممنوع عندنا –عكس دول كثيرة- إقامة حزب للعمال. لماذا؟ لأنه قد يصبح أكبر تهديد لسلطة الرأسماليين، ومع ذلك فليس بالاسم وحده يحيا الحزب. ولهذا تحول حزب العمال في بريطانيا إلى حزب استعماري. كما أننا لا نستطيع الكف عن قتال حزب العمل الاسرائيلي لمجرد جاذبية الاسم.ومرة أخرى نتسائل: لماذا يحرم دستورنا بناء حزب عمالي؟

إن المحاولات المنسية المشار إليها كات محاولات عمالية بالأساس لضرب سلطة رأس المال، وقيادة الجماهير الكادحة جميعاً ضد الدولة الرأسمالية. لهذا كانت المعركة خطيرة على الدولة الرأسمالية لأن القتال اشتعل في ساحتها الخلفية، ومع جمهور عبيدها الذين يشيدون آيات عزها وطاغوتها بدمائهم، فإذا انتفضوا اهتزت أسس الاستغلال في المجتمع الرأسمالي وأضاء بصيص من المقاومة الممكنة، وانقسم الناس فوراً بين مؤيد ومعارض لدولة ومجتمع الرأسمالية أي بين غالبية من الكادحين وأقلية من التنابلة، وهنا يبدأ العنف. يبدأه التنابلة بالطبع لأنهم يستأجرون من يدافع عن مصالحهم كما يستأجرون من يتحدث باسمهم، ولهذا ليس في المجتمع الرأسمالي إعلام ولا برلمان ولا قوات مكافحة شغب… إنها جميعاً دمى تتحرك بأوامر الرأسماليين.

في كل محاولة عمالية لمواجهة رأس المال مواجهة شاملة تتفتح طل الجراح الاجتماعية، ينتفض الفلاحون والطلبة والمهنيون والعاطلون والفقراء جميعاً وسائر المضطهدين. وتطرح معهم قضايا الأقليات والمرأة من منظور ثوري… لماذا ؟ لأن الطبقة العاملة تشل الانتاج فتعري الطبقة البرجوازية من سلاحها الأساسي، وتتحول معركة الأجور والأسعار إلى تساؤل عميق عن مراكز القوى والقرار في المجتمع. تظهر الدولة وقتها كآداة قمع برجوازية فيجد الجنود أنفسهم أقرب للعمال الثائرين من السادة المدافعين عن المجتمع الطبقي. وإذ يسعى العمال لتحرير أنفسهم فإنهم يرفعون الشعارات الكفيلة بتحرير بقية العبيد، ومن منظور شامل مثل السيطرة الجماعية على وسائل الثروة، وتخطيط الإنتاج، وتوجيه المنتجات صوب الجماهير.

أما أهم ما في الأمر فهو الأسلوب نفسه الذي يتم به التغيير، فالحركة العمالية لا تسعى لانقلاب بالجيش، ولا تقيم برلماناً بدلاً مما هو قائم، لكنها تقيم سلطة فورية قادرة على تنفيذ ما تدعو إليه: سلطة المجالس العمالية التي تتواكب معها مجالس الفلاحين واللجان الشعبية للأحياء الفقيرة. إنها تعطل القرار البرجوازي الفوقي بإقامتها لمراكز جديدة قاعدية لتقرير مصير أغلبية السكان. محيث يتشارك الجميع في تقرير حياتها تولد الديمقراطية الحقة، ويستمر بالطبع التمثيل النيابي لاستحالة اجتماع الملايين، لكن هؤلاء النواب لا يلتقون في نوادي الثرثرة البرلمانية بل في هيئات تنفيذية تراقبها الجماهير من مواقع عملها وسكنها مباشرةً وتستطيع دائماً استبدال نوابها فيها. هؤلاء النواب الذين لا يتقاضون إلا أجر العامل المتوسط. وهذه فقط هي الحكومة الشعبية. ولهذا تتخذ ثورة روسيا 1917- 1928 أهمية فائقة كبيان عملي وواقعي لما يمكن أن تنجزه الدولة العمالية من تحرير للبشر، كما يهمنا دراسة الثورة المضادة أيضاً لاكتساب مناعة ضد تحطيم هذا النموذج في المستقبل.

إلا أن كتاب هذه المجلة ليسوا من العمال، فلماذا يؤمنون بمركزية دور الطبقة العاملة هكذا؟
نعم نحن لسنا من عمال المصانع، ولكننا كبقية المأجورين في المجتمع المعاصر أصبحنا عبيداً لرأس المال، أنا وأنت نعمل في خدمة البرجوازية التي تقمعنا سواء بالعنف أو باللين. لم تعد لنا مصلحة في حكم البرجوازية، ولم يعد يفصلنا عن الطبقة العاملة إلا شهاداتنا المعلقة على الجدران. لم تعد من مصلحتنا ترميم المجتمع الطبقي لأنه يدهسنا، ولم يعد لنا إلا التبشير بحكم طبقة أخرى معادية للبرجوازية حتى النهاية –أي الطبقى العاملة بمعناها الواسع: كافة الجماهير الكادحة المأجورة. هنا سيصبح لنا دور في ذلك المجتمع عكس هامشية حياتنا الآن، سيصبح لنا رأي يُناقش، وعمل نافع لنا وللآخرين، ومسكن لا يطارده الملاك، وعلاج وقت الحاجة، وتأمين لحياة أطفالنا. وبدلاً من اكتئابنا المهين سنشارك بفاعلية في طرد المستعمر من بلادنا، وزراعة الصحراء، ومحو الأمية. وجيلاً بعد جيل ستُمجى الفوارق الطبقية في المجتمع الواحد. كما ستذوب الحدود بين بني البشر كافة. لن نكون نُسخاً مكررة من الإنسان البائس المعاصر، بل سيجد كل إنسان ذاته الحقيقية الملتحفة بحنان مجتمعه، حيث لا توجد عجائز تشقى، ولا نساء مدفوعات بالفحش، ولا صبية منتهكون في الورش. نحن لا ندعو للجنة على الأرض لكننا ندعو إلى التطور الذي هو شرع البشرية عبر تاريخها الطويل… وهذا ممكن ولازم.

قبل عدة آلاف من السنين كان التبشير بتحرير العبيد غريباً، وكذلك الاشتراكية اليوم. كان الأنبياء الاجتماعيون يطوفون الأرض دعوةً للمثل العليا فيتم اضطهادهم، وكذلك رفاقنا اليوم. قبل عدة مئات من السنوات كان التبشير بتحرير الفلاحين من ملاكهم الإقطاعيين جناية تستحق الحرق، ولكن الثورات اشتعلت ونجحت وتحركت البشرية خطوات للأمام… نعم ستكون هناك مشاكل بالتأكيد ولكن مشكلة المشاكل –المجتمع الطبقي- سوف يتم إعدامها.

سيتحول الخلاف إلى البحث عن أفضل الحلول للمجتمع لا للطبقة الحاكمة. ستكون هناك أحزاب ونقابات، ولن يتم تأميمها على الطراز الستاليني. سيستمر الجدل ولكنه سيوظف تلقائياً في خدمة الإنسان لا ضده. وسيدخل الناس علاقات حرة، حيث لا يمتلك إنسان إنساناً آخر. سيسقط الزيف، وسيكف الناس عن أن يصبحوا مجرد سلع.

الاشتراكية الآن
نريد حزباً عمالياً اشتراكياً يوحد ويقود الطبقة العاملة: يسقط القوانين المقيدة للحرية ويجيش الشعب ضد الاستعمار العالمي: يؤمم المصانع وآيات الثروة: يحل الدولة البرجوازية بمؤسساتها الرأسمالية ويقيم بدلاً منها دولة العمل حيث تنمحي البطالة وتتوزع الأعباء على القادرين جميعاً. نريد انفتاحاً حقيقياً على المجتمعات العربية ومواجهة حقيقية للصهيونية، ونريد امتداد هذه الحركة حتى آخر الأرض.

تسعى الرأسمالية للعولمة، أما نحن فنسعى للأممية… وبالرغم من أن الكلمتين تعنيان توحيد الكوكب إلا أن الجوهر متناقض. فهم يريدون توحيد الأرض تحت الاستعباد، ولكننا ندعو إلى توحيد البشرية على أرضية العدل والحرية… إننا ننطلق من مجتمعنا واثقين أن اندلاع الشرارة في أي من أجزاء هذه الغابة التي نعيشها سوف يقبه تردد الصدى. هكذا أشعلت فيتنام العالم، وهكذا فعلت الانتفاضة الفلسطينية الباسلة، وهكذا تستطيع المقاومة في العراق أن تفعل طالما تجتذب المزيد من الجماهير. من هنا تأتي أهمية ما سيحدث في مصر وتأثيره الكبير على مستقبل المنطقة، والعالم أيضاً (بمقدار ما سيحتدم نضال الشعوب العربية ضد الإمبريالية) هذا بسبب حجم الطبقة العاملة المصرية ومركزية دورها في التغيير. ومن هنا إذن يأتي الدور الهام للاشتراكيين الجدد في مصر.