بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

نظرية الإمبريالية: (2) نقد مسألة التبعية

ناقشنا في العدد السابق، كيف أن بدأت عملية التطور الرأسمالي في البلدان المتخلفة كنتيجة للتوسع التنافسي لمراكز التراكم الكبرى، والذي نتج عن الشكل الاحتكاري التمويلي الجديد للرأسمالية العالمية.

لقد بدأت الإمبريالية في اقتحام البلدان المتخلفة بحثًا عن المواد الخام والأسواق وعن مناطق جديدة لاستثمار رأس المال الفائض، وأدى هذا الاقتحام – الذي تم بطريقة الاستعمار المباشر – إلى تحطيم الأشكال قبل الرأسمالية وزرع بذور التطور الرأسمالي في تلك البلدان.

ولم تكن عملية التطور الرأسمالي في هذه البلدان مشابهة لمثيلتها في البلدان الرأسمالية الأم، إنما أخذت شكلاً للتطور مركبًا وغير متكافئ.

لقد شرحت نظرية الثورة الدائمة عملية التطور الرأسمالي المركب اللامتكافئ في البلدان الرأسمالية الأكثر تخلفًا – مثل روسيا في مطلع القرن الحالي – وطرحت إستراتيجية ثورية تربط بين المطالب الديمقراطية والثورة العمالية في تلك البلدان، هذه الإستراتيجية التي طرحها تروتسكي عام 1906 وتبناها لينين عام 1917، وعلى أساسها قامت ثورة أكتوبر بتدمير الدولة البرجوازية وبناء دولة عمالية ثورية.

وتسبب انتصار الثورة المضادة في روسيا في أواخر العشرينات، في أحداث تحولات سياسية هامة في نظرية الإمبريالية، فبدأ الكومنترن (الأممية الشيوعية الثالثة) في اعتبار الإمبريالية العائق الرئيسي للتنمية الرأسمالية في البلدان المتخلفة.

كان هذا التحول غاية في الأهمية لأنه عبر عن تغير استراتيجي وطبقي في الحركة الشيوعية، وتزامن مع تحولين استراتيجيين أساسيين للحركة، الأول هو التحول من سياسة الثورة البروليتارية العالمية إلى سياسة بناء الاشتراكية في بلد واحد، والثاني التحول من سياسة الثورة الدائمة إلى سياسة الثورة على مراحل، التي تفصل بين مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية ومرحلة الثورة الاشتراكية وهي السياسة التي انتهجها المناشفة في معارضتهم لثورة أكتوبر.

كان مشروع ثورة أكتوبر هو الثورة العمالية العالمية، بهدف إسقاط النظام الرأسمالي العالمي عبر سلسلة من الثورات العمالية تحطم المراكز الرأسمالية الرئيسية في أوروبا وأمريكا، وبالتالي البدء في تحويل نمط الإنتاج عالميًا من الرأسمالية إلى الاشتراكية من خلال فترة انتقالية هي فترة ديكتاتورية البروليتاريا.

وأدى انحسار الموجة الثورية الأوروبية في العشرينات وانتصار الثورة المضادة في روسيا للتحول في السياسة السوفيتية إلى التعايش مع الرأسمالية العالمية تحت شعار بناء الاشتراكية في بلد واحد، وتزامن هذا التحول مع نمو حركات التحرر الوطني في البلدان المتخلفة والمستعمرات – وهي بلدان في تلك المرحلة كانت قد قطعت خطوات لا بأس بها في طريق التطور الرأسمالي -، وقد أخذت الحركات الوطنية في الدول المتخلفة أشكالاً متعددة، حسب درجة التطور الرأسمالي في كل بلد على حدة، وحسب علاقته بالإمبريالية العالية.

إلا أن الملاحظ أن العديد من هذه الحركات أخذت شكلاً راديكاليًا (مثل كوبا وفيتنام)، ويرجع ذلك بالأساس إلى نكوص البرجوازيات المحلية في حالات عديدة عن أن تقود التحالف الطبقي للحركة الوطنية، وهو الأمر الذي يفسر بطبيعة الصراعات الطبقية المحلية ومخاوف البرجوازيات المحلية وضعفها.

أيا ما كان الأمر الأمر، فلقد كانت النتيجة المنطقية للطابع الراديكالي لحركات التحرر الوطني، أن أصبح الجو ممهدًا في أوساط مثقفي تلك الحركات لإنتاج واستقبال أيديولوجيا التبعية، فهي في مضمونها الطبقي تغير خر تعبير عن المشروع السياسي الوطني الذي دافع عنه المثقفون الراديكاليون طوال مرحلة التحرر الوطني.

واستطاع المشروع السياسي لمنظري التبعية أن يعبر عن المضمون الطبقي لحركات التحرر الوطني الراديكالية في إطار ثلاثة محاور رئيسية:

1. الثورة الوطنية الديمقراطية.
2. فك الارتباط مع الإمبريالية.
3. التنمية المستقلة.

ولقد أثبتت أحداث الخمسينات والستينات أن المضمون الحقيقي لهذا المشروع هو رأسمالية الدولة بأشكالها ودرجاتها المختلفة، فالتنمية المستقلة لم تكن إلا التنمية الرأسمالية المستقلة، وهذا يتناقض بشكل جذري مع المشروع الثوري الاشتراكي، الذي يقوم على إنجاز التحول إلى الاشتراكية عبر سلسلة من الثورات العمالية في البلدان المختلفة، تقاس درجة نجاحها بتحقيقها لسلطة الطبقة العاملة وبقدرتها على الانتشار عالميًا حتى تحطم الدولة البرجوازية في المراكز الإمبريالية المتقدمة.

لقد تحولت نظرية الإمبريالية من وسيلة لفهم مرحلة من مراحل تطور الرأسمالية العالمية يتم فيها تصدير رأس المال التوسع الرأسمالي التنافسي خارج نطاق المراكز التراكمية المتقدمة إلى وسيلة لفهم إعاقة التنمية الرأسمالية في البلدان المتخلفة.

ولم يبدأ التنظير لهذا التحول إلا بعد الحرب العالمية الثانية، بظهور سلسلة من نظريات التخلف تحاول تفسير الآليات التي تتم من خلالها إعاقة التنمية الرأسمالية في البلدان التي بدأوا يطلقون عليها العالم الثالث.

وكان أول منظري التخلف من الاقتصاد الماركسي الأمريكي بول باران، الذي طرح أن التخلف هو نتاج للرأسمالية نفسها، وليس نتاج لأنماط الإنتاج ما قبل الرأسمالية التي كانت تهيمن في البلدان المتخلفة، ولقد أدى تطور الرأسمالية من وجهة نظره إلى انشطار العالم إلى شطرين، هما البلدان الرأسمالية المتقدمة والبلدان الرأسمالية المتخلفة، والتفاعل بين هذين الشطرين يتم على ثلاثة مستويات، هي التجارة وحركة الفائض والهيمنة السياسية.

فقد رأى أن حركة التجارة توفر بالنسبة للدول المتقدمة مصادر رخيصة للمواد الأولية، كما يؤدي التنافس الذي يخلقه استيراد المنتجات الصناعية من الدول المتقدمة إلى عرقلة النمو الصناعي في الدول المتخلفة، وتتسبب حركة الفائض والتي تأخذ شكل أرباح متنقلة إلى الدول المتقدمة في حرمان الدول المتقدمة فلقد أدت إلى زرع ودعم حكومات في الدول المتخلفة تقوم بتشجيع الاستثمار الأجنبي وعرقلة ووقف التنمية المحلية.

ولقد طرح باران أن الفترة السابقة على الاستعمار الأوروبي شهدت نمط إنتاج واحد على النطاق العالمي، وطبيعة اجتماعية وسياسية متشابهة في البلدان المتخلفة، ويمكن تلخيص هذا النمط تحت مسمى نمط الإنتاج الإقطاعي، وعلى الرغم من الفوارق الأساسية بين المناطق المختلفة، فقد دخل هذا النمط عند مرحلة معينة من تطوره في عملية انحلال وتفكك سمحت بإمكانية تطور رأسمالي.

ويجب هنا ملاحظة اختلاف هذه الرؤية عن رؤية ماركس في أن نمط الإنتاج الإقطاعي كان خاصًا بأوروبا، وأن أنماط الإنتاج قبل الرأسمالية خارج أوروبا كانت مختلفة عن الإقطاع مثل نمط الإنتاج الأسيوي مثلاً، واعتبر ماركس أن هذه الاختلافات بين أنماط الإنتاج قبل الرأسمالية هي التي أدت إلى ظهور الرأسمالية في أوروبا وتأخرها في آسيا وبقية العالم.

رأى باران أن هناك ثلاثة عوامل أساسية أسهمت في ظهور الرأسمالية، أولاً: زيادة في الإنتاج الزراعي تقابله عمليات طرد واسعة للفلاحين من الأرض، ثانيًا: نمو وتطور الإنتاج السلعي وتقسيم العمل، ثالثًا: مراكمة رأس المال من قبل التجار والفلاحين الأغنياء. ولقد أعطى باران أهمية خاصة للعامل الثالث، الذي رأى أن تطوره السريع في أوروبا هو الذي خلق الأساس الاقتصادي للتوسع الأوروبي، وبالتالي امتصاص الفائض المستخرج من بقية أنحاء العالم، على عكس العاملين الأول والثاني الذي كان تطورهما متساويًا على مستوى العالم قبل الرأسمالي كله، وفي النهاية أصبح العالم ينقسم في فترة الاستعمار إلى بلدان غنية وبلدان فقيرة.

وللتدليل على وجهة نظره قارن باران بين الهند واليابان، حيث ظلت الهند متخلفة اقتصاديًا بسبب نهب واستغلال الاستعمار البريطاني لها، أما اليابان والتي ظلت مستقلة، استطاعت أن تتحول إلى قوى رأسمالية كبرى.

المهم في رأيه أن الاستعمار خلق مجموعة من الخصائص المشتركة في البلدان المتخلفة، وأدت العلاقة البنيوية بين هذه الخصائص على إعاقة التطور الرأسمالي والتنمية. وأهم هذه الخصائص في رأيه هي:

1. وجود قطاع زراعي كبير وشديد التخلف يهيمن عليه الإنتاج الفلاحي الصغير وتعيش على أساسه طبقة من ملاك الأراضي.

2. وجود قطاع صناعي صغير ومتقدم نسبيًا ينتج لسوق محلي محدود وعدد من المشروعات المنتجة للتصدير تكون عادة مملوكة لرأس المال الأجنبي.

3. وجود قطاع تجاري واسع تتحكم من خلاله الرأسمالية التجارية في التجارة الخارجي، ويرتبط عضويًا برأس المال الأجنبي.

إن تفسير باران لعدم حدوث نمو صناعي سريع في البلدان المتخلفة، هو جوهر تفسيره لظاهرة التخلف ككل، حيث يؤدي التنافس الخارجي وضيق الأسواق المحلية بسبب ضآلة الاستهلاك الجماهيري، إلى إعاقة الصناعات الوليدة وعرقلة التنمية الصناعية، وبالتالي تتحول سريعًا الصناعات القليلة الموجودة إلى الاحتكار، مما يؤدي بدوره إلى عرقلة التوسع الرأسمالي والتنمية.

كان باران يعتقد أن الدولة في البلدان المتخلفة تقع تحت سيطرة البرجوازية الكومبرادورية التي ترتبط مصالحها أساسًا بمصالح الشركات الأجنبية، حيث تقوم الدولة عادة بتقديم تسهيلات لتلك الشركات، وتمكنها من استغلال المصادر الطبيعية (البترول، المعادن، المنتجات الزراعية).

وأيضًا فإنها – الدولة في البلدان المتخلفة – تقوم بإنفاق جزء كبير من الفائض الاقتصادي في خلق جهاز بيروقراطي متضخم، وبناء طرق ومطارات وتجهيزات عسكرية، في حين يخصص جزء ضئيل من الفائض في تطوير وتحديث وتوسيع قطاعات الصناعة والزراعة.

وبناءًا على الرؤية السابقة استنتج باران أن الطريق الوحيد أمام البلدان المتخلفة للتخلص من تخلفها، هو الانفصال عن المنظومة الرأسمالية العالمية والتخلص من البرجوازية الكومبرادورية الحاكمة والمضي قدمًا في طريق التنمية “الاشتراكية” المستقلة.

أي أن بول باران حقق على المستوى الاقتصادي النظري ما حققته الستالينية على المستوى السياسي الملموس، أي تحويل النظرية الماركسية من نظرية الثورة العمالية العالمية، إلى نظرية الثورة الوطنية، واكتسبت الاشتراكية معنى “جديدًا” فقد أصبحت تعني انفصال البلدان المتخلفة عن السوق الرأسمالي العالمي وتحقيق التنمية “الرأسمالية المستقلة”.

ويمكننا تلخيص التحول الذي أحدثه باران في النظرية الماركسية للإمبريالية في النقاط التالية:

1. لم يعد مفهوم التخلف يرتبط فقط بالمستعمرات وإنما أصبح يشير أيضًا إلى البلدان المستقلة المتخلفة.

2. التخلف ليس نتيجة أنماط الإنتاج قبل الرأسمالية ولكنه نتيجة الشكل الذي أخذه التطور الرأسمالي نفسه.

3. النظام الرأسمالي ليس نظامًا متجانسًا ولكنه نظام تراتبي عالمي يتم فيه استغلال البلدان الأقل تقدمًا من قبل البلدان المقدمة.

4. تتم عملية الاستغلال هذه من خلال نقل جزء من الفائض الاقتصادي التحقق في الدول المتخلفة إلى الدول المتقدمة ومن خلال تبذير جزء آخر من هذا الفائض على استهلاك الطبقة الكمبرادورية الحاكمة.

5. تقف الإمبريالية ضد تصنيع الدول المتخلفة وتحاول مساندة وتأييد البرجوازيات الكمبرادورية المحلية.

6. لم تعد الرأسمالية، في مرحلتها الاحتكارية، قوة ديناميكية وتوسعية بل أصبحت تؤدي إلى الركود خاصة في البلدان المتخلفة ولذا يجب على هذه البلدان التخلي عن “الرأسمالية” و”انتهاج الطريق الاشتراكي” للتنمية.

ولقد ظلت تصورات باران محصورة في المجال الأكاديمي الضيق إلى أن بدأ “أندريه جوندو فرانك” في تطويرها والتوسع في تطبيقها وفي استخدامها لتحليل وضع بلدان أمريكا اللاتينية.

طرح فرانك أن الرأسمالية قد توسعت من نقطة انطلاقها في أوروبا واستطاعت إدماج العالم كله في نظام اقتصادي واحد ينقسم إلى سلاسل من المراكز الأطراف ويتم من خلال البنية الاحتكارية للنظام ككل، الاستيلاء على الجزء الأكبر من الفائض الاقتصادي المنتج في الأطراف من قبل المراكز المحلية والإقليمية والعالمية.

ويستقر هذا الفائض في المراكز الإمبريالية بعد مروره عبر سلسلة المراكز والأطراف. وفي رأي فرانك فإن هذه العملية تؤدي إلى نتيجتين أساسيتين: أولاً: أن العملية التاريخية الموحدة للتوسع الرأسمالي العالمي تؤدي إلى تنمية مستمرة في المراكز وتخلف مستمر في الأطراف. وثانيًا: أن التنمية في المراكز تحتم التخلف في الأطراف.

تتضمن نظرية فرانك عن العلاقة بين المراكز والأطراف العناصر الآتية: أولاً أن البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للأطراف مرتبطة ارتباط وثيق بتلك الموجودة في المراكز. ثانيًا: أنه لا يمكن تحقيق تنمية مستقلة في أي من دول الأطراف. وأنه كلما قويت تلك الروابط كلما زاد التخلف في الأطراف.

لا يشكل التخلف بالنسبة لفرانك مرحلة سابقة على التنمية الرأسمالية حيث أنه يرى أنه من الواجب عدم الخلط بين حالة التخلف وحالة عدم وجود تنمية. يعد كل من التخلف والتنمية جانبان من نفس العملية. لقد طرح فرانك هذه الفكرة من خلال مفهوم “تنمية التخلف” وحاول استخدام هذا المفهوم في تحليل التطور التاريخي لتشيلي والبرازيل. يرى فرانك أن هذين البلدين، ومعهما باقي بلدان أمريكا اللاتينية، قد أصبحتا أطرافًا للمراكز الأوربية والأيبرية بدءًا من القرن السادس عشر. ويعتقد فرانك أنه لا بد من اعتبارهما بلدان رأسمالية متخلفة منذ لحظة استعمارهم أي منذ لحظة دخولهم في بنية النظام الاحتكاري الاستغلالي العالمي.

ويزعم فرانك أنه حتى القطاع الزراعي، وهو أكثر القطاعات تخلفًا في أمريكا اللاتينية، يعد قطاعًا رأسماليًا وليس إقطاعيًا أو قبل رأسمالي حتى إذا كان يقوم على علاقات إنتاج قبل رأسمالية. والسبب الأساسي لهذا الزعم هو أن نمط الإنتاج بالنسبة لفرانك يتحدد على أساس الارتباط بالسوق الرأسمالي الاحتكاري وليس على أساس علاقات الإنتاج كما ترى النظرية الماركسية الثورية.

ويستنتج فرانك من هذا الطرح النظري استنتاجًا سياسيًا هامًا مفاده أنه إذا كانت الدول المتخلفة دولاً رأسمالية وليس فيها أية قطاعات قبل رأسمالية فإنه يكون من الخطأ أن تطرح أحزاب اليسار في أمريكا اللاتينية والعالم الثالث بشكل عام مشروع الثورة الوطنية الديمقراطية، أي الثورة البرجوازية التي تقوم بالقضاء على بقايا الإقطاع كمرحلة أولية. وهذا لأنه فيما يرى فرانك قد تم القضاء على الإقطاع بالفعل لحظة ارتباط اقتصاد هذه الدول بالنظام الرأسمالي العالمي. ولذا فإن استنتاج فرانك يقضي بضرورة وحتمية طرح مشروع الثورة الاشتراكية على جدول أعمال اليسار في العالم الثالث.

ولكن ماذا يعني فرانك بالثورة الاشتراكية؟ هل يعني تدمير الدولة البرجوازية وقيام ديكتاتورية البروليتارية في إطار سلسلة من الثورات العمالية تحطم الرأسمالية العالمية وتبدأ في الشروع بالانتقال إلى الاشتراكية على المستوى العالمي كما طرح ماركس وإنجلز ولينين وتروتسكي وروزا لوكسمبورج؟ بالطبع الإجابة على هذا السؤال بالنفي فكل ما يعنيه فرانك بالثورة الاشتراكية هو القيام بعملية فك الارتباط مع السوق العالمي والبدء في مشروع تنمية رأسمالية مستقلة بقيادة الدولة. هذه اشتراكية جوندر فرانك التي لا يربطها مع اشتراكية كارل ماركس إلا الاسم.

ثم تطوير وتعميق أفكار باران وفرانك والتي عرفت باسم “نظرية التبعية” من خلال إسهامات اريغي إيمانويل وسمير أمين الذين قاما ببلورة نظرية “التبادل اللامتكافئ” في محاولة منهما لتفسير ظاهرة التخلف تفسيرًا اقتصاديًا.

كان فرانك قد اعتمد في شرحه للطريقة التي يتم بها نقل الفائض الاقتصادي في الأطراف إلى المراكز على مقولات مدرسة “اللجنة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية” وعلى أعمال الاقتصادي “بول بريبش”. طرح هؤلاء أن التبادل بين المركز والأطراف تبادل غير متكافئ. فالتبادل يتم بين منتجات صناعية تنتج في المركز ومواد خام تستخرج في الأطراف. يحتكر المركز إنتاج السلع في حين لا يوجد أي احتكار للمواد الخام في أي دولة من دول الأطراف. لذا يتم بيع المواد الخام بأقل من قيمتها وبيع المنتجات الصناعية بأكثر من قيمتها. إذن، فالاستغلال يتم كما رأوا من خلال تبادل منتجات صناعية منتجة في المراكز ومقومة بأعلى من قيمتها بمواد منتجة في الأطراف ومقومة بأقل من قيمتها.

قام إيمانويل بنقد هذا التحليل على أساس أن الأدلة التي اعتمدت عليها هذه المدرسة غير دقيقة وطرح تحليلاً مختلفًا لعملية التبادل اللامتكافئ.

زعم إيمانويل أن هناك نوعية من البلدان يتم استغلالها في عملية التبادل بغض النظر عن طبيعة منتجاتها (مواد خام أو سلع مصنعة). يكمن السبب في ذلك في أن هناك حرية حركة للسلع ولرأس المال على المستوى العالمي في حين أن العمل يظل ثابتًا ويعني هذا أن هناك عملية تكافؤ للأرباح عالميًا في حين يختلف سعر قوة العمل من بلد لبلد على أساس اختلاف الظروف التاريخية.

وقد قدر إيمانويل أن الأجور في المراكز تصل إلى حوالي 15 ضعف قدر الأجور في الأطراف وأن هذا هو السبب الجذري وراء التبادل اللامتكافئ والذي بواسطته ينتقل فائض القيمة من الأطراف إلى المراكز وهو ما يؤدي إلى عرقلة التنمية في الأطراف.

إن استمرار ارتفاع الأجور في المراكز في رأي إيمانويل، يعتمد على استمرار انخفاض الأجور في الأطراف. ويعني هذا بالنسبة لإيمانويل أن الطبقة العاملة في المركز لها مصلحة في التبادل اللامتكافئ مع الأطراف وفي استمرار تدني الأجور هناك. يقول إيمانويل أن التناقض بين الدول الغنية والفقيرة قد حل محل التناقض بين الطبقات في داخل دول المركز وهذا ما يفسر عدم وجود وعي ثوري لدى عمال أوروبا. وهكذا فعلى الرغم من أن إيمانويل يرى أن الصراع الطبقي لم يختف إلا أنه يرى أنه بالتأكيد قد أصبح ثانويًا. يزعم إيمانويل أن العمال في المراكز الغنية قد أصبحوا مدركين أنهم مستفيدون من استغلال رأسمالياتهم المحلية لدول الأطراف. وقد أدى هذا إلى خلق ما يمكن تسميته “بالجبهة المتحدة بين العمال والرأسماليين في الدول الغنية”. هذه الجبهة موجهة ضد الدول الفقيرة أساسًا. هذا لا ينفي استمرار أشكال “ثانوية” من النضال النقابي في دول المركز لتقسيم “الغنائم” بين العمال والرأسماليين.

عمل سمير أمين على تطوير نظرية التبادل اللامتكافئ لإيمانويل في محاولة منه لإكسابها طابعًا أكثر تكاملاً وشمولاً. طرح سمير أمين في محاولته لفهم التراكم على النطاق العالمي بعض التعديلات على نظرية إيمانويل فهو يتفق مع إيمانويل في أطروحاته العامة واعتبر أنه، أي إيمانويل، قد اكتشف أهمية أن العالم كله قد أصبح ينضوي تحت لواء نظام رأسمالي موحد. ولكنه يختلف مع إيمانويل في مسألة اعتبار الأجور متغير مستقل ويطرح أن مستوى الأجور يتحدد على أساس الصراع الطبقي “العامل الذاتي” الذي يحدث في إطار تحكمه ظروف التراكم الرأسمالي “العامل الموضوعي”. ويضيف أمين، أيضًا، عامل الإنتاجية كأحد العوامل المحددة للتبادل المتكافئ ويقول أن التعريف الصحيح للتبادل اللامتكافئ هو: “تبادل السلع التي يكون في عملية إنتاجها الفارق في الأجور أكبر من الفارق في الإنتاجية”.

يؤكد أمين على أن العامل في البلدان المتخلفة يستغل بدرجة أكبر من العامل في الدول المتقدمة، أي أن الفائض الذي يستخرج منه أعلى. ويؤدي هذا إلى انتقال جزء من الفائض المنتج في الدول المتخلفة إلى الدول المتقدمة. وهذا لا يعني بالنسبة لأمين، كما كان يعني بالنسبة لإيمانويل، أن عمال الدول المتقدمة يستفيدون من هذه العملية. فسبب الأجور العالية في المراكز يرجع أساسًا للمستوى المرتفع للإنتاجية هناك كنتيجة لتقدم القوى الإنتاجية. ولكن، رغم هذا، فإن الاستنتاج الذي يصل إليه أمين قريب جدًا من طرح إيمانويل. فعلى الرغم من أنه يقول أن التناقض الآن هو تناقض بين البروليتاريا العالمية والبرجوازية العالمية إلا أنه يعرف البروليتارية العالمية على أنها أساسًا بروليتاريا الأطراف لأنها الأكثر تعرضًا للاستغلال ويعرف البرجوازية العالمية على أنها أساسًا برجوازية المركز لأنها مهيمنة على عملية التراكم العالمي.

إن النظام الرأسمالي العالمي بالنسبة لأمين ليس نظامًا متجانسًا. فهناك اختلاف جوهري في شكل عملية التراكم والتطور الاقتصادي والاجتماعي فيما بين نموذجي الدول المتقدمة (الذي يطلق عليه أمين اسم النظام المتركز حول ذاته) ونموذج الدول المتخلفة (والذي يسميه أمين باسم نظام الأطراف). يعمل نموذج النظام المتمركز حول ذاته، والذي ينطبق على حالة تطور الرأسمالية في دول أوروبا والولايات المتحدة واليابان، على النحو التالي:

يحدد معدل فائض القيمة على أساس مستوى القوى الإنتاجية. وعلى أساس هذا المعدل يتم تحديد توزيع الدخل القومي بين الأجور والأرباح. وتمثل الأجور المصدر الأساسي للطالب على سلع الاستهلاك الجماهيري في حين تمثل الأرباح المصدر الأساسي للادخار والاستثمارات الجديدة. وتؤدي الزيادة في معدل فائض القيمة إلى انخفاض الطلب في حين يؤدي انخفاض معدل فائض القيمة إلى انخفاض مستوى الاستثمار وبالتالي إلى زيادة معدلات البطالة.

في ظل تزايد احتكارية رأس المال وخلق حركة نقابية عمالية قوية نشأ نوع من “العقد الاجتماعي” بين رأس المال والعمل المأجور بحيث ترتبط الزيادة في الأجر بالزيادة في الإنتاجية وبهذا يكون هناك حالة مستمرة من التوظيف الكامل للعمالة. ويتم التعبير عن هذا “العقد الاجتماعي” من خلال الأيديولوجيا الاشتراكية الديمقراطية التي تساهم في إدماج العمال في النظام. ويؤدي ارتفاع الأجور الناجم عن تطور الإنتاجية إلى زيادة الطلب ما يعني إنعاش لدورة رأس المال.

يصل سمير أمين عبر هذا التحليل إلى ثلاثة استنتاجات هامة. الأول هو أن نظام التراكم المتمركز حول ذاته يتماشى مع زيادة منتظمة في الأجور. الثاني هو أن هذا التراكم يقضي على الأشكال الما قبل رأسمالية للإنتاجية. والثالث هو أن التراكم المتمركز حول ذاته يؤدي إلى انخفاض معدلات الربح الأمر الذي يتم مواجهته من خلال الإمبريالية واستغلال دول الأطراف.

أما نموذج التراكم في نظام الأطراف فهو، فيما يرى أمين، يختلف جذريًا عن التراكم المتمركز حول ذاته. إذ يتم الاعتماد في هذا النموذج على قطاع تصديري وهو ما يؤدي إلى نشوء صناعة موجهة لخدمة الاستهلاك الترفي. لقد نشأ هذا النموذج بفعل دفع دول المركز وقد تم بناء القطاع التصديري بهدف تحقيق أرباح أعلى باستخدام مواد خام رخيصة. ولذلك ففي هذا النموذج تختفي العلاقة الارتباطية بين مستوى قوى الإنتاج ومستوى الأجور. إذ لا بد لأجور عمال الأطراف أن تكون أقل كثرًا من الأجور في المركز كشرط ضروري لتطوير القطاع التصديري. ويتم ذلك من خلال الإبقاء على أنماط الإنتاج الما قبل رأسمالية خاصة في الزراعة حتى تمد المدن بقوة عمل رخيصة. وينتج عن هذا النموذج أن تحقق الشروط الضرورية لوجود تبادل لا متكافئ بين دول المركز ودول الأطراف ويرى أمين أن هذا التبادل اللامتكافئ يعرقل عملية التراكم الرأسمالي في الأطراف في نفس الوقت الذي لا يمثل فيه الفائض المتنقل أهمية كبيرة لدول المركز.

أن أخطر ما في أطروحات سمير أمين هو عواقبها السياسية. إذ تفضح استنتاجاته السياسية مدى زيف ادعاءاته الثورية ومدى بعد الشقة بينه وبين الماركسية الثورية وبينه وبين اقتصاد ماركس على حد سواء. وتتلخص تلك العواقب السياسية في العناصر التالية: أولاً أن الصراع الطبقي لا يمكن أن يتم فهمه إلا على مستوى عالمي لا المستوى القومي فهو صراع بين بورجوازيات المركز وبروليتاريا الأطراف (وليس كما طرح ماركس صراعًا بين البروليتاريا في كل بلدان العالم والبرجوازية في كل بلدان العالم. ثانيًا أن قوى الاشتراكية قد انتقلت من المراكز إلى الأطراف.

نقد التبادل اللامتكافئ:
هناك مشاكل عديدة في نظرية التبادل اللامتكافئ من وجهة نظر الماركسية الأرثوذكسية، وسنحاول هنا التعرض لبعضها..

تعرف الماركسية عملية الاستغلال في نمط الإنتاج الرأسمالي بأنها عملية استخراج فائض القيمة من العمل المأجور في عملية الإنتاج الرأسمالي. وعلى النقيض من هذا يستخدم منظروا التبعية مفهوم الاستغلال بشكل مختلف. فهم ينقلون الاستغلال من مجال الإنتاج إلى مجال التبادل مما يؤدي إلى أن تصبح العلاقة التجارية بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة علاقة استغلال وعلى ذلك يفرغ مفهوم الاستغلال من مضمونه العلمي.

المشكلة الأخرى المتعلقة بمفهوم الاستغلال هي اعتقاد منظرو التبعية أن العامل في البلدان المتخلفة يستغل أكثر من العامل في البلدان المتقدمة. وهذا يتناقض مع الفهم الماركسي لعملية الاستغلال فإذا كان الاستغلال هو استخراج فائض القيمة، وهذا يتحدد على أساس الفارق بين القيمة الكلية لإنتاج العمل والقيمة التي يحصل عليها العامل في شكل أجر، فإن هذا يعني أن العامل في البلدان المتقدمة يستغل أكثر من مثيله في البلدان المتخلفة لأن إنتاجية العامل أعلى كثيرًا في الدول المتقدمة (نظرًا لارتفاع مستوى القوى الإنتاجية) مما يعني أن معدل الفائض المستخرج من العامل في دول المركز أعلى في الدول المتقدمة من مثيله في الدول المتخلفة حتى إذا كان أجر ومستوى معيشة العامل في المراكز أعلى بكثير من المتحقق في الأطراف. يقول ماركس في هذا الصدد: “يمكننا أن نلاحظ في كثير من الحالات أن الأجر اليومي أو الأسبوعي في (الدول المتقدمة) يكون أكبر من مثيله في (الدول المتخلفة)، في نفس الوقت الذي يكون فيه السعر النسبي للعمل – أي سعر العمل مقارنًا بفائض القيمة وبقيمة المنتج – أعلى في (الدول المتخلفة) من مثيله في (الدول المتقدمة).

إن الفهم العلمي لمفهوم الاستغلال يؤدي بأي ماركسي ثوري إلى القول بأن الاستغلال في البلدان المتقدمة أشد كثيرًا منه في البلدان المتخلفة وهذا هو بالضبط عكس ما يعتقده منظرو التبعية وهذا بالضبط أيضًا ما يفضح الطابع اللا ثوري لمشروعهم السياسي.

إن المسألة لا تتعلق بدرجة الفقر أو الرفاهية. فالفائض الذي يمكن استخراجه من عامل منهك صحيًا وغير متعلم ويستخدم آلات متخلفة سيكون بالتأكيد أقل من الفائض المستخرج من عامل متعلم وفي صحة جيدة ويستخدم آلات حديثة.

إن الخلط الذي يقع فيه أقطاب مدرسة التبعية هو نتيجة عدم التفرقة بين فائض القيمة المطلق وفائض القيمة النسبي فمن الفترة الأولى من تطور الرأسمالية الصناعية في أوروبا كانت الرأسمالية تزيد من الفائض المستخرج من خلال إطالة يوم العمل وتخفيض الأجر لأقصى درجة ممكنة. وقد عرف ماركس هذا النوع من الاستغلال بفائض القيمة المطلق. ولكن لأن هذه العملية لها سقف محدد هو أن يوم العمل لا يمكن إطالته عن حد معين ولا يمكن تخفيض الأجر عن الحد الأدنى الذي يوفر للعامل ما يحتاجه للبقاء بيولوجيًا، فقد اتجه الرأسماليون إلى رفع معدل الاستغلال من خلال تطوير الميكنة وبالتالي زيادة إنتاجية العامل، وهو ما جعلهم قادرين على زيادة الفائض بدون تخفيض الأجر أو إطالة يوم العامل وهذا يعد في تعريف ماركس استخراجًا لفائض قيمة نسبي.

كانت إحدى نتائج هذا التغيير أن أصبح الرأسماليون محتاجين لمستوى مختلف من العمال. فالميكنة الحديثة تستلزم عمال متعلمين وقادرين على التركيز الذهني لفترات طويلة وهذا بدوره يستلزم مستوى معيشة أعلى للعمال بما يحقق للعمال الراحة الكافية والظروف المعيشية المناسبة لإعادة إنتاج قوة عملهم المتميزة تلك.

إن النضال النقابي يلعب دور بالطبع في رفع الأجر ولكن هذا يحدث في الحدود والإطار الذي تسمح به عملية التراكم الرأسمالي. ففي فترات الازدهار النسبي للرأسمالية تستطيع النقابات أن ترفع الأجور ولكن ليس للدرجة التي تؤثر بالسلب على المقدرة التنافسية لرأس المال وفي فترات الأزمة الاقتصادية تحاول الرأسمالية تخفيض الأجور ولكن ليس للدرجة التي تؤثر في احتياجات العامل لأجل إعادة إنتاج قوة عمله. هذه هي الحدود التي يتحرك فيها الأجر على أساس الصراع بين النقابات ورأس المال.

إن خطأ سمير أمين في طرحه الذي يقول بأنه من الممكن للأجور أن ترتفع بشكل دائم على أساس “العقد الاجتماعي” بين النقابات ورأس المال في دول المركز يكمن في أنه يقوم بتعميم تاريخي معتمدًا على تحليل لحالة مؤقتة وهي حالة الازدهار التي حدثت في خمسينات وستينات هذا القرن ففي هذه الفترة كان هناك ارتفاع مستمر للأجور. ولكن هذا لم يكن نتيجة لحل المعادلة الصعبة بين الإنتاج والاستهلاك كما يدعي أمين وإنما كان نتيجة لفترة الازدهار غير المسبوقة التي عاشتها الرأسمالية العالمية والتي أدت إلى توظيف كامل للعمالة مما زاد من القوة التفاوضية للنقابات. ولكن، رغم أنف منظري التبعية، لم يستمر هذا الوضع كثيرًا. ففي أوائل دخلت الرأسمالية العالمية في أزمة طاحنة أدت إلى إغلاق آلاف المصانع وإلى ارتفاع معدلات البطالة في جميع البلدان المتقدمة. وبدأت الرأسمالية في محاولة لتخفيض الأجور في جميع البلدان المتقدمة واجهها العمال بصراع عنيف. وهذا يتناقض تمامًا مع مقولات سمير أمين عن “العقد الاجتماعي” والارتفاع الدائم للأجور.

يتناقض التطور التاريخي للبلدان المتخلفة أيضًا مع مقولات سمير أمين عن “نظام الأطراف” فلم يتم الإبقاء على أنماط الإنتاج ما قبل الرأسمالية في الريف بل أن عملية رسملة الريف في كثير من البلدان المتخلفة تحدث بمعدلات غير مسبوقة. ففي البرازيل مثلاً – في الفترة بين عامي 1960 إلى 1990 – انخفضت نسبة سكان الريف إلى سكان المدن من 70 % إلى 30 % وهذا مؤشر واضح على الرسملة والميكنة في الريف. ولم تحدث أيضًا “عرقلة بنائية” للتصنيع والتنمية الرأسمالية. بل تحولت كوريا الجنوبية وتايوان وهونج كونج وسنغافورة والبرازيل والمكسيك وتركيا خلال الثلاثين عامًا الماضية إلى دول صناعية. حتى مصر أصبح غالبية السكان يعيشون في المدن ويكون من الهراء أن يتحدث أحد عن قطاع قبل رأسمالي في الريف المصري اليوم.

من ناحية أخرى فقد أظهرت الحقائق الملموسة أن نظرية التبعية قد أخفقت إخفاقًا ذريعًا في فهم وتحليل طبيعة حركة رؤوس الأموال عالميًا. فإذا كان الاستغلال أعلى في البلدان المتخلفة فإذا كانت هناك أيضًا حرية حركة لرأس المال بين البلدان المختلفة كما يدعي مفكرو التبعية فلماذا إذن لا تتحرك الاستثمارات إلى الدول المتخلفة؟ لماذا لا ينتقل رأس المال الصناعي العالمي في معظمه إلى البلدان المتخلفة؟ ولما تظل النسبة الأكبر من الاستثمارات موجودة في الدول المتقدمة؟ وكيف نفسر ظاهرة أن غالبية تحركات رأس المال دوليًا هي ما بين الدول المتقدمة وبعضها البعض وليس منا إلى الدول المتخلفة (فنجد اليابان تفتح المصانع في إنجلترا وفرنسا وأمريكا تقيم المشروعات في ألمانيا والنمسا وألمانيا تستثمر أساسًا في أوروبا) فلا تذهب إلا نسبة ضئيلة من الاستثمارات إلى دول العالم الثالث؟

مرة أخرى أثبتت نظرية التبعية فشلها في فهم هذه الظواهر التي تعد خارج نطاقها التفسيري. إن نظرية التبعية لا ترى إلا ما تحب أن تراه وهو أن هناك استقطابًا جادًا في النظام الرأسمالي العالمي بين دول المركز ودول الأطراف. أما ما يحدث أمام أعيننا جميعًا من نمو رأسمالي في مناطق عديدة في العالم المتخلف، ومن انتقالات لرؤوس الأموال بشكل يخالف توقعاتها، فهي لا تراه أو بالأصح تتعامى عن رؤيته.

إن الأخطاء على مستوى التحليل النظري في هذه المدرسة تتحول إلى كوارث على مستوى الاستنتاجات السياسية ففي رؤية إيمانويل نجد أن التناقض الرئيسي هو بين عمال الدول المتقدمة وعمال الدول المتخلفة وهذا ما يبرر تحالف برجوازيات وعمال الدول المتخلفة ضد برجوازيات وعمال الدول المتقدمة، وتحل القومية محل الأممية.

يتحدث سمير أمين أيضًا عن تحالف بين برجوازية وعمال الدول المتقدمة متمثلاً في “العقد الاجتماعي” وعن أن البروليتاريا العالمية تتكون من الطبقة العاملة في الأطراف فقط لأنها الأكثر تعرضًا للاستغلال. وبالتالي فليس هناك إمكانية للتضامن بين العمال على المستوى الأممي. وينتج عن هذا أنه لا بد من تحالفات كل المضطهدين في دول الأطراف (أي لا بد من تحالف واسع يضم كل القوى الشعبية عدا البرجوازية الكمبرادورية) لفك الارتباط مع رأسمالية المركز والدخول في مشروع التنمية المستقلة.

إن هذه الأفكار تتعارض مع برنامج الثورة العمالية ولا تمت بصلة للطبقة العاملة. إنها تصلح كبرنامج للبرجوازيات المحلية في البلدان المتخلفة. وكما قال “بتلهيم”:

تحاول هذه البرجوازيات دائمًا أن تقنع جماهير العمال في بلدانهم بأن فقرهم ليس نتيجة الاستغلال الطبقي ووجود علاقات إنتاج تعرقل تطور قوى الإنتاج، وإنما هو نتيجة للاستغلال القومي الذي يتعرض له ويكون من ضحاياه الأغنياء والفقراء، الرأسماليين والعمال والفلاحين على السواء.

لقد تبنت الأحزاب الستالينية هذه النظريات البرجوازية بشكل كامل. فقد تماشت مفاهيم التبعية والتبادل اللامتكافئ مع المشاريع الإصلاحية والقومية لهذه الأحزاب وأصبح لديها تبرير نظري أنيق للتخلي عن الأممية والثورة العمالية والاندماج مع حركات التحرر الوطني البرجوازية والبرجوازية الصغيرة. وأصبحت كلمة الاشتراكية مرادفة لكلمة التنمية المستقلة تحت قيادة الدولة (أي مرادفة لرأسمالية الدولة التي ذقنا جميعًا مرارتها) ولكن الستالينية قد ماتت الآن وقد حان الوقت للتخلي عن هذه النظريات البرجوازية الوطنية.

في العدد القادم نستكمل هذا الجزء الأخير من هذا المقال وفيه نعرض التصور الماركسي الثوري لمسألة الإمبريالية والتخلف.

حاشية:
لم نتعرض في هذا العرض النقدي لتحليل التبادل غير المتكافئ الذي يمكن أن يحدث بسبب اختلاف التركيب العضوي لرأس المال الاجتماعي فيما بين دولتين معينتين. وباختصار فإن السبب وراء هذا التبادل غير المتكافئ هو نفس السبب الذي يحلله ماركس في إطار نقاشه لإعادة توزيع فائض القيمة في ضوء قانون نزوع معدلات الربح هو التساوي. فالدولة ذات التركيب العضوي الأعلى تحصل على قسمًا أكبر من فائض القيمة (تبيع سلعها بأكثر من قيمتها) والدولة ذات التركيب العضوي الأقل يحدث لها العكس.

إن الاختلاف البين، بين هذا المفهوم للتبدل غير المتكافئ وبين مفهوم إيمانويل – سمير أمين لنفس الحالة، يتلخص في أن مفهوم ماركس دياليكتيكي يحلل آليات إنتاج القيمة وتوزيعها… إلخ. ولذلك فهو يرى هذا التبادل غير المتكافئ على أنه خروج “ضروري” على قانون القيمة تصححه آليات الرأسمالية من خلال مزاحمة رؤوس الأموال وحركتها فيما بين الفروع الصناعية المختلفة. أي أن مفهوم ماركس باختصار – يستطيع أن يستوعب حقيقة العمليات التي تؤدي إلى التبادل غير المتكافئ وإلى تصحيحه وتخطيه بينما مفهوم منظرو التبعية “يشيء” الظاهرة ويجعلها ظاهرة أبدية دائرية لا فكاك منها وذلك بسبب وقوفه عند مستوى التبادل دون الولوج إلى عالم الإنتاج.

في الجزء الثالث من هذا المقال سوف نتعرض بشكل أكثر إسهابًا لهذه المسألة ولذا فقد اكتفينا هاهنا أن نوضح أن نقد التبادل اللامتكافئ، ينصب على نظرية كل من أمين وإيمانويل عنه، ولا ينصب على الظاهرة ذاتها التي يعترف بها ماركس ويسعى إليهما بمنهج دياليكتيكي ثوري.