بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عرض كتاب “الدولة والثورة” – لينين

لينين

نُشر المقال لأول مرة في 22 يوليو 2008 بجريدة العامل الاشتراكي الإلكترونية الأمريكية، تصدرها منظمة الاشتراكيين الأمميين بالولايات المتحدة، وفيه يعرض الكاتب الاشتراكي الأمريكي شون هاركين أحد أهم الأعمال الكلاسيكية في الماركسية الثورية والذي يتناول كيفية إقامة وتنظيم سلطة العمال: كتاب الدولة والثورة – لينين.

—————————————————–

إن كل نضال يهدف إلى تغيير المجتمع بشكل جذري لابد وأن يتطرق إلى الدور الذي تلعبه الدولة في المجتمع. واليوم لا يزال هناك الكثير من النقاش والجدل حول الموقف تجاه الدولة، فهل يمكن إصلاح الدولة الرأسمالية عن طريق الانتخابات كي تلبي احتياجات الأغلبية في المجتمع؟ هل تملك الدولة السلطة أكثر من الشركات الرأسمالية الكبرى؟ هل يستطيع العمال القضاء على الدولة الرأسمالية وهل نحتاج دولة من نوع جديد؟ وهل الدولة العمالية ضرورة لمواجهة الثورة المضادة؟

كل هذه التساؤلات تبقى على صلة وثيقة بالسؤال الأساسي حول كيفية تغيير المجتمع. وعلى الرغم من أن الاشتراكيين الثوريين والإصلاحيين والفوضويين لديهم تصورات مختلفة بصدد هذه التساؤلات، إلا أنه من المهم أن نختبر هذه التصورات على خلفية الخبرة التاريخية لنضال الطبقة العاملة.

أنهى الثوري الروسي فلاديمير لينين عمله الكلاسيكي “الدولة والثورة” خلال الأشهر العصيبة التي تلت اندلاع ثورة فبراير 1917 في روسيا. وقد صارت الأفكار التي جادل من أجلها لينين في هذا الكتاب، ملهماً ومرشداً عملياً للطبقة العاملة الروسية قبل وبعد الاستيلاء على السلطة في أكتوبر 1917.

في مقدمة الطبعة الأولى من الكتاب، سرد لينين:

في الوقت الحاضر تكتسب مسألة الدولة أهمية خاصة سواء من الناحية النظرية أم من الناحية العملية السياسية. فالحرب الإمبريالية قد عجلت وشددت لأقصى حد سير تحول الرأسمالية الاحتكارية إلى رأسمالية الدولة الاحتكارية. والظلم الفظيع الذي تقاسيه جماهير الشغيلة من قبل الدولة التي تلتحم أوثق فأوثق باتحادات الرأسماليين ذات الحول والطول يغدو أفظع فأفظع. والبلدان المتقدمة تتحول بالنسبة للعمال إلى سجون عسكرية للأشغال الشاقة.
إن الأهوال والنكبات المنقطعة النظير، الناجمة عن الحرب التي تستطيل، تجعل الجماهير في حالة لا تصدق وتشدد سخطها. إن الثورة البروليتارية العالمية تتصاعد بصورة بينة. ومسألة موقفها من الدولة تكتسب أهمية عملية.

يتعرض كتاب الدولة والثورة للكثير من القضايا السياسية الهامة، مثل: دور الدولة في الحفاظ على سيطرة الطبقة المهيمنة اقتصادياً، ضرورة إطاحة الطبقة العاملة بهذه الدولة البرجوازية، ديكتاتورية البروليتاريا (وبالمناسبة، لم يستخدم لينين لفظ “ديكتاتورية” كناية عن الاستبداد، بل تعبيراً عن ديكتاتورية أغلبية المجتمع والتي هي على النقيض التام من ديكتاتورية الأقلية السائدة في ظل الرأسمالية مع تنوع الحكومات)، وأخيراً مسألة الانتقال من طور الاشتراكية إلى الشيوعية.

لكن في البداية، كان على لينين أن يعيد الاعتبار لوجهة نظر الماركسية في مسألة الدولة. فبعد وفاة ماركس وإنجلز، انتشرت الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية على نحو واسع واستبدلت الأفكار الثورية لرواد الماركسية بنسخة شديدة الإصلاحية منها.

كانت قادة تلك الأحزاب قد أيدت حكوماتها في خوض الحرب العالمية الأولى، كما استحضروا الماركسية ذاتها لتبرير هذا التأييد. وهكذا تم تشويه الماركسية وصارت الحركة الاشتراكية الثورية العالمية في أزمة عميقة. وكما كتب لينين فقد كان:

يحدث لتعاليم ماركس ما حدث أكثر من مرة في التاريخ لتعاليم المفكرين الثوريين وزعماء الطبقات المظلومة في نضالها من أجل التحرر. فأثناء حياة الثوريين العظام تعقبتهم الطبقات الظالمة بدون توقف، استقبلت نظرياتهم بالتحقير الوحشي، وبالكره العنيف وبأبشع حملات الأكاذيب والتشويه والافتراءات وقحة أكثر قحة.. بعد موتهم تحاول تلك الطبقات أن تحولهم إلى أيقونات.. وتلتقي البرجوازية مع الانتهازيين داخل الحركة العمالية في هذه العملية.. يحذفون أو يشوهون أو يشوشون على الجانب الثوري في النظرية.. إنهم يظهرون ويركزون على ما يبدو مقبولاً للبرجوازية.

من هنا كان لينين عازماً على إعادة إحياء تعاليم ماركس بشأن الموقف من الدولة، ولذلك عكف على أعمال ماركس وإنجلز واقتبس الكثير من كتاباتهم لتطعيم وإثراء “الدولة والثورة”:

الدولة هي نتاج المجتمع عند درجة معينة من تطوره؛ الدولة هي إفصاح عن واقع أن هذا المجتمع قد تورط في تناقض مع ذاته لا يمكنه حله، وأنه قد انقسم إلى متضادات مستعصية هو عاجز عن الخلاص منها.
الدولة هي هيئة للسيادة الطبقية، هيئة لظلم طبقة من قبل طبقة أخرى، هي تكوين «نظام» يمسح هذا الظلم بمسحة القانون ويوطده، ملطفاً اصطدام الطبقات.
إن إنجلز يشرح مفهوم «القوة» التي تسمى الدولة، القوة التي نشأت في المجتمع، ولكنها تضع نفسها فوقه وتنفصل عنه أكثر فأكثر. مم تتألف هذه القوة بصورة رئيسية؟ من فصائل خاصة من رجال مسلحين تحت تصرفهم السجون وإلخ.. الجيش الدائم والشرطة هما الأداتان الرئيسيتان لقوة سلطة الدولة.

وهكذا فإن الطبقة الحاكمة تمارس سلطتها على المجتمع من خلال احتكارها وسيطرتها على وسائل العنف فيه. تستخدم الطبقة الحاكمة العنف ضد الطبقات الحاكمة الأخرى خلال الحروب الامبريالية، وضد التهديدات المحلية (حركة الطبقة العاملة والفقراء) لسلطتها في الداخل.

—————————————————–

قبل الحرب العالمية الأولى، كانت الفكرة السائدة في أوساط الحركة الاشتراكية العالمية مفادها أن فوز الاشتراكيين في الانتخابات البرلمانية سيمكنهم من إسقاط الرأسمالية تدريجياً بالطرق الشرعية المتوافرة. وحتى اليوم تحظى هذه الفكرة بصدى واسع؛ فلقد تربينا على أن إرادة الجماهير تجد التعبير الأمثل لها خلال الانتخابات الديمقراطية، وعندما لا ينخرط الناس في الانتخابات يوصفون بالغباء أو الكسل أو اللامبالاة.

وكما أوضح لينين الأمر، مقتبساً مما كتب إنجلز: “في الجمهورية الديمقراطية تمارس الثروة سلطتها بصورة غير مباشرة، ولكن بالشكل الأضمن: أولاً، عن طريق «الرشوة المباشرة للموظفين» (أمريكا) وثانياً، عن طريق «التحالف بين الحكومة والبورصة» (فرنسا وأمريكا)”.

الصورة لا تختلف عن ذلك اليوم، ففي مجتمع مبني على الاستغلال والاضطهاد، تكون “الديمقراطية” محدودة للغاية، بل أيضاً يتم استخدامها لإضفاء الشرعية على سيطرة الطبقة المهيمنة. وفي كل الانتخابات، لا تخضع سيطرة الطبقة الحاكمة على وسائل الإنتاج لأي نقاش.

كان لينين يجادل دائماً بأن الطبقة العاملة تستطيع تحرير نفسها وتحرير البشرية فقط من خلال الفعل الثوري، الأمر الذي ضربه القادة الإصلاحيين عرض الحائط. وعلى العكس من الفكرة القائلة بأن الاشتراكيين يمكنهم الاستيلاء تدريجياً على جهاز الدولة، جادل لينين، بناءاً على خبرة كوميونة باريس 1871، بأن على العمال تحطيم الدولة بكل أجهزتها واستبدالها بدولة أخرى قوامها هو المؤسسات الديمقراطية للعمال (مجالس العمال)، فالدولة الرأسمالية المستبدة لا يمكن أن تذبل باستخدام الطرق “الشرعية”.

ولدعم ذلك الاستنتاج، اقتبس لينين من إنجلز أن على الطبقة العاملة أن:

تأخذ سلطة الدولة وتحول وسائل الانتاج قبل كل شيء إلى ملك الدولة العمالية. ولكنها تقضي على نفسها بوصفها بروليتاريا، تقضي بذلك على كل الفوارق الطبقية وجميع المتضادات الطبقية وعلى الدولة في الوقت نفسه بوصفها دولة.

إلا أن من أجل هزيمة البرجوازية وبناء المجتمع الاشتراكي الجديد، فإن على الطبقة العاملة إقامة دولتها العمالية، وكما كتب لينين:

إن تعاليم النضال الطبقي التي طبقها ماركس على مسألة الدولة وعلى مسألة الثورة الاشتراكية تفضي لا محالة إلى الاعتراف بسيادة البروليتاريا السياسية، بديكتاتوريتها، أي بسلطتها التي لا تقتسمها مع أحد والتي تستند مباشرة إلى قوة الجماهير المسلحة.
إن إسقاط البرجوازية لا يمكن أن يتحدد عن غير طريق تحول البروليتاريا إلى طبقة سائدة قادرة على قمع ما تقوم به البرجوازية حتما من مقاومة مسعورة وعلى تنظيم جميع الجماهير الكادحة والمستثمَرة من أجل النظام الاقتصادي الجديد.
إلا أن البروليتاريا بحاجة إلى سلطة الدولة، أي إلى تنظيم القوة المتمركزة، إلى تنظيم العنف سواء لقمع مقاومة المستثمِرين أم لقيادة جماهير السكان الغفيرة من فلاحين وبورجوازية صغيرة وأشباه بروليتاريين في أمر «ترتيب» الاقتصاد الاشتراكي.

وهكذا فإن “ديكتاتورية البروليتاريا” ستحل محل “ديكتاتورية رأس المال”.

وبينما يستنكر الإصلاحيون الحاجة إلى ثورة من أجل الإطاحة بسلطة المستغلين، يرفض الفوضويون الحاجة إلى بناء الدولة العمالية. ولقد أضافت الخبرة القاسية للنظم الستالينية الشمولية المزيد من الحيوية على فكرة أن كل أشكال السلطة والدولة ينبغي محاربتها حتى تزول، بما فيها الدولة العمالية أيضاً.

لكن كيف يمكن إذن التصدي للثورة المضادة؟ في روسيا، عندما استولت الطبقة العاملة على السلطة السياسية وعلى وسائل الإنتاج في المجتمع، واجهت مقاومة شرسة من الطبقة الحاكمة القديمة، وفي المقابل كان على الدولة العمالية الوليدة في روسيا أن تنظم الدفاع عن الثورة. صحيح أن الثورة قد انهزمت في النهاية، لكن لم يكن السبب في ذلك هو الدولة العمالية، بل بسبب أن الثورة لم تنتشر وتنتصر على المستوى الدولي على نحو يدعم الثورة الروسية في تجاوز مخاطر العزلة والتأخر الاقتصادي.

هكذا تناول لينين هذه المسألة بعناية بالغة:

إن ماركس بدحضه للفوضويين لم يستنكر غير هذا النوع من «إلغاء» الدولة! إنه لم يعترض على الفقرة القائلة بأن الدولة ستزول مع زوال الطبقات أو أنها ستلغى مع إلغاء الطبقات، لم يعترض إلا على الفكرة القائلة بعدول العمال عن استخدام السلاح، عن استخدام العنف المنظم. أي عن الدولة التي يتوجب عليها أن تخدم الهدف التالي: تحطيم مقاومة البرجوازية.

يتعمد ماركس الإشارة –لكي لا يشوهوا مغزى نضاله ضد الفوضوية –إلى «الشكل الثوري والعابر» للدولة الضرورية للبروليتاريا. لا تحتاج البروليتاريا إلى الدولة إلا لزمن محدود. نحن لسنا بتاتا في خلاف مع الفوضويين في مسألة إلغاء الدولة باعتبار ذلك هدفا. إنما نحن نجزم بأن من الضروري لبلوغ هذا الهدف أن تستخدم مؤقتا أدوات ووسائل وأساليب سلطة الدولة ضد المستثمرين، كما أن إلغاء الطبقات يستلزم، كأمر موقوت، ديكتاتورية الطبقة المظلومة.

وعلى الرغم من ذلك، تختلف الدولة العمالية بشكل جذري عن أي دولة مبنية على حكم الأقلية المسيطرة. في “الدولة والثورة” يجيب لينين، مشيراً لخبرة كوميونة باريس، على سؤال بما يمكننا استبدال دولة النظام القديم وأجهزتها:

يبدو أن الكوميونة لم تستعيض عن آلة الدولة المحطمة «إلا» بديموقراطية أتم: القضاء على الجيش النظامي، مبدأ انتخاب وسحب جميع الموظفين. ولكن هذه الـ«إلا» تعني في حقيقة الأمر تبديلا هائلا لنوع من مؤسسات بنوع آخر يختلف اختلافا مبدئياً. نحن هنا في الحقيقة أمام حالة من حالات «تحول الكمية إلى كيفية»: فالديمقراطية المطبقة بأتم وأوفى شكل يمكن تصوره عموماً تتحول من ديمقراطية برجوازية إلى ديمقراطية بروليتارية، من دولة (قوة خاصة لقمع طبقة معينة) إلى شيء ليس بمفهوم الدولة.

ومثل ماركس وإنجلز، لم يعمد لينين لرسم صورة لما يمكن أن يكون عليه مستقبل المجتمع الاشتراكي، إلا أن “الدولة والثورة” يحوي المساهمة الأكثر أهمية في الانتقال من الرأسمالية إلى الشيوعية.

كان لينين على قناعة كاملة بأنه من المستحيل أن نحدد بالضبط متى يمكن أن تزول الدولة، فهذه عملية طويلة من النضال. إذ أن المجتمع الاشتراكي الذي يولد من رحم الرأسمالية سيكون متأثراً بتقاليد المجتمع القديم – اقتصادياً وثقافياً وأخلاقياً. ومن أجل أن يبدأ البشر في تحرير أنفسهم من تراث المجتمع الطبقي، قد يتطلب الأمر أجيالاً.

لكن المجتمع سيتمتع بالمعاني الحقيقية للمساواة والديمقراطية طالما أن الجماهير تتحكم بشكل مباشر في إدارة شئون المجتمع، وسيكون التوسع المستمر في الإنتاج والعدالة في التوزيع كفيلين بالقضاء على القاعدة المادية للمنافسة والخوف والعوز.

ولتوضيح وشرح الطور الأعلى من المجتمع الشيوعي، لجأ لينين للاقتباس مرة أخرى من ماركس:

في الطور الأعلى من المجتمع الشيوعي، بعد أن يزول إخضاع الأفراد المذل لتقسيم العمل ويزول معه التضاد بين العمل الفكري والعمل الجسدي؛ وحين لا يبقى العمل مجرد وسيلة للعيش، بل يغدو الحاجة الأولى في الحياة؛ وحين تتنامى القوة المنتجة مع تطور الأفراد من جميع النواحي، وحين تتدفق جميع ينابيع الثورة الجماعية بفيض وغزارة، -حينذاك فقط، يصبح بالإمكان تجاوز الأفق الضيق للحق البرجوازي تجاوزاً تاماً، ويصبح بإمكان المجتمع أن يسجل على رايته: (من كل حسب كفاءاته، ولكل حسب حاجاته).