بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عرض كتاب ليون تروتسكي “دروس ثورة أكتوبر”

كتب تروتسكي كتابه ‘دروس ثورة أكتوبر’ في خريف عام 1924 تحت تأثير هزيمة الثورة الألمانية في 1923 حيث “تُرك وضع ثوري ذا أهمية تاريخية ودولية يمر دون حراك” على حد قوله. والكتاب هو عرض لتطور التكتلات داخل الحزب البلشفي في الفترة من فبراير وحتى أكتوبر 1917 والتي يمكن أخذها كنموذج للأزمات الداخلية في الأحزاب الثورية عند مرورها بمنعطف هام وهو الذي كان ‘.. الانتقال من عملية الإعداد الثوري إلى النضال المباشر من أجل السلطة..’ في روسيا عام 1917.

يبدأ تروتسكي الكتاب- في فصله الأول- متحدثا عن أهمية دراسة الثورة الروسية وذلك انطلاقا من مبادئ الاشتراكية الثورية. فدراسة الثورة الروسية هي مهمة ملحة لكل الأحزاب الثورية في العالم انطلاقا من مبدأ الأممية وانطلاقا من عالمية الرأسمالية التي تفرض نظام طبقي ومتشابه في كل أجزاء العالم.

وانطلاقا من تاريخ الثورات العمالية في العالم يقرر تروتسكي أن ‘الحزب هو الأداة الرئيسية للثورة البروليتارية’، فالعصيان العفوي الذي يطيح بسلطة الطبقة الحاكمة قد يفشل إذا لم تكن الطبقة الثائرة تمتلك جهاز سلطتها الخاص، فالطبقة الحاكمة في ذلك الوقت رغم أنها قد تكون قد فقدت ثقتها بنفسها إلا أنه لا يزال بيدها جهاز الحكم الذي تستطيع أن توطد به سلطتها مرة أخرى عندما تهدأ فورة العصيان العفوي. وقد يؤدي العصيان العفوي إلى الإطاحة بسلطة الطبقة الحاكمة ولكنه يضع السلطة بين أيدي جزء آخر منها حيث أن الطبقات الحائزة للثروة تكون قادرة دوما على أن تستولي على السلطة التي تمسكها يد حازمة معتمدة على ثروتها وثقافتها وعلاقتها التي لا تحصى بجهاز الدولة القديم.

لذلك فإن أهمية الأحزاب الثورية تنبع من كونها جهاز البروليتاريا الخاص الذي تستطيع به الاستيلاء على السلطة من الطبقات الحاكمة القديمة.

ويقدم تروتسكي في نهاية الفصل تعريف موجز للاستراتيجية والتكتيك، فالتكتيك هو فن ‘قيادة العمليات المنفردة’، هناك تكتيك برلماني وتكتيك نقابي وغيرها. أما الاستراتيجية فهي فن تحقيق النصر النهائي- أي الوصول للسلطة العمالية. بالنسبة للثوريين فتروتسكي يؤكد أن التكتيك تابع للاستراتيجية ولا ينفصل عنها.

وفي الفصل الثاني يقدم تروتسكي نقد مركز ضد الصيغة المنشفية التي تقضي أن يكون الثوريين مجرد جناح يساري في الثورة الوطنية الديمقراطية، ويوضح أن هذه الصورة تجعل الثوريين يشاركون في تجميل وجه المجتمع البرجوازي وليس الإطاحة به، كما يقدم نقدا قويا ضد الصيغة البلشفية ‘القديمة’ – الديكتاتورية الديمقراطية للعمال والفلاحين- والتي تخلى عنها لينين نهائيا في إبريل 1917. حيث يوضح تروتسكي أن طبيعة الفلاحين حيث أنهم ليسوا طبقة موحدة متماسكة فإنهم لا يمتلكون استراتيجية موحدة أو متماسكة وبالتالي فإنهم إما أن يقدموا دعمهم للبروليتاريا الثورية إذا استطاع حزبها أن يجذبهم وراءه بسياسات واضحة وحاسمة، أو يقدموا دعمهم لأحد قطاعات البرجوازية.

ويتعرض الكتاب بعد ذلك للموقف الذي أخذته جريدة ‘البرافدا’ -جريدة البلاشفة التي كان ستالين يرأس تحريرها- من الحرب قبل عودة لينين إلى روسيا، فالبرافدا تستبدل المصطلحات الطبقية بمصطلحات عامة مثل ‘الشعب الحر’ وتدعو هذا الشعب إلى البقاء في مراكزه للدفاع عن الثورة التي هي في حد ذاتها قيمة مستقلة، ويوضح تروتسكي أن هذه رؤية انتهازية ومثالية فجة، ويقدم طرحا حول شعار إيقاف الحرب عبر الضغط على الحكومات البرجوازية أن الحرب هي لحظة تفجر أزمة البرجوازية وأنها لا تترك مجالا للإصلاحات أو للضغط وأن الحرب في روسيا كانت قد خلقت وضعا ثوريا وأن الواقع يطرح إما الإطاحة بالبرجوازية والاستغلال والحرب، وإما السير وراء البرجوازية للنهاية. فالحرب إنما هي دفع للطبقات المستغَلة للموت دفاعا عن مصالح البرجوازية، والدعاية في أوقات السلم ضد الاستغلال ثم رفع شعارات ‘وطنية’ أثناء الحرب بدعوة العمال المسلحين للدخول في حكومة إئتلافية مع سلطة أصحاب البنوك لهو أمر غاية في الانتهازية.

وبعد وصول لينين إلى روسيا في 4 إبريل ونشر كتيب ‘أطروحات نيسان’ بدأ الصدام الذي كان موجودا بين قواعد الحزب وقمته ينعكس في صدام داخلي داخل قيادات الحزب. فلينين يطرح النضال ضد الدفاعية والشعارات الوطنية والشعبوية ويطرح العمل من أجل الحصول على الأغلبية داخل السوفييتات ومن ثم الإطاحة بالحكومة المؤقتة والاستيلاء على السلطة. أما القيادات الأخرى مثل كامينيف فيطرحون الضغط على الحكومة المؤقتة من أجل إقامة جمهورية برجوازية ديمقراطية، أي تحسين شكل الاستغلال وليس القضاء عليه.

لقد ظل قطاع ضخم من القيادات البلشفية يرددون الشعارات القديمة والتي فقدت فجأة كل معنى لها، ومع التحول المفاجئ للمهام التاريخية للواقع، من الاستعداد والتنظيم والدعاية والتحريض إلى النضال المباشر من أجل السلطة العمالية والانتفاضة المسلحة ضد البرجوازية، بدأ كل مائع ومعوق وانهزامي يقف ضد هذا التحول ويبحث عن صيغ نظرية يدعم بها جموده ورؤيته المدرسية للعملية الثورية ووجدها جاهزة لدى خصوم الأمس -المناشفة. لقد أحدثت الثورة تغيرا كبيرا في ترتيب المواقف السياسية، فأخذ يمين البلاشفة ينتقل إلى الرؤية المنشفية وأخذ المناشفة ينتقلون إلى الرؤية البرجوازية ‘الليبرالية’ بينما اتجهت البرجوازية للدعوة لإقامة ديكتاتورية عسكرية من أجل القضاء على الثورة.

لقد كان انتصار الصيغة التي طرحها لينين هو انتصار للقواعد البلشفية وانتصار للرؤية اللينينية لبناء الحزب على قاعدة من الطليعة العمالية المناضلة في المصانع، تلك القاعدة التي استطاعت أن تجر ورائها القيادات المترددة نحو الاستراتيجية الاشتراكية الثورية.

يستمر الكتاب في عرض مواقف التكتلات المختلفة داخل الحزب البلشفي حيث كان النقاش حول المشاركة في المؤتمر الديمقراطي -الذي كانت البرجوازية تحاول جعله مركزا تشريعيا بديلا للسوفييتات العمالية والفلاحية- هو أخر محاولة واسعة من القيادات المترددة لحشر الحزب داخل أفق الثورة البرجوازية الديمقراطية.

وكانت أخر محاولة للقادة المتخلفين عن الوعي بالمهام التاريخية التي طرحها الواقع على الحزب والطبقة العاملة هي رسالة بعنوان ‘حول اللحظة الراهنة’ نشرها كامينيف وزينوفيف قبل الثورة بأسبوعين. في هذه الرسالة تجمعت كل نواقص المترددين من المبالغة في تقدير قوة العدو وعدم فهم طبيعة الفلاحين بالإضافة إلى القدرية اللاتاريخية، فالرسالة كانت تطرح أن أعدادا ضخمة من القوى المعادية للثورة قد تم مركزتها في بتروجراد عاصمة الثورة، ويوضح تروتسكي أن التقدير العددي المدرسي للقوات لا يمكن أن يكون الأساس الذي يعتمده الثوريين لحساباتهم، فنسبة القوى تتغير تبعا للحالة النفسية للجماهير العمالية وذوبان أوهامها وتكدس خبراتها، بالإضافة إلى انهيار ثقة الفئات والطبقات الوسطى بالسلطة الحكومية وضعف ثقة تلك الأخيرة في نفسها. إن إدراك كل هذه الظروف هو مهمة الثوريين حتى ينطلقوا من هذا الإدراك إلى القيام بالانتفاضة وهذا ما فعله البلاشفة بنجاح وبدون سفك دماء تقريبا في أكتوبر 1917. إن سوء تقدير قوة العدو له جذوره في طبيعة نمو وعي الطبقة العاملة التي تناضل وتتراكم خبراتها في ظل واقع يؤكد أن خصمها أقوى منها ويأتي وقت تصبح قوة الخصم المزعومة هي العائق الرئيسي لتحقيق النصر، فضعف البرجوازية آنذاك يختفي في ظل قوتها بالأمس مما يعطي المترددين المبرر للتخويف بقوة العدو.

طرحت الرسالة كذلك أن الفلاحين بحكم انتمائهم للبرجوازية الصغيرة -أي الطبقة الوسطى- فسيعطون دعمهم لأحزاب البرجوازية الصغيرة -الأحزاب الوسطية- وستكون البروليتاريا عندها أقلية ثورية في مواجهة بحر من ملايين الفلاحين الذين يسيرون وراء قوى الثورة المضادة.

ويرد تروتسكي بأن هذا يدل على ‘سوء تقدير لإمكانيات الفلاحين الثورية تحت قيادة البروليتاريا’ ومبالغة في تقدير مدى استقلالهم السياسي، فالفلاحين المبعثرين جغرافيا والمفتتين اجتماعيا يمكن أن يكونوا جنوداً شجعاناً في جيش ثوري في ظل وجود قيادة ثورية حازمة تدمر جهاز الدولة وتسقط هيبة كبار الملاك المرتبطين بالسلطة البائدة . ولكن إذا ترك الحزب مهمة قيادة الفلاحين لأي حزب من الأحزاب الأخرى تحت أي دعوى أو تبرير أيديولوجي فإنه يكون قد اختار الهزيمة اختياراً واعياً.

وقدمت الرسالة رؤية حول أن نفوذ البلاشفة يزداد يوما بعد يوم وأنه على الحزب أن ينتظر ويواصل الدعاية والتحريض حتى تسقط السلطة بين يديه. وهذه الرؤية هي نوع من القدرية اللاتاريخية التي تتجاهل أن قوة أي حزب ثوري تتزايد حتى تصل إلى نقطة معينة فإذا وجدت الجماهير أن الحزب غير قادر على اتخاذ خطوات حاسمة ستبدأ في الانفضاض من حوله والبحث عن بديل تحمله آمالها في التغيير.

لقد كان نجاح الحزب البلشفي في قيادة الطبقة العاملة واستيلاءها على السلطة السياسية يمثل بداية حقيقية لتغيير المجتمع، ليس في روسيا فحسب ولكن في العالم كله. ولكن هذه الثورة واجهت صعوبات ومخاطر هائلة تمكنت في البداية من التغلب عليها ولكنها أدت في النهاية إلى تراجع المد الثوري واستيلاء البيروقراطية على السلطة وبدء التحول إلى رأسمالية الدولة. ولكن تظل خبرة انتصار الثورة الروسية تضئ الطريق أمام كل المناضلين الاشتراكيين الثوريين حتى يتحقق نجاح جديد للطبقة العاملة الساعية للتحرر من نير الاستغلال.