بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

أصل الإنسان

أصل الإنسان وتطوره قضية هامة شغلت العلماء والفلاسفة على مر العصور وكانت دائمًا من القضايا ذات الصلة بالاشتراكية. كيف نشأ الإنسان؟ وكيف تطور؟

دائمًا ما تنازعت رؤيتان لحل هذا السؤال. الرؤية المثالية التي ترى أن الإنسان هو نتيجة لصنيعة الله وأنه خاضع لإرادته. وهو ما يستتبع ضرورة قبول هذا الإنسان لما يفرضه عليه الواقع من وجود لطبقات اجتماعية وتقسيمات للبشر.

أما الرؤية المثالية المادية الفجة والتي تعتبر البشر مجرد آلات مسلوبة الإرادة تستجيب للمؤثرات الخارجية بشكل ميكانيكي. وبالتالي فعلى الإنسان الانتظار حتى تصبح الظروف المحيطة مهيئة لتحرره بدون قيامه هو بأي دور إيجابي.

ولكن في الواقع فإن كلا الرؤيتين لم تقدما تفسير أو تصور علمي لأصل الإنسان أو تطوره. وهو الأمر الذي تفعله بنجاح المادية التاريخية. فالمادية التاريخية التي ظهرت في سياق تاريخي كانت فيه قوى الإنتاج قد تطورت بدرجة سمحت بظهور الطبقة العاملة كطبقة فاعلة. والتي ظهرت أيضًا في ظل تقدم علمي وظهور العديد من الاكتشافات والمغريات المادية التاريخية في هذا السياق استطاعت أن تقدم رؤية مختلفة لتطور الإنسان. رؤية تحمل في طياتها ما هو أكثر من مجرد تحليل لمراحل تطوره، بل هي في جوهرها تحرر الإنسان من كل ما يكيل يديه وتفتح أمامه المجال واسعًا للتحرر الذاتي. فالإنسان كما تكشف المادية التاريخية قد استطاع أن يطور نفسه بنفسه لأن أهم ما يميزه ن غيره من الكائنات هو قدرته على التفاعل مع الظروف التي خلقته. فالإنسان جزء من الطبيعة، يتفاعل معها ويعدل فيها وبالتالي فهو في نفسه لأنه جزء من الطبيعة وهو لذلك قادر على تغيير واقعه.

ولعل كتابات إنجلز حول هذا الموضوع هي أهم الكتابات الماركسية التي اهتمت بدراسة هذه القضية. هذه الكتابات هي بالأساس عملان “دور العمل في تحول القرد إلى إنسان” و “أصل العائلة، الملكية الخاصة والدولة.”

وبالرغم من التطورات العلمية والاكتشافات الحديثة حول هذا الموضوع وبالرغم من الانتقادات التي وجهت لرؤية أنجلز، إلا أنها لم تتعارض مع جوهر هذه الرؤية. حيث تبقى المادية التاريخية منهجًا صائبًا لنتعامل مع هذه القضية وتبقى استنتاجات إنجلز صحيحة في مجملها.

وحيث أن مؤلف إنجلز “دور العمل في تحول القرد إلى إنسان” هو أكثر وأهم ما تعرض لرؤية إنجلز في هذا الموضوع فسنقوم هنا بعرض أهم الأفكار الرئيسية الواردة فيه، كما سنقوم بعرض أهم الانتقادات التي وجهت لإنجلز.

ترتكز رؤية إنجلز على مبدأ رئيسي وهام وهو دول العمل الأساسي في تطور الإنسان وانتقاله من كونه قرد إلى حالته الحالية.

يبدأ إنجلز من الفرضية المقبولة علميًا والقائلة بأن أقرب المخلوقات للإنسان هو الشمبانزي الذي يشترك الإنسان معه في 97.5 من جيناته. كان يوجد منذ عدة آلاف من السنين في العهد التكويني الثالث وفي مكان ما من المنطقة الاستوائية، كان يوجد جنس من القرود يكسو الشعر جلده كله وله لحى وكان يعيش قطعانًا على الأشجار.

كان الخطوة الأولى في تحول هذه القرود وأقرابها من الإنسان هو اتخاذها مشية عمودية وقلة الاعتماد على أيديها في المشي. هذا التحول كما يرى إنجلز قد حث أولاً بتأثير من نمط حياة هذه القرود الذي يتطلب أن تقوم الأيدي عند التسلق بوظائف مختلفة عن وظائف الأرجل. كان هذا التحول يعني أن تقوم بأعمال ذات نوعية مختلفة حيث تستخدم لقطف ومسك الغذاء أو لبناء الأوكار في الأشجار…الخ..

وبفضل هذا التحول بدأت اليد تكتسب مهارات كثيرة ومتنوعة. فالعمل الذي تقوم به اليد كان عاملاً في تطورها، كما أنها أيضًا كانت تقوم بتطوير هذه الأعمال التي تقوم بها والتي بدورها تستدعي مهارات جديدة من اليد وهكذا وخلال آلاف السنين وبفضل هذه العلاقة التبادلية وصلت اليد الإنسانية إلى ما هي عليه من تطور. فاليد ليست فقط أداة للعمل إنما هي أيضًا نتاج لهذا العمل.

وحيث أن اليد هي جزء غير منفصل عن الجسد كله، فقد كان من الطبيعي أن يؤثر تطور اليد على باقي الجسد وأعضاءه. فهناك بعض الأعضاء المرتبطة بأعضاء أخرى وبالتالي يؤدي التطور في عضو إلى تطور في عضو آخر مرتبط به بشكل أو بآخر.

أما التطور الآخر والأهم الذي أحدثه تطور اليد فقد كان توسيع أفق الإنسان كان العمل يطور الإنسان ويكتشف من خلاله يوميًا خصائص جديدة للطبيعة تطور بدورها من عمل الإنسان وتفتح أمامه مجالات جديدة تطور الإنسان أكثر وأكثر. تطور العمل أيضًا زاد من الصلات بين الإنسان (أو الإنسان في مراحل تطوره) وغيره من أشباهه، حيث أصبح من الممكن حدوث تعاون بينهم لأن تطور العمل جعل حدوث هذا التعاون مفيدًا بشكل واضح. وهو الأمر الذي عم من النزعة الاجتماعية لدى الإنسان في مرحلته الأولى. ومن خلال ظهور أهمية التعاون المشترك بدأت تظهر الحاجة إلى وضرورة الحوار بين أشباه البشر هؤلاء فقد خلقت الحاجة للتواصل بينهم وللتعبير عما يريدون فعله لتغيير شيئًا ما وليوصلوا للآخرين كيف يريدون منهم المساعدة في هذا العمل.

تطور العمل إذن كان دافعًا لظهور وظيفة جديدة عند أجدادنا وهو ما أدى لتحول حنجرة القرد البدائية وتطورها شيئًا فشيئًا حتى تستطيع أداء تلك الوظيفة وتدريجيًا تحولت حنجرة القرد من مرحلة إصدار همهمات وأصوات غير مفهومة إلى مرحلة الكلام.

تطور آخر هام في مرحلة التحول كان تطور دماغ القرد إلى دماغ إنساني، كنتيجة للعمل وللنطق. أدى هذا التطور في الدماغ إلى تطور الحواس المتصلة كلها بالدماغ، بالإضافة إلى ما أدى إليه تطور النطق من تطور مقابل في عضو السمع يظهر تميز تحليل إنجلز المادي الجدلي في رؤيته وتحليله للتأثير المتبادل للعمل والنطق على تطور الدماغ وبالعكس. أي تطور الدماغ والحواس التابع له وللإرادة على العمل والنطق ودفعهما لبعضهما البعض حتى بعد انفصال الإنسان نهائيًا عن القرد. فتعديل الإنسان في الطبيعة بعمله يؤثر بدوره في الإنسان ويدفعه للأمام ولمزيد من التغيير وهكذا. هذه الحركة الشاملة وهذا التعامل المتبادل الشامل بين الإنسان والطبيعة أمر حتمي لأن الإنسان في واقع الأمر جزء من هذه الطبيعة وليس منفصلاً عنها. هذا التفاعل المتبادل كان العمل هو مركزه وبالتالي كان هو الطريقة التي بها تحول القرد وتطور ليصبح إنسانًا.

وكان من العوامل التي ساهمت في هذا التحول هو “التصرف الإنتراسي” الذي يميز الحيوانات كلها. بمعنى آخر استنفاذ مآكل المنطقة التي يعيش فيها وإبادة الموارد الغذائية حتى يصبح من الحتمي بالنسبة للحيوانات أن تتكيف مع مأكل جديد غير المعتاد بالنسبة لها حتى يكتسب دمها تركيب كيميائي جديد ويتغير بنيانها الجسدي وهو ما كان خطوة في التحول الكيميائي للقرود إلى أناس. وفي هذا السياق كان للانتقال من التغذية النباتية إلى التغذية اللحمية أكبر الأثر حيث تحتوي اللحوم على المواد الأساسية التي تحتاج إليها الأعضاء للتمثيل الغذائي في خلاياها. كذلك أمدت الدماغ بالمواد الضرورية لتغذيتها وتطورها بكميات أكثر مما مضى، مما أسرع بتطور الدماغ. تعلم الإنسان أيضًا بالإضافة إلى أكل كل ما هو صالح، الحياة في كل الأجواء فانتشر في الأرض بما تحتويه من مناطق ذات طبائع مختلفة وذات مناخ غير مستقر وللحياة في مناطق ذات مناخ أبرد (حيث كان يعيش أساسًا في المناطق الاستوائية.) هذا الانتقال خلق حاجات مختلفة مثل الحاجة إلى المسكن والملبس حتى يستطيع تحمل البرد والرطوبة. وجود مثل هذه الاحتياجات الجديدة بالتالي فتح فروعًا جديدة للعمل وأوجد نشاطات جديدة ساهمت في توسيع المسافة بين الإنسان والحيوان.

مما سبق يتضح لنا إن إنجلز يرى تطور الإنسان كنتاج لآلاف من المهارة لليد والمزيد من النمو في حجم المخ. وفي كل مرحلة اليد الأمهر والتواصل الأكثر والمخ الأكبر يجعلوا من الممكن وجود أشكال أكثر تقدمًا من العمل. أما عن الانتقادات التي وجهت لإنجلز فهي من أصحاب وجهة النظر المثالية التي ترى أن تطور الإنسان لم يحدث بشكل تدريجي ناتج عن التفاعل بين الإنسان والطبيعة بل من خلال تغييرات في الجينات حدثت في شكل قفزات أدت إلى التحول البيولوجي للإنسان. وأن أسلوب الحياة البشرى نتيجة لذلك قد ظهر في وقت متأخر من التاريخ كنتيجة لثورة بشرية أنتجت أولاً الحضارة واللغة.

وتتعدد الأسباب التي يعطيها أصحاب هذا الرأي من عدم إمكانية الوثوق بصحة الأدلة التي تم العثور عليها إلى عدم وجود تطور كبير في الأدوات الحجرية. ولكن هذه الانتقادات في جوهرها لا تنفي صحة المنهج الذي استخدمه إنجلز – المادية التاريخية – في نفس الوقت الذي لا تقدم فيه وجهة النظر الرافضة” لإنجلز تفسيرًا مقابلاً لكيفية حدوث هذه الفقرات في تاريخ البشرية.