بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

أسس الاقتصاد الماركسي (1ـ نمط الإنتاج)

1) الإنتاج:

إن الإنتاج هو أساس كل المجتمعات البشرية، وأول وأهم شيء يتضمنه الإنتاج هو العمل البشري المبذول على المادة الخام المستمدة من الطبيعة. ويكمن سر التاريخ كله حتى يومنا الحالي في الطبيعة المتغيرة لهذا العمل البشري.

نحن نتعلم في المدارس تاريخ الملوك والأباطرة، وتاريخ الحروب والأديان، ومع ذلك فبدون الكد اليومي الدائم للغالبية العظمى من الناس لكان كل شيء آخر مستحيلاً. وبدون الفائض الذي كان العبيد والفلاحون ينتجونه، والفائض الذي ينتجه العمال، لما استطاع الملوك أن يخوضوا حروبهم، ولما استطاع رجال الدين الدعوة إلى تعاليمهم.

إن وجود طبقات لا تقوم بأي عمل لم يظهر إلا عندما ارتفعت إنتاجية العمل البشري إلى مستوى معين. ومع توليد فائض الإنتاج الذي يزيد عن الضرورات الأساسية للبقاء على قيد الحياة أصبح ممكنًا أن ينقسم المجتمع إلى طبقات. ولأكثر من 90% من الزمن الذي كان فيه البشر يجوبون بسطح الكوكب كانوا يعيشون في ظل نظام بدون طبقات وصفة ماركس بـ “الشيوعية البدائية”.

لقد حدثت الانطلاقة الأساسية منذ ما يقرب من ثمانية آلاف عام فقط مع تطور الأدوات التي مكنت البشر من زراعة الأرض في الأودية الخصبة في الشرق الأوسط واّسيا. وباستخدام تلك الأدوات استطاع البشر أن ينتجوا فائضًا يزيد عن احتياجاتهم الخاصة للبقاء على قيد الحياة، وبمجرد أن تمكنت مجموعة صغيرة منهم من احتكار هذا الفائض توفرت الإمكانية لحدوث مزيد من التطور: فقد استطاعت الطبقة الحاكمة استخدام سيطرتها على الإنتاج للحصول على أقصى قدر ممكن من عمل الآخرين فنشأت المدن وتطورت “الحضارة”.

وهكذا، فلا يمكن فهم التاريخ إلا كسلسلة من “أنماط الإنتاج” المختلفة، وكل نمط إنتاج (قبلي أو عبودي أو قطاعي أو رأسمالي) يتكون من عنصرين أساسيين هما: “قوى الإنتاج” و “علاقات الإنتاج”.

أ) قوى الإنتاج:

وهي تشمل الأدوات والآلات والتكنولوجيا التي يخلقها العمل البشري، وبمعناها الأوسع تضم قوى الإنتاج أيضًا معارف ومهارات البشر أنفسهم. وتطور قوى الإنتاج هو الذي يجعل تطور المراحل المختلفة للحضارة البشرية أمرًا ممكنًا فبدون اختراع الأدوات الحديدية والأسلحة لما ظهرت الإمبراطورية الرومانية للوجود، وبدون اختراع السفن والساعة لما ظهرت الرأسمالية نفسها.

هذا لا يعني أن التغيرات التكنولوجية تحدد ببساطة كل شيء آخر في المجتمع. بل على العكس، كان انتشار العلاقات الاقتصادية للرأسمالية وراء حدوث الثورة الصناعية في العالم وليس العكس. واليوم، وصل التطور التكنولوجي – الأوتوميشن، والكمبيوتر، والأقمار الصناعية – إلى المستوى الذي يصبح معه تحرير البشرية بأكملها من العمل المرهق والشاق والبؤس الواسع النطاق أمرًا ممكنًا لأول مرة في التاريخ. ولكن ذلك لن يحدث في ظل الرأسمالية، فالأمر يحتاج إلى بناء العمال بأنفسهم للمجتمع الاشتراكي لتطوير ودفع قوى الإنتاج التي تراكمت في ظل الرأسمالية. وهكذا، فإن التطور التاريخي يعتمد على التفاعل ما بين قوى الإنتاج و “علاقات الإنتاج”.

ب) علاقات الإنتاج:

وهي تشير إلى الطريقة التي يتم بها تنظيم الإنتاج على مستوى المجتمع، وتتعلق قي المقام الأول بالطريقة التي يتم من خلالها تخصيص وتوزيع العمل البشري على إنجاز المهام المختلفة في المجتمع – أي تقسيم العمل”. وثانيًا، تشير علاقات الإنتاج إلى طريقة توزيع وسائل وقوى الإنتاج المختلفة (مثل الأرض، والأدوات، والماكينات، والعقارات، والمصانع……الخ) بين مختلف الطبقات في المجتمع.

وهذان الجانبان (تقسيم العمل، وتوزيع وسائل الإنتاج بين الطبقات) يحكمان الطريقة الخاصة التي يتم من خلالها استخلاص فائض الإنتاج واستخدامه في أنماط الإنتاج المختلفة. إن انقسام المجتمع إلى طبقات يعتمد بالتالي على علاقات الإنتاج المختلفة التي تسود في حقبة تاريخية معينة.

2) نمط الإنتاج الرأسمالي:

تنقسم الرأسمالية إلى طبقتين أساسيتين مثل المجتمعات الطبقية السابقة عليها، فهناك أقلية ضئيلة (أقل من 5% من سكان العالم) تمتلك وتسيطر على الثورة التي أنتجتها الأجيال السابقة من العمال. والغالبية العظمى تجبر، بسبب عدم امتلاكها لوسائل الإنتاج، على العمل لصالح تلك الأقلية.

ولكن الرأسمالية تختلف عن المجتمعات الطبقية السابقة في أمرين هامين:

أ) في المجتمعات العبودية أو الإقطاعية كان الاستغلال واضحًا ومباشرًا. ومثال ذلك أن القن (أي الفلاح التابع للإقطاعي) كان يقضي جزءًا من العام يعمل في قطعة الأرض الخاصة به، والجزء الآخر- خاصة في وقت الحصاد كان يعمل في أرض سيده الإقطاعي. أو بدلاً من ذلك، كان الفلاح القن يجبر على تسليم قسم كبير من إنتاج أرضه للأمير المحلي أو لرجل الدين أو لجابي الضرائب. وفي كلتا الحالتين كان الموقف واضحًا رغم عجز الفلاح أن يفعل شيئًا تجاه هذا الاستغلال. فجزء من الإنتاج بتم الاستيلاء عليه من قبل من يملكون هذا السلطة كفائض خالص لهم.

وفي هذه الحالة يمكن تقسيم عمل الأقنان وصغار الفلاحين إلى “وقت عمل ضروري” وهو الوقت المطلوب لإنتاج احتياجاتهم هم وأسرهم، و”وقت عمل زائد” وهو الوقت المخصص لإنتاج المواد التي تستولي عليها الطبقة الحاكمة وأتباعها وخدامها.

وفي ظل الرأسمالية أيضًا يمكن أن يتم نفس التقسيم بين العمل الضروري والعمل الزائد. ويقدم لنا هذا التقسيم مقياسًا دقيقًا لما أطلق عليه ماركس “معدل الاستغلال”. ولكن في ظل الرأسمالية يكون هذا التقسيم غامضًا ومبهمًا حيث يتم إبعاد العمال عن السيطرة على عملية الإنتاج وتوزيع المنتجات، وكذلك بسبب الطريقة التي يبيع بها العمال قدرتهم على العمل (أي قوة العمال). فمن المستحيل أن نحدد بصورة مباشرة كمية العمل التي ينفقها العامل في اليوم في تلبية احتياجاته الخاصة، والكمية التي يبذلها ويستولي عليها أصحاب العمل والطبقة الحاكمة على وجه العموم.

ب) إن الرأسمالية نظام يتميز بالحركة والتوسع الدائم، وهذا لا يعني أن أنماط الإنتاج السابقة عليها كانت راكدة، ولكن لم يكن بها ما يوازي السرعة المدهشة للتغير التكنولوجي في ظل الرأسمالية- أو ما يعادل التوسع الرأسمالي في العالم والذي أخضع له جميع أنماط الإنتاج الأخرى.

وقد امتدح ماركس الدور “الثوري” للرأسمالية في بعض الفقرات الشهيرة في “البيان الشيعي”. فقد كتب عي عام 1848: “إن البرجوازية، خلال حكمها الممتد لمدة مائة عام، خلقت قوى إنتاجية هائلة أكثر بكثير من كل الأجيال السابقة مجتمعة. “وسبب هذا الدور المتميز للرأسمالية يكمن في طريقة استخدام الرأسماليين للفائض الذي يستنزفونه من العمال. ففيما مضى كان ملاك الثورة عمومًا ينفقون هذا الفائض على أنفسهم أو يخصصونه في شن الحروب كوسيلة للسيطرة على ثورة أكبر. بل أن الرأسماليين التجاريين في عصر النهضة خصصوا معظم مكاسبهم من أجل امتلاك الأرض أو بناء القصور والكنائس الفخمة الموجودة حتى الآن.

هناك الكثير ممن يعرفون الرأسمالية بالملكية الخاصة، ولكن هذا غير صحيح- لأن الملكية الخاصة وجدت قبل الرأسمالية بزمن طويل، ويتضح اليوم أيضًا أن الشركات التي تسيطر عليها الدولة أو حتى اقتصاديات قومية بأكملها (مثلما كان الوضع في روسيا) تخضع لنفس القوانين الأساسية للرأسمالية الخاصة. ويرى آخرون أن السعي وراء الربح هو الخاصية الأساسية في الرأسمالية. وبعد ذلك أقرب إلى الحقيقة، ومع ذلك فإنه تعريف كافي. فقد كان لدى تجار أثينا في اليونان القديمة اليونان القديمة اندفاعًا حادًا وراء الربح مثل أي شخص في عصرنا الحالي. ومن بعض النواحي كانوا يتصرفون كرأسماليين ولكنهم لم يكونوا جزءًا من “نمط إنتاج” رأسمالي.

إن جذور الرأسمالية الحديثة يمكن تتبعها في سرعة توسع السوق والتجارة العالمية والتمويل خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر. فهكذا نشأت العلاقات الرأسمالية في رحم الإقطاعية. فالبرجوازية، على عكس الطبقة العاملة، تستطيع مراكمة الثورة والممتلكات قبل الاستيلاء السلطة السياسية (مع الثورة في بريطانيا في 1641، والثورة الفرنسية في 1789).

ولكن المرحلة الحاسمة في نشوء الرأسمالية جاءت عندما سيطر رأس المال- أي الثروة المتراكمة في أيدي البرجوازية- على عملية الإنتاج (والذي لم يتحقق أبدًا لتجار أثينا). وتطلب ذلك بدوره أن يصبح لدى الرأسماليين القدرة على الجمع بين عنصري الإنتاج الأساسيين، أي وسائل الإنتاج من ناحية، وجماهير العمال من الناحية الأخرى. ويتطلب توفير عنصر العمل تحرير العمال من سيطرة الطبقات الإقطاعية المالكة للأرض. ويجب أن يكون العمال أحرارًا من ناحيتين، أحرار في بيع قوة عملهم لمن يدفع أكثر، وأحرار من ملكية وسائل الإنتاج- أي لا يملكون الأرض أو المواد الخام والآلات والتي لو امتلكها العمال تجعلهم قادرين على العمل لحسابهم. وبمعنى ما تكون الحرية التي يحصل عليها العمال في ظل الرأسمالية حرية “حقيقية”. فيمكنهم الانتقال من صاحب عمل إلى صاحب عمل آخر. ويكون جزء من وقتهم، خارج العمل، وقتًا خاصًا بهم (رغم عدم وجود مفر من سيطرة الرأسمالية في الإعلام وعلى وسائل الترفيه والرياضة). وكما يستطيعون تشكيل تنظيمات جماعية (حتى عندما يواجهون بقوانين الدولة والقمع) بطريقة لم تكن ممكنة في ظل العبودية أو الإقطاعية.

ولكن بمعنى أكثر جوهرية من ذلك تعد هذه الحرية مجرد وهم. فالعمال لا يمتلكون سوى قوة عملهم. وحتى يستطيعون البقاء على قيد الحياة فإنهم مجبرون على بيع قوة عملهم لأحد الرأسماليين. وسيطرة الرأسماليين على وسائل الإنتاج تجعلهم قادرين على استغلال قوة عمل العمال من أجل تراكم ثرواتهم والسلطة التي تحت أيديهم.

وقد عرف ماركس الرأسمالية بأنه “نظام الإنتاج السلعي المعمم”. ويتضمن هذا التعريف اثنين من أهم خصائص الرأسمالية. أحدهم هو بيع قوة العمل كـ “سلعة”. والثاني هو المنافسة بين رؤوس الأموال والتي تهيمن على عملية الإنتاج وتطورها باستمرار. وقبل مناقشة هاتين الخاصيتين من الضروري التعريف بتحليل ماركس لمفهوم “السلعة” الذي بدأ به عمله العظيم وهو كتاب “رأس المال” وسوف نتناول هذا التحليل في العدد القادم من “الاشتراكية الثورية”.