بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

أسس الاقتصاد الماركسي (3- النقود ووقت العمل)

في ظل الرأسمالية لا تنتج الأشياء حسب فائدتها، بل حسب كمية النقود التي يمكن كسبها من بيع هذه الأشياء. وبالنسبة للاقتصاديين البرجوازيين تقاس قيمة الشيء ببساطة بواسطة النقود، والقيمة التي يباع بها هي ما يستحقها. ولكن ذلك لا يجيب على السؤال: ما الذي يحدد قيمة النقود؟ والإجابة على هذا السؤال بأن: “ما يحدد قيمة النقود هو ما يمكن أن تشتريه بها” لا يعد إجابة شافية، لأنها تدور بنا في حلقة مفرغة.

وأسهل طريقة للخروج من هذه الحلقة تبدأ بالنظر في علاقة التبادل بدون النقود. فمثلاً، عندما نقايض كيس من الدقيق بزوج من الأحذية، فإن ذلك لا يكون مجرد تبادل بين أشياء، وإنما يحدث في نفس الوقت تبادل بين وقت العمل الذي أنفقه منتج الدقيق بالوقت الذي أنفقه صانع الأحذية في صناعة منتجاتهما. فتبادل المنتجات هو طريقة من طرق تفاعل الأشكال المختلفة من العمل الذي يتم في المجتمع مع بعضها البعض، فهي علاقة اجتماعية؛ ومجتمع الإنتاج السلعي المعمم يتضمن تقسيمًا متطورًا للعمل. فأنواع هائلة من الأشكال المختلفة للعمل الاجتماعي تتصل ببعضها فقط من خلال آلية السوق. ففي نظام كهذا تصبح المقايضة شديدة التكلفة من ناحية الوقت وعديمة الكفاءة. فماذا لو لم يكن الخباز بحاجة إلى زوج من الأحذية؟ أو أن صانع الأحذية يريد كمية قليلة فقط من الدقيق؛ تحتاج إلى عمل أقل كثيرًا لإنتاجها عما يحتاجه زوج من الأحذية؟

لذلك، فإن انتشار الإنتاج السلعي يسير جنبًا إلى جنب مع ظهور سلعة خاصة تقوم بدور النقود. فالنقود هي “المعادل العام”، ولها القدرة على التبادل مع جميع المنتجات. وهنا بدلاً من العلاقة:
كيسين من الدقيق = زوج من الأحذية

يمكن أن تكون:
كيس من الدقيق = 20 جنيه (كيس كبير الحجم)
وزوج من الأحذية = 40 جنيه (حذاء من النوع الرخيص)

ولكن كما رأينا كان تبادل الدقيق مع الحذاء في نفس الوقت تبادلاً لكلاً من عمل منتج الدقيق يعمل صانع الأحذية. فماذا يحدث في حالة النقود.

يتلقى صانع الأحذية 40 جنيهًا والتي تمكنه من شراء ما يحتاجه من الدقيق، ويحتفظ بالباقي لشراء شيء آخر. فالنقود التي يحصل عليها مقابل الحذاء تعطيه الحق ليس فقط في عمل منتج الدقيق ولكن في كل العمل الذي يقوم به المجتمع الذي تعمل فيه هذه النقود كوسيلة للتبادل. فالنقود تعطي صاحبها حقًا في إجمالي العمل الذي يتم في المجتمع ككل. وبقدر ما لديك من نقود بقدر ما يمكن أن تشتري من منتجات التي تحتوي على قدر من وقت عمل المجتمع.

فلنفترض أن الجنيه يساوي ساعة من العمل (في الوقت الحالي ربما يمثل أقل من ذلك ولكن الدقة ليست ضرورية هنا)، ولنفترض أن صانع الأحذية ينفق 30 جنيهًا على الخامات وخلافه ويستغرق 10 ساعات من العمل في صناعة الحذاء، فعندما يبيع الحذاء مقابل 40 جنيهًا يكون قد غطى التكاليف إضافة إلى 10 جنيهات أخرى مقابل وقت العمل الذي أنفقه، وأصبح له حقًا في عمل المجتمع بما يتفق مع إسهامه الخاص في إجمالي وقت العمل.

إن النقود تمثل ما هو مشترك في الأشكال المختلفة من العمل المنتج للسلع. وهي تعبر عن وجود علاقة بين كل هذه الأشكال من العمل بصورة غير مباشرة من خلال فوضى السوق.

وفي عالمنا الحالي نجد عملية التبادل هي التي تحكم عملية الإنتاج البشري. وتظهر النقود كهدف للإنتاج ومصدر القيمة (الوصف الذي أطلق عليه ماركس “صوفية البضاعة”). والحقيقة أن النقود ليس لها قيمة إلا بقدر ما تمثل حقًا في عمل الآخرين. فالذهب ليس له أي فائدة في جزيرة صحراوية، وأكوام النقود الورقية عديمة القيمة بدون إنتاج.

إن العمل الذي يخلق القيمة التي تمثل النقود له طبيعة خاصة، وقد أطلق عليه ماركس “العمل المجرد”. وكما أن للسلعة جانبين – قيمة استعمالية وقيمة تبادلية – فإن العمل الذي ينتج السلع له جانبان: العمل الملموس، والعمل المجرد.

“العمل الملموس” يوجد في كل المجتمعات. فهو يشير إلى الطبيعة المحددة لعمل الخباز (أي لعمل معين) كشيء متميز عن عمل صانع الأحذية (أو أي نوع آخر من العمل)، فكل منهما يحتاج إلى مهارات ومهام محددة، ويحكمه نوع معين من القيم الاستعمالية التي ينتجها.

و”العمل المجرد” يظهر فقط عندما يتم إخضاع الأشكال المختلفة من العمل الملموس بهدف واحد هو بيع السلعة مقابل النقود في السوق. وهذا المصطلح يشير إلى ما هو مشترك في مجمل هذا العمل – أي كمية من وقت العمل البشري.