بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

تقويض الصهيونية: الداخل والخارج

المناضل الاشتراكي الثوري البريطاني جون روز يكتب لأوراق اشتراكية عن تناقضات الصهيونية المعاصرة وحدود التيارات المساندة للعرب في إسرائيل.

هناك مثل إنجليزي يقول: “دفن الشخص رأسه في الرمل”. ويعبر هذا المثل عن محاولة الشخص تجنب معرفة ومواجهة الحقيقة. وقد يكون لهذا المثل أصول في اللغة العربية مثل كثير من الأشياء والمقولات الموجودة في الغرب. وكيف لا؟، فالرمل الذي نعرفه في انجلترا هو الرمل الرطب المبتل على الشواطئ التي تصفر فيها الرياح. المهم هنا أن هذا المثل يصف بدقة، ويوجز ما حدث في الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة. فقد بدا جلياً أن الناخبين الإسرائيليين اعتقدوا أنه بإمكانهم الاختباء خلف جدار الفصل العنصري والقوة العسكرية وأن هذا سيؤدي هكذا من تلقاء نفسه لإلغاء وجود الفلسطينيين، والعرب، وحماس، والحركة الإسلامية عموماً.

إعداد الكادر الصهيوني: تاريخ التناقض
لكن ولكي نفهم الصورة بشكل أوضح، فإن ذلك يتطلب الرجوع إلى التاريخ وبالذات إلى مرحلة إعداد الكادر الصهيوني على مدى المائة سنة الماضية. لقد تشكل هذا الكادر مع انحلال الإمبراطورية الاقطاعية لروسيا القيصرية. وجاءت معظم موجات الهجرة الأولى من اليهود إلى فلسطين من أوروبا الشرقية، والتي كانت واقعة تحت حكم الإمبراطورية القيصرية، حيث عاشت الغالبية العظمى من اليهود. وعندما اجتاحت حركات العصيان والتمرد هذه الإمبراطورية، قرر القيصر أن يلقي باللوم على اليهود وأن يحملهم المسئولية، فعمل على توجيه حملات فاشية عنصرية قاسية ضدهم. وهذا ما دفع الملايين من اليهود إلى الهجرة، وهي التي توجهت أساساً إلى أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، بينما هاجر آخرون أقل إلى فلسطين. لكن كان هناك أيضاً ملايين من اليهود الذين بقوا ليقاوموا ويناضلوا ضد هذه الحملات. في ذلك الوقت، قادت المقاومة منظمة العمال الاشتراكيين اليهود “البوند” (Bund)، وهي حركة عمالية كانت تعمل بشكل علني ضد الصهيونية. وفي المرحلة التي سبقت الثورة الروسية في عام 1905، كان تأثير هذه الحركة في أوساط اليهود أكبر بكثير من الأفكار الصهيونية. وقد قامت الأحزاب الثورية الروسية آنذاك (مثل حزب الفلاحين الاشتراكي الثوري، وحزبي العمال الثوريين: البلاشفة والمناشفة) بالترحيب بالعمال اليهود وتأييد إصرارهم، بعد خلع القيصر، على المقاومة ضد السامية والنضال من أجل حياة أفضل لجميع المواطنين في أوروبا الشرقية بغض النظر عن جنسياتهم.

ويحمل ذلك معنى هاماً، ألا وهو وجود جمهور يستقبل الأفكار الماركسية حول الأممية، والاشتراكية، وأهمية نضالات العمال. وقد انتشرت هذه الأفكار بشكل واسع بين اليهود، حتى أن كثيرين من اليهود المهاجرين الذين تأثروا بها حملوها معهم إلى فلسطين. في هذه الفترة كانت دعوة القيادة الصهيونية تبدو أنها مبنية على التظاهر بأن فلسطين كانت أرض بدون أصحاب وأنها “أرض الميعاد” لليهود، وكان هذا يعني أن اليهود المهاجرين لم يتم إخبارهم بأن العرب الفلسطينيين قد أجبروا على إخلاء أرضهم لتوفير مكان للمستوطنين الجدد. وكان الغضب الشديد هو رد الفعل لهذه الخديعة من قبل بعض اليهود المهاجرين، وقد أرادت الأقلية الماركسية منهم أن تعلن تضامنها مع أخوتهم العرب، مما أغضب القيادة الصهيونية ودفعها إلى التعامل بعنف مع هذه المجموعة. ومما زاد غضب القيادة الصهيونية وعنفها الدعم الذي قدمه اليهود الاشتراكيون في عام 1906 لاعتصام العمال العرب في إحدى القرى، وتظاهرهم ضد تجويع العمال العرب وانخفاض الأجور. منذ ذلك الحين، انتهجت القيادة الصهيونية منهجاً جديداً يقوم على بث رسائل عنصرية للفصل بين العرب واليهود، فطالبت أصحاب العمل بالتوقف عن توظيف واستخدام العمال العرب، كما طلبت من النقابات العمالية عدم ضم العمال العرب، وطالبت أيضاً ربات البيوت بعدم التعامل مع الفلاحين والمزارعين العرب، وعدم شراء الخضار والفاكهة منهم. لكن لا يمكن لأحد القضاء على الأفكار أيما كانت، فالكراهية الشديدة للعرب والمتأصلة في المشروع الصهيوني، بقيت تستفز المشاعر الإنسانية لأقلية من اليهود في فلسطين وتدفع بإتجاه نمو التراث الراديكالي.

توني كليف نموذج للفلسطيني اليهودي
ولد توني كليف، أو إيجال جلوكشتاين، مؤسس تيار الاشتراكية الأممية، لعائلة صهيونية في فلسطين. وعندما كان طالباً في المدرسة كتب موضوعاً تساءل فيه حول سبب عدم وجود طلاب عرب في مدرسته. كان رد فعل المدرس أن وصفه بالشيوعي، ولم يكن كليف قد سمع بهذا المسمى من قبل ولهذا بدأ بالبحث عن معناه. واكتشف في مراحل لاحقة أن هناك شيء مختلف عن شيوعية الاتحاد السوفييتي. كما اكتشف أن الصهيونية والشيوعية الحقيقية يمثلان قطبين متناقضين. الشيوعية التي تبناها كان لها معنى خاص في فلسطين، فقد كانت تعني دعم العرب في نضالهم ضد الإمبريالية البريطانية التي تحكم فلسطين، وكذلك النضال ضد قيام الدولة الصهيونية، أما على المستوى الشخصي فكانت بمثابة إعادة النظر في الهوية، ليعلن بعد ذلك عن نفسه كفلسطيني يهودي.

اختار توني كليف الذهاب إلى بريطانيا بعد قيام دولة إسرائيل، وأسس هناك حركة سياسية اشتراكية جديدة. وحول العالم كان هناك الآلاف ممن تحولوا عن الصهيونية، وعبروا بقوة عن دعمهم للفلسطينيين. وكان هؤلاء هم القوة المضادة للتوجه السائد بين قيادات المجتمعات اليهودية في أوروبا الشرقية وأمريكا، الذين انصاعوا وانقادوا وراء ما تفعله إسرائيل.

إسرائيل الآن: رافضو الخدمة
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ماذا عن إسرائيل نفسها؟ وماذا عن التيار المساند للعرب بين اليهود اليوم؟ لعل أهم ظاهرة في هذا السياق، والتي تعبر بوضوح عن “حركة السخط” داخل إسرائيل، هي ظاهرة “رافضي الخدمة”، وهم من الجنود الإسرائيليين الذين رفضوا أن يخدموا في الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية وغزة، وقد تعرضوا للسجن كنتيجة لعصيانهم وتمردهم. ومنذ عامين ظهر كتاب يحمل عنوان “رافضو الخدمة”، واحتوى على شهادات للعشرات من هؤلاء الجنود. لكن في المرحلة الحالية ومع تنامي قوة الأيديولوجية الصهيونية لم يعد أي من الجنود مستعداً للتعبير عن سخطه أو الانسلاخ تماماً عن الإيديولوجية الصهيونية. ومن المهم الإشارة هنا إلى أن الأغلبية في إسرائيل ما تزال ترى أن المشكلة بدأت مع احتلال 1967، بدلاً من ربطها بالنكبة وطرد اللاجئين في عام 1948. لكن المهم في هذه الأحداث أنها تعبر عن امتعاض حقيقي مما أصبح عليه المجتمع الإسرائيلي، والرغبة الجادة في إيجاد بدائل. فقد أصبحت الأغلبية فعلياً من الناحية العضوية والعاطفية متضررة من العنف الذي كانوا يكرسونه ويحافظون على استمراره.

ولعل الصورة تصبح أكثر وضوحاً إذا استمعنا لأصوات هؤلاء الجنود وقرأنا وصفهم للحرب والمجتمع الإسرائيلي. ولهذا سنعرض لمقتطفات من كلام بعضاً منهم: “سيرجوا ياني” الذي سجن أربع مرات لرفضه المشاركة في قمع الانتفاضة، قال: “هذه الحرب القذرة تقوم على مشروعية القتل، تُذبح فيها النساء والأطفال، ويتم تدمير البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية، وحرق الأراضي الزراعية، واقتلاع الأشجار”.

ويشرح “ألتمار شهار” لماذا يرفض الخدمة فيقول: “أنا أعلن أنني لم أعد مستعداً لخدمة قوات الدفاع الإسرائيلية، فخمسة وثلاثون عاماً من الاحتلال جعلت إسرائيل مجتمعاً عنيفاً وعنصرياً، ونحن ندمر أية فرصة متاحة لتحقيق السلام”.

أما “ماير عمور” فيحكي في شهادته عن أصوله فيقول: “نحن يهود، ولسنا مسلمين، لكن عائلتي عاشت في المغرب مع العرب على مدى 50 سنة، العرب جزء من ثقافتي، أنا عربي يهودي، وليس عندي أي تعقيدات حول ذلك، وليست هذه فكرة رومانسية، إنها حياتي الأسرية، فنحن نتكلم العربية ونسمع موسيقى عربية ونأكل الطعام العربي، رغم أني ضابط إسرائيلي في الجيش، أحمل اليوم معي كل هذه التساؤلات”.

ويعرض الكتاب أيضاً لقصة “يوفال لوفان” الذي كان ملازماً إسرائيلياً وعين بعد ذلك ضابطاً في السجن، فقد رفض أن يُسجن الناشطين الفلسطينيين بدون محاكمة، ودفع ثمن ذلك بأن سُجن هو نفسه. في ذلك الوقت كان في السجن عماد صبيح، العضو البارز في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الذي سمع عما فعله يوفال فكتب له رسالة تضامن تم نشرها بالكامل في نفس الكتاب، وقد خلق هذا الموقف صداقة بينهما.

ولو فكرنا قليلاً في شهادات هؤلاء الجنود المتمردين يمكننا رؤيتهم كمشروع حلفاء للفلسطينيين من جهة، وأيضاً كمركز كبداية لتنامي السخط والغضب داخل إسرائيل من جهة أخرى. لكن هذا الأمر يطرح العديد من الأسئلة الهامة حول مدى قدرة هؤلاء الجنود على تخطي الحاجز الأخير للانقسام؟ وإذا ما كان بإمكانهم رؤية أنفسهم كجزء من مجتمع فلسطيني؟ من ناحية أخرى هناك أسئلة حول مدى تقبل المجتمع الفلسطيني لهم؟ وكيف سيتعامل مع كل من كان إسرائيلياً؟ خاصة وأن أي حل حقيقي للأزمة يعني عودة اللاجئين الفلسطينيين.

دولة فلسطينية غير صهيونية
يقدم إدوارد سعيد، المفكر الفلسطيني الذي توفي مؤخراً، رؤية بسيطة رداً على هذه التساؤلات، فهو يرى أن الدولة الفلسطينية غير الصهيونية، تمكن مواطنيها سواء أكانوا عرقياً عرباً أم يهوداً، أو كانوا يدينون بديانات مختلفة، إسلامية، أو مسيحية، أو يهودية، أو حتى أولئك الذين لا يدينون بأي دين، أن يعيشوا في سلام، بشرط وحيد هو وجود تعريف واضح وقانون منظم وفعال يحمي حقوق كل مواطن فلسطيني. لماذا نجد مثل هذا الاقتراح بعيد عن فهمنا واستيعابنا في القرن الحادي والعشرين؟ ألا يمثل بشكل ما بداية لإحياء الرؤية الأممية التي حملتها الأقلية اليهودية الاشتراكية التي هاجرت إلى فلسطين قبل مائة عام ضمن المستوطنين الموجهين من قبل الصهاينة؟ وهل يتماشى هذا المقترح مع الرؤية الشمولية لغالبية الواعيين سياسياً من المناضلين العرب لتحرير فلسطين؟ أوليس ما فعله الضابط المتمرد “ماير عمور” اليهودي العربي الإسرائيلي، يمثل إشارة إلى وجود مساحة لإمكانية أن يلعب مليون إسرائيلي من اليهود ذوي الأصول العربية دوراً تقدمياً في مرحلة التحول هذه.

تكلم عامير بيرتس، الإسرائيلي المغربي الأصل والقائد العمالي، في مرات عدة عن الدور المتقدم الذي يمكن لليهود العرب الإسرائيليين أن يلعبوه في الحوار من أجل سلام حقيقي. كما أشار في أحاديثه إلى نقطة مرجعية كنموذج للتصالح بين العرب واليهود، والتي أسماها بالتعايش والتكافل بين الإسلامية واليهودية، التي وجدت قبل ألف سنة في فترة صعود الحضارة الإسلامية. ورغم أن بيرتس أفسد هذه الأفكار بإذعانه التام في طرحه للتراث الصهيوني المتعنت حول الموقف من مدينة القدس، وحق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة. لكن، على الأقل، يمكننا أن نرى ما يعنيه مثل هذا الكلام، وحتى وإن صيغ بطريقة مشوهة، بأن هناك توجهاً مختلفاً يحمل بذور تعاطف ومناصرة للفلسطينيين موجود داخل إسرائيل. لكن، ومن ناحية أخرى، يجب ألا نكون سذجاً. فمناقشة هذه الأفكار وطرحها بقوة من جانبنا لا يمكنها وحدها أن تجعلها واقعاً، لكن وجود انتفاضة شعبية قوية من المناضلين العرب، لا يمكن الوقوف في وجهها، هي فقط القادرة على تحقيق ذلك.

وقد يكون من المفيد هنا أن نقارن الوضع بما حدث في جنوب أفريقيا. فالبيض ذوو الأصول الأوروبية، كانوا قد أقسموا على ألا يتنازلوا عن امتيازاتهم التي تحميها دولة الفصل العنصرية الموجودة آنذاك. لكن الغالبية من السود تحركوا وعبئوا الجماهير في المصانع والمدن، وفي عام 1980 أصبحت حركتهم قوة لا يمكن النيل منها وإنهاؤها. وأصبح مطلب “صوت لكل شخص” (one person one vote) مطلب لا يمكن رده. وقد اكتشف البيض أنه بإمكانهم العيش مع هذا التغيير، قلة قليلة منهم لم تستطع التأقلم فهاجرت بعد إنهاء حالة الفصل العنصري.

الطريق إلى تقويض الصهيونية
والآن أين هي هذه الحركة التي يمكنها أن تجبر القادة الإسرائيليين على إنهاء الصهيونية؟ إن حسابات الديمقراطية غاية في السهولة، فلو أصبح في فلسطين “صوت لكل شخص” بما في ذلك كل اللاجئين وكل الإسرائيليين، فالنتيجة واضحة ومسلم بها، ألا وهي نهاية الصهيونية. ذلك أن الفلسطينيين يمثلون الغالبية العظمى. وبالرغم من الاهتمام المفاجئ للإمبريالية الغربية “بالديمقراطية في الشرق الأوسط”، فإن مثل هذه الانتخابات والتي تمثل التعبير الوحيد العادل للحق الفلسطيني لا يمكن أن تحدث أبداً. من هنا يجب أن نطرح السؤال مرة أخرى أين القوة الشعبية التي لا يمكن مواجهتها والقادرة وحدها على تحقيق ذلك؟ يجب أولاً أن نعترف أن الفلسطينيين وحدهم لا يمكنهم تحقيق ذلك، وكلنا أيضاً نعرف أن القضية الفلسطينية هي قضية العرب جميعاً، فكل العرب يحملون مرارة وخيبة أمل لا يمكن وصفها من الموقف الجبان والمتخاذل للحكومات العربية من القضية الفلسطينية، ويريدون بكل الطرق تقديم الدعم والمساندة، ولهذا فمن مصلحة الحكومات أن تكون حذرة، فالانتفاضة الثالثة هو ما نحتاجه لتقويض الصهيونية، انتفاضة لا حدود لها تمتد من مصر إلى الأردن وما بعدها، مثل هذه الانتفاضة المتفجرة حتمية إذا ما ظل الصهاينة مختبئين خلف جدار الفصل العنصري الذي يبنونه، وعندها وبصورة مفاجأة سنرى كيف أن الأفكار المناصرة للفلسطينيين ستنتشر داخل إسرائيل.