بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

تروتسكي: حول الثورات الديمقراطية والاشتراكية في الصين وإسبانيا وإيطاليا

* نُشِر المقال لأول مرة في 21 يوليو 2011 بالموقع الإلكتروني لمجموعة الاشتراكيين الأمميين بأسكتلندا، بقلم كريس بامبري، ويلقي فيه الضوء على السبل التي تعامل بها الثوري الروسي ليون تروتسكي وبشكل ملموس مع الثورات التي اندلعت في أواخر عشرينيات وأوائل ثلاثينيات القرن العشرين في ثلاثة بلدان، وذلك بنوعيها الديمقراطي والاشتراكي. إيطاليا في ظل الديكتاتورية الفاشية وحكم بينيتو موسوليني، الصين بعد هزيمة ثورة عام 1927، وأخيرا إسبانيا بعد سقوط ديكتاتورية “ميجيل بريمو دي ريفيرا” وإعلان الجمهورية.

تروتسكي والصين
يعرض لنا كل من المثال الأول والثاني لبعض الهزائم التي أضعفت من الطبقة العاملة في كل من إيطاليا والصين، أما الأخير فهو يتناول النهضة الهائلة في نضال الطبقة العامة الإسبانية والذي بلغ ذروته باندلاع الثورة والحرب الأهلية في عام 1936.

هناك منعطفين تاريخيين هامين – الأول استسلام كل من جريجوري زنيوفييف وليو كامينيف رفاق تروتسكي وقادة المعارضة المتحدة ضد دكتاتورية ستالين الناشئة في هذا الوقت، ومن بعدهم استسلام كارل راديك وبقية أقطاب المعارضة عام 1929. والثاني بدء ستالين في تنفيذ مشروعه الخاص بالتجميع القسري – هذه الأحداث تركت تروتسكي متفرغاً لمواصلة العمل على تطوير أفكاره بشأن نظرية “الثورة الدائمة”، خاصة وإن رفاقه لم يؤمنوا بنظريته تلك بالأساس.

في نوفمبر من عام 1928 فُصل تروتسكي من الحزب الشيوعي الروسي بعد هزيمة المعارضة اليسارية على يد الجناح البيروقراطي للحزب بقيادة ستالين. وفي خلال عام كان قد رحل إلى تركيا، حيث بدأ حياة جديدة في المنفى.

شكلت الثورة الصينية 1926 – 1927 نقطة خلاف رئيسية داخل كتلة المعارضة التي تكونت في مواجهة ستالين. لم يختلف كل من تروتسكي أو الآخرين على ضرورة الحفاظ على استقلالية كل من الطبقة العاملة والتنظيمات الشيوعية. لكنهم لم يتفقوا على نظريته “الثورة الدائمة”، والتي كانت تقوم على تعميم ونقل الصراع من داخل روسيا إلى كل البلدان المستعمرة والنامية. وهكذا، بحلول عام 1929، تحرر تروتسكي من التزامه تجاه هذا النوع من الحلفاء، وبدأ في دعم وترويج هذا التعميم.

اندلعت الثورة الصينية في منتصف عشرينيات القرن العشرين تحت تأثير الثورة الروسية. كانت الثورة الصينية مزيجاً من الكفاح من أجل الاستقلال الوطني والوحدة ضد مختلف القوى الإمبريالية التي سيطرت على أجزاء من الساحل الشرقي للبلاد، وضد أمراء الحرب الذين تقاسموا معظم أنحاء البلاد فيما بينهم، إلى جانب تمرد الفلاحين ونضال الطبقة العاملة والتي كانت تعد صغيرة نسبياً لكنها كانت تمتاز بالقوة.

أصر قادة الاتحاد السوفيتي – ستالين وبوخارين – في ذاك الوقت، على انضمام الحزب الشيوعي الصيني إلى الحركة القومية “الكومينتانج”* بقيادة “تشانج كاي شيك”، وكان معنى هذا أن الحزب الشيوعي لم ينضم إلى الحركة بوصفه فصيل سياسي مستقل، وبالتالي لم يوجهوا أي نقد لسياسات “تشانج” وكان أن انساق الحزب وراءه بالكلية. علاوة على ذلك، كان على الطبقة العاملة الصينية الدخول في “كتلة من أربعة طبقات اجتماعية”، تضم فيما بينها البرجوازية الوطنية التقدمية، ومثقفي المدن، وأخيراً الفلاحين، وهذا بالطبع بعد الانصياع الكامل تحت قيادة “تشانج”.

واصل الشيوعيون العمل تحت إمرة “تشانج”، والذي واصلت جيوشه تقدمها ونجاحها في تحرير المدن من سيطرة أمراء الحرب، وفي بواكير عام 1927، اندلعت انتفاضة من أجل تحرير “شنغهاي” في نفس الوقت الذي كانت قوات “تشانج” الحربية على مشارف المدينة. ثم بحلول مارس من نفس العام، انقلب “تشانج” على الشيوعيين وأطلق قواته نحو اليسار والطبقة العاملة.

بعد تلك المذبحة حاول كل من ستالين وبوخارين الحفاظ على تحالف مع الجناح اليساري من “الكومينتانج” من خصوم “تشانج”. وبعد انقلاب “تشانج” على الشيوعيين أعطوا لهم الأوامر بالبدء في سلسلة من الانتفاضات الكارثية والتي بلغت ذروتها بهزيمة ساحقة في مقاطعة “كانتون”. وبالطبع عارض تروتسكي كل ذلك بشدة، ودعا الشيوعيين إلى الحفاظ على استقلالية تنظيمهم ومعارضة مثل ذلك التحالف الطبقي الرباعي.

في حين أن على مستوى القاعدة، في أسس الاقتصاد الزراعي الصيني، كانت البرجوازية مرتبطة ارتباطاً طبيعياً وقوياً بكل أشكال الاستغلال الإقطاعي، بينما على مستوى القمة فإن البرجوازية كانت ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالرأسمالية العالمية. ولذلك كان من المستحيل على البرجوازية الصينية أن تقطع صلاتها سواء بالإقطاع الزراعي أو الإمبريالية العالمية.

في أعقاب هزيمة الثورة، كان على تروتسكي أن يواجه “الكومنترن” الذي كان لا يزال يطالب بإنشاء مجالس عمالية، وما زال يناقش إمكانية العصيان المسلح وكأن شيئاً لم يحدث. وكان تعقيب تروتسكي على مثل هذه الترهات بأن قال: “إن شعارات الديمقراطية الثورية تتوافق أكثر مع أوضاع ما قبل الثورة التي تموج بها الصين اليوم”.

وبنائاً على ذلك، حث تروتسكي بإلحاح أنصاره وكل الشيوعيين في الصين إلى إعلاء مطلب “الجمعية التأسيسية” استناداً إلى تجربة روسيا: فلسنوات عدة رفعت الثورة الروسية شعارين هما: “يسقط الاستبداد”، و”تحيا الجمعية التأسيسية”. وبالنسبة لسؤال من سيدعو للجمعية التأسيسية؟ فإن إجابتنا هي: المستقبل سيحدد هذا، لأنها علاقة بين كل قوى، وفقاً لدور كل منهم أثناء الثورة نفسها.

وأوجز تروتسكي برنامج المطالب الديمقراطية الثورية، فكتب يقول:

من أجل تحفيز العمال، وتنظيمهم، ولمنحهم القدرة على تكوين علاقات قوية مع الحركات الوطنية والفلاحية مما يتيح أمامهم الفرصة لقيادة تلك الحركات، فإن المطالب العاجلة المباشرة للبروليتاريا مثل (تحديد ساعات العمل، زيادة الإجور، الحق في التنظيم، إلخ..) يجب أن تشكل أساس احتجاجاتنا. ولكن هذا وحده لايكفي، فقط هذه الشعارات الثلاث هي التي يمكن أن تصعد بالبروليتاريا نحو السلطة: استقلال الصين، الأرض ملك الفلاحين الفقراء، والجمعية التأسيسية.

وقال أحد أنصار تروتسكي، وهو السكرتير العام السابق للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، في ديسمبر 1929:

يمكن إنجاز مهام الثورة الديمقراطية البرجوازية والتي تتلخص في (الاستقلال الوطني، وحدة الدولة، والثورة الزراعية)، في حالة تحالف البروليتاريا الصينية مع فقراء المدن والريف، عندها فقط سيتمكن قادتهم من اقتناص السلطة السياسية. أو بعبارة أخرى، لن تحقق الثورة البرجوازية النصر في الصين إلا على الطريقة الروسية، أي بثورة أكتوبر الصينية.

وتلك هي نظرية الثورة الدائمة.

تروتسكي وإسبانيا
بحلول بواكير عام 1930، أدى إنهيار “وول ستريت” وحالة الركود اللاحقة له، لإندلاع مظاهرات شعبية عارمة ضد سبع سنوات من ديكتاتورية الحاكم العسكري “ميجيل بريمو دي ريفيرا”، ونجحت الاحتجاجات اللاحقة في الإطاحة بالملك وإعلان الجمهورية في إسبانيا.

في مايو 1930 كتب “تروتسكي” لمؤيديه في إسبانيا قائلاً:

في هذه المرحلة من الثورة، تميز البروليتاريا نفسها في هذا الخضم المتلاطم من الشعارات السياسية التي ترفعها وتتبناها كل التجمعات البرجوازية الصغيرة، ليس بأن ترفض الديمقراطية (كما يفعل الفوضويين والنقابيين**)، بل بالنضال الحازم والصريح من أجل الديمقراطية، وفي نفس الوقت تفضح وتدين بلا رحمة أو هوادة تردد البرجوازية.. في هذه المرحلة أيضاً، يمكن للبروليتاريا أن تقود الثورة – وأعني بهذا، أن تجمع الجماهير العريضة من العمال والمضطهدين حولها- فقط في حالة واحدة، وهي أن تتطرح دون تحفظ المطالب السياسية، جنباً إلى جنب مع مطالبها الطبقية الخاصة بها.. الفلاحين، ونظراً لأنهم فئة كبيرة مضطهدة، يعتقدون أن الشعارات الديمقراطية كافية لأن يسقط المضطهدين الطغاة. ولكن حتماً سيربط الفلاحين شعار الديمقراطية السياسية مع شعار التوزيع الجذري للأرض. كما أكد تروتسكي على ضرورة دعم الطبقة العاملة لحق العشائر الأسبانية المضطهدة في تقرير المصير، بما في ذلك حقها في الاستقلال.

في يناير عام 1931 هاجم تروتسكي هؤلاء الذين كانوا يقفون ضد تشكيل المجالس العمالية “السوفيتات” لصالح عقد البرلمان “الكوريتس”:

ولكن إذا كنا بصدد مقاطعة البرلمان، فما هو البديل؟! في رأيي، سيكون من الخطأ طرح السؤال على هذا النحو. إن جماهير في المدن والريف لا يمكن توحيدهم في الوقت الحاضر إلا حول الشعارات الديمقراطية، وهذا يشمل أيضاً الانتخابات التأسيسية للبرلمان القائمة على أساس حق الاقتراع السري والمباشر، لا أعتقد أنه وفي ظل الوضع القائم يمكن التغاضي عن مثل هذه الشعارات. السوفيتات غير موجودة حتى الآن، وفي المستقبل القريب لن نتمكن من بناءها إلا من خلال تعبئة الجماهير حول الشعارات الديمقراطية. هذا يعني: لمنع النظام الملكي من تكوين برلمان شكلي ومضلل ومحافظ، ولضمان إنعقاد برلمان ديمقراطي، برلمان يعيد توزيع الأرض على الفلاحين، كما يقوم بأشياء أخرى كثيرة، أقول يجب علينا الآن تكوين مجالس العمال والجنود والفلاحين من أجل حماية ودعم مواقف الجماهير الكادحة.

وفي وقتٍ لاحق من نفس الشهر أوجز تروتسكي برنامج الديمقراطية الثورية في كتابه “الثورة الإسبانية” في تلك المطالب:

مصادرة الأراضي ذات الملكية الخاصة، حكومة قليلة التكاليف (الديون – الضرائب الباهظة – وتكاليف الحروب الخارجية)، فصل الكنيسة عن الدولة، ونزع سلاحها، وتوزيع ثرواتها على الشعب، حق تقرير المصير، تعميم الحكم الذاتي للمقاطاعات المحلية، برلمان ثوري، تسليح العمال والفلاحين، وضع برنامج جذري للتشريعات الاجتماعية.

وكان تروتسكي على صلة وثيقة – وفقاً لما يتيح له منفاه – مع “أندرو نيين” وغيره من أنصاره في أسبانيا، وأنعسكت هذه الصلة في واقعية الأمثلة التي اعتمدها للتدليل على صحة نظريته من تاريخ إسبانيا الحديث. ولتوضيح مطالبه والاستراتيجية الملائمة لتحقيق تلك المطالب كتب:

كل هذه المطالب تنفيذها مرتهن بالانتقال من البرجوازية إلى نظام البروليتاريا، يجب أن يعدوا لهذا الانتقال، بحيث أنهم وفور تأميم البنوك والصناعة، يصبحون جزءاً من واضعي التدابير الاقتصادية، وبذلك يبدأون في إعداد الطريق من أجل مجتمع اشتراكي. الأدعياء فقط هم الذين يرون تناقض في رفع مزيج من الشعارات الديمقراطية بالتزامن مع شعارات المرحلة الانتقالية والشعارات الاشتراكية البحتة. والواقع، أن هذا البرنامج المختلط يعكس التناقض التاريخي في بنية المجتمع الأسباني، وما هو إلا نتاج تنوع المشكلات الموروثة من الماضي.

وحدد تروتسكي مهمة الثوريين في “الربط بين طليعة القطاعات الغير متجانسة من الطبقة العاملة، وبين القطاعات الأشد تناقضاً وتراجعاً مثل كادحي القرى، وأسهب “تروتسكي” شارحاً:

الأكثر شجاعة، هم طليعة البروليتاريا المناضلين بحزم وبلا مساوامات من أجل تحقيق الشعارات الديمقراطية، وسرعان ما ستتمكن من كسب الجماهير إلى صفها، وبذلك ستقوض الدعم الجماهيري للبرجوازين الجمهوريين والاشتراكيين الاصلاحيين. وكلما أسرعنا في ضم أفضل عناصرها إلينا، كلما ارتبط شكل الجمهورية الديمقراطية في أذهان الجماهير بجمهورية العمال.

وعن سؤال “هل من المتوقع أن تتمكن الثورة الإسبانية من تخطي المرحلة البرلمانية؟” أجاب تروتسكي على النحو التالي:

نظرياً هذا الأمر ليس مستبعد. فمن المحتمل أن تتمكن الحركة الثورية، وفي وقت قصير نسبياً، من اكتساب القوة التي لن تدع للطبقات الحاكمة لا الوقت ولا السرعة الكافييين من أجل خوض المرحلة البرلمانية. ومع ذلك، فإن هذا التصور غير وارد في الواقع. وكان تروتسكي قد شن هجوماً حاداً على “مقاطعي البرلمان” من الفوضويين والنقابيين الأسبان، الذين رفضوا البرلمان، لكنهم “صوتوا خلسة لصالح الاشتراكيين، أو ربما الجمهوريين”، وكما وقفوا ضد الحزب الشيوعي الرسمي الذي دعا إلى بناء السوفيتات في كل مكان، واستنكر المطالب الديمقراطية وفقاً “للمرحلة الثالثة”*** التي نمر بها الآن.

هناك الماركسيين الذين يحتقرون ويزدرون مثل هذه الشعارات، على سبيل المثال، حق الاقتراع العام السري المباشر لجميع الرجال والنساء ممن بلغوا سن الثامنة عشر. ومع ذلك، فقد رفع بعض الشيوعيون الأسبان هذا الشعار في الوقت المناسب، ودافعوا عنه في الخطب والمقالات والكتيبات، والنشرات، وحقيقة الأمر أنهم قد اكتسبوا شعبية كبيرة جراء فعلهم هذا. وتحديداً نظراً لأن الشعب الأسباني يميل إلى المبالغة في قوة وقدرة البرلمان، لذلك نجد أن كل عامل نشط، وكل فلاحة ثورية يريدون المشاركة في الانتخابات. نحن لا نتضامن ولو للحظة مع تلك الأوهام الجماهيرية، ولكن علينا أن نغتنم كل ما هو تقدمي من بين هذه الأوهام بأقصى درجة ممكنة، وإلا فنحن لسنا ثوار وإنما أدعياء تافهين. فكلما انخفض سن الاقتراع فإن هذا يؤثر تأثيراً مباشراً في مئات الآلاف من العمال والفلاحين، من الرجال والنساء على حد سواء، ولكن من منهم تحديداً؟ يؤثر في العناصر الأصغر والأنشط، أولئك الذين ينادون إلى الثورة الثانية.

وعودة إلى نظريته “الثورة الدائمة” والتي حاول تروتسكي تطبيقها بشكل مباشر على أسبانيا – ليس في بلد واحد، ولكن في كافة المستعمرات التي تندمج إندماجاً كاملاً في الرأسمالية الأوروبية. ولإحراز تقدم على الستالينين أعتمد “تروتسكي” بمهارة على أفكار لينين:

إن استيلاء الطبقة العاملة على السلطة يحدث في حالة وطنية محددة، في فترة محددة، لإنجاز مهام محددة. في الدول المتأخرة، مثل هذه المهام العاجلة غالباً ما تكون ذات طابع ديمقراطي: التحرر الوطني والثورة الزراعية، كما في الصين. أو الثورة الزراعية وتحرير القوميات المضطهدة، كما هو الحال في روسيا. وحالياً، نحن نرى الشيء نفسه في أسبانيا، وإن كان في تركيبة مختلفة. حتى أن “لينين” كان قد قال أن البروليتاريا في روسيا وصلت إلى السلطة في أكتوبر 1917 في المقام الأول بصفتها وكيلاً عن الثورة البرجوازية الديمقراطية. وبدأت البروليتاريا المنتصرة في إنجاز المهام الديمقراطية أولاً، وتدريجياً فقط، ولأنها كانت تسيطر فكان من المنطقي أن تبدأ في إنجاز المهام الاشتراكية. وهذا تحديداً ما أسماه “لينين” تطور الثورة الديمقراطية إلى ثورة اشتراكية.

في نفس المقال خاطب تروتسكي الشيوعيين الأسبان قائلاً: من منظور النضال من أجل ديكتاتورية البروليتاريا فإن الطريق مهيأ أمامكم تماماً، ومع ذلك، إن المهمة العاجلة للشيوعيين الأسبان الآن ليست النضال من أجل انتزاع السلطة، ولكن النضال من أجل الجماهير، وعلاوة على ذلك، فإن هذا النضال سيتطور استناداً إلى أسس الجمهورية البرجوازية، وإلى حد كبير تحت شعارات الديمقراطية.

ذكر تروتسكي فصيلاً آخر ، لطالما كان في طليعة النضال من أجل الديمقراطية في كل من روسيا والصين وأسبانيا، ألا وهم الطلبة. وحث تروتسكي على ضرورة تجنيد من أطلق عليهم حينذاك مثقفي الطبقة الوسطى مشيراً إلى إلى دورهم الرئيسي في الحركة الثورية الروسية.

تروتسكي وإيطاليا
المثال الأخير هو إيطاليا تحت الحكم الفاشي. في وقت مبكر من ثلاثينيات القرن العشرون قطع تروتسكي علاقته بأتباع “أماديو بورديجا” مؤسس الحزب الشيوعي الإيطالي، والذي كان قد استقال من الحزب على إثر معارضته للستالينية.

وفي الفترة من 1921 حتى 1923، اشتبك “بورديجا” مع كل من لينين وتروتسكي، لأنه كان يتبنى نظرية الهجوم (كان يرى أن على الشيوعيون تبني مطالب هجومية واعتماد تكتيكات هجومية دائماً) كما رفض استراتيجية الجبهة المتحدة التي طرحها كل منهما عندما انحسرت الموجة الثورية في مرحلة ما بعد الحرب، حينما كانت الأحزاب الشيوعية لاتزال أقلية داخل الطبقة العاملة.

ودون سابق معرفة ببعضهما البعض، كان لكل من تروتسكي وأنطونيو جرامشي نفس الرؤية، كانا يريا أنه إذا ما أطيح بالفاشية، فحتماً ستعقبها مرحلة ديمقراطية لأن الجماهير، خاصة بعد الهزيمة التي لحقت بهم على يد “موسوليني” عام 1922، لن تتحمل تبعات أكثر الحلول تطرفاً، ألا وهي الثورة. لقد أكد كل من تروتسكي وجرامشي على أهمية ومركزية إعلاء مطلب الجمعية التأسيسية.

هوامش:
الكومينتانج: الكومينتانغ هو الحزب الحاكم الذي ترأس سدة الحكم في جمهورية الصين. وتأسس الحزب في بكين بالصين بتاريخ 15 أغسطس 1912 تحت شعار أمة واحدة. (المترجمة)

النقابيين: النقابية أو السندكالية هي مذهب تغييري جذري يستهدف إحداث التغيير الاشتراكي في المجتمع لا عن طريق الاستيلاء على الدولة ومؤسساتها، بل عن طريق سيطرة العمال على وسائل الإنتاج والتوزيع والتبادل. وتدير المصانع ووحدات الإنتاج والعمل مجالس عمالية نقابية، وترتبط المجالس الحاكمة بعضها ببعض عن طريق اتحاد عام ينسق نشاطاها العام. ويصبح التنظيم السياسي للدولة و أجهزتها القمعية غير ذي ضرورة فيضمحل. أما الوسيلة الثورية الأولى عند السندكالية فهي الإضراب العام. (المترجمة)

المرحلة الثالثة: هو مفهوم الإيديولوجية التي اعتمدتها الأممية الشيوعية (الكومنترن) في جلساتها من المؤتمر العالمي الذي عقد في موسكو في صيف عام 1928. واستندت نظرية الكومنترن على التحليل الاقتصادي والسياسي للرأسمالية العالمية، الذي يطرح على تقسيم التاريخ الحديث الى ثلاث فترات. (المترجمة)