بعد خيانة النقابات الحالية
العمال.. ومعركة انتزاع منظمات مكافحة تواجه الاستبداد والاستغلال
عندما انتزع العمال بنضالهم قبل ثورة يناير تنظيماتهم النقابية المستقلة، لم يحققوا انتصارا لأنفسهم فقط بل للمجتمع كله عبر انتزاع الديمقراطية. وكان المأمول أن تتحول تنظيمات العمال إلى رقم في المعادلة السياسية يتلائم مع دورهم الإنتاجي ووزنهم الاقتصادي في المجتمع.
لكن ما حدث كان للأسف عكس ذلك بالضبط؛ فمازالت مطالب العمال التي ناضلوا من أجلها من عام 2006 كما هي، الحريات النقابية وتحسين الأجور وضبط الأسعار وقانون عمل ينحاز للعامل ويمنح له ضمانات ضد الفصل إلى آخره. بل والأفدح أن هذه التنظيمات النقابية المستقلة تحولت إلى “بطل من ورق”.
انقسامات وشبهات فساد وانعزل عن القواعد العمالية،وتحولت بعد 3 يوليو إلى اتحادات موالية للسلطان، لا تختلف في شي عن اتحاد عمال مصر الذي ثار العمال عليه وهاجموه في كافة تحركاتهم.
لذا لم يكن غريبا أن تتوالى حملات دعم الدستور من النقابات المستقلة التي لم تشارك فيه أصلا، وأن يخرج الاتحاد المصري لنفابات المستقلة في بيان بعد 3 يوليو مباشرة ليقدم أوراق اعتماده وولاءه للسلطة الجديدة على بياض بإعلانه وقف الإضرابات وبدء معركة الإنتاج، دون أن يحصل في المقابل على أي مكسب لعمال مصر الجوعى والذين لا يقبلون بالظلم، ولكن المقابل كان تعيين رئيس الاتحاد وزيرا للقوى العاملة ليبيع مطالب العمال التي طالما وقف معهم على الرصيف.
مشوار طويل
هذه الرحلة الطويلة التي بدأت مباشرة جدا مع انتزاع أول نقابة مستقلة – نقابة الضرائب العقارية – من قلب الإضراب، وانتزاع أول اتحاد مستقل اثناء ثورة يناير عام 2011، إلى ما يجري الآن، علينا أن نفهمها جيدا لكي ندرك أسباب ما حصل، وكيفية التخلص منه في التجارب الجديدة التي ستنشأ حتما من قلب نضال العمال واحتياجهم إلى التنظيم ليواجهوا سلطة منظمة ومدعومة من قبل الشرطة والجيش بالكامل.
التنظيمات النقابية ظهرت في عز استبداد مبارك متحدية قوانين العمل والطوارئ والنقابات في أواخر عهد المخلوع، ومهدت مع نضال العمال لتجير ثورة يناير، شهدت انفجارا كبيرا في العدد والتنوع، خاصة بعد أن أعطت سلطة المجلس العسكري، التي استولت على الحكم بعد الثورة، في عهد أحمد البرعي، الضوء الأخضر للاعتراف بالنقابات المستقلة، بعد أن أصدرت مرسوما لتجريم الإضرابات، وتحويل المضربين إلى محاكم عسكرية.
وأدى انهيار أمن الدولة، وحالة الثقة الكبيرة وسط الحركة الجماهيرية بالقدرة على التغيير بعد خلع مبارك إلى ظهور مئات بل آلاف النقابات، لتغطي تقريبا ثلث الحركة العمالية، وتعددت الأشكال بين اتحادات عامة وقطاعية وإقليمية وائتلافات وروابط، إلخ.
تواصل العداء للتنظيمات المستقلة في عهد المجلس العسكري ومرسي؛ حيث رفضا إصدار قانون الحريات النقابية لكي ينظم عمل هذه النقابات ويضبط هيكلها التنظيمي بعيدا عن حالة السيولة والارتباك، ووصل الأمر في العهدين إلى إرسال رسائل من قبل وزراء القوى العاملة، وكان آخرهم خالد الأزهري لرؤساء الشركات بعدم التعامل مع النقابات المستقلة، بينما تزايدت عمليات الهجوم على الإضرابات العمالية بالكلاب البوليسية في أسمنت الإسكندرية.
ولكن ضعف السلطة والحضور الجماهيري الواسع في الشوارع وفر المناخ الملائم لتواصل النضال العمالي بل ووصوله إلى درجات غير مسبوقة في التاريخ العمالي المصري بل والعالمي.
ويشير التقرير الصادر عن الحركة العمالية لعام 2012، عن المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، إلى أن الاحتجاجات العمالية في هذا العام وحده فاقت مجموع الاحتجاجات في الأعوام العشرة السابقة على ثورة يناير، وأن النصف الثاني من ذلك العام كان الأكبر من حيث عدد الاحتجاجات الاجتماعية، أي فترة حكم محمد مرسي. هذا الإحصاء يدعمه بقوة إحصاء مؤشر الديموقراطية الصادر عن المركز التنموي الدولي، والذي يشير إلى أن الشهور الخمسة الأولى في عام 2013 والتي سبقت مباشرة انتفاضة 30 يونيو كانت الأكبر على الإطلاق من حيث عدد الاحتجاجات العمالية، وفاق عدد الاحتجاجات في الشهور الخمسة مجموع الاحتجاجات التي وقعت في عام 2012 بالكامل.
هذا الصعود الهائل في الحركة العمالية والنضال الاجتماعي قبيل انتفاضة 30 يونيو كان يعبر عن حجم الغضب في الأوساط العمالية بعد مرور عامين ونصف على ثورة يناير 2011، والتي سبقها أيضا موجة عارمة من النضال العمال، وبلور خلالها العمال مطالب رئيسية أصبحت ملازمة للحركة العمالية، مثل رفع الحد الأدنى للأجور، وحماية الحق في العمل ضد الفصل والبطالة، والحق في التنظيم العمالي المستقل عن الدولة وأجهزتها.
صراعات
ولكن هذه النقابات سرعان ما ضربت أغلبيتها العظمى هشاشة العظام، فحلت الفردية محل العمل الجماعي، وانعزلت عن عمالها، لتصبح سبوبة وفرصة للترقي والسفر، وهو ما دعمه بقوة دور عدد من منظمات المجتمع المدني المحلية والدولية التي أفسدت قيادات عمالية كان يُشهد لها بالكفاح.
وباتت الورش والندوات هدفا في حد ذاته، وأصبح لدينا نقابيون متفرغون لحضور الورش التدريبية المصممة ليس وفقا لما يحتاجه العمال بل لما يريده المموّل، ينتقلون من فندق إلى آخر برشاقة الشمبانزي، بل ويتفاوضون حول قيمة بدل الانتقال، وعدد نجوم الفندق، وهكذا.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل وصل بأحد هذه المراكز، وهو مركز المحروسة، أن يعقد اجتماعا بحضور السفير الهولندي مع رابطة عمال الغزل بالمحلة وبالطبع بحضور المحافظ والأمن القومي والوطنى لمناقشة مشاكل الشركة، بسبب أن هولندا هي التي تموّل مشاريع المركز، ليضرب بعرض الحائط أبسط قواعد العمل العمالي؛ وهو الاستقلالية عن الأحزاب والمراكز والسلطة وسفارات الدول.
وفي هذا السياق تحولت عملية تنظيم وتأسيس النقابات إلى هدف في حد ذاته لدى قطاع كبير فنشأت نقابات ورقية “بالهبل”، هدفها ليس تحقيق الأحلام بل حجز الكرسي، وتحقيق الأحلام المكبوتة في تحسين الدخل والنوم في الفنادق الفاخرة أمام حمامات السباحة، ناهيك عن ركوب الطائرات لحضور المؤتمرات الدولية.
وساعد على تدهور الأوضاع النقابية إلى جانب هجمة المجتمع المدني، الصراع غير المبدئي الذي نشب بين دار الخدمات النقابية التي تسعي دوما للوصاية على الحركة العمالية والنقابية، وبين الثائر السابق (عدو العمال حاليا) كمال أبو عيطة وزير القوى العاملة. لدرجة بات هناك تصارع بين اتحاد العمال الديمقراطي تحت وصاية كمال عباس، وبين اتحاد النقابات المستقلة، ليس على إنشاء نقابات جديدة بل على استقطاب النقابات الموجودة بالفعل والمنخرطة في إحدى التنظيمين.
وطبعا كانت وسائل الإغراء عالية لتنتقل نقابات مهمة من الاتحاد المصري للنقابات المستقلة (أبو عيطة) للاتحاد الديمقراطي لزعيمه الأوحد كمال عباس.
هذه المعارك على الوجاهة والنفوذ والتمويل دفعت ثمنها الحركة العمالية ثمنا غاليا، بعد أن تحولت هذه الاتحادات إلى كيانات وهمية ليست لديها أدنى قدرة على الحشد والتعبئة.
ولعل ما جرى خلال الشهر الجاري في اتحاد العمال الديمقراطي من انقسام جديد بعد المعركة التي نشبت بين كمال عباس ورئيسه يسري معروف تشهد على مدى التدخل في الحركة العمالية.
معروف، من جهته، اشتكى مرات عديدة من هيمنة الدار على الاتحاد، وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير عندما قرر معروف أن ينسحب من لجنة الخمسين التي كانت مكلفة بإعداد دستور رجال الأعمال والعسكر، دون الحصول على موافقة عباس الذي بات شريكا في السلطة الجديدة، وعين عضوا في المجلس القومي لحقوق الإنسان.
اندلعت المعارك بينهما، ليقرر يسري معروف وعدة نقابات الانقسام وتشكيل اتحاد جديد. ولم يقف تدخل دار الخدمات النقابية عند هذا الحد، بل تجاوزته في اعتصام عمال الحديد والصلب ليصل إلى أنها أصدرت بيانا وزعته على كافة الصحف بفض اعتصام العاملين بالصلب قبل أن يقرر العمال ذلك، لأنها رأت عبر ممثل الدار في المفاوضات والقيادي بالشركة، أن أوان فض الاعتصام قد حان، وهو ما رفضه العمال وواصلوا الاعتصام.
أما الاتحاد المصري للنقابات المستفلة، فبعد أن أصدر أبو عيطة بيان “الخيانة” بالدعوة لوقف الإضرابات، بعد عزل مرسي، مضى الاتحاد المصري على ذات المسار، ليقرر مؤخرا إحالة عضوتين به للتحقيق، فاطمة رمضان وهدى كامل، لأنهما أصدرتا بيانا اعترضتا فيه على أن يكون العمال مجرد كمالة عدد في اللقاء الذي جرى ترتيبه مع عدلي منصور، وبدون أخذ رأي العضوية فيمن يحضر ولماذا؟
بالطبع هذه النزاعات أثرت على الحركة العمالية طيلة سنوات الثورة، فلو كان لعمال مصر الذين انتفضوا في مصانعهم، ومصالحهم وشركاتهم، تنظيم أو تنظيمات قوية ومغروسة وسط العمال وديمقراطية بالفعل، لكانت نجحت في تغيير مسار الثورة بلا أدنى مبالغة.
الوضع الراهن
سلطة 3 يوليو شكلت نقطة فارقة بالنسبة للحركة النقابية والعمالية، وأثرت بشكل كبير على حركة العمال. كان للتدخل القوي للجيش وعودة المنظومة الأمنية بكل وحشيتها، وسيطرتها على السلطة تأثير سلبي كبير على نضال العمال.
السلطة الجديدة، المدعومة بقوة من رجال الأعمال، عملت في البداية إلى القضاء على حق الاعتصام والتظاهر للجماهير، ودعا السيسي الجماهير إلى تفويضه والجلوس في البيوت ليتفرغ لمعركته ضد غول الإرهاب.
وفي هذا السياق تفوقت أجهزة الأمن على ممارسات مبارك الإجرامية؛ فتم فض الاعتصامات بقوة السلاح ليسقط مئات بل آلاف القتلى، واعتقل عشرات الآلاف وعُذّب مثلهم، وهي الرسالة التي فهمها العمال جيدا: أن عصرا جديدا قد بدأ يستلزم تغيير الأساليب القديمة في النضال.
ولم تتأخر السلطة كثيرا في إظهار عدائها للعمال، فتحت حراسة الجيش تم الاعتداء على عمال السويس للصلب، وأصدرت قانون التظاهر الذي يقيد الإضرابات والاعتصامات والتظاهرات ليسحب من اسلحة العمال في مواجهة توحش رجال الأعمال، ثم القبض على موظف بالأقصر بتهمة مباركية بامتياز؛ وهي التحريض على الإضراب.
وأخيرا وصل الأمر إلى التحريض على النقابات المستقلة، بعد أن تم وضع قانون الحريات النقابية في درج الببلاوي، ليخرج بدلا منه مشروع قانون العمل الجديد.
هذه الأجواء انعكست على الفور على تنظيمات العمال النقابية؛ فبعد أن كان صوت اتحاد العمال الرسمي قد خفت، عاد ليعلو من جديد كداعم للسلطة الجديدة بتوجهاتها الاقتصادية المعادية للجماهير الشعبية. وبات الاتحاد هو المناصر لحقوق العمال، وفي نفس الوقت الداعم للدستور الذي ألغى نسبة الخمسين بالمئة للعمال والفلاحين في البرلمان، والمناصر الأول لترشيح السيسي للرئاسة.
ولكن النقابات المستقلة دخلت هي الأخرى إلى مضمار التنافس على إبراز التأييد.
وليس بعيدا عن المشهد حشد كمال أبو عيطة، وزير القوى العاملة، لمئات النقابات المستقلة ليعلنوا دعمهم للدستور الجديد، بل ويعود ليتدخل في الاتحادات العمالية ليقيل المراغي رئيس الاتحاد، ويُعيّن عبد الفتاح إبراهيم الذي كان عضوا لمجلس إدارة النقابة العامة للغزل والنسيج وقت حكم الرئيس المخلوع، والذي طالب عمال غزل المحلة وكافة شركات قطاع الغزل والنسيج بسحب الثقة منه ومن لجانه النقابية، ثم بعد أقل من 6 شهور يتدخل مرة أخرى ليعيد الجبالي.
الجبالي كان أول تصريح له هو إعلان الدعم والتأييد للفريق أول عبدالفتاح السيسي وخارطة الطريق لتحقيق الأمن والاستقرار للوطن، دونما حتى الانتظار لمعرفة برنامج السيسي الانتخابي.
وجبالي المراغي، رئيس الاتحاد الحالي، كان أيضا رئيس النقابة العامة للنقل البري وقت حكم الرئيس المخلوع، الذي تشهد تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات على مدى الفساد داخلها، وهو أحد أبرز وجوه موقعة الجمل التي شارك فيها رموز اتحاد العمال فى الهجوم على ثوار فى ميدان التحرير.
بل أن أسباب استبعاد التشكيل السابق للاتحاد والتي أوردها أبو عيطة تدل على أن الصراع بين قيادات الاتحاد وبين وزارة القوى العاملة لإبداء الولاء أيضا للحاكم الجديد.
وجاء ضمن هذه الأسباب: “مزايدة عبد الفتاح على لجنة الخمسين من الخارج، واستثمار محنة القيادات العمالية المخطوفين لاكتساب شعبية مزيفة، والكذب فيما يتعلق بإنشاء غرفة عمليات دائمة لحشد العمال بالتصويت بـ “نعم” على الدستور وهذا لم يحدث”.
النضال متواصل
المؤشرات الأخيرة لرصد التحركات العمالية تشير إلى تصاعد نضالات العمال تدريجيا في الشهور الأخيرة. الحركة العمالية التي تتحرك بحذر، بدأت تخرج من سباتها لنشهد إضرابات واعتصامات ووقفات احتجاجية رغم البطش واستئساد رجال الأعمال.
تدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع الأسعار وإعلان الحكومة عن نيتها لإلغاء الدعم، والمضي في سياسات الخصخصة، يشكلون دوافع النضال، إضافة إلى خبرات الكفاح ذاته، والرفض للعودة إلى عصر مبارك، والاستعداد لدفع الثمن خاصة أنه لا يوجد بديل.
يواكب كل ذلك شعور مهم لدى قطاعات واسعة بأهمية التنظيم، ومحاولة التغلب على سلبيات التجربة السابقة، خاصة أن هناك نقابات مستقلة – مكافحة بالفعل – مثل نقابة عمال البروبيلين التي نظمت إضرابا قويا في بورسعيد مؤخرا، وسعى عدد من النقابيين بالإسكندرية إلى تأسيس رابطة عمالية تضم نشطاء ونقابيين للدفاع عن العمال ولاستكمال مهام ثورة يناير، فهناك شعور لدى قطاع واسع من النقابيين المكافحين بوجود أزمة فى التنظيم على أسس ديمقراطية ومبادىء صحيحة.
تنظيمات جماهيرية مغروسة وسط العمال في العنابر والورش والاقسام، تعتمد على نفسها في تمويلها، ومستقلة عن السلطة والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، ولكنها منفتحة على الواقع السياسي المعاش، وسيصل العمال بنضالهم وخبرتهم كذلك هي الشكل الأمثل للتنظيم النقابي لحركتهم.
وهي حركة لن تكون بعيدة بأي حال عن تطورات الأوضاع السياسية، حيث أن الحركة العمالية التي تسعى السلطة لاستغلال مراكزها النقابية الخاوية وتزييف قطاع من قياداتها لحشد التأييد لها، ستكون هي بالتأكيد محل هجوم كبير من سلطة مستبدة تسعى للنهوض بالاقتصاد لصالح رجال الأعمال عبر سياسات التقشف وقمع التحركات الجماهيرية والأحزاب والنقابات العمالية.
ومما لا شك فيه فإن الدعم غير المشروط لهذه الروابط والتنظيمات القاعدية المكافحة واجب كل الثوريين اليوم، كونها أحد أدوات الجماهير لانتزاع الديمقراطية ومواجهة سياسات الاستغلال، ولكننا يجب أن ندرك كذلك حدود دور النقابات كونها احد شروط تحسين الفقر وليس القضاء عليه.
فالتحرر من الاستغلال بشكل كامل وخلق مجتمع جديد متساو يستدعي أن تدخل الحركة العمالية إلى المعترك السياسي وتشكل حزبها السياسي الذي يضم كافة الكادحين ويسعى للاستيلاء على السلطة وإقامة حكومة العمال والفلاحين، وهي عملية تحتاج إلى دأب وصبر.





