بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

إضراب عمال «الحفر».. النتائج والدروس المستفادة

نجح عمال شركة الحفر المصرية لخدمات البترول في الحصول على مكاسب توصف بالجيدة، وذلك بعد إضراب العاملين بالشركة ومواقع أجهزة الحفر عن العمل 5 أيام متصلة أرغمت خلالها إدارة الشركة على تحقيق الجزء الهام من مطالبهم، حيث وافقت الإدارة على صرف بدل الأجازات فورا مع الإلغاء التام لعقود العمالة من الباطن (توب بزنس)، وانتزاع اتفاق مع الإدارة بتطبيق العلاج الأسري لكل العاملين بالشركة في أول يناير من العام القادم.

كانت الشرارة الأولى للإضراب في الأول من الشهر الحالي حين أضرب عمال أكبر جهاز حفر في الشركة (قاهر 1) وموقع (42) وموقع (43) ظهر السبت، تلاها (قاهر 2) وهما الأكبر من حيث عدد العمالة فيها (200 عامل من أصل 5000 عامل)، ثم تواصل توقف أجهزة الحفر تباعا حتى وصل خلال ساعات قليلة لحوالي 44 بريمة، وارتفع العدد يوم الأحد، ثاني أيام الإضراب، حتى تجاوز 50 بريمة متوقفة عن العمل من أصل حوالي 65 جهاز.

أربك التوقف السريع لأجهزة الحفر إدارة الشركة التي سرعان ما سعت لتنفيذ جزئي لبعض المطالب في اليوم التالي لبدء الإضراب، منها صرف بدل الأجازات أملا منها في أن يراجع العمال موقفهم من الإضراب وبالتالي تستجيب أجهزة الحفر وتبدأ المتوقفة منها في العمل، مما يقلل من تأثير الإضراب الذي كبد الشركة بحسب بعض التقديرات 30 مليون دولار خلال 48 ساعة فقط من بداية الإضراب. قابل ذلك رفض العمال للحل الجزئي، واستمر توقف أجهزة الحفر عن العمل عدا البريمة (قاهر 2) والذي اكتفى رؤساء الورديات الأولى، محمد فتحي وأحمد أبو محمد بما تم عرضه من الإدارة، ورغم ذلك استمر الإضراب لثلاثة أيام أخرى بالرغم من تعرض العمال لسيل من الضغوط، مثل منع أتوبيسات الشركة من نقل العمال لأجهزة الحفر المتوقفة، كذلك تحرير محاضر في أقسام الشرطة ضد العمال المضربين، ولكن كل هذا لم يثنِ عمال الحفر عن المطالبة بحقوقهم وإجبار الإدارة على تحقيقها.

وبالتأكيد فنجاح عمال الحفر في الانتصار لمطالبهم – حتى لو الجزئي منها – لم يأتِ بأي حال من فراغ، فهو نتاج التجربة والخبرة التي يمكن أن يقال عليها مفيدة من إضراب عمال الشركة أواخر عام 2011، وكان على رأسه ائتلاف شباب الحفر – تأسس بعد الثورة كبديل عن النقابة – وهو الائتلاف الذي قاد التفاوض مع الإدارة وأدى مع فشل الإضراب إلى فصل الإدارة لأعضاء الائتلاف، ورغم ذلك فقد ساهم الإضراب لحد كبير في بلورة ومراكمة مطالب أجهزة الحفر، فطرحت نفس المطالب تقريبا بعدها بسنتين، وطالبت الإدارة بتنفيذها وأمهلتها شهر قبل بدء العمال في تنفيذ الإضراب بالفعل.

إلا أننا علينا أن نبرز نقطة هامة ساهمت بشكل ملحوظ في إنجاح إضراب فبراير الحالي على صورته هذه، فبالرغم من غياب وجود كيان مثل ائتلاف شباب الحفر يعمل على تبني مطالب العمال ونقلها إلى الإدارة، فضلا عن أن النقابة الرسمية في الشركة أقل ما يقال عنها أنها الحارس الوفي للإدارة ولا تعبر بأي حال عن مطالب وحقوق العمال، وبالرغم أيضا من وجود تباعد مكاني لأجهزة الحفر عن بعضها البعض في المحافظات المختلفة يجعل اتصالها فيما بينها يشكل صعوبة ما، إلا أن عمال البراريم نجحوا في خلق أداة للتواصل الفعالة عن طريق صفحة عمال الحفر على الفيسبوك، وتفاعل نسبة غير قليلة من العمال على الصفحة، سواء بالمشاركة بالرأي أو متابعة أخبار أجهزة الحفر الأخرى ومعرفة آخر المستجدات فيها.

بمعنى آخر نجح هذا الناظم (صفحة عمال الحفر) في خلق، إلى حد ملفت، ما يمكن أن نسميه وعي عام بين العمال المضربين بحد أدنى من المطالب يصعب النزول عنه، وهو الذي أدى بإدارة الشركة إلى قطع اتصالات الإنترنت عن الوحدات الإدارية في كل أجهزة الحفر خلال اليوم الرابع من الإضراب لإضعاف هذا التواصل.

ومن المهم أيضا عند النظر لإضراب الحفر هو ما حققه من مكاسب تتناسب مع ما طالب العمال به، وأن نعطى نظرة مماثلة إلى المطالب التي كانت في صدارة الإضراب وعجز الإضراب عن تحقيقها، وهي التي تحمل من الأهمية ما يجعلنا نقول أن ما أُنجز من جهد بذله عمال الحفر لتحقيق مطالب بعينها أجبرت الإدارة على تنفيذها – تحت ضغط الإضراب بالطبع – يحتاج لبذل نفس الجهد لإتمام ما لم يتم إنجازه، باعتباره جزءا لا يتجزأ من كل (على طريقة نصف ثورة انتحار)، ونخص بالجزء غير المفصول عن الكل مطلبين: أولهما تبعية عقود العمال للهيئة العامة للبترول، وهو حق أصيل لعمال الحفر ويحمل وحده ما يمثل 80% من المطالب، منها على سبيل المثال: التحصين من الفصل التعسفي، التأمينات المناسبة، نسبة الأرباح السنوية، المعاش التكميلي، وكلها تصب وتزيد في نفس ما طالب به عمال الحفر الإدارة.
أما ثاني المطلبين فيتمثل في عودة المفصولين في إضراب أواخر 2011، أي عودة ائتلاف شباب الحفر، ليس فقط كحق طبيعي للمفصولين – في كل الأحوال هو فصل تعسفي – بل لدور الائتلاف وتأثيره غير المحدود في تبني مطالب عمال الحفر منذ وقت تأسيسه حتى تم فصل أعضائه، وهو المطلب ذو التأثير الممتد في علاقة عمال الحفر بالإدارة، فكيف نطالب بحقوقنا نحن العاملين في كل أجهزة الحفر وسيف الفصل على رقابنا؟؟؟ جعل ذلك مطلب عودة المفصولين في 2011 في قائمة المطالب التي رفعها عمال الحفر للإدارة في 2014، وسوف يحتفظ بمكانه في قائمة المطالب اللاحقة حتى يعود المفصولين للبراريم دون شروط.

ولكن في نهاية الأمر نجد أن الانتصار الجزئي للإضراب، بالرغم من المصاعب العديدة ونجاح عمال الحفر في التغلب عليها وتحقيق جزء يسير من مطالبهم – دون إغفال الإخفاقات – فرض ضرورة تطوير التواصل بين عمال أجهزة الحفر، والخروج من التواصل الافتراضي عبر صفحة عمال الحفر إلى تواصل ملموس على أرض الواقع، يغذي تلك الضرورة الشعور العام بين العمال أن هذا التواصل الملموس في حالة توافره قبل وأثناء الإضراب سيؤدي بكل تأكيد لنتائج أفضل.

نجد ذلك في تساؤلات يطرحها عمال الحفر الآن، سواء على الصفحة الرسمية أو في مواقع البراريم، منها على سبيل المثال: ماجدوى النقابة العامة بالشركة حين اكتفت بمشاهدة الأزمة دون تحريك ساكن؟؟ ما مدى حاجتنا لنقابة حقيقة تعبر عن مصالح عمال الحفر وتدافع عن تنفيذ ما أُتفق عليه مع الإدارة؟؟ إذا كانت حاجتنا لنقابة مستقلة ضرورة، فما الشكل والإجراءات السليمة التي تمنح تلك النقابة شرعية وتجعلها الممثل الفعلي لحقوق عمال الحفر؟؟ هل لجان منتخبة من عمال كل بريمة يتشكل منها القوام الأساسي للنقابة (لجنة البريمة مكونة من 3 إلى 5 عمال منتخبين)، أم من عمال ينالون ثقة زملائهم يتم التوافق عليهم وتتشكل منهم النقابة المستقلة أم ماذا؟

كلها تساؤلات يتداولها عمال الحفر بعد أن خاضوا نضال مشرف لتحقيق مطالبهم، ولازالوا يخوضوا نفس النضال للإجابة على تلك الأسئلة، وكلهم ثقة أن إجاباتهم عنها ستكون هي الإجابات الصحيحة.